قَوْلِهِ: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: 143] يَعْنِي بِإِيمَانِهِمْ بِهِ، وَبِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ الْعَقَدِيُّ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ،
قَالَ: قَالَ أُنَاسٌ مِنَ النَّاسِ لَمَّا صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ نَحْوَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ: كَيْفَ بِأَعْمَالِنَا الَّتِي كُنَّا نَعْمَلُ فِي قِبْلَتِنَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] "
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " لَمَّا تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قَالَ الْمُسْلِمُونَ: لَيْتَ شِعْرَنَا عَنْ إِخْوَانِنَا الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، هَلْ تَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَّا وَمِنْهُمْ أَمْ لَا؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهِمْ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] قَالَ: صَلَاتُكُمْ قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، يَقُولُ: إِنَّ تِلْكَ طَاعَةٌ، وَهَذِهِ طَاعَةٌ "
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: " قَالَ نَاسٌ لَمَّا صُرِفَتِ الْقِبْلَةُ إِلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ: " كَيْفَ بِأَعْمَالِنَا الَّتِي كُنَّا نَعْمَلُ فِي قِبْلَتِنَا الْأُولَى؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] الْآيَةَ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ أَبِي عَاصِمِ، قَالَ: " لَمَّا صُرِفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْكَعْبَةِ، قَالَ الْمُسْلِمُونَ: هَلَكَ أَصْحَابُنَا الَّذِينَ كَانُوا يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَنَزَلَتْ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] " يَقُولُ: «صَلَاتُكُمُ الَّتِي صَلَّيْتُمُوهَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَكُونَ الْقِبْلَةُ فَكَانَ الْمُؤْمِنُونَ قَدْ أَشْفَقُوا عَلَى مَنْ صَلَّى مِنْهُمْ أَنْ لَا تُقْبَلَ صَلَاتُهُمْ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، " ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] صَلَاتَكُمْ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْفَزَارِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الْمُؤَمَّلُ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ: " ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] قَالَ: صَلَاتُكُمْ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ " قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ التَّصْدِيقُ، وَأَنَّ التَّصْدِيقَ قَدْ يَكُونُ بِالْقَوْلِ وَحْدَهُ وَبِالْفِعْلِ وَحْدَهُ وَبِهِمَا جَمِيعًا؛ فَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] عَلَى مَا تَظَاهَرْتُ بِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ أَنَّهُ الصَّلَاةُ: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ تَصْدِيقَ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِصَلَاتِكُمُ الَّتِي صَلَّيْتُمُوهَا نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ عَنْ أَمْرِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْكُمْ تَصْدِيقًا لِرَسُولِي، وَاتِّبَاعًا لِأَمْرِي، وَطَاعَةً مِنْكُمْ لِي.
قَالَ: وَإِضَاعَتُهُ إِيَّاهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَوْ أَضَاعَهُ تَرْكُ إِثَابَةِ أَصْحَابِهِ وَعَامِلِيهِ عَلَيْهِ، فَيَذْهَبُ ضَيَاعًا وَيَصِيرُ بَاطِلًا كَهَيْئَةِ إِضَاعَةِ الرَّجُلِ مَالَهُ، وَذَلِكَ إِهْلَاكُهُ إِيَّاهُ فِيمَا لَا يَعْتَاضُ مِنْهُ عِوَضًا فِي عَاجِلٍ وَلَا آجِلٍ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَبْطُلُ عَمَلُ عَامَلٍ عَمِلَ لَهُ عَمَلًا، وَهُوَ لَهُ طَاعَةٌ فَلَا يُثِيبُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ نُسِخَ ذَلِكَ الْفَرْضُ بَعْدَ عَمَلِ الْعَامِلِ إِيَّاهُ عَلَى مَا كَلَّفَهُ مِنْ عَمَلِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: 143] فَأَضَافَ الْإِيمَانَ إِلَى الْأَحْيَاءِ الْمُخَاطَبِينَ، وَالْقَوْمُ الْمُخَاطَبُونَ بِذَلِكَ إِنَّمَا كَانُوا أَشْفَقُوا عَلَى إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَانُوا مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَفِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ قِيلَ: إِنَّ الْقَوْمَ، وَإِنْ كَانُوا أَشْفَقُوا مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ أَيْضًا قَدْ كَانُوا مُشْفِقِينَ مِنْ حُبُوطِ ثَوَابِ صَلَاتِهِمُ الَّتِي صَلُّوهَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَبْلَ التَّحْوِيلِ إِلَى الْكَعْبَةِ، وَظَنُّوا أَنَّ عَمَلَهُمْ ذَلِكَ قَدْ بَطَلَ وَذَهَبَ ضَيَاعًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هَذِهِ الْآيَةَ حِينَئِذٍ، فَوَجَّهَ الْخِطَابَ بِهَا إِلَى الْأَحْيَاءِ، وَدَخَلَ فِيهِمُ الْمَوْتَى مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ إِذَا اجْتَمَعَ فِي الْخَبَرِ الْمُخَاطَبِ وَالْغَائِبِ أَنْ يُغَلِّبُوا الْمُخَاطَبَ، فَيَدْخُلُ الْغَائِبُ فِي الْخَطَّابِ، فَيَقُولُوا لِرَجُلٍ خَاطِبُوهُ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنْهُ، وَعَنْ آخَرَ غَائِبٍ غَيْرِ حَاضِرٍ: فَعَلْنَا بِكُمَا وَصَنَعْنَا بِكُمَا كَهَيْئَةِ خِطَابِهِمْ لَهُمَا وَهُمَا حَاضِرَانِ، وَلَا يَسْتَجِيزُونَ أَنْ يَقُولُوا: فَعَلْنَا بِهِمَا وَهُمْ يُخَاطِبُونَ أَحَدَهُمَا فَيَرُدُّوا الْمُخَاطَبَ إِلَى عِدَادِ الْغَيْبِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ إِنَّ اللَّهَ بِجَمِيعِ عِبَادِهِ ذُو رَأْفَةٍ.
وَالرَّأْفَةُ أَعْلَى مَعَانِي الرَّحْمَةِ، وَهِيَ عَامَّةٌ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ فِي الدُّنْيَا وَلِبَعْضِهِمْ فِي الْآخِرَةِ.
وَأَمَّا الرَّحِيمُ، فَإِنَّهُ ذُو الرَّحْمَةِ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي
الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ.
وَإِنَّمَا أَرَادَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ أَنْ يُضَيِّعَ لَهُمْ طَاعَةً أَطَاعُوهُ بِهَا فَلَا يُثِيبُهُمْ عَلَيْهَا، وَأَرْأَفُ بِهِمْ مِنْ أَنْ يُؤَاخِذَهُمْ بِتَرْكِ مَا لَمْ يَفْرِضْهُ عَلَيْهِمْ.
أَيْ وَلَا تَأْسَوْا عَلَى مَوْتَاكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يُصَلُّونَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَإِنِّي لَهُمْ عَلَى طَاعَتِهِمْ إِيَّايَ بِصَلَاتِهِمُ الَّتِي صَلُّوهَا كَذَلِكَ مُثِيبٌ، لِأَنِّي أَرْحَمٌ بِهِمْ مِنْ أَنْ أُضَيِّعَ لَهُمْ عَمَلًا عَمِلُوهُ لِي، وَلَا تَحْزَنُوا عَلَيْهِمْ، فَإِنِّي غَيْرُ مُؤَاخِذُهُمْ بِتَرْكِهِمُ الصَّلَاةَ إِلَى الْكَعْبَةِ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ فَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَأَنَا أَرْأَفُ بِخُلُقِي مِنْ أَنْ أُعَاقِبَهُمْ عَلَى تَرْكِهِمْ مَا لَمْ آمُرُهُمْ بِعَمَلِهِ.
وَفِي الرَّءُوفِ لُغَاتٌ: إِحْدَاهَا «رَؤُفٌ» عَلَى مِثَالِ «فَعُلٌ» كَمَا قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ:
[البحر الوافر]
وَشَرُّ الطَّالِبِينَ وَلَا تَكُنْهُ ... بِقَاتِلِ عَمِّهِ الرَّؤُفِ الرَّحِيمُ
وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْأُخْرَى «رَءُوفٌ» عَلَى مِثَالِ «فَعُولٌ» ، وَهِيَ قِرَاءَةُ عَامَّةِ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ.
وَ «رَئِفٌ» وَهِيَ لُغَةُ غَطَفَانَ، عَلَى مِثَالِ «فَعِلٌ» مِثْلَ «حَذِرٌ» . وَ «رَأْفٌ» عَلَى مِثَالِ «فَعْلٌ» بَجَزْمِ الْعَيْنِ، وَهِيَ لُغَةٌ لِبَنِي أَسَدٍ،
وَالْقِرَاءَةُ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلِينَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 144] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَدْ نَرَى يَا مُحَمَّدُ نَحْنُ تَقَلُّبَ
وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ.
وَيَعْنِي بِالتَّقَلُّبِ: التَّحَوُّلِ وَالتَّصَرُّفِ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 144] نَحْوَ السَّمَاءِ وَقِبَلِهَا.
وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ ذَلِكَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَلَغَنَا، لِأَنَّهُ كَانَ قَبْلَ تَحْوِيلِ قِبْلَتِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى الْكَعْبَةِ يَرْفَعُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَنْتَظِرُ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمْرَهُ بِالتَّحْوِيلِ نَحْوَ الْكَعْبَةِ
كَمَا حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 144] قَالَ: «كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَلِّبُ وَجْهَهُ فِي السَّمَاءِ يُحِبُّ أَنْ يَصْرِفَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى الْكَعْبَةِ حَتَّى صَرَفَهُ اللَّهُ إِلَيْهَا»
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 144] «فَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، يَهْوَى وَيَشْتَهِي الْقِبْلَةَ نَحْوَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، فَوَجَّهَهُ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِقَبْلَةٍ كَانَ يَهْوَاهَا وَيَشْتَهِيهَا»
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 144] يَقُولُ: نَظَرَكَ فِي السَّمَاءِ.
«وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَلِّبُ وَجْهَهُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ يَهْوَى قِبْلَةَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، فَوَلَّاهُ اللَّهُ قِبْلَةً كَانَ يَهْوَاهَا»
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " كَانَ النَّاسُ يُصَلُّونَ قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مُهَاجَرِهِ، كَانَ إِذَا صَلَّى رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ يَنْظُرُ مَا يُؤْمَرُ، وَكَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ.
فَنَسَخَتْهَا الْكَعْبَةُ.
فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ أَنْ يُصَلِّيَ قِبَلَ الْكَعْبَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 144] الْآيَةَ «ثُمَّ اخْتَلَفَ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهْوَى قِبْلَةَ الْكَعْبَةِ» قَالَ بَعْضُهُمْ: كَرِهَ قِبْلَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْيَهُودَ قَالُوا.
يَتَّبِعُ قِبْلَتَنَا وَيُخَالِفُنَا فِي دِينِنَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " قَالَتِ الْيَهُودُ: يُخَالِفُنَا مُحَمَّدٌ، وَيَتَّبِعُ قِبْلَتَنَا فَكَانَ يَدْعُو اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، وَيَسْتَفْرِضُ لِلْقِبْلَةِ، فَنَزَلَتْ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] وَانْقَطَعَ قَوْلُ يَهُودَ:
يُخَالِفُنَا وَيَتَّبِعُ قِبْلَتَنَا فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ.
فَجَعَلَ الرِّجَالَ مَكَانَ النِّسَاءِ، وَالنِّسَاءَ مَكَانَ الرِّجَالِ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ، يَقُولُ: " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
﴿فَأَيْنَمَا تُوَلَّوْا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: 115] قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَؤُلَاءِ قَوْمٌ يَهُودُ يَسْتَقْبِلُونَ بَيْتًا مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ» لَبَيْتِ الْمَقْدِسِ «لَوْ أَنَّا اسْتَقْبَلْنَاهُ» ، فَاسْتَقْبَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَبَلَغَهُ أَنْ يَهُودَ تَقُولُ: وَاللَّهِ مَا دَرَى مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ أَيْنَ قِبْلَتُهُمْ حَتَّى هَدَيْنَاهُمْ.
فَكَرِهَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَفَعَ وَجْهَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 144] الْآيَةَ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ يَهْوَى ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ كَانَ قِبْلَةَ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَكَانَ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الْيَهُودُ أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَفَرِحَتِ الْيَهُودُ، فَاسْتَقْبَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ قِبْلَةَ إِبْرَاهِيمَ، فَكَانَ يَدْعُو وَيَنْظُرُ إِلَى السَّمَاءِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 144] الْآيَةَ "