قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: 18] يَقُولُ: قَلَّمَا تَتَكَلَّمُ امْرَأَةٌ فَتُرِيدُ أَنْ تَتَكَلَّمَ بِحُجَّتِهَا إِلَّا تَكَلَّمَتْ بِالْحُجَّةِ عَلَيْهَا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: 18] قَالَ: «النِّسَاءُ» وَقَالَ آخَرُونَ: عُنِيَ بِذَلِكَ أَوْثَانُهُمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ [الزخرف: 18] الْآيَةَ قَالَ: «هَذِهِ تَمَاثِيلُهُمُ الَّتِي يَضْرِبُونَهَا مِنْ فِضَّةٍ وَذَهَبٍ يَعْبُدُونَهَا هُمُ الَّذِينَ أَنْشَأُوهَا، ضَرَبُوهَا مِنْ تِلْكَ الْحِلْيَةِ، ثُمَّ عَبَدُوهَا» ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: 18] قَالَ: «لَا يَتَكَلَّمُ» ، وَقَرَأَ ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: 4] وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِذَلِكَ الْجَوَارِي وَالنِّسَاءُ، لِأَنَّ ذَلِكَ عَقِيبَ خَبَرِ اللَّهِ عَنْ إِضَافَةِ الْمُشْرِكِينَ إِلَيْهِ مَا يَكْرَهُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْبَنَاتِ، وَقِلَّةِ مَعْرِفَتِهِمْ بِحَقِّهِ، وَتَحْلِيَتِهِمْ إِيَّاهُ مِنَ الصِّفَاتِ وَالْبُخْلِ، وَهُوَ خَالِقُهُمْ وَمَالِكُهُمْ وَرَازِقُهُمْ، وَالْمُنْعِمُ عَلَيْهِمُ النِّعَمَ الَّتِي عَدَّدَهَا فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ مَا لَا يَرْضَوْنَهُ لِأَنْفُسِهِمْ، فَاتِّبَاعُ ذَلِكَ مِنَ الْكَلَامِ مَا كَانَ نَظِيرًا لَهُ أَشْبَهُ وَأَوْلَى مِنَ اتِّبَاعِهِ مَا لَمْ يَجِرِ لَهُ ذِكْرٌ وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾ [الزخرف: 18] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْمَكِّيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ (أَوَمَنْ يَنْشَأُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالتَّخْفِيفِ مِنْ نَشَأَ يَنْشَأُ وَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ﴿يُنَشَّأُ﴾ [الزخرف: 18] بِضَمِّ الْيَاءِ
وَتَشْدِيدِ الشِّينِ مِنْ نَشَّأْتُهُ فَهُوَ يُنَشَّأُ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ، مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى، لِأَنَّ الْمُنَشَّأَ مِنَ الْإِنْشَاءِ نَاشِئٌ، وَالنَّاشِئُ مُنَشَّأُ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ «أَوْ مَنْ لَا يُنَشَّأُ إِلَّا فِي الْحِلْيَةِ» ، وَفِي «مَنْ» وُجُوهٌ مِنَ الْإِعْرَابِ: الرَّفْعُ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، وَالنُّصْبُ عَلَى إِضْمَارِ يَجْعَلُونَ كَأَنَّهُ قِيلَ: أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ يَجْعَلُونَ بَنَاتِ اللَّهِ وَقَدْ يَجُوزُ النَّصَبُ فِيهِ أَيْضًا عَلَى الرَّدِّ عَلَى قَوْلِهِ: أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ، فَيَرُدُّ «مَنْ» عَلَى الْبَنَاتِ، وَالْخَفْضُ عَلَى الرَّدِّ عَلَى «مَا» الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ [الزخرف: 17]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف: 19] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَجَعَلَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ بِاللَّهِ مَلَائِكَتَهُ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ «الَّذِينَ هُمْ عِنْدَ الرَّحْمَنِ» بِالنُّونِ، فَكَأَنَّهُمْ تَأَوَّلُوا فِي ذَلِكَ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأعراف: 206] فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ: وَجَعَلُوا مَلَائِكَةَ اللَّهِ الَّذِينَ هُمْ عِنْدَهُ يُسَبِّحُونَهُ وَيُقَدِّسُونَهُ إِنَاثًا، فَقَالُوا: هُمْ بَنَاتُ اللَّهِ جَهْلًا
مِنْهُمْ بِحَقِّ اللَّهِ، وُجَرْأَةً مِنْهُمْ عَلَى قِيلِ الْكَذِبِ وَالْبَاطِلِ وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: 19] بِمَعْنَى: جَمْعِ عَبْدٍ فَمَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى قِرَاءَةِ هَؤُلَاءِ: وَجَعَلُوا مَلَائِكَةَ اللَّهِ الَّذِينَ هُمْ خَلْقُهُ وَعِبَادُهُ بَنَاتِ اللَّهِ، فَأَنَّثُوهُمْ بِوَصْفِهِمْ إِيَّاهُمْ بِأَنَّهُمْ إِنَاثٌ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ صَحِيحَتَا الْمَعْنَى، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ عِبَادُ اللَّهِ وَعِنْدَهُ وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ [الزخرف: 19] فَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ: (أُشْهِدُوا خَلْقَهُمْ) بِضَمِّ الْأَلْفِ عَلَى وَجْهِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ، بِمَعْنَى: أَأَشْهدَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْجَاعِلِينَ مَلَائِكَةَ اللَّهِ إِنَاثًا، خَلْقَ مَلَائِكَتِهِ الَّذِينَ هُمْ عِنْدَهُ، فَعَلِمُوا مَا هُمْ، وَأَنَّهُمْ إِنَاثٌ، فَوَصَفُوهُمْ بِذَلِكَ، لِعِلْمِهِمْ بِهِمْ، وَبِرُؤْيَتِهِمْ إِيَّاهُمْ، ثُمَّ رَدَّ ذَلِكَ إِلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَقُرِئَ بِفَتْحِ الْأَلْفِ، بِمَعْنَى: أَشَهِدُوا هُمْ ذَلِكَ فَعَلِمُوهُ؟ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ وَقَوْلُهُ: ﴿سَتُكْتَبَ شَهَادَتُهُمْ﴾ [الزخرف: 19] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: سَتُكْتَبَ شَهَادَةُ هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ فِي الدُّنْيَا، بِمَا شَهِدُوا بِهِ عَلَيْهِمْ، وَيُسْأَلُونَ عَنْ شَهَادَتِهِمْ تِلْكَ فِي الْآخِرَةِ أَنْ يَأْتُوا بِبُرْهَانٍ عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَلَنْ يَجِدُوا إِلَى
ذَلِكَ سَبِيلًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَّا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ: لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَا أَوْثَانَنَا الَّتِي نَعْبُدُهَا مِنْ دُونِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُحِلَّ بِنَا
عُقُوبَةً عَلَى عِبَادَتِنَا إِيَّاهَا لِرِضَاهُ مِنَّا بِعِبَادَتِنَاهَا
كَمَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: 20] «لِلْأَوْثَانِ»
يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿مَّا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الزخرف: 20] يَقُولُ: مَا لَهُمْ بِحَقِيقَةِ مَا يَقُولُونَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ، وَإِنَّمَا يَقُولُونَهُ تَخَرُّصًا وَتَكَذُّبًا، لِأَنَّهُمْ لَا خَبَرَ عِنْدَهُمْ مِنِّي بِذَلِكَ وَلَا بُرْهَانَ، وَإِنَّمَا يَقُولُونَهُ ظَنًّا وَحُسْبَانًا ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: 20] يَقُولُ: مَا هُمْ إِلَّا مُتَخَرِّصُونَ هَذَا الْقَوْلَ الَّذِي قَالُوهُ، وَذَلِكَ قَوْلُهُمْ
﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: 20] وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ
مَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنَا الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ،
جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: 20] «مَا يَعْلَمُونَ قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ»
وَقَوْلُهُ: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ﴾ [الزخرف: 21] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا آتَيْنَا هَؤُلَاءِ الْمُتَخَرِّصِينَ الْقَائِلِينَ لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَا الْآلِهَةَ كِتَابًا بِحَقِيقَةِ مَا يَقُولُونَ مِنْ ذَلِكَ، مِنْ قَبْلِ هَذَا الْقُرْآنِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ ﴿فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: 21] يَقُولُ: فَهُمْ بِذَلِكَ الْكِتَابِ الَّذِي جَاءَهُمْ مِنْ عِنْدِي مِنْ
قَبْلِ هَذَا الْقُرْآنِ مُسْتَمْسِكُونَ يَعْمَلُونَ بِهِ، وَيَدِينُونَ بِمَا فِيهِ، وَيَحْتَجُّونَ بِهِ عَلَيْكَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 22] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا آتَيْنَا هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ: لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَا هَؤُلَاءِ الْأَوْثَانَ بِالْأَمْرِ بِعِبَادَتِهَا، كِتَابًا مِنْ عِنْدِنَا، وَلَكِنَّهُمْ قَالُوا: وَجَدْنَا آبَاءَنَا الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَنَا
يَعْبُدُونَهَا، فَنَحْنُ نَعْبُدُهَا كَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَهَا؛ وَعَنَى جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 22] بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى دِينٍ وَمِلَّةٍ، وَذَلِكَ هُوَ عِبَادَتُهُمُ الْأَوْثَانَ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 22] «مِلَّةٍ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثَنِي أَبِي قَالَ: ثَنِي عَمِّي قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 22] يَقُولُ: «وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى دِينٍ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 22] قَالَ: " قَدْ قَالَ ذَلِكَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى دِينٍ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 22] قَالَ: «عَلَى دِينٍ» وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 22] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ ﴿عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 22] بِضَمِّ الْأَلْفِ بِالْمَعْنَى الَّذِي وَصَفْتُ مِنَ الدِّينِ وَالْمِلَّةِ وَالسُّنَّةِ وَذُكِرَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُمَا قَرَآهُ «عَلَى إِمَّةٍ» بِكَسْرِ الْأَلْفِ
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهَا إِذَا كُسِرَتْ أَلِفُهَا، فَكَانَ بَعْضُهُمْ يُوَجِّهُ تَأْوِيلَهَا إِذَا كُسِرَتْ عَلَى أَنَّهَا الطَّرِيقَةُ وَأَنَّهَا مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: أَمَمْتُ الْقَوْمَ فَأَنَا أَؤُمُّهُمْ إِمَّةً وَذُكِرَ عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا: مَا أَحْسَنَ عَمَّتَهُ وَإِمَّتُهُ وَجِلْسَتَهُ إِذَا كَانَ مَصْدَرًا وَوَجَّهَهُ بَعْضُهُمْ إِذَا كُسِرَتْ أَلِفُهَا إِلَى أَنَّهَا الْإِمَّةُ الَّتِي بِمَعْنَى النَّعِيمِ وَالْمُلْكِ، كَمَا قَالَ عَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ:
ثُمَّ بَعْدَ الْفَلَاحِ وَالْمُلْكِ وَالْإِمَّـ ... ـةِ وَارَتْهُمْ هُنَاكَ الْقُبُورُ
وَقَالَ: أَرَادَ إِمَامَةَ الْمُلْكِ وَنَعِيمَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْأُمَّةُ بِالضَّمِّ، وَالْإِمَّةُ بِالْكَسْرِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ الَّذِي لَا أَسْتَجِيزُ غَيْرَهُ: الضَّمُّ فِي الْأَلِفِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ عَلَيْهِ وَأَمَّا الَّذِينَ كَسَرُوهَا فَإِنِّي لَا أَرَاهُمْ قَصَدُوا بِكَسْرِهَا إِلَّا مَعْنَى الطَّرِيقَةِ وَالْمِنْهَاجِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ، لَا النِّعْمَةَ وَالْمُلْكَ، لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِأَنْ يُقَالَ: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى نِعْمَةٍ وَنَحْنُ لَهُمْ مُتَّبِعُونَ فِي ذَلِكَ، لِأَنَّ الِاتِّبَاعَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمِلَلِ وَالْأَدْيَانِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لَا فِي الْمُلْكِ وَالنِّعْمَةِ، لِأَنَّ الِاتِّبَاعَ فِي الْمُلْكِ لَيْسَ بِالْأَمْرِ الَّذِي يَصِلُ إِلَيْهِ كُلُّ مَنْ أَرَادَهُ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 22] يَقُولُ: وَإِنَّا عَلَى آثَارِ آبَائِنَا فِيمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ دِينِهِمْ مُهْتَدُونَ، يَعْنِي: لَهُمْ مُتَّبِعُونَ عَلَى مِنْهَاجِهِمْ
كَمَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: ثَنِي أَبِي قَالَ: ثَنِي عَمِّي قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 22] يَقُولُ: «إِنَّا عَلَى دِينِهِمْ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 22] يَقُولُ: «وَإِنَّا مُتَّبِعُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَهَكَذَا كَمَا فَعَلَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ قُرَيْشٍ فِعْلَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ، وَقَالُوا مِثْلَ قَوْلِهِمْ، لَمْ نُرْسِلْ مِنْ
قَبْلِكَ يَا مُحَمَّدُ فِي قَرْيَةٍ، يَعْنِي إِلَى أَهْلِهَا رُسُلًا تُنْذِرُهُمْ عِقَابَنَا عَلَى كُفْرِهِمْ بِنَا فَأَنْذَرُوهُمْ وَحَذَّرُوهُمْ سُخْطَنَا، وَحُلُولَ عُقُوبَتِنَا بِهِمْ ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ [سبأ: 34] ، وَهُمْ رُؤَسَاؤُهُمْ وَكُبَرَاؤُهُمْ
كَمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ [الزخرف: 23] قَالَ: «رُؤَسَاؤُهُمْ وَأَشْرَافُهُمْ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ [الزخرف: 23] «قَادَتُهُمْ وَرُءُوسُهُمْ فِي الشِّرْكِ»
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 22] يَقُولُ: قَالُوا: إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى مِلَّةٍ وَدِينٍ ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ﴾ [الزخرف: 22] يَعْنِي: وَإِنَّا عَلَى مِنْهَاجِهِمْ وَطَرِيقَتِهِمْ مُقْتَدُونَ بِفِعْلِهِمْ نَفْعَلُ كَالَّذِي فَعَلُوا، وَنَعْبُدُ مَا كَانُوا يَعْبُدُونَ؛ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَإِنَّمَا سَلَكَ مُشْرِكُو قَوْمِكَ مِنْهَاجَ مَنْ
قَبْلَهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ بِاللَّهِ فِي إِجَابَتِهِمْ إِيَّاكَ بِمَا أَجَابُوكَ بِهِ، وَرَدِّهِمْ مَا رَدُّوا عَلَيْكَ مِنَ النَّصِيحَةِ، وَاحْتِجَاجِهِمْ بِمَا احْتَجُّوا بِهِ لِمَقَامِهِمْ عَلَى دِينِهِمُ الْبَاطِلِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلَهُ: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23] «قَالَ بِفِعْلِهِمْ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 23] «فَاتَّبَعُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف: 24] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِكَ، الْقَائِلِينَ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ {أَوَلَوْ
جِئْتُكُمْ} [الزخرف: 24] أَيُّهَا الْقَوْمُ مِنْ عِنْدِ رَبِّكُمْ ﴿بِأَهْدَى﴾ [الزخرف: 24] إِلَى طَرِيقِ الْحَقِّ، وَأَدَلَّ لَكُمْ عَلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ ﴿مِمَّا وَجَدْتُمْ﴾ [الزخرف: 24] أَنْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ مِنَ الدِّينِ وَالْمِلَّةِ ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [الزخرف: 24] يَقُولُ: فَقَالَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَأَجَابُوهُ بِأَنْ قَالُوا لَهُ كَمَا قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ رُسُلَهَا لِأَنْبِيَائِهَا: إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ يَا أَيُّهَا الْقَوْمُ كَافِرُونَ، يَعْنِي: جَاحِدُونَ مُنْكِرُونَ وَقَرَأَ ذَلِكَ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ سِوَى أَبِي جَعْفَرٍ (قُلْ) ﴿أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ [الزخرف: 24] بِالتَّاءِ وَذُكِرَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ أَنَّهُ قَرَأَهُ (قُلْ أَوَ لَوْ جِئْنَاكُمْ) بِالنُّونِ وَالْأَلِفِ وَالْقِرَاءَةُ عِنْدَنَا مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف: 25] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَانْتَقَمْنَا مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبَةِ رُسُلَهَا مِنَ الْأُمَمِ الْكَافِرَةِ بِرَبِّهَا، بِإِحْلَالِنَا الْعُقُوبَةَ بِهِمْ، فَانْظُرْ يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ كَانَ عُقْبَى أَمْرِهِمْ، إِذْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾
[آل عمران: 137] آخِرَ أَمْرِ الَّذِينَ كَذَّبُوا رُسُلَ اللَّهِ إِلَامَ صَارَ، يَقُولُ: أَلَمْ نُهْلِكْهُمْ فَنَجَعَلْهُمْ عِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ؟
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الزخرف: 25] قَالَ: «شَرٌّ وَاللَّهِ، أَخَذَهُمْ بِخَسْفٍ وَغَرَقٍ، ثُمَّ أَهْلَكَهُمْ فَأَدْخَلَهُمُ النَّارَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: 27] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ [الزخرف: 26] الَّذِينَ كَانُوا يَعْبُدُونَ مَا يَعْبُدُهُ مُشْرِكُو قَوْمِكَ يَا مُحَمَّدُ ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: 26] مِنْ دُونِ اللَّهِ، فَكَذَّبُوهُ، فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ كَمَا انْتَقَمْنَا مِمَّنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْمُكَذِّبَةِ رُسَلَهَا وَقِيلَ: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: 26] فَوَضَعَ الْبَرَاءَ وَهُوَ مَصْدَرٌ مَوْضِعَ النَّعْتِ، وَالْعَرَبُ لَا تُثَنِّي الْبَرَاءَ وَلَا تَجْمَعُ وَلَا تُؤَنِّثُ، فَتَقُولُ: نَحْنُ الْبَرَاءُ وَالْخَلَاءُ: لِمَا ذَكَرْتُ أَنَّهُ مَصْدَرٌ، وَإِذَا قَالُوا: هُوَ بَرِيءٌ مِنْكَ ثَنَّوْا وَجَمَعُوا وَأَنَّثُوا، فَقَالُوا: هُمَا بَرِيئَانِ مِنْكَ، وَهُمْ بَرِيئُونَ مِنْكَ وَذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (إِنَّنِي بَرِيءٌ) بِالْيَاءِ، وَقَدْ يُجْمَعُ بَرِيءٌ: بَرَاءٌ وَأَبْرَاءُ.
﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: 27] يَقُولُ: إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا مِنَ الَّذِي فَطَرَنِي، يَعْنِي الَّذِي خَلَقَنِي ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: 27] يَقُولُ: فَإِنَّهُ سَيُقَوِّمُنِي لِلدِّينِ الْحَقِّ، وَيُوَفِّقُنِي لِاتِّبَاعِ سَبِيلِ الرُّشْدِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ [الزخرف: 26] الْآيَةَ قَالَ: " كَايَدَهُمْ، كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ اللَّهَ رَبُّنَا ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ رَبِّهِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ﴾ [الزخرف: 26] يَقُولُ: «إِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي خَلَقَنِي»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطُ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: 27] قَالَ: «خَلَقَنِي»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: 28] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَجَعَلَ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: 27] وَهُوَ قَوْلُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ، وَهُمْ ذُرِّيَّتُهُ، فَلَمْ يَزَلْ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَنْ يَقُولُ ذَلِكَ مِنْ بَعْدِهِ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْكَلِمَةِ الَّتِي جَعَلَهَا خَلِيلُ الرَّحْمَنِ
بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: 28] قَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»