تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 703-715

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89] فَإِنَّ:

صفحات 703-715
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَا ﴿أَوْ عَدْلُ﴾ [المائدة: 95] ذَلِكَ صِيَامًا؟ قَالَ: «إِنْ أَصَابَ مَا عَدْلُهُ شَاةٌ أُقِيمَتِ الشَّاةُ طَعَامًا، ثُمَّ جَعَلَ مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا يَصُومُهُ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ إِذَا أَرَادَ التَّكْفِيرَ بِالْإِطْعَامِ أَوِ الصَّوْمِ، أَنْ يُقَوِّمَ الصَّيْدَ الْمَقْتُولَ طَعَامًا، ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِالطَّعَامِ إِنِ اخْتَارَ الصَّدَقَةَ، وَإِنِ اخْتَارَ الصَّوْمَ صَامَ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الصَّوْمِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَصُومُ لِكُلِّ مُدٍّ يَوْمًا.
وَقَالَ آخَرُونَ: يَصُومُ مَكَانَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا.
وَقَالَ آخَرُونَ: يَصُومُ مَكَانَ كُلِّ صَاعٍ يَوْمًا.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ: الْمُتَقَوِّمُ للْإِطْعَامِ هُوَ الصَّيْدُ الْمَقْتُولُ

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا جَامِعُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ﴾ [المائدة: 95] الْآيَةَ، قَالَ: كَانَ قَتَادَةُ يَقُولُ: «يَحْكُمَانِ فِي النَّعَمِ، فَإِنْ كَانَ لَيْسَ صَيْدُهُ مَا يَبْلُغُ ذَلِكَ، نَظَرُوا ثَمَنَهُ فَقَوَّمُوهُ طَعَامًا، ثُمَّ صَامَ مَكَانَ كُلِّ صَاعٍ يَوْمَيْنِ» وَقَالَ آخَرُونَ: لَا مَعْنَى لِلتَّكْفِيرِ بِالْإِطْعَامِ، لِأَنَّ مَنْ وَجَدَ سَبِيلًا إِلَى التَّكْفِيرِ بِالْإِطْعَامِ فَهُوَ وَاجِدٌ إِلَى الْجَزَاءِ بِالْمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ سَبِيلًا، وَمَنْ وَجَدَ إِلَى الْجَزَاءِ بِالْمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ سَبِيلًا لَمْ يُجْزِهِ التَّكْفِيرُ بِغَيْرِهِ.
قَالُوا: وَإِنَّمَا ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ الْكَفَّارَةَ بِالْإِطْعَامِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِيَدُلَّ عَلَى صِفَةِ التَّكْفِيرِ بِالصَّوْمِ، لَا أَنَّهُ جَعَلَ التَّكْفِيرَ بِالْإِطْعَامِ إِحْدَى الْكَفَّارَاتِ الَّتِي يُكَفَّرُ بِهَا قَتْلُ الصَّيْدِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا تَأْوِيلَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهِ: فَعَلَى قَاتِلِهِ مُتَعَمِّدًا مِثْلُ الَّذِي قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ لَا الْقِيمَةَ، إِنِ اخْتَارَ أَنْ يَجْزِيَهُ بِالْمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقِيمَةَ إِنَّمَا هِيَ مِنَ الدَّنَانِيرِ أَوِ الدَّرَاهِمِ، وَالدَّنَانِيرُ، لَيْسَتْ لِلصَّيْدِ بِمِثْلٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى إِنَّمَا أَوْجَبَ الْجَزَاءَ مِثْلًا مِنَ النَّعَمِ.

وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] أَنْ يَكُونَ تَخْيِيرًا، وَأَنْ يَكُونَ لِلْقَاتِلِ الْخِيَارُ فِي تَكْفِيرِهِ بِقَتْلِهِ الصَّيْدَ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِأَيِّ هَذِهِ الْكَفَّارَاتِ الثَّلَاثِ شَاءَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ مَا أَوْجَبَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ مِنَ الْجَزَاءِ وَالْكَفَّارَةِ عُقُوبَةً لِفِعْلِهِ، وَتَكْفِيرًا لِذَنْبِهِ فِي إِتْلَافِهِ مَا أَتْلَفَ مِنَ الصَّيْدِ الَّذِي كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ إِتْلَافُهُ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ، وَقَدْ كَانَ حَلَالًا لَهُ قَبْلَ حَالِ إِحْرَامِهِ، كَمَا جَعَلَ الْفِدْيَةَ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فِي حَلْقِ الشَّعْرِ الَّذِي حَلَقَهُ الْمُحْرِمُ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ، وَقَدْ كَانَ لَهُ حَلْقُهُ قَبْلَ حَالِ إِحْرَامِهِ، ثُمَّ مُنِعَ مِنْ حَلْقِهِ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ نَظِيرَ الصَّيْدِ، ثُمَّ جُعِلَ عَلَيْهِ إِنْ حَلَقَهُ جَزَاءٌ مِنْ حَلْقِهِ إِيَّاهُ، فَأَجْمَعَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّهُ فِي حَلْقِهِ إِيَّاهُ إِذَا حَلَقَهُ مِنْ إِيذَائِهِ مُخَيَّرٌ فِي تَكْفِيرِهِ، فَعَلَيْهِ ذَلِكَ بِأَيِّ الْكَفَّارَاتِ الثَّلَاثِ شَاءَ، فَمِثْلُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قَاتِلُ الصَّيْدِ مِنَ الْمُحْرِمِينَ، وَأَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي تَكْفِيرِهِ قَتْلَهُ الصَّيْدَ بِأَيِّ الْكَفَّارَاتِ الثَّلَاثِ شَاءَ، لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ.
وَمَنْ أَبَى مَا قُلْنَا فِيهِ، قِيلَ لَهُ: حَكَمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى قَاتِلِ الصَّيْدِ بِالْمِثْلِ مِنَ النَّعَمِ، أَوْ كَفَّارَةٍ طَعَامِ مَسَاكِينَ، أَوْ عَدْلِهِ صِيَامًا، كَمَا حَكَمَ عَلَى الْحَالِقِ بِفِدْيَةٍ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ، فَزَعَمْتَ أَنَّ أَحَدَهُمَا مُخَيَّرٌ فِي تَكْفِيرِ مَا جُعِلَ مِنْهُ، عَوَّضَ بِأَيِّ الثَّلَاثِ شَاءَ، وَأَنْكَرْتَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلْآخَرِ، فَهَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَنْ عَكَسَ عَلَيْكَ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ فَجَعَلَ الْخِيَارَ فِيهِ حَيْثُ أَبِيتَ، وَأَبَى حَيْثُ جَعَلْتَهُ لَهُ فَرْقٌ مِنْ أَصْلٍ أَوْ نَظِيرٍ؟ فَلَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِهِمَا قَوْلًا، إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ.

ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ التَّقْوِيمِ إِذَا أَرَادَ التَّكْفِيرَ بِالْإِطْعَامِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُقَوَّمُ الصَّيْدُ قِيمَتَهُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَحَمَّادٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٍ، وَقَدْ ذَكَرْتُ الرِّوَايَةَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَحَمَّادٍ فِيمَا مَضَى بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، وَهُوَ نَصُّ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ يُقَوَّمُ ذَلِكَ بِسِعْرِ الْأَرْضِ الَّتِي يُكَفِّرُ بِهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ فِي مُحْرِمٍ أَصَابَ صَيْدًا بِخُرَاسَانَ قَالَ: " يُكَفِّرُ بِمَكَّةَ أَوْ بِمِنًى، وَقَالَ: يُقَوَّمُ الطَّعَامُ بِسِعْرِ الْأَرْضِ الَّتِي يُكَفِّرُ بِهَا "

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا أَبُو يَمَانٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، فِي رَجُلٍ أَصَابَ صَيْدًا بِخُرَاسَانَ قَالَ: «يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ» وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا، أَنَّ قَاتِلَ الصَّيْدِ إِذَا جَزَاهُ بِمِثْلِهِ مِنَ النَّعَمِ، فَإِنَّمَا يَجْزِيهِ بِنَظِيرِهِ فِي خَلْقٍ، وَقَدْرِهِ فِي جِسْمِهِ مِنْ أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ بِهِ شَبَهًا مِنَ الْأَنْعَامِ، فَإِذْ جَزَاهُ بِالْإِطْعَامِ قَوَّمَهُ قِيمَتَهُ بِمَوْضِعِهِ الَّذِي أَصَابَهُ فِيهِ، لِأَنَّهُ هُنَالِكَ وَجَبَ عَلَيْهِ التَّكْفِيرُ بِالْإِطْعَامِ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَطْعَمَ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهُ فِيهِ، وَإِنْ شَاءَ بِمَكَّةَ، وَإِنْ شَاءَ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَوَاضِعِ حَيْثُ شَاءَ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا شَرَطَ بُلُوغَ الْكَعْبَةِ بِالْهَدْيِ فِي قَتْلِ

الصَّيْدِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ جَزَائِهِ، فَلِلْجَازِيِ بِغَيْرِ الْهَدْيِ أَنْ يَجْزِيَهُ بِالْإِطْعَامِ وَالصَّوْمِ حَيْثُ شَاءَ مِنَ الْأَرْضِ.
وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ أَبِي مَعْشَرٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «مَا كَانَ مِنْ دَمٍ فَبِمَكَّةَ، وَمَا كَانَ مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ صَوْمٍ حَيْثُ شَاءَ» وَقَدْ خَالَفَ ذَلِكَ مُخَالِفُونَ فَقَالُوا: لَا يُجْزِئُ الْهَدْي وَالْإِطْعَامُ إِلَّا بِمَكَّةَ، فَأَمَّا الصَّوْمُ فَإِنْ كَفَّرَ بِهِ يَصُومُ حَيْثُ شَاءَ مِنَ الْأَرْضِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: «الدَّمُ وَالطَّعَامُ بِمَكَّةَ، وَالصِّيَامُ حَيْثُ شَاءَ»

حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: «كَفَّارَةُ الْحَجِّ بِمَكَّةَ»

حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ:

أَيْنَ يَتَصَدَّقُ بِالطَّعَامِ إِنْ بَدَا لَهُ؟ قَالَ: " بِمَكَّةَ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْهَدْيِ، قَالَ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] ، ﴿أَوْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ ، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَصَابَهُ فِي حَرَمٍ يُرِيدُ الْبَيْتَ فَجَزَاؤُهُ عِنْدَ الْبَيْتِ " فَأَمَّا الْهَدْي، فَإِنَّهُ جَرَّاءُ مَا قَتَلَ مِنَ الصَّيْدِ، فَلَنْ يُجْزِئُهُ مِنْ كَفَّارَةِ مَا قَتَلَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَبْلُغَهُ الْكَعْبَةَ طَيِّبًا، وَيَنْحَرَهُ أَوْ يَذْبَحَهُ، وَيَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ.
وَيَعْنِي بِالْكَعْبَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْحَرَمَ كُلَّهُ، وَلِمَنْ قَدِمَ بِهَدْيهِ الْوَاجِبِ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ أَنْ يَنْحَرَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ شَاءَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ وَبَعْدَهُ، وَيُطْعِمُهُ وَكَذَلِكَ إِنْ كَفَّرَ بِالطَّعَامِ فَلَهُ أَنْ يُكَفِّرَ بِهِ مَتَى أَحَبَّ وَحَيْثُ أَحَبَّ، وَإِنْ كَفَّرَ بِالصَّوْمِ فَكَذَلِكَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ، خَلَا مَا ذَكَرْنَا مِنَ اخْتِلَافِهِمْ فِي التَّكْفِيرِ بِالْإِطْعَامِ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] هَلْ لِصِيَامِهِ وَقْتٌ؟ قَالَ: «لَا، إِذْ شَاءَ وَحَيْثُ شَاءَ، وَتَعْجِيلُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ»

حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: رَجُلٌ أَصَابَ صَيْدًا فِي الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، فَأَرْسَلَ بِجَزَائِهِ إِلَى الْحَرَمِ فِي الْمُحَرَّمِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ أَيُجْزِئُ عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] قَالَ هَنَّادٌ: قَالَ يَحْيَى: وَبِهِ نَأْخُذُ

حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، وَابْنُ أَبِي سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: " إِذَا قَدِمْتَ مَكَّةَ بِجَزَاءِ صَيْدٍ فَانْحَرْهُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] ، إِلَّا أَنْ يَقْدُمَ فِي الْعَشْرِ، فَيُؤَخِّرُ إِلَى يَوْمِ النَّحْرِ "

حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: " يَتَصَدَّقُ الَّذِي يُصِيبُ الصَّيْدَ بِمَكَّةَ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: أَوْ عَلَى قَاتِلِ الصَّيْدِ مُحْرِمًا عَدْلُ الصَّيْدِ الْمَقْتُولِ مِنَ الصِّيَامِ، وَذَلِكَ أَنْ يُقَوِّمَ الصَّيْدَ حَيًّا غَيْرَ مَقْتُولٍ قِيمَتَهُ مِنَ الطَّعَامِ بِالْمِوْضِعِ الَّذِي قَتَلَهُ فِيهِ الْمُحْرِمُ، ثُمَّ يَصُومُ مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدَلَ الْمُدَّ مِنَ الطَّعَامِ بِصَوْمِ يَوْمٍ فِي كَفَّارَةِ الْمُوَاقِعِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَهَلَّا جَعَلْتَ مَكَانَ كُلِّ صَاعٍ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ صَوْمَ يَوْمٍ قِيَاسًا عَلَى حُكْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَظِيرِهِ، وَذَلِكَ حُكْمُهُ عَلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، إِذْ أَمَرَهُ أَنْ

يُطْعِمَ إِنْ كَفَّرَ بِالْإِطْعَامِ فَرْقًا مِنْ طَعَامٍ وَذَلِكَ ثَلَاثَةَ آصُعٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، فَإِنْ كَفَّرَ بِالصِّيَامِ أَنْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَجَعَلَ الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ فِي الصَّوْمِ عَدْلًا مِنْ إِطْعَامِ ثَلَاثَةِ آصُعٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ بِالْكَفَّارَةِ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ أَشْبَهُ مِنَ الْكَفَّارَةِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ بِكَفَّارَةِ الْمُوَاقِعِ امْرَأَتَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؟ قِيلَ: إِنَّ الْقِيَاسَ إِنَّمَا هُوَ رَدُّ الْفُرُوعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا إِلَى نَظَائِرِهَا مِنَ الْأُصُولِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْجَمِيعِ مِنَ الْحُجَّةِ، أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مُكَفِّرًا كَفَّرَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ بِالصَّوْمِ، أَنْ يَعْدِلَ صَوْمَ يَوْمٍ بِصَاعِ طَعَامٍ.
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ غَيْرُ جَائِزٍ خِلَافُهَا فِيمَا حُدِّثَ بِهِ مِنَ الدِّينِ مُجْمَعَةً عَلَيْهِ صَحَّ بِذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ مُعَادَلَةِ الصَّوْمِ الطَّعَامَ فِي قَتْلَ الصَّيْدِ مُخَالِفٌ حُكْمَ مُعَادَلَتِهِ إِيَّاهُ فِي كَفَّارَةِ الْحَلْقِ، إِذَا كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ، وَدَاخِلٌ عَلَى آخَرِ قِيَاسًا، وَإِنَّمَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ الْفَرْعُ عَلَى الْأَصْلِ، وَسَوَاءٌ قَالَ قَائِلٌ: هَلَّا رَدَدْتَ حُكْمَ الصَّوْمِ فِي كَفَّارَةِ قَتْلِ الصَّيْدِ عَلَى حُكْمِهِ فِي حَلْقِ الْأَذَى فِيمَا يَعْدِلُ بِهِ مِنَ الطَّعَامِ، وَآخَرُ قَالَ: هَلَّا رَدَدْتَ حُكْمَ الصَّوْمِ فِي الْحَلْقِ عَلَى حُكْمِهِ فِي كَفَّارَةِ قَتْلِ الصَّيْدِ فِيمَا يَعْدِلُ بِهِ مِنَ الطَّعَامِ، فَتُوجِبُ عَلَيْهِ مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ، أَوْ مَكَانَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ، صَوْمَ يَوْمٍ.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ أَنَّ الْعَدْلَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِالْفَتْحِ، وَهُوَ قَدْرُ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، وَأَنَّ الْعِدْلَ هُوَ قَدْرُهُ مِنْ جِنْسِهِ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ يَقُولُ: الْعَدْلُ مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ:

عَدَلْتُ بِهَذَا عَدْلًا حَسَنًا.
قَالَ: وَالْعَدْلُ أَيْضًا بِالْفَتْحِ: الْمِثْلُ، وَلَكِنَّهُمْ فَرَّقُوا بَيْنَ الْعَدْلِ فِي هَذَا وَبَيْنَ عِدْلِ الْمَتَاعِ، بِأَنْ كَسَرُوا الْعَيْنَ مِنْ عِدْلِ الْمَتَاعِ، وَفَتَحُوهَا مِنْ قَوْلِهِمْ: وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ، وَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا، كَمَا قَالُوا: امْرَأَةٌ رَزَانٌ، وَحَجَرٌ رَزِينٌ.
وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْعَدْلُ: هُوَ الْقِسْطُ فِي الْحَقِّ، وَالْعِدْلُ بِالْكَسْرُ: الْمِثْلُ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدَ فِيمَا مَضَى.
وَأَمَّا نَصْبُ الصِّيَامِ فِإِنَّهُ عَلَى التَّفْسِيرِ كَمَا يُقَالُ عِنْدِي مِلْءُ زِقٍّ سَمْنًا، وَقَدْرُ رِطْلٍ عَسَلًا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَا عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا؟ قَالَ: «عَدْلُ الطَّعَامِ مِنَ الصِّيَامِ» قَالَ: لِكُلٍّ يَوْمًا يُؤْخَذُ زَعَمَ بِصِيَامِ رَمَضَانَ وَبِالظِّهَارِ.
وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ رَأْي يَرَاهُ وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَحَدٍ، وَلَمْ تَمْضِ بِهِ سُنَّةٌ قَالَ: ثُمَّ عَاوَدْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِحِينٍ، قُلْتُ: مَا عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا؟ قَالَ: إِنْ أَصَابَ مَا عَدْلُهُ شَاةٌ، قُوِّمَتْ طَعَامًا ثُمَّ صَامَ مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا.
قَالَ: وَلَمْ أَسْأَلْهُ: هَذَا رَأْي أَوْ سُنَّةٌ مَسْنُونَةٌ

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ

سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] قَالَ: «بِصَوْمِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، إِلَى عَشْرَةِ أَيَّامٍ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ حَمَّادٍ، ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] «مِنَ الْجَزَاءِ، إِذَا لَمْ يَجِدْ مَا يَشْتَرِي بِهِ هَدْيًا أَوْ مَا يَتَصَدَّقُ بِهِ مِمَّا لَا يَبْلُغُ ثَمَنَ هَدْي، حُكِمَ عَلَيْهِ الصِّيَامُ مَكَانَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] قَالَ: «إِذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ حُكِمَ عَلَيْهِ فِيهِ، فَإِنْ قَتَلَ ظَبْيًا أَوْ نَحْوَهُ فَعَلَيْهِ شَاةٌ تُذْبَحُ بِمَكَّةَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَإِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
وَإِنْ قَتَلَ أَيِّلًا أَوْ نَحْوَهُ فَعَلَيْهِ بَقَرَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَطْعَمَ عِشْرِينَ مِسْكِينًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عِشْرِينَ يَوْمًا، وَإِنْ قَتَلَ نَعَامَةً أَوْ حِمَارَ وَحْشٍ أَوْ نَحْوَهُ فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَطْعَمَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَالطَّعَامُ مُدٌّ مُدٌّ يُشْبِعُهُمْ»

حَدَّثَنَا ابْنُ الْبَرْقِيِّ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ سَعِيدٍ " الْمُحْرِمُ يُصِيبُ الصَّيْدَ فَيَكُونُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ شَاةً أَوِ الْبَقَرَةَ أَوِ الْبَدَنَةَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَمَا عَدْلُ ذَلِكَ مِنَ الصِّيَامِ أَوِ الصَّدَقَةِ؟ قَالَ: ثَمَنُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ثَمَنَهُ قَوَّمَ ثَمَنَهُ طَعَامًا يَتَصَدَّقُ بِهِ لِكُلِّ مِسْكِينً مُدٌّ، ثُمَّ يَصُومُ لِكُلِّ مُدٍّ يَوْمًا "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَوْجَبْتُ عَلَى قَاتِلِ الصَّيْدِ مُحْرِمًا مَا أَوْجَبْتُ مِنَ الْحَقِّ أَوِ الْكَفَّارَةِ الَّذِي ذَكَرْتُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، كَيْ يَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ وَعَذَابِهِ، يَعْنِي بِـ أَمْرِهِ: ذَنْبَهُ وَفِعْلَهُ الَّذِي فَعَلَهُ مِنْ قَتْلِهِ مَا نَهَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ قَتْلِهِ فِي حَالِ إِحْرَامِهِ،

يَقُولُ: فَأَلْزَمْتُهُ الْكَفَّارَةَ الَّتِي أَلْزَمْتُهُ إِيَّاهَا، لِأُذِيقَهُ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ بِإِلْزَامِهِ الْغَرَامَةَ وَالْعَمَلَ بِبَدَنِهِ مِمَّا يُتْعِبُهُ وَيَشُقُّ عَلَيْهِ.
وَأَصْلُ الْوَبَالِ: الشِّدَّةُ فِي الْمَكْرُوهِ.
وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ: فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا، وَقَدْ بَيَّنَ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ أَنَّ الْكَفَّارَاتِ اللَّازِمَةَ الْأَمْوَالِ وَالْأَبْدَانِ عُقُوبَاتٌ مِنْهُ لِخَلْقِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْحِيصًا لَهُمْ، وَكَفَّارَةً لِذُنُوبِهِمُ الَّتِي كَفَّرُوهَا بِهَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: «أَمَّا وَبَالُ أَمْرِهِ، فَعُقُوبَةُ أَمْرِهِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَبِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَفَا اللَّهُ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ عَمَّا سَلَفَ مِنْكُمْ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ مِنْ إِصَابَتِكُمُ الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَقَتْلِكُمُوهُ، فَلَا

يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَانَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِهِ إِيَّاهُ عَلَيْكُمْ، وَلَا يُلْزِمُكُمْ لَهُ كَفَّارَهً فِي مَالٍ وَلَا نَفْسٍ، وَلَكِنْ مَنْ عَادَ مِنْكُمْ لِقَتْلِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ بِالْمَعْنَى الَّذِي يَقْتُلُهُ فِي حَالِ كُفْرِهِ وَقَبْلَ تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِ مِنِ اسْتِحْلَالِهِ قَتْلَهُ، فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي مَعْنَاهُ: مَنْ عَادَ لِقَتْلِهِ بَعْدَ تَحْرِيمِهِ فِي الْإِسْلَامِ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ فِي الْآخِرَةِ، فَأَمَّا فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنَ الْجَزَاءِ وَالْكَفَّارَةِ فِيهَا مَا بَيَّنْتُ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَحْوَ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي زَائِدَةَ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: مَا ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: 95] ؟ قَالَ: " عَمَّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: 95] ؟ قَالَ: مَنْ عَادَ فِي الْإِسْلَامِ، فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ، وَعَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الْكَفَّارَةُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ وَقَالَ: " وَإِنْ عَادَ فَقَتَلَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، قُلْتُ: هَلْ فِي الْعَوْدِ مِنْ حَدٍّ يُعْلَمُ؟ قَالَ: لَا، قُلْتُ: فَتَرَى حَقًّا عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُعَاقِبَهُ؟ قَالَ: هُوَ ذَنْبٌ أَذْنَبَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، وَلَكِنْ يَفْتَدِي "

حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، وَأَبُو خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: 95] قَالَ: " فِي الْإِسْلَامِ، وَعَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الْكَفَّارَةُ، قُلْتُ: عَلَيْهِ مِنَ الْإِمَامِ عُقُوبَةٌ؟ قَالَ: لَا "

حَدَّثَنَا هَنَّادٌ قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: 95] " عَمَّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ [المائدة: 95] قَالَ: فِي الْإِسْلَامِ، ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: 95] وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ.
قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: فَعَلَيْهِ مِنَ الْإِمَامِ عُقُوبَةٌ؟ قَالَ: لَا "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: " يُحْكَمُ عَلَيْهِ فِي الْخَطَإِ وَالْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ وَكُلَّمَا أَصَابَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: 95] " قَالَ: مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: 95] مَعَ الْكَفَّارَةِ قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَقُلْتُ: «أَيُعَاقِبُهُ السُّلْطَانُ؟» قَالَ: «لَا»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، وَأَبُو خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: 95] ، قَالَ: «عَمَّا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ»

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، أَنَّهُ قَالَ: «يُحْكَمُ عَلَيْهِ كُلَّمَا عَادَ»

حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «كُلَّمَا أَصَابَ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ نَاسِيًا حُكِمَ عَلَيْهِ»

حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ الْيَرْبُوعِيُّ، قَالَ: ثنا فُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: «كُلَّمَا أَصَابَ الصَّيْدَ الْمُحْرِمُ حُكِمَ عَلَيْهِ»

جارٍ التحميل