وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: زِيَادَةُ كُفْرٍ بِالنَّسِيءِ إِلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ. وَقِيلَ: ابْتِدَاعُهُمُ النَّسِيءَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
كَمَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] يَقُولُ: ازْدَادُوا بِهِ كُفْرًا إِلَى كُفْرِهِمْ " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لِيُوَاطِئُوا﴾ فَإِنَّهُ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: وَاطَأْتُ فُلَانًا عَلَى كَذَا أُوَاطِئُهُ مُوَاطَأَةً: إِذَا وَافَقْتُهُ عَلَيْهِ، مُعِينًا لَهُ، غَيْرَ مُخَالِفٍ عَلَيْهِ
وَرُوِي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ مَا: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: يُشَبِّهُونَ " وَذَلِكَ قَرِيبُ الْمَعْنَى مِمَّا بَيَّنَّا، وَذَلِكَ أَنَّ مَا شَابَهَ الشَّيْءَ فَقَدْ وَافَقَهُ مِنَ الْوَجْهِ الَّذِي شَابَهَهُ.
وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: أَنَّهُمْ يُوَافِقُونَ بِعِدَّةِ الشُّهُورِ الَّتِي يُحَرِّمُونَهَا عِدَّةَ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي حَرَّمَهَا اللَّهُ، لَا يَزِيدُونَ عَلَيْهَا وَلَا يَنْقُصُونَ مِنْهَا، وَإِنْ قَدَّمُوا وَأَخَّرُوا فَذَلِكَ مُوَاطَأَةُ عِدَّتِهِمْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: 38] وَهَذِهِ الْآيَةُ حَثٌّ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِهِ عَلَى غَزْوِ الرُّومِ،
وَذَلِكَ غَزْوَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبُوكَ.
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴿مَا لَكُمْ﴾ [الأعراف: 59] أَيُّ شَيْءٍ أَمَرَكُمْ ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 38] يَقُولُ: إِذَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ مُحَمَّدٌ: انْفِرُوا، أَيِ اخْرُجُوا مِنْ مَنَازِلِكُمْ إِلَى مَغْزَاكُمْ.
وَأَصْلُ النَّفْرِ: مُفَارَقَةُ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ لِأَمْرٍ هَاجَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَمِنْهُ نُفُورُ الدَّابَّةِ غَيْرَ أَنَّهُ يُقَالُ مِنَ النَّفْرِ إِلَى الْغَزْوِ: نَفَرَ فُلَانٌ إِلَى ثَغْرِ كَذَا يَنْفِرُ نَفْرًا وَنَفِيرًا، وَأَحْسِبُ أَنَّ هَذَا مِنَ الْفُرُوقِ الَّتِي يُفَرِّقُونَ بِهَا بَيْنَ اخْتِلَافِ الْمُخْبَرِ عَنْهُ وَإِنِ اتَّفَقَتْ مَعَانِي الْخَبَرِ، فَمَعْنَى الْكَلَامِ: مَا لَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ إِذَا قِيلَ لَكُمُ: اخْرُجُوا غَزَاةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَيْ فِي جِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ ﴿اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: 38] يَقُولُ تَثَاقَلْتُمْ إِلَى لُزُومِ أَرْضِكُمْ وَمَسَاكِنِكُمْ وَالْجُلُوسِ فِيهَا.
وَقِيلَ: اثَّاقَلْتُمْ لِأَنَّهُ أَدْغَمَ التَّاءَ فِي الثَّاءِ.
فَأُحْدِثَ لَهَا أَلِفٌ لِيُتَوَصَّلَ إِلَى الْكَلَامِ بِهَا.
لِأَنَّ التَّاءَ مُدْغَمَةٌ فِي الثَّاءِ، وَلَوْ أُسْقِطَتِ الْأَلْفُ وَابْتُدِئَ بِهَا لَمْ تَكُنْ إِلَّا مُتَحَرِّكَةً، فَأُحْدِثَتِ الْأَلِفُ لِتَقَعَ الْحَرَكَةُ بِهَا،
كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ [الأعراف: 38] وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر البسيط] تُولِي الضَّجِيعَ إِذَا مَا اسْتَافَهَا خَصِرًا ... عَذْبَ الْمَذَاقِ إِذَا مَا اتَّابَعَ الْقُبَلَ فَهُوَ بَنَى الْفِعْلَ افْتَعَلْتُمْ مِنَ التَّثَاقُلِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: 38] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَرَضِيتُمْ بِحَظِّ الدُّنْيَا وَالدَّعَةِ فِيهَا عِوَضًا مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ لِلْمُتَّقِينَ فِي جِنَانِهِ؟ ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: 38] يَقُولُ: فَمَا الَّذِي يُسْتَمْتَعُ بِهِ الْمُتَمَتِّعُونَ فِي الدُّنْيَا مِنْ عَيْشِهَا وَلَّذَاتِهَا فِي نَعِيمِ الْآخِرَةِ
وَالْكَرَامَةِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [النساء: 66] يَسِيرٌ.
يَقُولُ لَهُمْ: فَاطْلُبُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ نَعِيمَ الْآخِرَةِ وَتَرَفَ الْكَرَامَةِ الَّتِي عِنْدَ اللَّهِ لِأَوْلِيَائِهِ بِطَاعَتِهِ، وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى الْإِجَابَةِ إِلَى أَمْرِهِ فِي النَّفِيرِ لِجِهَادِ عَدُوِّهِ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي
نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: 38] أُمِرُوا بِغَزْوَةِ تَبُوكَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَبَعْدَ الطَّائِفِ، وَبَعْدَ حُنَيْنٍ.
أُمِرُوا بِالنَّفِيرِ فِي الصَّيْفِ حِينَ خُرِفَتِ النَّخْلُ، وَطَابَتِ الثِّمَارُ، وَاشْتَهَوُا الظِّلَالَ، وَشَقَّ عَلَيْهِمُ الْمَخْرَجَ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: " ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: 38] الْآيَةَ، قَالَ: هَذَا حِينَ أُمِرُوا بِغَزْوَةِ تَبُوكَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَحُنَيْنٍ، وَبَعْدَ الطَّائِفِ أَمَرَهُمْ بِالنَّفِيرِ فِي الصَّيْفِ، حِينَ اخْتُرِفَتِ النَّخْلُ، وَطَابَتِ الثِّمَارُ، وَاشْتَهَوُا الظِّلَالَ، وَشَقَّ عَلَيْهِمُ الْمَخْرَجُ.
قَالَ: فَقَالُوا: مِنَّا الثَّقِيلُ، وَذُو الْحُجَّةِ، وَالضَّيْعَةِ، وَالشُّغُلِ، وَالْمُنْتَشِرُ بِهِ أَمْرُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهُ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا﴾ [التوبة: 41] وَثِقَالًا "
وَقَوْلُهُ: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: 38] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، أَرَضِيتُمْ بِحَظِّ الدُّنْيَا وَالدَّعَةِ فِيهَا عِوَضًا مِنْ نَعِيمِ الْآخِرَةِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ لِلْمُتَّقِينَ فِي جِنَانِهِ؟ ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: 38] يَقُولُ: فَمَا الَّذِي يُسْتَمْتَعُ بِهِ الْمُتَمَتِّعُونَ فِي الدُّنْيَا مِنْ عَيْشِهَا وَلَّذَاتِهَا فِي نَعِيمِ الْآخِرَةِ
وَالْكَرَامَةِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [النساء: 66] يَسِيرٌ.
يَقُولُ لَهُمْ: فَاطْلُبُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ نَعِيمَ الْآخِرَةِ وَتَرَفَ الْكَرَامَةِ الَّتِي عِنْدَ اللَّهِ لِأَوْلِيَائِهِ بِطَاعَتِهِ، وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى الْإِجَابَةِ إِلَى أَمْرِهِ فِي النَّفِيرِ لِجِهَادِ عَدُوِّهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: 39] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِهِ، مُتَوَعِّدُهُمْ عَلَى تَرْكِ النَّفْرِ إِلَى عَدُوِّهِمْ مِنَ الرُّومِ: إِنْ لَمْ تَنْفِرُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ إِلَى مَنِ اسْتَنْفَرَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ،
يُعَذِّبْكُمُ اللَّهُ عَاجِلًا فِي الدُّنْيَا بِتَرْكِكُمُ النَّفْرِ إِلَيْهِمْ عَذَابًا مُوجِعًا.
﴿وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [التوبة: 39] يَقُولُ: يَسْتَبْدِلِ اللَّهُ بِكُمْ نَبِيَّهُ قَوْمًا غَيْرَكُمْ، يَنْفِرُونَ إِذَا اسْتُنْفِرُوا، وَيُجِيبُونَهُ إِذَا دُعُوا، وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
﴿وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا﴾ [التوبة: 39] يَقُولُ: وَلَا تَضُرُّوا اللَّهَ بِتَرْكِكُمُ النَّفِيرَ وَمَعْصِيَتِكُمْ إِيَّاهُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِ إِلَيْكُمْ، بَلْ أَنْتُمْ أَهْلُ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَهُوَ الْغَنِيُّ عَنْكُمْ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 284] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَاللَّهُ عَلَى إِهْلَاكِكُمْ وَاسْتِبْدَالِ قَوْمٍ غَيْرِكُمْ بِكُمْ وَعَلَى كُلِّ مَا يَشَاءُ مِنَ الْأَشْيَاءِ قَدِيرٌ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَانَ احْتِبَاسَ الْقَطْرِ عَنْهُمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ، قَالَ: ثني عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَالِدٍ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: ثني نَجْدَةُ الْخُرَاسَانِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: " ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: 39] قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَنْفَرَ حَيًّا مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَتَثَاقَلُوا عَنْهُ، فَأُمْسِكَ عَنْهُمُ الْمَطَرُ، فَكَانَ ذَلِكَ عَذَابَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: 39] " حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْمُؤْمِنِ، عَنْ نَجْدَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: فَكَانَ عَذَابُهُمْ أَنْ أُمْسِكَ عَنْهُمُ الْمَطَرُ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: 39] اسْتَنْفَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ فِي لَهَبَانِ الْحَرِّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ قِبَلَ الشَّأْمِ عَلَى مَا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنَ الْجَهْدِ " وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَنْسُوخَةٌ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، قَالَا: قَالَ: " ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: 39] وَقَالَ: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾ [التوبة: 120] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: 121] فَنَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي تَلَتْهَا: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: 122] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة: 122] " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلَا خَبَرَ بِالَّذِي قَالَ عِكْرِمَةُ وَالْحَسَنُ مِنْ نَسْخِ حُكْمِ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرُوا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ، وَلَا حُجَّةَ تَأْتِي بِصِحَّةِ ذَلِكَ، وَقَدْ رَأَى ثُبُوتَ الْحُكْمِ بِذَلِكَ عَدَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ سَنَذْكُرُهُمْ بَعْدُ.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة: 39] لِخَاصًّ مِنَ النَّاسِ، وَيَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ مَنِ اسْتَنْفَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَنْفِرْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، كَانَ قَوْلُهُ: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا
كَافَّةً} [التوبة: 122] نَهْيًا مِنَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ إِخْلَاءِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ مُؤْمِنٍ مُقِيمٍ فِيهَا، وَإِعْلَامًا مِنَ اللَّهِ لَهُمْ أَنَّ الْوَاجِبَ النَّفْرُ عَلَى بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ، وَذَلِكَ عَلَى مَنِ اسْتُنْفِرَ مِنْهُمْ دُونَ مَنْ لَمْ يُسْتَنْفَرْ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي إِحْدَى الْآيَتَيْنِ نَسْخٌ لِلْأُخْرَى، وَكَانَ حُكْمُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَاضِيًا فِيمَا عُنِيَتْ بِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40] وَهَذَا
إِعْلَامٌ مِنَ اللَّهِ أَصْحَابَ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ الْمُتَوَكِّلُ بِنَصْرِ رَسُولِهِ عَلَى أَعْدَاءِ دِينِهِ وَإِظْهَارِهِ عَلَيْهِمْ دُونَهُمْ، أَعَانُوهُ أَوْ لَمْ يُعِينُوهُ، وَتَذْكِيرٌ مِنْهُ لَهُمْ فِعْلَ ذَلِكَ بِهِ، وَهُوَ مِنَ الْعَدَدِ فِي قِلَّةٍ وَالْعَدُوُّ فِي كَثْرَةٍ، فَكَيْفَ بِهِ وَهُوَ مِنَ الْعَدَدِ فِي كَثْرَةٍ وَالْعَدُوُّ فِي قِلَّةٍ؟ يَقُولُ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: إِلَّا تَنْفِرُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مَعَ رَسُولِي إِذَا اسْتَنْفَرَكُمْ فَتَنْصُرُوهُ، فَاللَّهُ نَاصِرُهُ وَمُعِينُهُ عَلَى عَدُوِّهِ وَمُغْنِيهِ عَنْكُمْ وَعَنْ مَعُونَتِكُمْ وَنُصْرَتِكُمْ، كَمَا نَصَرَهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ وَطَنِهِ وَدَارِهِ ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: 40] يَقُولُ: أَخْرَجُوهُ وَهُوَ أَحَدُ الِاثْنَيْنِ: أَيْ وَاحِدٌ مِنَ الِاثْنَيْنِ، وَكَذَلِكَ تَقُولُ الْعَرَبُ: هُوَ ثَانِيَ اثْنَيْنِ يَعْنِي أَحَدَ الِاثْنَيْنِ، وَثَالِثُ ثَلَاثَةٍ، وَرَابِعُ أَرْبَعَةٍ، يَعْنِي: أَحَدَ ثَلَاثَةٍ، وَأَحَدَ الْأَرْبَعَةِ، وَذَلِكَ خِلَافُ قَوْلِهِمْ: هُوَ أَخُو
سِتَّةٍ وَغُلَامُ سَبْعَةٍ؛ لِأَنَّ الْأَخَ وَالْغُلَامَ غَيْرُ السِّتَّةِ وَالسَّبْعَةِ، وَثَالِثُ الثَّلَاثَةِ: أَحَدُ الثَّلَاثَةِ.
وَإِنَّمَا عَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: 40] رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا اللَّذَيْنِ خَرَجَا هَارِبَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ؛ إِذْ هَمُّوا بِقَتْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاخْتَفَيَا فِي الْغَارِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: 40] يَقُولُ إِذْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي الْغَارِ، وَالْغَارُ: النَّقْبُ الْعَظِيمُ يَكُونُ فِي الْجَبَلِ.
﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ [التوبة: 40] يَقُولُ: إِذْ يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ لِصَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ: ﴿لَا تَحْزَنْ﴾ [التوبة: 40] وَذَلِكَ أَنَّهُ خَافَ مِنَ الطَّلَبِ أَنْ يَعْلَمُوا بِمَكَانِهِمَا، فَجَزِعَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَحْزَنْ لِأَنَّ اللَّهَ مَعَنَا، وَاللَّهُ نَاصِرُنَا، فَلَنْ يَعْلَمَ الْمُشْرِكُونَ بِنَا، وَلَنْ يَصِلُّوا إِلَيْنَا» يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ عَلَى عَدُوِّهِ وَهُوَ بِهَذِهِ الْحَالِ مِنَ الْخَوْفِ وَقِلَّةِ الْعَدَدِ، فَكَيْفَ يَخْذُلُهُ وَيُحْوِجُهُ إِلَيْكُمْ وَقَدْ كَثَّرَ اللَّهُ أَنْصَارَهُ، وَعَدَدَ جُنُودِهِ؟ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ﴾ [التوبة: 40] ذِكْرُ مَا كَانَ فِي أَوَّلِ شَأْنِهِ حِينَ بَعَثَهُ،
يَقُولُ اللَّهُ: فَأَنَا فَاعِلٌ ذَلِكَ بِهِ وَنَاصِرُهُ كَمَا نُصَرْتُهُ إِذْ ذَاكَ وَهُوَ ثَانِيَ اثْنَيْنِ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: " ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: 40] قَالَ: ذَكَرَ مَا كَانَ فِي أَوَّلِ شَأْنِهِ حِينَ بُعِثَ، فَاللَّهُ فَاعِلٌ بِهِ كَذَلِكَ نَاصِرُهُ كَمَا نَصَرَهُ إِذْ ذَاكَ ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: 40] "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: 40] الْآيَةَ، قَالَ: فَكَانَ صَاحِبَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَأَمَّا الْغَارُ: فَجَبَلٌ بِمَكَّةَ يُقَالُ لَهُ ثَوْرٌ "
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثنا أَبَانُ الْعَطَّارُ، قَالَ: ثنا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، قَالَ: «لَمَّا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَكَانَ لِأَبِي بَكْرٍ مَنِيحَةٌ مِنْ غَنَمٍ تَرُوحُ عَلَى أَهْلِهِ، فَأَرْسَلَ أَبُو بَكْرٍ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَةَ فِي الْغَنَمِ إِلَى ثَوْرٍ، وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يَرُوحُ بِتِلْكَ الْغَنَمِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغَارِ فِي ثَوْرٍ، وَهُوَ الْغَارُ الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ»
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ جُبَيْرٍ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: ثنا عَفَّانُ، وَحِبَّانُ، قَالَا: ثنا هَمَّامٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَدَّثَهُمْ قَالَ: بَيْنَا أَنَا مَعَ، رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَارِ، وَأَقْدَامُ الْمُشْرِكِينَ فَوْقَ رُءُوسِنَا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ
أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ أَبْصَرَنَا، فَقَالَ: «يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «مَكَثَ أَبُو بَكْرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْغَارِ ثَلَاثًا»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: " ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾ [التوبة: 40] قَالَ: فِي الْجَبَلِ الَّذِي يُسَمَّى ثَوْرًا، مَكَثَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ "
حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ أَبِيهِ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ حِينَ خَطَبَ قَالَ: «أَيُّكُمْ يَقْرَأُ سُورَةَ التَّوْبَةِ؟» قَالَ رَجُلٌ: أَنَا، قَالَ: اقْرَأْ، فَلَمَّا بَلَغَ: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ﴾ [التوبة: 40] بَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: «أَنَا وَاللَّهِ صَاحِبُهُ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40]
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ طَمَأْنِينَتَهُ وَسُكُونَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَقَدْ قِيلَ: عَلَى أَبِي بَكْرٍ ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ [التوبة: 40] يَقُولُ: وَقَوَّاهُ بِجُنُودٍ مِنْ عِنْدِهِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ لَمْ تَرَوْهَا أَنْتُمْ.
﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [التوبة: 40] وَهِيَ كَلِمَةُ الشِّرْكِ ﴿السُّفْلَى﴾ [التوبة: 40] لِأَنَّهَا قُهِرَتْ وَأُذِّلَّتْ وَأَبْطَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَمَحَقَ أَهْلَهَا، وَكُلُّ مَقْهُورٍ وَمَغْلُوبٍ فَهُوَ أَسْفَلُ مِنَ الْغَالِبِ وَالْغَالِبُ هُوَ الْأَعْلَى.
﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: 40] يَقُولُ: وَدِينُ اللَّهِ وَتَوْحِيدُهُ وَقَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَهِيَ كَلِمَتُهُ الْعُلْيَا عَلَى الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ الْغَالِبَةُ
كَمَا: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾ [التوبة: 40] وَهِيَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ.
﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: 40] وَهِيَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهِ "
وَقَوْلُهُ: ﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾ [التوبة: 40] خَبَرُ مُبْتَدَأٍ غَيْرُ مَرْدُودٍ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى﴾ [التوبة: 40] لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مَعْطُوفًا عَلَى الْكَلِمَةِ الْأُولَى لَكَانَ نَصْبًا
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 228] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَاللَّهُ عَزِيزٌ فِي انْتِقَامِهِ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِهِ، لَا يَقْهَرُهُ قَاهِرٌ وَلَا يَغْلِبُهُ غَالِبٌ وَلَا يَنْصُرُهُ مَنْ عَاقَبَهُ نَاصِرٌ، حَكِيمٌ فِي تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ وَتَصْرِيفِهِ إِيَّاهُمْ فِي مَشِيئَتِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 41] وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ اللَّذَيْنِ أَمَرَ اللَّهُ مَنْ كَانَ بِهِ أَحَدُهُمَا بِالنَّفْرِ مَعَهُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى الْخِفَّةِ الَّتِي عَنَاهَا اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
الشَّبَابُ، وَمَعْنَى الثِّقَلِ الشَّيْخُوخَةُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41] قَالَ: شِيبًا وَشُبَّانًا "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا حَفْصٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: «شُيُوخًا وَشُبَّانًا»
قَالَ: ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي طَلْحَةَ: " ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41] قَالَ: كُهُولًا وَشُبَّانًا، مَا أَسْمَعُ اللَّهَ عَذَرَ أَحَدًا فَخَرَجَ إِلَى الشَّامِ فَجَاهَدَ حَتَّى مَاتَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، قَالَ:
كَانَ رَجُلٌ مِنَ النَّخَعِ وَكَانَ شَيْخًا بَادِنًا، فَأَرَادَ الْغَزْوَ فَمَنَعَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: 41] فَأَذِنَ لَهُ سَعْدٌ، فَقُتِلَ الشَّيْخُ، فَسَأَلَ عَنْهُ بَعْدُ عُمَرُ، فَقَالَ: «مَا فَعَلَ الشَّيْخُ الَّذِي كَانَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ؟ فَقَالُوا قُتِلَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ»