تفسير الطبري = جامع البيانسُورَةُ نُوحٍ

سُورَةُ نُوحٍ

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

مَكِّيَّةٌ وَآيَاتُهَا ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمُ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِّنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [نوح: 2] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ:

﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ [نوح: 1] وَهُوَ نُوحُ بْنُ لَمَكَ إِلَى قَوْمِهِ.
﴿أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [نوح: 1] يَقُولُ: أَرْسَلْنَاهُ إِلَيْهِمْ بِأَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ؛ فَأَنْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ فِي قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَفِي مَوْضِعِ خَفْضٍ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ.
وَقَدْ بَيَّنْتُ الْعِلَلَ لِكُلِّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ، وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَهِيَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ فِيمَا ذَكَرَ «إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ أَنْذِرْ قَوْمَكَ» بِغَيْرِ أَنْ وَجَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْإِرْسَالَ بِمَعْنَى الْقَوْلِ، فَكَأَنَّهُ قِيلَ: قُلْنَا لِنُوحٍ: أَنْذِرْ قَوْمَكَ ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [نوح: 1] وَذَلِكَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ هُوَ الطُّوفَانُ الَّذِي غَرَّقَهُمْ اللَّهُ بِهِ.

وَقَوْلُهُ: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [نوح: 2] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ نُوحٌ لِقَوْمِهِ: يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ، أُنْذِرُكُمْ عَذَابَ اللَّهِ فَاحْذَرُوهُ أَنْ يَنْزِلَ بِكُمْ عَلَى كُفْرِكُمْ بِهِ ﴿مُبِينٌ﴾ [البقرة: 168] يَقُولُ: قَدْ أَبَنْتُ لَكُمْ إِنْذَارِي إِيَّاكُمْ.

وَقَوْلُهُ: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: 3] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ

نُوحٍ لِقَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ بِأَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ، يَقُولُ: إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ أُنْذِرُكُمْ، وَآمُرُكُمْ بِعِبَادَةِ اللَّهِ ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ [الأنعام: 72] يَقُولُ: وَاتَّقُوا عِقَابَهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ ﴿وَأَطِيعُونِ﴾ [آل عمران: 50] يَقُولُ: وَانْتَهُوا إِلَى مَا آمُرُكُمْ بِهِ، وَاقْبَلُوا نَصِيحَتِي لَكُمْ.

وَقَدْ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ﴾ [نوح: 3] قَالَ: أَرْسَلَ اللَّهُ الْمُرْسَلِينَ بِأَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ، وَأَنْ تُتَّقَى مَحَارِمُهُ، وَأَنْ يُطَاعَ أَمْرُهُ

وَقَوْلُهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الأحقاف: 31] يَقُولُ: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَوَلَيْسَتْ مِنْ دَالَّةٌ عَلَى الْبَعْضِ؟ قِيلَ: إِنَّ لَهَا مَعْنَيَيْنِ وَمَوْضِعَيْنِ: فَأَمَّا أَحَدُ الْمَوْضِعَيْنِ فَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي لَا يَصِحُّ فِيهِ غَيْرُهَا.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ تَدُلَّ إِلَّا عَلَى الْبَعْضِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِكَ: اشْتَرَيْتُ مِنْ مَمَالِيكِكَ، فَلَا

يَصِحُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ غَيْرُهَا، وَمَعْنَاهَا: الْبَعْضُ، اشْتَرَيْتُ بَعْضَ مَمَالِيكِكَ، وَمِنْ مَمَالِيكِكَ مَمْلُوكًا.
وَالْمَوْضِعُ الْآخَرُ: هُوَ الَّذِي يَصْلُحُ فِيهِ مَكَانَهَا عَنْ، فَإِذَا صَلَحَتْ مَكَانَهَا عَنْ دَلَّتْ عَلَى الْجَمِيعِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِكَ: وَجِعَ بَطْنِي مِنْ طَعَامٍ طَعِمْتُهُ، فَإِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ: أَوْجَعَ بَطْنِي طَعَامٌ طَعِمْتُهُ، وَتَصْلُحُ مَكَانَ مِنْ عَنْ، وَذَلِكَ أَنَّكَ تَضَعُ مَوْضِعَهَا عَنْ فَيَصْلُحُ الْكَلَامُ فَتَقُولُ: وُجِعَ بَطْنِي عَنْ طَعَامٍ طَعِمْتُهُ، وَمِنْ طَعَامٍ طَعِمْتُهُ، فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: 12] إِنَّمَا هُوَ: وَيَصْفَحُ لَكُمْ، وَيَعْفُو لَكُمْ عَنْهَا؛ وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا يَغْفِرُ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ مَا قَدْ وَعَدَكُمُ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا مَا لَمْ يَعِدْكُمُ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهِ

فَقَدْ تَقَدَّمَ عَفْوُهُ لَكُمْ عَنْهَا.

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [إبراهيم: 10] يَقُولُ: وَيُؤَخِّرُ فِي آجَالِكُمْ فَلَا يُهْلِكُكُمْ بِالْعَذَابِ، لَا بِغَرَقٍ وَلَا غَيْرِهِ ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: 282] يَقُولُ إِلَى حِينٍ كَتَبَ أَنَّهُ يُبْقِيكُمْ إِلَيْهِ، إِنْ أَنْتُمْ أَطَعْتُمُوهُ وَعَبَدْتُمُوهُ، فِي أُمِّ الْكِتَابِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: 282] قَالَ: مَا قَدْ خَطَّ مِنَ الْأَجَلِ، فَإِذَا جَاءَ أَجَلُ اللَّهُ لَا يُؤَخِّرُ

وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [نوح: 4] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ الَّذِي قَدْ كَتَبَهُ عَلَى خَلْقِهِ فِي أُمِّ الْكِتَابِ إِذَا جَاءَ عِنْدَهُ لَا يُؤَخَّرُ عَنْ مِيقَاتِهِ، فَيَنْظُرُ بَعْدَهُ ﴿لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [نوح: 4] يَقُولُ: لَوْ عَلِمْتُمْ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لَأَنَبْتُمْ إِلَى طَاعَةِ رَبِّكُمْ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ نُوحٌ لَمَّا بَلَّغَ قَوْمَهُ رِسَالَةَ رَبِّهِ، أَوْ أَنْذَرَهُمْ مَا أَمَرَهُ بِهِ أَنْ

يُنْذِرَهُمُوهُ فَعَصَوْهُ، وَرَدُّوا عَلَيْهِ مَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِهِ: ﴿رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ [نوح: 5] إِلَى تَوْحِيدِكَ وَعِبَادَتِكَ، وَحَذَّرْتُهُمْ بَأْسَكَ وَسَطْوَتَكَ.
﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: 6] يَقُولُ: فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِيَّاهُمْ إِلَى مَا دَعْوَتَهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي أَرْسَلَتْنِي بِهِ لَهُمْ ﴿إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: 13] يَقُولُ: إِلَّا إِدْبَارًا عَنْهُ وَهَرَبَا مِنْهُ وَإِعْرَاضًا عَنْهُ.

وَقَدْ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: 6] قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يَذْهَبُ الرَّجُلُ بِابْنِهِ إِلَى نُوحٍ، فَيَقُولُ لِابْنِهِ: احْذَرْ هَذَا لَا يُغْوِيَنَّكَ، فَأَرَانِي قَدْ ذَهَبَ بِي أَبِي إِلَيْهِ وَأَنَا مِثْلُكَ، فَحَذَّرَنِي كَمَا حَذَّرْتُكِ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح: 7] يَقُولُ جَلَّ وَعَزَّ: وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ إِلَى الْإِقْرَارِ بِوَحْدَانِيَّتِكَ، وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِكَ، وَالْبَرَاءَةِ مِنْ عِبَادَةِ كُلِّ مَا سِوَاكَ، لِتَغْفِرَ لَهُمْ إِذَا هُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ [نوح: 7] لِئَلَّا يَسْمَعُوا دُعَائِي إِيَّاهُمْ إِلَى ذَلِكَ

جارٍ التحميل