قَوْلُهُ: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَمَّا يَدْخُلِ الْعِلْمُ بِشَرَائِعِ الْإِيمَانِ، وَحَقَائِقِ مَعَانِيهِ فِي قُلُوبِكُمْ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: 14] يَقُولُ تَعَالَى
ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ لِهَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ الْقَائِلِينَ آمَنَّا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ، إِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أَيُّهَا الْقَوْمُ، فَتَأْتَمِرُوا لَأَمْرِهِ وَأَمْرِ رَسُولِهِ، وَتَعْمَلُوا بِمَا فُرِضَ عَلَيْكُمْ، وَتَنْتَهُوا عَمَّا نَهَاكُمْ عَنْهُ ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: 14] يَقُولُ: لَا يَظْلِمُكُمْ مِنْ أُجُورِ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا وَلَا يَنْقُصُكُمْ مِنْ ثَوَابِهَا شَيْئًا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾ [الحجرات: 14] «لَا يَنْقُصْكُمْ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ [الحجرات: 14] يَقُولُ: «لَنْ يَظْلِمَكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا»
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحجرات: 14] قَالَ: «إِنْ تَصْدُقُوا إِيمَانَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ مِنْكُمْ» وَقَرَأَتْ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ﴾ [الحجرات: 14] بِغَيْرِ هَمْزٍ وَلَا أَلِفٍ، سِوَى أَبِي عَمْرٍو، فَإِنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ (لَا يَأْلِتْكُمْ) بِأَلِفٍ اعْتِبَارًا مِنْهُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: 21] فَمَنْ قَالَ: أَلَتَ قَالَ: يَأْلِتُ
وَأَمَّا الْآخَرُونَ فَإِنَّهُمْ جَعَلُوا ذَلِكَ مَنْ لَاتَ يَلِيتُ، كَمَا قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ: وَلَيْلَةٍ ذَاتِ نَدَى سَرَيْتُ ... وَلَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُرَاهَا لَيْتُ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ، مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾ [الحجرات: 14] بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَا هَمْزٍ، عَلَى لُغَةِ مَنْ قَالَ: لَاتَ يَلِيتُ، لِعِلَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: إِجْمَاعُ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهَا وَالثَّانِيَةُ أَنَّهَا فِي الْمُصْحَفِ بِغَيْرِ أَلِفٍ، وَلَا تَسْقُطُ الْهَمْزَةُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ، لِأَنَّهَا سَاكِنَةٌ، وَالْهَمْزَةُ إِذَا سَكَنَتْ ثَبَتَتْ، كَمَا يُقَالُ: تَأْمُرُونَ وَتَأْكُلُونَ، وَإِنَّمَا تَسْقُطُ إِذَا سَكَنَ مَا قَبْلَهَا، وَلَا يُحْمَلُ حَرْفٌ فِي الْقُرْآنِ إِذَا أَتَى بِلُغَةٍ عَلَى آخَرَ جَاءَ بِلُغَةٍ خِلَافِهَا إِذَا كَانَتِ اللُّغَتَانِ مَعْرُوفَتَيْنِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَلَتَ وَلَاتَ لُغَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ مِنْ كَلَامِهِمْ
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 173] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ ذُو عَفْو أَيُّهَا الْأَعْرَابُ لِمَنْ أَطَاعَهُ، وَتَابَ إِلَيْهِ مِنْ سَالِفِ ذُنُوبِهِ، فَأَطِيعُوهُ، وَانْتَهُوا إِلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، يَغْفِرُ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ، رَحِيمٌ بِخَلْقِهِ التَّائِبِينَ إِلَيْهِ أَنْ يُعَاقِبَهُمْ بَعْدَ تَوْبَتِهِمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ عَلَى مَا تَابُوا مِنْهُ، فَتُوبُوا إِلَيْهِ
يَرْحَمْكُمْ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 173] «غَفُورٌ لِلذُّنُوبِ الْكَثِيرَةِ أَوِ الْكَبِيرَةِ، شَكَّ يَزِيدُ، رَحِيمٌ بِعِبَادِهِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْأَعْرَابِ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ أَيُّهَا الْقَوْمُ الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ
وَرَسُولَهُ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا، يَقُولُ: ثُمَّ لَمْ يَشُكُّوا فِي وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَلَا فِي نُبُوَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَلْزَمَ نَفْسَهُ طَاعَةَ اللَّهِ وَطَاعَةَ رَسُولِهِ، وَالْعَمَلَ بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ بِغَيْرِ شَكٍّ مِنْهُ فِي وجُوبِ ذَلِكَ عَلَيْهِ ﴿وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: 72] يَقُولُ: جَاهَدُوا الْمُشْرِكِينَ بِإِنْفَاقِ أَمْوَالِهِمْ، وَبَذْلِ مُهَجِهِمْ فِي جِهَادِهِمْ، عَلَى مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ جِهَادِهِمْ، وَذَلِكَ سَبِيلُهُ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ الْعُلْيَا، وَكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 15] يَقُولُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ فِي قَوْلِهِمْ: إِنَّا مُؤْمِنُونَ، لَا مَنْ دَخَلَ فِي الْمِلَّةِ خَوْفَ السَّيْفِ لِيَحْقِنَ دَمَهُ وَمَالَهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 15] قَالَ: «صَدَّقُوا إِيمَانَهُمْ بِأَعْمَالِهِمْ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ﴾ [البقرة: 80] يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ الْقَائِلِينَ آمَنَّا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِهِمْ ﴿أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ﴾ [الحجرات: 16] أَيُّهَا الْقَوْمُ بِدِينِكُمْ،
يَعْنِي بِطَاعَتِكُمْ رَبَّكُمْ ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ يَقُولُ: وَاللَّهُ الَّذِي تُعَلِّمُونَهُ أَنَّكُمْ مُؤْمِنُونَ، عَلَّامُ جَمِيعِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ، فَكَيْفَ تُعَلِّمُونَهُ بِدِينِكُمْ، وَالَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَهُوَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، فِي سَمَاءٍ وَلَا أَرْضٍ، فَيَخْفَى عَلَيْهِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الدِّينِ ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 282] يَقُولُ: وَاللَّهُ بِكُلِّ مَا كَانَ وَمَا هُوَ كَائِنٌ، وَبِمَا يَكُونُ ذُو عِلْمٍ وَإِنَّمَا هَذَا تَقَدُّمٌ مِنَ اللَّهِ إِلَى هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ بِالنَّهْيِ، عَنْ أَنَ يَكْذِبُوا وَيَقُولُوا غَيْرَ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ فِي دِينِهِمْ يَقُولُ: اللَّهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمٌ بِهِ، فَاحْذَرُوا أَنْ تَقُولُوا خِلَافَ مَا يَعْلَمُ مِنْ ضَمَائِرِ صُدُورِكُمْ، فَيَنَالُكُمْ عُقُوبَتُهُ، فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: 17] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُمُنَّ عَلَيْكَ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ يَا مُحَمَّدُ أَنْ أَسْلَمُوا ﴿قُلْ لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 17] يَقُولُ: بَلِ اللَّهُ يُمُنُّ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ أَنْ وَفَّقَكُمْ لِلْإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 23] يَقُولُ: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِي قَوْلِكُمْ آمَنَّا،
فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي مَنَّ عَلَيْكُمْ بِأَنْ هَدَاكُمْ لَهُ، فَلَا تَمُنُّوا عَلِيَّ بِإِسْلَامِكُمْ وَذُكِرَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابَ مِنْ بَنِي أَسَدٍ، امْتَنُّوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: آمَنَّا مِنْ غَيْرِ قِتَالٍ، وَلَمْ نُقَاتِلْكَ كَمَا قَاتَلَكَ غَيْرُنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَاتِ:
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات: 17] " أَهُمْ بَنُو أَسَدٍ؟ قَالَ: قَدْ قِيلَ ذَلِكَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ قَالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات: 17] أَهُمْ بَنُو أَسَدٍ؟ قَالَ: «يَزْعُمُونَ ذَاكَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ قَالَ: ثَنَا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ قَالَ: " كَانَ بِشْرُ بْنُ غَالِبٍ وَلَبِيدُ بْنُ عُطَارِدٍ، أَوْ بِشْرُ بْنُ عُطَارِدٍ، وَلَبِيدُ بْنُ غَالِبٍ عِنْدَ الْحَجَّاجِ جَالِسَيْنِ، فَقَالَ بِشْرُ بْنُ غَالِبٍ لِلَبِيدِ بْنِ عُطَارِدٍ: نَزَلَتْ فِي قَوْمِكَ تَمِيمٍ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: 4] فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فَقَالَ: " إِنَّهُ لَوْ عَلِمَ بِآخِرِ الْآيَةِ أَجَابَهُ ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات: 17] قَالُوا: أَسْلَمْنَا وَلَمْ نُقَاتِلْكَ بَنُو أَسَدٍ "
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿لَا تَمُنُّوا﴾ [الحجرات: 17] "
أَنَّا أَسْلَمْنَا، بِغَيْرِ قِتَالٍ لَمْ نُقَاتِلْكَ كَمَا قَاتَلَكَ بَنُو فُلَانٍ وَبَنُو فُلَانٍ، فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ﴾ [الحجرات: 17] لَهُمْ ﴿لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يُمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 17] "
حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ﴾ [الحجرات: 17] قَالَ: «فَهَذِهِ الْآيَاتُ نَزَلَتْ فِي الْأَعْرَابِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ أَيُّهَا الْأَعْرَابُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ الصَّادِقُ مِنْكُمْ مِنَ الْكَاذِبِ، وَمَنِ الدَّاخِلُ مِنْكُمْ فِي مِلَّةِ الْإِسْلَامِ رَغْبَةً فِيهِ، وَمَنِ الدَّاخِلُ فِيهِ رَهْبَةً مِنْ رَسُولِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَجُنْدِهِ، فَلَا تُعَلِّمُونَا دِينَكُمْ وَضَمَائِرَ صُدُورِكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّهُ ضَمَائِرُ صُدُورِكُمْ، وَتُحَدِّثُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ، وَيَعْلَمُ مَا غَابَ عَنْكُمْ، فَاسْتَسَرَّ فِي خَبَايَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الحجرات: 18] يَقُولُ: وَاللَّهُ ذُو بَصَرٍ بِأَعْمَالِكُمُ الَّتِي تَعْمَلُونَهَا، أَجَهْرًا تَعْمَلُونَ أَمْ سِرًّا، طَاعَةً تَعْمَلُونَ أَوْ مَعْصِيَةً؟ وَهُوَ مُجَازِيكُمْ عَلَى جَمِيعِ ذَلِكَ، إِنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وَإِنْ شَرًّا فَشَرٌّ وَكُفْؤُهُ وَ ﴿أَنْ﴾ [البقرة: 25] فِي قَوْلِهِ: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾ [الحجرات: 17] فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِوُقُوعِ يَمُنُّونَ عَلَيْهَا، وَذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ «يَمُنُّونَ عَلَيْكَ إِسْلَامَهُمْ» ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا، وَلَوْ قِيلَ: هِيَ نَصْبٌ بِمَعْنَى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ لِأَنْ
أَسْلَمُوا، لَكَانَ وَجْهًا يُتَّجَهُ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: هِيَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ بِمَعْنَى: لِأَنْ أَسْلَمُوا وَأَمَّا ﴿أَنْ﴾ [البقرة: 25] الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿بَلِ اللَّهُ يُمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ﴾ [الحجرات: 17] فَإِنَّهَا فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِسُقُوطِ الصِّلَةِ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: بَلِ اللَّهُ يُمُنُّ عَلَيْكُمْ بِأَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ