سُورَةُ يُوسُفَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: 6] قَالَ: تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: الْعِلْمُ وَالْحِلْمُ، وَكَانَ يُوسُفُ أَعْبُرَ النَّاسِ.
وَقَرَأَ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشَدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [يوسف: 22] "
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [يوسف: 6] بِاجْتِبَائِهِ إِيَّاكَ وَاخْتِيَارِهِ وَتَعْلِيمِهِ إِيَّاكَ تَأْوِيلَ الْأَحَادِيثِ.
﴿وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ﴾ [يوسف: 6] يَقُولُ: وَعَلَى أَهْلِ دِينِ يَعْقُوبَ وَمِلَّتِهِ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ وَغَيْرِهِمْ.
﴿كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ بِاتِّخَاذِهِ هَذَا خَلِيلًا، وَتَنْجِيَتِهِ مِنَ النَّارِ، وَفِدْيَةِ هَذَا بِذِبْحٍ عَظِيمٍ
كَالَّذِي: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾ قَالَ: فَنِعْمَتُهُ عَلَى إِبْرَاهِيمَ أَنْ نَجَّاهُ مِنَ النَّارِ، وَعَلَى إِسْحَاقَ أَنْ نَجَّاهُ مِنَ الذَّبْحِ "
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: 6] يَقُولُ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 6] بِمَوَاضِعِ الْفَضْلِ، وَمَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلْاجْتِبَاءَ وَالنِّعْمَةِ، ﴿حَكِيمٌ﴾ [البقرة: 209] فِي تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: 7] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ﴾ [يوسف: 7] الْأَحَدَ عَشَرَ ﴿آيَاتٌ﴾ [البقرة: 99] يَعْنِي عِبَرَ، وَذَكَرَ ﴿لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: 7] يَعْنِي السَّائِلِينَ عَنْ أَخْبَارِهِمْ وَقَصَصَهِمْ.
وَإِنَّمَا أَرَادَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُقَالُ:
إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِنَّمَا أَنْزَلَ هَذِهِ السُّورَةَ عَلَى نَبِيِّهِ يُعْلِمُهُ فِيهَا مَا لَقِيَ يُوسُفُ مِنْ إِخْوَتِهِ، وَإِذَايَتَهُ مِنَ الْحَسَدِ، مَعَ تَكْرِمَةِ اللَّهِ إِيَّاهُ، تَسْلِيَةً لَهُ بِذَلِكَ مِمَّا يَلْقَى مِنْ إِذَايَتِهِ وَأَقَارِبِهِ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ كَذَلِكَ كَانَ ابْنُ إِسْحَاقَ يَقُولُ:
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: «إِنَّمَا قَصَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى مُحَمَّدٍ خَبَرَ يُوسُفَ، وَبَغْيَ إِخْوَتِهِ عَلَيْهِ وَحَسَدَهُمْ إِيَّاهُ حِينَ ذَكَرَ رُؤْيَاهُ لَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَغْيِ قَوْمِهِ وَحَسَدِهِ حِينَ أَكْرَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِنُبُوَّتِهِ لِيَتَأَسَّى بِهِ» وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ [يوسف: 7] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ «آيَاتٌ» عَلَى الْجِمَاعِ.
وَرُوِي عَنْ مُجَاهِدٍ وَابْنِ كَثِيرٍ أَنَّهُمَا قَرَأَا ذَلِكَ عَلَى التَّوْحِيدِ.
وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ عَلَى الْجِمَاعِ،
لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَيْهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِمَنْ سَأَلَ عَنْ شَأْنِهِمْ حِينَ قَالُوا إِخْوَةُ يُوسُفَ ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ﴾ [يوسف: 8] مِنْ أُمِّهِ ﴿أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: 8] يَقُولُونَ: وَنَحْنُ جَمَاعَةٌ ذَوُو
عَدَدٍ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا.
وَالْعَصَبَةُ مِنَ النَّاسِ هُمْ عَشْرَةٌ فَصَاعِدًا، قِيلَ إِلَى خَمْسَةَ عَشَرَ فَصَاعِدًا عَشَرٌ، لَيْسَ لَهَا وَاحِدٌ مِنْ لَفْظِهَا، كَالنَّفَرِ وَالرَّهْطِ.
﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: 8] يَعْنُونَ: إِنَّ أَبَانَا يَعْقُوبَ لَفِي خَطَأٍ مِنْ فِعْلِهِ فِي إِيثَارِهِ يُوسُفَ وَأَخَاهُ مِنْ أُمِّهِ عَلَيْنَا بِالْمَحَبَّةِ، وَيَعْنِي بِالْمُبِينٍ أَنَّهُ خَطَأٌ، يُبَيِّنُ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ خَطَأٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ وَنَظَرَ إِلَيْهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ، عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، " ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا﴾ [يوسف: 8] قَالَ: يَعْنُونَ بِنْيَامِينَ.
قَالَ: وَكَانُوا عَشَرَةً "
قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، " ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: 8] قَالَ: فِي ضَلَالٍ مِنْ أَمْرِنَا "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ [يوسف: 8] قَالَ: الْعُصْبَةُ: الْجَمَاعَةُ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوْ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: 9] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ فِي أَرْضٍ مِنَ الْأَرْضِ، يَعْنُونَ مَكَانًا مِنَ الْأَرْضِ.
﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾ [يوسف: 9] يَعْنُونَ: يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ مِنْ
شُغْلِهِ بِيُوسُفَ، فَإِنَّهُ قَدْ شَغَلَهُ عَنَّا وَصَرَفَ وَجْهَهُ عَنَّا إِلَيْهِ.
﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: 9] يَعْنُونَ أَنَّهُمْ يَتُوبُونَ مِنْ قَتْلِهِمْ يُوسُفَ، وَذَنْبِهِمُ الَّذِي يَرْكَبُونَهُ فِيهِ، فَيَكُونُونَ بِتَوْبَتِهِمْ مِنْ قَتْلِهِ مِنْ بَعْدِ هَلَاكِ يُوسُفَ قَوْمًا صَالِحِينَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، " ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾ [يوسف: 9] قَالَ: تَتُوبُونَ مِمَّا صَنَعْتُمْ، أَوْ مِنْ صَنِيعِكُمْ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ قَائِلٌ مِنْ إِخْوَةِ يُوسُفَ: ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: 10] ، وَقِيلَ إِنَّ قَائِلَ ذَلِكَ رُوبِيلُ كَانَ ابْنَ خَالَةِ يُوسُفَ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: 10] ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ رُوبِيلُ كَانَ أَكْبَرَ الْقَوْمِ، وَهُوَ ابْنُ خَالَةِ يُوسُفَ، فَنَهَاهُمْ عَنْ قَتْلِهِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، " ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: 9] . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: 10] قَالَ: ذُكِرَ لِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ مِنْهُمْ رُوبِيلُ الْأَكْبَرُ مِنْ بَنِي يَعْقُوبَ، وَكَانَ أَقْصَدَهُمْ فِيهِ رَأْيًا "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: 10] قَالَ: كَانَ أَكْبَرَ إِخْوَتِهِ، وَكَانَ ابْنَ خَالَةِ يُوسُفَ، فَنَهَاهُمْ عَنْ قَتْلِهِ " وَقِيلَ: كَانَ قَائِلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ شَمْعُونُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: " ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ [يوسف: 10] قَالَ: هُوَ شَمْعُونُ "
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ يَقُولُ: وَأَلْقُوهُ فِي قَعْرِ الْجُبِّ حَيْثُ يَغِيبُ خَبَرُهُ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: (غَيَابَاتِ الْجُبِّ) عَلَى الْجِمَاعِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ سَائِرِ الْأَمْصَارِ: ﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ بِتَوْحِيدِ الْغِيَابَةِ.
وَقِرَاءَةُ ذَلِكَ بِالتَّوْحِيدِ أَحَبُّ إِلَيَّ
وَالْجُبُّ: بِئْرٌ.
وَقِيلَ: إِنَّهُ اسْمُ بِئْرٍ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ قَالَ: بِئْرٌ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ
قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿غَيَابَةِ الْجُبِّ﴾ [يوسف: 10] قَالَ: بِئْرٌ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ " وَالْغَيَابَةُ: كُلُّ شَيْءٍ غَيَّبَ شَيْئًا فَهُوَ غَيَابَةُ، وَالْجُبُّ: الْبِئْرُ غَيْرُ الْمَطْوِيَّةِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " ﴿فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ فِي بَعْضِ نَوَاحِيهَا: فِي أَسْفَلِهَا "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ يَقُولُ: فِي بَعْضِ نَوَاحِيهَا " حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ قَالَ: قَالَهَا كَبِيرُهُمُ الَّذِي تَخَلَّفَ.
قَالَ: وَالْجُبُّ: بِئْرٌ بِالشَّامِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثَنِي أَبِي، قَالَ: ثَنِي عَمِّي، قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " ﴿وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ يَعْنِي: الرَّكِيَّةَ "
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا عُبَيْدُ بْنُ
سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ: " الْجُبُّ: الْبِئْرُ "
وَقَوْلُهُ: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ [يوسف: 10] يَقُولُ: يَأْخُذُهُ بَعْضُ مَارَّةِ الطَّرِيقِ مِنَ الْمُسَافِرِينَ.
﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ [يوسف: 10] يَقُولُ: إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ مَا أَقُولُ لَكُمْ.
فَذُكِرَ أَنَّهُ الْتَقَطَهُ بَعْضُ الْأَعْرَابِ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ [يوسف: 10] قَالَ: الْتَقَطَهُ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ " وَذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَرَأَ: «تَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ» بِالتَّاءِ حَدَّثَنِي بِذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: ثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنْ هَارُونَ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، عَنِ الْحَسَنِ وَكَأَنَّ الْحَسَنُ ذَهَبَ فِي تَأْنِيثِهِ بَعْضَ السَّيَّارَةِ إِلَى أَنَّ فِعْلَ بَعْضِهَا فِعْلُهَا، وَالْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ فِي خَبَرِ كَانَ عَنِ الْمُضَافِ إِلَى مُؤَنَّثِ يَكُونُ الْخَبَرُ عَنْ بَعْضِهِ خَبَرًا عَنْ جَمِيعِهِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ الشَّاعِرِ: [البحر الوافر] أَرَى مَرَّ السِّنِينَ أَخَذْنَ مِنِّي ... كَمَا أَخَذَ السِّرَارُ مِنَ الْهِلَالِ فَقَالَ: «أَخَذْنَ مِنِّي» ، وَقَدِ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَنِ الْمُرَادِ، إِذْ كَانَ الْخَبَرُ عَنِ الْمَرِّ خَبَرًا عَنِ السِّنِينَ، وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ: [البحر الطويل]
إِذَا مَاتَ مِنْهُمْ سَيِّدٌ قَامَ سَيِّدٌ ... فَدَانَتْ لَهُ أَهْلُ الْقُرَى وَالْكَنَائِسِ
فَقَالَ: «دَانَتْ لَهُ» ، وَالْخَبَرُ عَنْ أَهْلِ الْقُرَى، لِأَنَّ الْخَبَرَ عَنْهُمْ كَالْخَبَرِ عَنِ الْقُرَى.
وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ، لَمْ يَقُلْ: فَدَانَتْ لَهُ غُلَامُ هِنْدٍ، لِأَنَّ الْغُلَامَ لَوْ أُلْقِيَ مِنَ الْكَلَامِ لَمْ تَدُلْ هِنْدٌ عَلَيْهِ، كَمَا يَدُلُّ الْخَبَرُ عَنِ الْقَرْيَةِ عَلَى أَهْلِهَا.
وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قِيلَ: فَدَانَتْ لَهُ الْقُرَى، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ أَهْلِهَا، وَكَذَلِكَ بَعْضِ السَّيَّارَةِ، لَوْ أُلْقِيَ الْبَعْضُ، فَقِيلَ: تَلْتَقِطْهُ السَّيَّارَةُ، عُلِمَ أَنَّهُ خَبَرٌ عَنِ الْبَعْضِ أَوِ الْكَلِّ، وَدَلَّ عَلَيْهِ الْخَبَرُ عَنِ السَّيَّارَةِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ [يوسف: 11] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ إِخْوَةُ يُوسُفَ إِذْ تَآمَرُوا بَيْنَهُمْ، وَأَجْمَعُوا عَلَى الْفُرْقَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَالِدِهِ يَعْقُوبَ لِوَالِدِهِمْ يَعْقُوبَ: ﴿يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: 11] فَتَتْرُكُهُ مَعَنَا إِذَا نَحْنُ خَرَجْنَا خَارِجَ
الْمَدِينَةِ إِلَى الصَّحْرَاءِ، ﴿وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ﴾ [يوسف: 11] نَحُوطُهُ وَنَكْلَؤُهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: 12] وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: (يَرْتَعِ وَيَلْعَبْ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ مِنْ يَرْتَعِ، وَبِالْيَاءِ فِي يَرْتَعُ وَيَلْعَبُ، عَلَى مَعْنَى « يَفْتَعِلْ» مِنَ الرَّعَيِ: ارْتَعَيْتُ فَأَنَا أَرْتَعِي.
كَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا مَعْنَى الْكَلَامِ إِلَى: أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعِ الْإِبِلَ، وَيَلْعَبْ.
﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: 12] وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: (أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعِ وَيَلْعَبْ) بِالْيَاءِ فِي الْحَرْفَيْنِ جَمِيعًا وَتَسْكِينِ الْعَيْنِ، مِنْ قَوْلِهِمْ: رَتَعْ فُلَانٌ فِي مَالِهِ: إِذَا لَهَى فِيهِ وَنَعِمَ وَأَنْفَقَهُ فِي شَهَوَاتِهِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلِهِمْ فِي مَثَلٍ مَنَ الْأَمْثَالِ: «الْقَيْدُ وَالرَّتَعَةُ» ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الْقُطَامِيِّ:
[البحر الوافر]
أَكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ الْمَوْتِ عَنِّي ... وَبَعْدَ عَطَائِكَ الْمِئَةَ الرِّتَاعَا
وَقَرَأَ بَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: (نَرْتَعْ) بِالنُّونِ (وَنَلْعَبْ) بِالنُّونِ فِيهِمَا جَمِيعًا، وَسُكُونِ الْعَيْنِ مِنْ «نَرْتَعْ»
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ، قَالَ: ثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا حَجَّاجٌ، عَنْ هَارُونَ، قَالَ: " كَانَ أَبُو عَمْرٍو يَقْرَأُ: «نَرْتَعْ وَنَلْعَبْ» بِالنُّونِ، قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي عَمْرٍو: كَيْفَ يَقُولُونَ نَلْعَبُ وَهُمْ أَنْبِيَاءٌ؟ قَالَ: لَمْ يَكُونُوا يَوْمَئِذٍ أَنْبِيَاءً «وَأَوْلَى الْقِرَاءَةِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ، قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ فِي الْحَرْفَيْنِ كِلَيْهِمَا بِالْيَاءِ، وَبِجَزْمِ الْعَيْنِ فِي» يَرْتَعْ ". لِأَنَّ الْقَوْمَ إِنَّمَا سَأَلُوا إِيَّاهُمْ إِرْسَالَ يُوسُفَ مَعَهُمْ، وَخَدَعُوهُ بِالْخَبَرِ عَنْ مَسْأَلَتِهِمْ إِيَّاهُ ذَلِكَ عَمَّا لِيُوسُفَ فِي إِرْسَالِهِ مَعَهُمْ
مِنَ الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ، وَالنَّشَاطِ بِخُرُوجِهِ إِلَى الصَّحْرَاءِ وَفُسْحَتِهَا وَلِعْبِهِ هُنَالِكَ، لَا بِالْخَبَرِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ.
وَبِذَلِكَ أَيْضًا جَاءَ تَأْوِيلُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثَنِي أَبِي، قَالَ: ثَنِي عَمِّي، قَالَ: ثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: 12] يَقُولُ: يَسْعَ وَيَنْشَطْ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: 12] قَالَ: يَلْهُو، وَيَنْشَطْ، وَيَسْعَى "