سُورَةُ طه
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
مَكِّيَّةٌ وَآيَاتُهَا خَمْسٌ وَثَلَاثُونَ وَمِائَةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: 2] . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿طه﴾ [طه: 1] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ يَا رَجُلُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا أَبُو تُمَيْلَةَ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: طه: بِالنَّبَطِيَّةِ: يَا رَجُلُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: 2] فَإِنَّ قَوْمَهُ قَالُوا: لَقَدْ شَقِيَ هَذَا الرَّجُلُ بِرَبِّهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ ﴿طه﴾ [طه: 1] يَعْنِي: يَا رَجُلُ ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: 2]
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُسْلِمٍ، أَوْ يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أَنَّهُ قَالَ: طه: يَا رَجُلُ بِالسُّرْيَانِيَّةِ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وَهْرَامَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِذَلِكَ أَيْضًا.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَقَالَ مُجَاهِدٌ، ذَلِكَ أَيْضًا
حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى الْقَزَّازُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: ثنا عُمَارَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿طه﴾ [طه: 1] قَالَ: يَا رَجُلُ، كَلَّمَهُ بِالنَّبَطِيَّةِ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ ﴿طه﴾ [طه: 1] قَالَ: بِالنَّبَطِيَّةِ: يَا إِنْسَانُ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ ﴿طه﴾ [طه: 1] قَالَ: يَا رَجُلُ بِالنَّبَطِيَّةِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ ﴿طه﴾ [طه: 1] قَالَ: يَا رَجُلُ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ ﴿طه﴾ [طه: 1] قَالَ: يَا رَجُلُ، وَهِيَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿طه﴾ [طه: 1] قَالَا: يَا رَجُلُ
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، يَعْنِي ابْنَ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ ﴿طه﴾ [طه: 1] قَالَ: يَا رَجُلُ وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ، وَقَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿طه﴾ [طه: 1] قَالَ: فَإِنَّهُ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ حُرُوفُ هِجَاءٍ.
وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ حُرُوفٌ مُقَطَّعَةٌ يَدُلُّ كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا عَلَى مَعْنًى، وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ اخْتِلَافَهُمْ فِي الم، وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهِ، وَبَيَّنَا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ.
وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ عِنْدِي مِنَ الْأَقْوَالِ فِيهِ: قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: يَا رَجُلُ، لِأَنَّهَا كَلِمَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي عَكٍّ فِيمَا بَلَغَنِي، وَأَنَّ مَعْنَاهَا فِيهِمْ: يَا رَجُلُ، أَنْشَدَتْ لِمُتَمِّمِ بْنِ نُوَيْرَةَ:
[البحر الطويل]
هَتَفْتُ بِطَهَ فِي الْقِتَالِ فَلَمْ يُجِبْ ... فَخِفْتُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مُوَائِلَا
وَقَالَ آخَرُ:
[البحر البسيط]
إِنَّ السَّفَاهَةَ طَهَ مِنْ خَلَائِقِكُمْ ... لَا بَارَكَ اللَّهُ فِي الْقَوْمِ الْمَلَاعِينِ
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا فِيهِمْ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، فَالْوَاجِبُ أَنْ يُوَجَّهَ تَأْوِيلُهُ إِلَى الْمَعْرُوفِ فِيهِمْ مِنْ مَعْنَاهُ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا وَافَقَ ذَلِكَ تَأْوِيلَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَنْ: يَا رَجُلُ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى، مَا أَنْزَلْنَاهُ عَلَيْكَ فَنُكَلِّفَكَ مَا لَا طَاقَةَ لَكَ بِهِ مِنَ الْعَمَلِ.
وَذُكِرَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ بِسَبَبِ مَا كَانَ يَلْقَى مِنَ النَّصَبِ وَالْعَنَاءِ وَالسَّهَرِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ
مُجَاهِدٍ، ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: 2] قَالَ: هِيَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ فَكَانُوا يُعَلِّقُونَ الْحِبَالَ فِي صُدُورِهِمْ فِي الصَّلَاةِ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: 2] قَالَ: فِي الصَّلَاةِ كَقَوْلِهِ: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ فَكَانُوا يُعَلِّقُونَ الْحِبَالَ بِصُدُورِهِمْ فِي الصَّلَاةِ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: 2] لَا وَاللَّهِ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ شَقِيًّا، وَلَكِنْ جَعَلَهُ رَحْمَةً وَنُورًا، وَدَلِيلًا إِلَى الْجَنَّةِ
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: 3] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى عِقَابَ اللَّهِ، فَيَتَّقِيهِ بِأَدَاءِ فَرَائِضِ رَبِّهِ وَاجْتِنَابِ مَحَارِمِهِ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: 3] وَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ كُتَبَهُ، وَبَعَثَ رُسُلَهُ رَحْمَةً رَحِمَ اللَّهُ بِهَا الْعِبَادَ، لِيَتَذَكَّرَ ذَاكِرٌ، وَيَنْتَفِعَ رَجُلٌ بِمَا سَمِعَ مِنَ كِتَابِ اللَّهِ، وَهُوَ ذِكْرٌ لَهُ أَنْزَلَ اللَّهُ
فِيهِ حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ، فَقَالَ: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَى﴾
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: 3] قَالَ: الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ عَلَيْكَ تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذَنْ: يَا رَجُلُ مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ لِتَشْقَى بِهِ، مَا أَنْزَلْنَاهُ إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ نَصْبِ تَذْكِرَةً، فَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: قَالَ: إِلَّا تَذْكِرَةً بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ لِتَشْقَى، فَجَعَلَهُ، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ إِلَّا تَذْكِرَةً.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ يَقُولُ: نُصِبَتْ عَلَى قَوْلِهِ: مَا أَنْزَلْنَاهُ إِلَّا تَذْكِرَةً.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يُنْكِرُ قَوْلَ الْقَائِلِ: نُصِبَتْ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ ﴿لِتَشْقَى﴾ [طه: 2] وَيَقُولُ: ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ، لِأَنَّ ﴿لِتَشْقَى﴾ [طه: 2] فِي الْجَحْدِ، وَ ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً﴾ [طه: 3] فِي التَّحْقِيقِ، وَلَكِنَّهُ تَكْرِيرٌ.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: مَعْنَى الْكَلَامِ: مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى، لَا لِتَشْقَى
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَا الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ .
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هَذَا الْقُرْآنُ تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّبِّ الَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَوَاتِ الْعُلَا.
وَالْعُلَى: جَمْعُ عُلْيَا.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: 106] فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: نُصِبَ ذَلِكَ بِمَعْنَى: نَزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ تَنْزِيلًا.
وَقَالَ بَعْضُ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ قِيلِهِ هَذَا مِنْ كَلَامَيْنِ، وَلَكِنِ الْمَعْنَى: هُوَ تَنْزِيلٌ، ثُمَّ أُسْقِطَ هُوَ وَاتَّصَلَ بِالْكَلَامِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَخَرَجَ مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ لَفْظِهِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْقَوْلَانِ جَمِيعًا عِنْدِي غَيْرُ خَطَأٍ
وَقَوْلُهُ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: الرَّحْمَنُ عَلَى عَرْشِهِ ارْتَفَعَ وَعَلَا وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الِاسْتِوَاءِ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى وَذَكَرْنَا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِيهِ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَلِلرَّفْعِ فِي الرَّحْمَنِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا بِمَعْنَى قَوْلِهِ: تَنْزِيلًا، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ:
نَزَّلَهُ مَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ، نَزَّلَهُ الرَّحْمَنُ الَّذِي عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى.
وَالْآخَرُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5] لِأَنَّ فِي قَوْلِهِ اسْتَوَى، ذِكْرًا مِنَ الرَّحْمَنِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا، وَمَا تَحْتَ الثَّرَى، مُلْكًا لَهُ، وَهُوَ مُدَبِّرُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَمُصَرِّفُ جَمِيعِهِ.
وَيَعْنِي بِالثَّرَى: النَّدَى.
يُقَالُ لِلتُّرَابِ الرَّطْبِ الْمُبْتَلِّ: ثَرًى مَنْقُوصٌ، يُقَالُ مِنْهُ: ثَرَيْتُ الْأَرْضَ تَثْرَى، ثَرًى مَنْقُوصٌ، وَالثَّرَى: مَصْدَرٌ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه: 6] وَالثَّرَى: كُلُّ شَيْءٍ مُبْتَلٌّ
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه: 6] مَا حُفِرَ مِنَ التُّرَابِ مُبْتَلًّا وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ: وَمَا تَحْتَ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ.
كَالَّذِي:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ السَّلِيمِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ صُدْرَانَ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ رِفَاعَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ [طه: 6] قَالَ: الثَّرَى: سَبْعُ أَرَضِينَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِنْ تَجْهَرْ يَا مُحَمَّدُ بِالْقَوْلِ، أَوْ تُخْفِ بِهِ، فَسَوَاءٌ عِنْدَ رَبِّكَ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ [طه: 7] يَقُولُ:
فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مَا اسْتَسْرَرْتَهُ فِي نَفْسِكَ، فَلَمْ تُبْدِهِ بِجَوَارِحِكَ وَلَمْ تَتَكَلَّمْ بِلِسَانِكَ، وَلَمْ تَنْطِقْ بِهِ وَأَخْفَى.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِقَوْلِهِ ﴿وَأَخْفَى﴾ [طه: 7] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَأَخْفَى مِنَ السِّرِّ، قَالَ: وَالَّذِي هُوَ أَخْفَى مِنَ السِّرِّ مَا حَدَّثَ بِهِ الْمَرْءُ نَفْسَهُ وَلَمْ يَعْمَلْهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7] قَالَ: السِّرُّ: مَا عَمِلْتَهُ أَنْتَ وَأَخْفَى: مَا قَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِكَ مِمَّا لَمْ تَعْمَلْهُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7] يَعْنِي بِأَخْفَى: مَا لَمْ يَعْمَلْهُ، وَهُوَ عَامِلُهُ، وَأَمَّا السِّرُّ: فَيَعْنِي مَا أَسَرَّ فِي نَفْسِهِ
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7] قَالَ: السِّرُّ: مَا أَسَرَّ ابْنُ آدَمَ فِي نَفْسِهِ.
وَأَخْفَى: قَالَ: مَا أَخْفَى ابْنُ آدَمَ مِمَّا هُوَ فَاعِلُهُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَهُ، فَاللَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فَعِلْمُهُ فِيمَا مَضَى مِنْ ذَلِكَ، وَمَا بَقِيَ عِلْمٌ وَاحِدٌ، وَجَمِيعُ الْخَلَائِقِ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ،
وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: 28]
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: السِّرُّ: مَا أَسَرَّ الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ، وَأَخْفَى: مَا لَا يَعْلَمِ الْإِنْسَانُ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ
حَدَّثَنِي زَكَرِيَّا بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَا: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7] قَالَ: أَخْفَى: الْوَسْوَسَةُ زَادَ ابْنُ عَمْرٍو وَالْحَارِثُ فِي حَدِيثَيْهِمَا: وَالسِّرُّ: الْعَمَلُ الَّذِي يُسِرُّونَ مِنَ النَّاسِ
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَأَخْفَى﴾ [طه: 7] قَالَ: الْوَسْوَسَةُ
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7] قَالَ: أَخْفَى حَدِيثَ نَفْسِكَ