وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 37] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: زِيَادَةُ كُفْرٍ بِالنَّسِيءِ إِلَى كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ. وَقِيلَ: ابْتِدَاعُهُمُ النَّسِيءَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: كَانَ " إِذَا ذَكَرَ النَّارَ قَالَ: أَوَّهْ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عِمْرَانَ، قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَبَاحٍ الْأَنْصَارِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ كَعْبًا يَقُولُ: " ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ﴾ [التوبة: 114] قَالَ: إِذَا ذَكَرَ النَّارَ قَالَ: أَوَّهْ مِنَ النَّارِ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ فَقِيهٌ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ﴾ [التوبة: 114] قَالَ: فَقِيهٌ " وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ الْمُتَضَرِّعُ الْخَاشِعُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَهْرَامَ، قَالَ: ثَنَا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ، قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْأَوَّاهُ؟ قَالَ: «الْمُتَضَرِّعُ» . قَالَ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَغْرَاءَ، عَنْ
عَبْدِ الْحَمِيدِ، عَنْ شَهْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الْأَوَّاهُ: الْخَاشِعُ الْمُتَضَرِّعُ " وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ زِرٌّ أَنَّهُ الدُّعَاءُ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ، لِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ ذَلِكَ وَوَصَفَ بِهِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بَعْدَ وَصْفِهِ إِيَّاهُ بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ لِأَبِيهِ، فَقَالَ: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: 114] وَتَرَكَ الدُّعَاءَ وَالِاسْتِغْفَارَ لَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِبْرَاهِيمَ لَدَعَّاءٌ رَبَّهُ شَاكٍ لَهُ حَلِيمٌ عَمَّنْ سَبَّهُ وَنَالَهُ بِالْمَكْرُوهٍ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَدَ أَبَاهُ بِالِاسْتِغْفَارِ لَهُ، وَدُعَاءِ اللَّهِ لَهُ بِالْمَغْفِرَةِ عِنْدَ وَعِيدِ أَبِيهِ إِيَّاهُ، وَتَهَدُّدِهِ لَهُ بِالشَّتْمِ بَعْدَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ نَصِيحَتَهُ فِي اللَّهِ، وَقَوْلُهُ: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: 46] فَقَالَ لَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: 48] فَوَفَّى لِأَبِيهِ بِالِاسْتِغْفَارِ لَهُ حَتَّى تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، فَوَصَفَهُ اللَّهُ بِأَنَّهُ دَعَّاءٌ لِرَبِهِ حَلِيمٌ عَمَّنْ سَفِهَ عَلَيْهِ.
وَأَصْلُهُ مِنَ التَّأَوُّهِ وَهُوَ التَّضَرُّعُ وَالْمَسْأَلَةُ بِالْحُزْنِ وَالْإِشْفَاقِ، كَمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْخَبَرَ الَّذِي:
حَدَّثَنِيهِ يَحْيَى بْنُ عُثْمَانَ بْنِ صَالِحٍ السَّهْمِيُّ، قَالَ: ثَنَا أَبِي قَالَ، ثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ، قَالَ: ثَنِي الْحَارِثُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عُلَيِّ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ ذُو الْبِجَادَيْنِ: « إِنَّهُ أَوَّاهٌ» وَذَلِكَ أَنَّهُ رَجُلٌ كَانَ يُكْثِرُ ذِكْرَ اللَّهِ بِالْقُرْآنِ وَالدُّعَاءِ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ " وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْمُتَوَجِّعِ مِنْ أَلَمٍ أَوْ مَرَضٍ: لِمَ تَتَأَوَّهُ؟ كَمَا قَالَ الْمُثَقَّبُ الْعَبْدِيُّ: [البحر الوافر]
إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحَلُهَا بِلَيْلٍ ... تَأَوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الْحَزِينِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْجَعْدِيِّ: [البحر الطويل]
ضَرُوحٌ مَرُوحٌ تَتْبَعُ الْوُرْقَ بَعْدَمَا ... يُعَرِّسْنَ تَشْكُو آهَةً وَتَذَمُّرَا . وَلَا تَكَادُ الْعَرَبُ تَنْطِقُ مِنْهُ بِفِعْلِ يَفْعَلُ، وَإِنَّمَا تَقُولُ فِيهِ: تَفَعَّلَ يَتَفَعَّلُ، مِثْلُ تَأَوَّهُ يَتَأَوَّهُ، وَأَوَّهُ يُؤَوِّهُ، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ: [البحر الرجز]
فَأَوَّهَ الرَّاعِي وَضَوْضَى أَكْلُبُهْ وَقَالُوا أَيْضًا: أَوَّهْ مِنْكَ ذَكَرَ الْفَرَّاءُ أَنَّ أَبَا الْجَرَّاحِ أَنْشَدَهُ: [البحر الطويل]
فَأَوَّهْ مِنَ الذِّكْرَى إِذَا مَا ذَكَرْتُهَا ... وَمِنْ بُعْدِ أَرْضٍ بَيْنَنَا وَسَمَاءِ
قَالَ: وَرُبَّمَا أَنْشَدَنَا «فَأَوَّ مِنَ الذِّكْرَى» بِغَيْرِ هَاءٍ.
وَلَوْ جَاءَ فَعَلَ مِنْهُ عَلَى الْأَصْلِ لَكَانَ آهَ يَئُوهُ أَوَّهَا.
وَلِأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: تَوَجُّعٌ وَتَحَزُّنٌ وَتَضَرُّعٌ، اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيهِ الِاخْتِلَافَ الَّذِي ذَكَرْتُ، فَقَالَ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ الرَّحْمَةُ: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَى وَجْهِ الرِّقَةِ عَلَى أَبِيهِ وَالرَّحْمَةِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ مِنَ النَّاسِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ لِصِحَّةِ يَقِينِهِ وَحُسْنِ مَعْرِفَتِهِ بِعَظَمَةِ اللَّهِ وَتَوَاضُعِهِ لَهُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ لِصِحَّةِ إِيمَانِهِ بِرَبِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عِنْدَ تِلَاوَتِهِ تَنْزِيلَ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ ذَلِكَ مِنْهُ عِنْدَ ذِكْرِ رَبِّهِ.
وَكُلُّ ذَلِكَ عَائِدٌ إِلَى مَا قُلْتُ، وَتَقَارَبَ مَعْنَى بَعْضِ ذَلِكَ مِنْ بَعْضٍ؛ لِأَنَّ الْحَزِينَ الْمُتَضَرِّعَ إِلَى رَبِّهِ الْخَاشِعَ لَهُ بِقَلْبِهِ، يَنُوبُهُ ذَلِكَ عِنْدَ مَسْأَلَتِهِ رَبَّهُ وَدُعَائِهِ إِيَّاهُ فِي حَاجَاتِهِ، وَتَعْتَوِرُهُ هَذِهِ الْخِلَالُ الَّتِي وَجَّهَ الْمُفَسِّرُونَ إِلَيْهَا تَأْوِيلَ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: 114]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: 115] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَقْضِيَ عَلَيْكُمْ فِي اسْتِغْفَارِكُمْ لِمَوتَاكُمُ
الْمُشْرِكِينَ بِالضَّلَالِ بَعْدَ إِذْ رَزَقَكُمُ الْهِدَايَةَ وَوَفَّقَكُمْ لِلْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، حَتَّى يَتَقَدَّمَ إِلَيْكُمْ بِالنَّهْيِ عَنْهُ فَتَتْرُكُونَ الِانْتِهَاءَ عَنْهُ؛ فَأَمَّا قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ لَكُمْ كَرَاهِيَةَ ذَلِكَ بِالنَّهِي عَنْهُ ثُمَّ تَتَعَدُّوا نَهْيَهُ إِلَى مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ، فَإِنَّهُ لَا يَحْكُمُ عَلَيْكُمْ بِالضَّلَالِ، لِأَنَّ الطَّاعَةَ وَالْمَعْصِيَةَ إِنَّمَا يَكُونَانِ مِنَ الْمَأْمُورِ وَالْمَنْهِيِّ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُؤْمَرْ وَلَمْ يُنْهَ فَغَيْرُ كَائِنٍ مُطِيعًا أَوْ عَاصِيًا فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ وَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: 115] قَالَ: بَيَانُ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي الِاسْتِغْفَارِ لِلْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً، وَفِي بَيَانِهِ طَاعَتَهُ وَمَعْصِيَتَهُ، فَافْعَلُوا أَوْ ذَرُوا "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ
مُجَاهِدٍ: " ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: 115] قَالَ: بَيَانُ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ لَّا يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ خَاصَّةً، وَفِي بَيَانِهِ طَاعَتَهُ وَمَعْصِيَتَهُ عَامَّةً، فَافْعَلُوا أَوْ ذَرُوا " قَالَ ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، نَحْوَهُ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: 115] قَالَ: يُبَيِّنُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي أَنْ لَّا يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ فِي بَيَانِهِ فِي طَاعَتِهِ وَفِي مَعْصِيَتِهِ، فَافْعَلُوا أَوْ ذَرُوا "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ لَهُ سُلْطَانُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمُلْكُهُمَا، وَكُلُّ مَنْ دُونَهُ مِنَ الْمُلُوكِ فَعَبِيدُهُ وَمَمَالِيكُهُ، بِيَدِهِ حَيَاتُهُمْ وَمَوْتُهُمْ، يُحْيِي مَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ
وَيُمِيتُ مَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ، فَلَا تَجْزَعُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ قِتَالِ مَنْ كَفَرَ بِي مِنَ الْمُلُوكِ، مُلُوكِ الرُّومِ كَانُوا أَوْ مُلُوكِ فَارِسٍ وَالْحَبَشَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَاغْزُوهُمْ وَجَاهِدُوهُمْ فِي طَاعَتِي، فَإِنِّي الْمُعِزُّ مَنْ أَشَاءُ مِنْهُمْ وَمِنْكُمْ وَالْمُذِلُّ مَنْ أَشَاءُ.
وَهَذَا حَضٌّ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى قِتَالِ كُلِّ مَنْ كَفَرَ بِهِ مِنَ الْمَمَالِيكِ، وَإِغْرَاءٌ مِنْهُ لَهُمْ بِحَرْبِهِمْ وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نُصَيْرٍ﴾ [البقرة: 107] يَقُولُ: وَمَا لَكُمْ مِنْ أَحَدٍ هُوَ لَكُمْ حَلِيفٌ مِنْ دُونِ اللَّهِ يُظَاهِرُكُمْ عَلَيْهِ إِنْ أَنْتُمْ خَالَفْتُمْ أَمْرَ اللَّهِ فَعَاقَبَكُمْ عَلَى خِلَافِكُمْ أَمْرَهُ يَسْتَنْقِذَكُمْ مِنْ عِقَابِهِ، وَلَا نُصَيْرَ يَنْصُرُكُمْ مِنْهُ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا.
يَقُولُ: فَبِاللهِ فَثِقُوا، وَإِيَّاهُ فَارْهَبُوا، وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ مَنْ كَفَرَ بِهِ، فَإِنَّهُ قَدِ اشْتَرَى مِنْكُمْ أَنْفُسَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ بِأَنَّ لَكُمُ الْجَنَّةَ، تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ فَتَقْتُلُونَ وَتُقتَلُونَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَقَدْ رَزَقَ اللَّهُ الْإِنَابَةَ إِلَى أَمْرِهِ وَطَاعَتِهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
وَالْمُهَاجِرِينَ دِيَارَهُمْ وَعَشِيرَتَهُمْ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ، وَأَنْصَارَ رَسُولِهِ فِي اللَّهِ، الَّذِينَ اتَّبَعُوا رَسُولَ اللَّهِ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْهُمْ مِنَ النَّفَقَةِ وَالظَّهْرِ وَالزَّادِ وَالْمَاءِ ﴿مِنْ بَعْدَ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: 117] يَقُولُ: مِنْ بَعْدَ مَا كَادَ يَمِيلُ قُلُوبُ بَعْضِهِمْ عَنِ الْحَقِّ وَيَشُكُّ فِي دِينِهِ وَيَرْتَابُ بِالَّذِي نَالَهُ مِنَ الْمَشَقَّةِ وَالشِّدَّةِ فِي سَفَرِهِ وَغَزْوِهِ ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 117] يَقُولُ: ثُمَّ رَزَقَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْإِنَابَةَ وَالرُّجُوعَ
إِلَى الثَّبَاتِ عَلَى دِينِهِ وَإِبْصَارِ الْحَقِّ الَّذِي كَانَ قَدْ كَادَ يَلْتَبِسُ عَلَيْهِمْ ﴿إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ يَقُولُ: إِنَّ رَبَّكُمْ بِالَّذِينَ خَالَطَ قُلُوبُهُمْ ذَلِكَ لِمَا نَالَهُمْ فِي سَفَرِهِمْ مِنَ الشِّدَّةِ وَالْمَشَقَّةِ، ﴿رَءُوفٌ﴾ بِهِمْ، ﴿رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 143] أَنْ يُهْلِكَهُمُ، فَيَنْزِعَ مِنْهُمُ الْإِيمَانَ بَعْدَ مَا قَدْ أَبْلَوْا فِي اللَّهِ مَا أَبْلَوْا مَعَ رَسُولِهِ وَصَبَرُوا عَلَيْهِ مِنَ الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٌ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: 117] فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ: " ﴿فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: 117] قَالَ: خَرَجُوا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ الرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ عَلَى بَعِيرٍ، وَخَرَجُوا فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَأَصَابَهُمْ يَوْمَئِذٍ عَطَشٌ شَدِيدٌ، فَجَعَلُوا يَنْحَرُونَ إِبِلَهُمْ فَيَعْصِرُونَ أَكْرَاشَهَا وَيَشْرَبُونَ مَاءَهَا، كَانَ ذَلِكَ عُسْرَةً مِنَ الْمَاءِ وَعُسْرَةً مِنَ الظَّهْرِ وَعُسْرَةً مِنَ النَّفَقَةِ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ
مُجَاهِدٍ، " ﴿سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: 117] قَالَ: غَزْوَةُ تَبُوكَ، قَالَ: «الْعُسْرَةِ» : أَصَابَهُمْ جَهْدٌ شَدِيدٌ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَيْنِ لَيَشُقَّانِ التَّمْرَةَ بَيْنَهُمَا وَأَنَّهُمْ لَيَمُصُّونَ التَّمْرَةَ الْوَاحِدَةَ وَيَشْرَبُونَ عَلَيْهَا الْمَاءَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: 117] قَالَ: غَزْوَةُ تَبُوكَ "
قَالَ: ثَنَا زَكَرِيَّا بْنُ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ مُبَارَكٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ، عَنْ جَابِرٍ، " ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: 117] قَالَ: عُسْرَةُ الظَّهْرِ، وَعُسْرَةُ الزَّادِ، وَعُسْرَةُ الْمَاءِ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ [التوبة: 117] . . الْآيَةَ، الَّذِينَ اتَّبَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ قَبْلَ الشَّأْمِ فِي لَهْبَانِ الْحَرِّ عَلَى مَا يَعْلَمُ اللَّهُ مِنَ الْجَهْدِ، أَصَابَهُمْ فِيهَا جَهْدٌ شَدِيدٌ، حَتَّى لَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الرَّجُلَيْنِ كَانَا يَشُقَّانِ التَّمْرَةَ بَيْنَهُمَا، وَكَانَ النَّفْرُ يَتَنَاوَلُونَ التَّمْرَةَ بَيْنَهُمْ؛ يَمُصُّهَا هَذَا ثُمَّ يَشْرَبُ عَلَيْهَا ثُمَّ يَمُصُّهَا هَذَا ثُمَّ يَشْرَبُ عَلَيْهَا، فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَأَقْفَلَهُمْ مِنْ غَزْوِهِمْ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي عُتْبَةَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ فِي شَأْنِ الْعُسْرَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: " خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى تَبُوكَ فِي قَيْظٍ شَدِيدٍ، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا أَصَابَنَا فِيهِ عَطَشٌ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّ رِقَابَنَا سَتَنْقَطِعُ، حَتَّى أَنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَذْهَبُ يَلْتَمِسُ الْمَاءَ فَلَا يَرْجِعُ حَتَّى يَظُنُّ أَنَّ رَقَبَتَهُ سَتَنْقَطِعُ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْحَرُ بَعِيرَهُ فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فَيَشْرَبُهُ، وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ عَلَى كَبِدِهِ؛ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ قَدْ عَوَّدَكَ فِي الدُّعَاءِ خَيْرًا، فَادْعُ لَنَا قَالَ: «تُحِبُّ ذَلِكَ؟» قَالَ: نَعَمْ.
فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يُرْجِعْهُمَا حَتَّى مَالَتِ السَّمَاءُ، فَأَظَلَّتْ ثُمَّ سَكَبَتْ، فَمَلَئُوا مَا مَعَهُمْ، ثُمَّ رَجَعْنَا نَنْظُرُ فَلَمْ نَجِدْهَا جَاوَزْتِ الْعَسْكَرَ "
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ زِيَادٍ الْعَطَّارُ، قَالَ: ثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: حَدَّثَنَا عَنْ شَأْنِ جَيْشِ الْعُسْرَةِ، فَقَالَ عُمَرُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: 118] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَعَلَى
الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ فِيمَا قَبْلُ، هُمُ الْآخَرُونَ الَّذِينَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَونَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 106] فَتَابَ عَلَيْهِمْ عَزَّ ذَكَرُهُ وَتَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ.
وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا: وَلَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خَلَّفَهُمُ اللَّهُ عَنِ التَّوْبَةِ، فَأَرْجَأَهُمْ عَمَّنْ تَابَ عَلَيْهِ مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
كَمَا
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَمَّنْ سَمِعَ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: 118] قَالَ: خُلِّفُوا عَنِ التَّوْبَةِ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَمَا قَوْلُهُ: " ﴿خُلِّفُوا﴾ [التوبة: 118] فَخُلِّفُوا عَنِ التَّوْبَةِ " ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ [التوبة: 118] يَقُولُ: بِسِعَتِهَا غَمًّا وَنَدَمًا عَلَى تَخَلُّفِهِمْ عَنِ الْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [التوبة: 118] بِمَا نَالَهُمْ مِنَ الْوَجْدِ وَالْكَرْبِ بِذَلِكَ ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ﴾ [التوبة: 118] يَقُولُ: وَأَيْقَنُوا بِقُلُوبِهِمَ أَنْ لَا شَيْءَ لَهُمْ يَلْجَئُون إِلَيْهِ مِمَّا نَزَلَ بِهِمْ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ مِنَ الْبَلَاءِ بِتَخَلُّفِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنْجِيهِمْ مِنْ كَرْبِهِ، وَلَا مِمَّا يَحْذَرُونَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ إِلَّا اللَّهَ.
ثُمَّ رَزَقَهُمُ الْإِنَابَةَ إِلَى طَاعَتِهِ، وَالرُّجُوعَ إِلَى مَا يُرْضِيهِ عَنْهُمْ، لِيَنِيبُوا إِلَيْهِ وَيَرْجِعُوا إِلَى طَاعَتِهِ وَالِانْتِهَاءِ إِلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ.
﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: 118] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْوَهَّابُ لِعِبَادِهِ الْإِنَابَةَ إِلَى طَاعَتِهِ الْمُوَفَّقُ مَنْ أَحَبَّ تَوْفِيقَهُ مِنْهُمْ لِمَا يُرْضِيهِ عَنْهُ، الرَّحِيمُ بِهِمْ أَنْ يُعَاقبَهُمْ بَعْدَ التَّوْبَةِ، أَوْ يَخْذُلُ مَنْ أَرَادَ مِنْهُمُ التَّوْبَةَ وَالْإِنَابَةَ وَلَا يَتُوبُ عَلَيْهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: 118] . قَالَ.
كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَمَرَارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَكُلُّهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ " حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ الْوَرَّاقِ، قَالَ: ثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ بِنَحْوِهِ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: وَمَرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، أَوِ ابْنُ رَبِيعَةَ، شَكَّ أَبُو أُسَامَةَ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَعَامِرٍ، " ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: 118] قَالَ: أُرْجِئُوا فِي أَوْسَطِ بَرَاءَةَ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ.
ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: 118] قَالَ: الَّذِينَ أُرْجِئُوا فِي أَوْسَطِ بَرَاءَةَ قَوْلُهُ: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَونَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 106] هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَمَرَارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، " ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: 118] الَّذِينَ أُرْجِئُوا فِي وَسَطِ بَرَاءَةَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: 118] قَالَ: كُلُّهُمْ مِنَ الْأَنْصَارِ: هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَمَرَارَةُ بْنُ
رَبِيعَةَ، وَكَعْبُ بْنُ مَالِكٍ "
قَالَ: ثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: 118] قَالَ: الَّذِينَ أُرْجِئُوا "