قَوْلُهُ: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ [التوبة: 99] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَاهُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِالصَّلَوَاتِ الْكَنَائِسُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: 45] قَالَ: «مُجَصَّصٍ» هَكَذَا هُوَ فِي كِتَابِي: عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَقَصْرٍ رَفِيعٍ طَوِيلٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: 45] قَالَ: «كَانَ أَهْلُهُ شَيَّدُوهُ وَحَصَّنُوهُ، فَهَلَكُوا وَتَرَكُوهُ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الحج: 45] يَقُولُ: «طَوِيلٍ» وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ: قَوْلُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِالْمَشِيدِ الْمُجَصَّصُ، وَذَلِكَ أَنَّ الشِّيدَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ الْجِصُّ بِعَيْنِهِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الرَّاجِزِ:
[البحر البسيط]
كَحَبَّةِ الْمَاءِ بَيْنَ الطَّيِّ وَالشِّيدِ
فَالْمَشِيدُ: إِنَّمَا هُوَ مَفْعُولٌ مِنَ الشِّيدِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
[البحر الطويل]
وَتَيْمَاءَ لَمْ يَتْرُكْ بِهَا جِذْعَ نَخْلَةٍ ... وَلَا أُطُمًا إِلَّا مَشِيدًا بِجَنْدَلِ
يَعْنِي بِذَلِكَ: إِلَّا بِالْبِنَاءِ بِالشِّيدِ وَالْجَنْدَلِ.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِالْمَشِيدِ: الْمَرْفُوعُ بِنَاؤُهُ بِالشِّيدِ، فَيَكُونُ الَّذِينَ قَالُوا: عُنِيَ بِالْمَشِيدِ الطَّوِيلُ , نَحُوا بِذَلِكَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
[البحر الخفيف]
شَادَهُ مَرْمَرًا وَجَلَّلَهُ كِلْـ ... سًا فَلِلطَّيْرِ فِي ذُرَاهُ وُكُورُ
وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِلُغَاتِ الْعَرَبِ , بِمَعْنَى الْمُزَيَّنِ بِالشِّيدِ , مِنْ: شِدْتُهُ أَشِيدُهُ.
إِذَا زَيَّنْتَهُ بِهِ، وَذَلِكَ شَبِيهٌ بِمَعْنَى مَنْ قَالَ مُجَصَّصٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَلَمْ يَسِيرُوا هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَالْجَاحِدُونَ قُدْرَتَهُ فِي الْبِلَادِ، فَيَنْظُرُوا إِلَى مَصَارِعِ
ضُرَبَائِهِمْ مِنْ مُكَذِّبِي رُسُلِ اللَّهِ , الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ، كَعَادٍ , وَثَمُودَ , وَقَوْمِ لُوطٍ , وَشُعَيْبٍ، وَأَوْطَانِهِمْ وَمَسَاكِنِهِمْ، فَيَتَفَكَّرُوا فِيهَا , وَيَعْتَبِرُوا بِهَا , وَيَعْلَمُوا بِتَدَبُّرِهِمْ أَمْرَهَا , وَأَمْرَ أَهْلِهَا سُنَّةَ اللَّهِ فِيمَنْ كَفَرَ , وَعَبَدَ غَيْرَهُ , وَكَذَّبَ رُسُلَهُ، فَيُنِيبُوا مِنْ عُتُوِّهِمْ , وَكُفْرِهِمْ، وَيَكُونُ لَهُمْ إِذَا تَدَبَّرُوا ذَلِكَ , وَاعْتَبِرُوا بِهِ , وَأَنَابُوا إِلَى الْحَقِّ.
﴿قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ [الحج: 46] حُجَجَ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ , وَقُدْرَتَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
﴿أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الحج: 46] يَقُولُ: أَوْ آذَانٌ تُصْغِي لِسَمَاعِ الْحَقِّ فَتَعِي ذَلِكَ , وَتُمَيِّزُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَاطِلِ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: 46] يَقُولُ: فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى أَبْصَارُهُمْ أَنْ يُبْصِرُوا بِهَا الْأَشْخَاصَ وَيَرَوْهَا، بَلْ يُبْصِرُونَ ذَلِكَ بِأَبْصَارِهِمْ؛ وَلَكِنْ تَعْمَى قُلُوبُهِمُ الَّتِي فِي صُدُورِهِمْ عَنْ إِبْصَارِ الْحَقِّ وَمَعْرِفَتِهِ
وَالْهَاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى﴾ [الحج: 46] هَاءُ عِمَادٍ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: إِنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ قَائِمٌ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: «فَإِنَّهُ لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ» وَقِيلَ: ﴿وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: 46] وَالْقُلُوبُ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الصُّدُورِ، تَوْكِيدًا لِلْكَلَامِ، كَمَا قِيلَ: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 167]