سُورَةُ فُصِّلَتْ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
مَكِّيَّةٌ وَآيَاتُهَا أَرْبَعٌ وَخَمْسُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حم تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [فصلت: 2] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ مِنَّا فِيمَا مَضَى قَبْلُ فِي مَعْنَى «حم» وَالْقَوْلُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَالْقَوْلِ فِي ذَلِكَ
وَقَوْلهِ: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: 2] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَذَا الْقُرْآنُ تَنْزِيلٌ مِنْ عِنْدِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ نَزَّلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: 3] يَقُولُ: كِتَابٌ بُيِّنَتْ آيَاتُهُ
كَمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ [فصلت: 3] قَالَ: «بُيِّنَتْ آيَاتُهُ»
وَقَوْلُهُ: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: 2] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فُصِّلَتْ آيَاتُهُ هَكَذَا وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ نَصْبِ الْقُرْآنِ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: قَوْلُهُ ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ﴾ [فصلت: 3] الْكِتَابُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ، أَخْبَرَ أَنَّ التَّنْزِيلَ
كِتَابٌ، ثُمَّ قَالَ: ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [فصلت: 3] شُغِلَ الْفِعْلُ بِالْآيَاتِ حَتَّى صَارَتْ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ، فَنُصِبَ الْقُرْآنُ، وَقَالَ: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: 119] عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ، وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ نَصْبَهُ عَلَى الْمَدْحِ كَأَنَّهُ حِينَ ذَكَرَهُ أَقْبَلَ فِي مَدْحَتِهِ، فَقَالَ: ذَكَرْنَا قُرْآنًا عَرَبِيًّا بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَذَكَرْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا، وَكَانَ فِيمَا مَضَى مِنْ ذِكْرِهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا أُضْمِرَ وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: نُصِبَ قُرْآنًا عَلَى الْفِعْلِ: أَيْ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ كَذَلِكَ قَالَ: وَقَدْ يَكُونُ النَّصْبُ فِيهِ عَلَى الْقَطْعِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ تَامٌّ عِنْدَ قَوْلِهِ «آيَاتُهُ» قَالَ: وَلَوْ كَانَ رَفْعًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ نَعْتِ الْكِتَابِ كَانَ صَوَابًا، كَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: 29] وَقَالَ: وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: 119] فِيهِ مَا فِي ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: 2]
وَقَوْلُهُ: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 230] يَقُولُ: فُصِّلَتْ آيَاتُ هَذَا الْكِتَابِ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ اللِّسَانَ الْعَرَبِيَّ بَشِيرًا لَهُمْ يُبَشِّرُهُمْ إِنْ هُمْ آمَنُوا بِهِ، وَعَمِلُوا بِمَا أُنْزِلَ فِيهِ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ وَفَرَائِضِهِ بِالْجَنَّةِ، ﴿وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: 119] يَقُولُ: وَمُنْذِرًا مَنْ كَذَّبَ بِهِ وَلَمْ يَعْمَلْ بِمَا فِيهِ بِأَمْرِ اللَّهِ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا، وَخُلُودِ
الْأَبَدِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ فِي آجِلِ الْآخِرَةِ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾ [فصلت: 4] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَاسْتَكْبَرَ عَنِ الْإِصْغَاءِ لَهُ وَتَدَبُّرِ مَا فِيهِ مِنْ حُجَجِ اللَّهِ، وَأَعْرَضَ عَنْهُ أَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ أُنْزِلَ هَذَا الْقُرْآنُ بَشِيرًا لَهُمْ وَنَذِيرًا، وَهُمْ قَوْمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: فَهُمْ لَا يُصْغُونَ لَهُ فَيَسْمَعِوُهُ إِعْرَاضًا عَنْهُ وَاسْتِكْبَارًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ الْمُعْرِضُونَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ إِذْ دَعَاهُمْ مُحَمَّدٌ نَبِيُّ اللَّهِ إِلَى الْإِقْرَارِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وَتَصْدِيقِ مَا فِي
هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ أَمَرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، وَسَائِرِ مَا أُنْزِلَ فِيهِ ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ [فصلت: 5] يَقُولُ: فِي أَغْطِيَةٍ ﴿مِمَّا تَدْعُونَا﴾ [هود: 62] يَا مُحَمَّدُ ﴿إِلَيْهِ﴾ [البقرة: 28] مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ، وَتَصْدِيقِكَ فِيمَا جِئْتَنَا بِهِ، لَا نَفْقَهُ مَا تَقُولُ ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ [فصلت: 5] وَهُوَ الثَّقَلُ، لَا نَسْمَعُ مَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ اسْتِثْقَالًا لِمَا يَدْعُو إِلَيْهِ وَكَرَاهَةً لَهُ وَقَدْ مَضَى الْبَيَانُ قَبْلُ عَنْ مَعَانِي هَذِهِ الْأَحْرُفِ بِشَوَاهِدِهِ، وَذُكِرَ مَا قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيهِ، فَكَرِهْنَا إِعَادَةَ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
وَقَدْ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ [فصلت: 5] قَالَ: «عَلَيْهَا أَغْطِيَةٌ كَالْجُعْبَةِ لِلْنِبَلِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿وَقَالُوا: قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾ [فصلت: 5] قَالَ: «عَلَيْهَا أَغْطِيَةٌ» ﴿وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ [فصلت: 5] قَالَ: «صَمَمٌ»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: 5] يَقُولُونَ: وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ يَا مُحَمَّدُ
سَاتِرٌ لَا نَجْتَمِعُ مِنْ أَجَلِهِ نَحْنُ وَأَنْتَ، فَيَرَى بَعْضُنَا بَعْضًا، وَذَلِكَ الْحِجَابُ هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الدِّينِ، لِأَنَّ دِينَهُمْ كَانَ عِبَادَةُ الْأَوْثَانِ، وَدِينُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِبَادَةَ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكُ لَهُ، فَذَلِكَ هُوَ الْحِجَابُ الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نَبِيِّ اللَّهِ، وَذَلِكَ هُوَ خِلَافُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا فِي الدِّينِ
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ [فصلت: 5] يَقُولُ: قَالُوا لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَاعْمَلْ يَا مُحَمَّدُ بِدِينِكَ وَمَا تَقُولُ إِنَّهُ الْحَقُّ، إِنَّنَا عَامِلُونَ بِدِينِنَا، وَمَا تَقُولُ إِنَّهُ الْحَقُّ، وَدَعْ دُعَاءَنَا إِلَى مَا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مِنْ دِينِكَ، فَإِنَّا نَدَعُ دُعَاءَكَ إِلَى دِينِنَا وَأُدْخِلَتْ «مِنْ» فِي قَوْلِهِ ﴿وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾
[فصلت: 5] والمعنى: وبَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ، تَوْكِيدًا لِلْكَلَامِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: 7] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْمُعْرِضِينَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ مِنْ قَوْمِكَ: أَيُّهَا الْقَوْمُ، مَا أَنَا إِلَّا
بَشَرٌ مِنْ بَنِي آدَمَ مِثْلُكُمْ فِي الْجِنْسِ وَالصُّورَةِ وَالْهَيْئَةِ لَسْتُ بِمَلِكٍ ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الأنعام: 50] يُوحِي اللَّهُ إِلَيَّ أَنَّ لَا مَعْبُودَ لَكُمْ تَصْلُحُ عِبَادَتُهُ إِلَّا مَعْبُودٌ وَاحِدٌ ﴿فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: 6] يَقُولُ: فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ، وَوَجِّهُوا إِلَيْهِ وُجُوهَكُمْ بِالرَّغْبَةِ وَالْعِبَادَةِ دُونَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ ﴿وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ [فصلت: 6] يَقُولُ: وَسَلُوهُ الْعَفْوَ لَكُمْ عَنْ ذُنُوبِكُمُ الَّتِي سَلَفَتْ مِنْكُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنْ شِرْكِكُمْ، يَتُبْ عَلَيْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتَوْنَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [فصلت: 7] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَصَدِيدُ أَهْلِ النَّارِ، وَمَا يَسِيلُ مِنْهُمْ لِلْمُدَّعِينَ لِلَّهِ شَرِيكًا الْعَابِدِينَ الْأَوْثَانَ دُونَهُ الَّذِينَ لَا يُؤْتَوْنَ الزَّكَاةَ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: الَّذِينَ لَا يُعْطُونَ اللَّهَ الطَّاعَةَ
الَّتِي تُطَهِّرُهُمْ، وَتُزَكِّي أَبْدَانَهُمْ، وَلَا يُوَحِّدُونَهُ؛ وَذَلِكَ قَوْلٌ يُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتَوْنَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: 7] قَالَ: «هُمُ الَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»
حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: ثنا حَفْصٌ، قَالَ: ثنا الْحَكَمُ بْنُ أَبَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتَوْنَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: 7] «الَّذِينَ لَا يَقُولُونَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: الَّذِينَ لَا يَقِرُّونَ بِزَكَاةِ أَمْوَالِهِمُ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ فِيهَا، وَلَا يُعْطُونَهَا أَهْلَهَا وَقَدْ ذَكَرْنَا أَيْضًا قَائِلِي ذَلِكَ قَبْلُ
وَقَدْ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتَوْنَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: 7] قَالَ: «لَا يَقِرُّونَ بِهَا وَلَا يُؤْمِنُونَ بِهَا» وَكَانَ يُقَالُ: إِنَّ الزَّكَاةَ قَنْطَرَةُ الْإِسْلَامِ، فَمَنْ قَطَعَهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَلَكَ؛ وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الرِّدَّةِ بَعْدَ نَبِيِّ اللَّهِ قَالُوا: أَمَا الصَّلَاةَ فَنُصَلِّي، وَأَمَّا الزَّكَاةَ فَوَاللَّهِ لَا تُغْصَبُ أَمْوَالُنَا؛ قَالَ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَا أُفَرِّقُ بَيْنَ شَيْءٍ جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُ؛ وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا مِمَّا فَرَضَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ لَقَاتَلْنَاهُمْ عَلَيْهِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتَوْنَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: 7] قَالَ: «لَوْ زَكَّوْا وَهُمْ مُشْرِكُونَ لَمْ يَنْفَعُهُمْ» وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ الَّذِينَ قَالُوا: مَعْنَاهُ: لَا يُؤَدُّونَ زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ؛ وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَشْهَرُ مِنْ مَعْنَى الزَّكَاةِ، وَأَنَّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [هود: 19] دَلِيلًا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ الْكُفَّارَ الَّذِينَ عُنُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ كَانُوا لَا يَشْهَدُونَ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلَوْ كَانَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتَوْنَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: 7] مُرَادًا بِهِ الَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [هود: 19] مَعْنًى، لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ لَا يَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ لَا يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ، وَفِي اتِّبَاعِ اللَّهِ قَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [هود: 19] قَوْلَهُ ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْتَوْنَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: 7] مَا يُنْبِئُ عَنْ أَنَّ الزَّكَاةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْنِيٌّ بِهَا زَكَاةُ الْأَمْوَالِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ [هود: 19] يَقُولُ: وَهُمْ بِقِيَامِ السَّاعَةِ، وَبَعْثِ اللَّهِ خَلْقَهُ أَحْيَاءً مِنْ قُبُورِهِمْ، مِنْ بَعْدِ بَلَائِهِمْ وَفَنَائِهِمْ مُنْكَرُونَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ، وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَاهُمْ
عَنْهُ، وَذَلِكَ هُوَ الصَّالِحَاتُ مِنَ الْأَعْمَالِ ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٌ﴾ [فصلت: 8] يَقُولُ: لِمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ أَجْرٌ غَيْرُ مَنْقُوصٍ عَمَّا وَعَدَهُمْ أَنْ يَأْجُرَهُمْ عَلَيْهِ وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
وَقَدْ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: 8] " قَالَ بَعْضُهُمْ: غَيْرُ مَنْقُوصٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: غَيْرُ مَمْنُونٍ عَلَيْهِمْ "
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: 8] يَقُولُ: «غَيْرُ مَنْقُوصٍ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ،
قَوْلُهُ: ﴿لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: 8] قَالَ: «مَحْسُوبٌ»
وَقَوْلُهُ: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: 9] وَذَلِكَ يَوْمُ الْأَحَدِ وَيَوْمُ الِاثْنَيْنِ؛ وَبِذَلِكَ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَتْهُ الْعُلَمَاءُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ، وَنَذْكُرُ بَعْضَ مَا لَمْ نُذْكُرْهُ قَبْلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ
ذِكْرُ بَعْضِ مَا لَمْ نَذْكُرْهُ فِيمَا مَضَى مِنَ الْأَخْبَارِ بِذَلِكَ: حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنْ أَبِي سَعْدٍ الْبَقَّالِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ هَنَّادٌ: قَرَأْتُ سَائِرَ الْحَدِيثِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَنَّ الْيَهُودَ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَتْهُ عَنْ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، قَالَ: " خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْضَ يَوْمَ الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْجِبَالَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَمَا فِيهِنَّ مِنْ مَنَافِعَ، وَخَلَقَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ الشَّجَرَ وَالْمَاءَ وَالْمَدَائِنَ وَالْعُمْرَانَ وَالْخِرَابَ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةٌ، ثُمَّ قَالَ: أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنٍ، وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا، ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا، وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ لِمَنْ سَأَلَ قَالَ: وَخَلَقَ يَوْمَ الْخَمِيسِ السَّمَاءَ، وَخَلَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ النُّجُومَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْمَلَائِكَةَ إِلَى ثَلَاثِ سَاعَاتٍ بَقِيَتْ مِنْهُ فَخَلَقَ فِي أَوَّلِ سَاعَةٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْآجَالَ حِينَ يَمُوتُ مَنْ مَاتَ، وَفِي الثَّانِيَةِ أَلْقَى
الْآفَةَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مِمَّا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ، وَفِي الثَّالِثَةِ آدَمَ وَأَسْكَنَهُ الْجَنَّةَ، وَأَمَرَ إِبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لَهُ، وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا فِي آخِرِ سَاعَةٍ " قَالَتِ الْيَهُودُ: ثُمَّ مَاذَا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: «ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ» ، قَالُوا: قَدْ أَصَبْتَ لَوْ أَتْمَمْتَ، قَالُوا: ثُمَّ اسْتَرَاحَ؛ فَغَضِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَضَبًا شَدِيدًا، فَنَزَلَ: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾
حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ غَالِبِ بْنِ غَلَّابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ يَوْمًا وَاحِدًا فَسَمَّاهُ الْأَحَدَ، ثُمَّ خَلَقَ ثَانِيًا فَسَمَّاهُ الِاثْنَيْنِ، ثُمَّ خَلَقَ ثَالِثًا فَسَمَّاهُ الثُّلَاثَاءَ، ثُمَّ خَلَقَ رَابِعًا فَسَمَّاهُ الْأَرْبِعَاءَ، ثُمَّ خَلَقَ خَامِسًا فَسَمَّاهُ الْخَمِيسَ؛ قَالَ: فَخَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ: الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْجِبَالَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، فَذَلِكَ قَوْلُ النَّاسِ: هُوَ يَوْمٌ ثَقِيلٌ، وَخَلَقَ مَوَاضِعَ الْأَنْهَارِ وَالْأَشْجَارِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَخَلَقَ الطَّيْرَ وَالْوُحُوشَ وَالْهَوَامَّ وَالسِّبَاعَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ الْإِنْسَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَفَرَغَ مِنْ خَلْقِ كُلِّ شَيْءٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ "
حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: 9] «فِي الْأَحَدِ وَالِاثْنَيْنِ»
وَقَدْ قِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ؛ وَذَلِكَ مَا: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ بِشْرِ بْنِ مَعْرُوفٍ، وَالْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ قَالَا: ثنا حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ أَخْبَرَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ، مَوْلَى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: أَخَذَ
رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِي فَقَالَ: «خَلَقَ اللَّهُ التُّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ، وَخَلَقَ فِيهَا الْجِبَالَ يَوْمَ الْأَحَدِ، وَخَلَقَ الشَّجَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الْمَكْرُوهَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَخَلَقَ النُّورَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَبَثَّ فِيهَا الدَّوَابَّ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَخَلَقَ آدَمَ بَعْدَ الْعَصْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، آخِرُ خَلْقٍ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الْجُمُعَةِ فِيمَا بَيْنَ الْعَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ [فصلت: 9] يَقُولُ: وَتَجْعَلُونَ لِمَنْ خَلَقَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَنْدَادًا، وَهُمُ الْأَكْفَاءُ مِنَ الرِّجَالِ تُطِيعُونَهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى النِّدِّ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [فصلت: 9] يَقُولُ: الَّذِي فَعَلَ هَذَا الْفِعْلَ، وَخَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ، مَالِكُ جَمِيعِ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ، وَسَائِرِ أَجْنَاسِ الْخَلْقِ، وَكُلُّ مَا دُونَهُ مَمْلُوكٌ لَهُ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِدٌّ؟ هَلْ يَكُونُ الْمَمْلُوكُ الْعَاجِزُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ نِدًّا لِمَالِكِهِ الْقَادِرِ عَلَيْهِ؟
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: 11] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَجَعَلَ فِي الْأَرْضِ الَّتِي خَلَقَ فِي يَوْمَيْنِ جِبَالًا رَوَاسِيَ،
وَهِيَ الثَّوَابِتُ فِي الْأَرْضِ مِنْ فَوْقِهَا، يَعْنِي: مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ عَلَى ظَهْرِهَا