سُورَةُ طه
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَشْقَرُ، قَالَ: ثنا أَبُو كُدَيْنَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7] قَالَ: السِّرُّ: مَا يَكُونُ فِي نَفْسِكَ الْيَوْمَ.
وَأَخْفَى: مَا يَكُونُ فِي غَدٍ وَبَعْدَ غَدٍ، لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَاهُ: وَأَخْفَى مِنَ السِّرِّ مَا لَمْ تُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الصَّبَّاحِ، قَالَ: ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7] قَالَ: السِّرُّ: مَا أَسْرَرْتَ فِي نَفْسِكَ، وَأَخْفَى مِنْ ذَلِكَ: مَا لَمْ تُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَكَ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7] كُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّ السِّرَّ مَا حَدَّثْتَ بِهِ نَفْسَكَ، وَأَنَّ أَخْفَى مِنَ السِّرِّ: مَا هُوَ كَائِنٌ مِمَّا لَمْ تُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَكَ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: ثنا أَبُو هِلَالٍ، قَالَ: ثنا قَتَادَةُ فِي قَوْلِهِ ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7] قَالَ: يَعْلَمُ مَا أَسْرَرْتَ فِي نَفْسِكَ، وَأَخْفَى: مَا لَمْ يَكُنْ وَهُوَ كَائِنٌ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7] قَالَ: أَخْفَى مِنَ السِّرِّ: مَا حَدَّثْتَ بِهِ نَفْسَكَ، وَمَا لَمْ تُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَكَ أَيْضًا مِمَّا هُوَ كَائِنٌ
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7] أَمَا السِّرُّ: فَمَا أَسْرَرْتَ فِي نَفْسِكَ.
وَأَمَّا أَخْفَى مِنَ السِّرِّ: فَمَا لَمْ تَعْمَلْهُ وَأَنْتَ عَامِلُهُ، يَعْلَمُ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّهُ يَعْلَمُ سِرَّ الْعِبَادِ، وَأَخْفَى سِرَّ نَفْسِهِ، فَلَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَدًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: 7] قَالَ: يَعْلَمُ أَسْرَارَ الْعِبَادِ، وَأَخْفَى سَرَّهُ فَلَا يُعْلَمُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَكَأَنَّ الَّذِينَ وَجَّهُوا ذَلِكَ إِلَى أَنَّ السِّرَّ هُوَ مَا حَدَّثَ بِهِ الْإِنْسَانُ غَيْرَهُ سِرًّا، وَأَنَّ أَخْفَى: مَعْنَاهُ: مَا حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ، وَجَّهُوا تَأْوِيلَ أَخْفَى إِلَى الْخَفِيِّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: قَدْ تُوضَعُ أَفْعَلَ مَوْضِعَ الْفَاعِلِ، وَاسْتَشْهَدُوا لِقِيلِهِمْ ذَلِكَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
[البحر الطويل]
تَمَنَّى رِجَالٌ أَنْ أَمُوتَ وَإِنْ أَمَتُ ... فَتِلْكَ طَرِيقٌ لَسْتُ فِيهَا بِأَوْحَدِ
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ، قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى مِنَ
السِّرِّ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْكَلَامِ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ مَا تَأَوَّلَهُ ابْنُ زَيْدٍ، لَكَانَ الْكَلَامُ: وَأَخْفَى اللَّهُ سِرَّهُ، لِأَنَّ أَخْفَى: فَعْلٌ وَاقِعٌ مٌتَعَدٍّ، إِذْ كَانَ بِمَعْنَى فَعَلَ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ ابْنُ زَيْدٍ، وَفِي انْفِرَادِ أَخْفَى مِنْ مَفْعُولِهِ، وَالَّذِي يَعْمَلُ فِيهِ لَوْ كَانَ بِمَعْنَى فَعَلَ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى أَفْعَلَ، وَأَنَّ تَأْوِيلَ الْكَلَامِ: فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى مِنْهُ.
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ تَأْوِيلُهُ، فَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي مَعْنَى أَخْفَى مِنَ السِّرِّ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مَا عِلْمُ اللَّهِ مِمَّا أَخْفَى عَنِ الْعِبَادِ، وَلَمْ يَعْلَمُوهُ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ وَلَمَّا يَكُنْ، لِأَنَّ مَا ظَهَرَ وَكَانَ فَغَيْرُ سِرٍّ، وَأَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ وَهُوَ غَيْرُ كَائِنٍ فَلَا شَيْءَ، وَأَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ وَهُوَ كَائِنٌ فَهُوَ أَخْفَى مِنَ السِّرِّ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ مَنْ أَعْلَمَهُ ذَلِكَ مِنْ عِبَادِهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: 255] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: الْمَعْبُودُ الَّذِي لَا تَصْلُحُ الْعِبَادَةُ إِلَّا لَهُ.
يَقُولُ: فَإِيَّاهُ فَاعَبْدوا أَيُّهَا النَّاسُ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنَ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: 8] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: لِمَعْبُودُكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى، فَقَالَ: الْحُسْنَى، فَوَحَّدَ،
وَهُوَ نَعْتٌ لِلْأَسْمَاءِ، وَلَمْ يَقُلِ الْأَحَاسِنُ، لِأَنَّ الْأَسْمَاءَ تَقَعُ عَلَيْهَا هَذِهِ، فَيُقَالُ: هَذِهِ أَسْمَاءٌ، وَهَذِهِ فِي لَفْظَةٌ وَاحِدَةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى: [البحر البسيط] وَسَوْفَ يُعْقِبُنِيهِ إِنْ ظَفِرْتُ بِهِ ... رَبٌّ غَفُورٌ وَبِيضٌ ذَاتُ أَطْهَارِ فَوَحَّدَ ذَاتُ، وَهُوَ نَعْتٌ لِلْبِيضِ لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهَا هَذِهِ، كَمَا
قَالَ: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: 60] وَمِنْهُ قَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: 18] فَوَحَّدَ أُخْرَى، وَهِيَ نَعْتٌ لِمَآرِبَ، وَالْمَآرِبُ: جَمْعٌ، وَاحِدَتُهَا: مَأْرُبَةٌ، وَلَمْ يَقُلْ أُخَرُ، لِمَا وَصَفْنَا، وَلَوْ قِيلَ: أُخَرُ، لَكَانَ صَوَابًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: 10] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسَلِّيهِ عَمَّا يَلْقَى مِنَ الشِّدَّةِ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِهِ، وَمَعْرِفَةَ مَا إِلَيْهِ صَائِرٌ أَمْرُهُ وَأَمْرُهُمْ،
وَأَنَّهُ مُعْلِيهِ عَلَيْهِمْ، وَمُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ، وَيَحُثُّهُ عَلَى الْجِدِّ فِي أَمْرِهِ، وَالصَّبْرِ عَلَى عِبَادَتِهِ، وَأَنْ يَتَذَكَّرَ فِيمَا يَنُوبُهُ فِيهِ مِنْ أَعْدَائِهِ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِهِ وَغَيْرِهِمْ، وَفِيمَا يُزَاوِلُ مِنَ الِاجْتِهَادِ فِي طَاعَتِهِ مَا نَابَ أَخَاهُ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ عَدُوِّهِ، ثُمَّ مِنْ قَوْمِهِ، وَمَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَمَا لَقِيَ فِيهِ مِنَ الْبَلَاءِ وَالشِّدَّةِ طِفْلًا صَغِيرًا، ثُمَّ يَافِعًا مُتَرَعْرِعًا، ثُمَّ رَجُلًا كَامِلًا: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ [طه: 9] يَا مُحَمَّدُ ﴿حَدِيثُ مُوسَى﴾ [طه: 9] ابْنِ عِمْرَانَ ﴿إِذْ رَأَى نَارًا﴾ [طه: 10] ؟ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الشِّتَاءِ لَيْلًا، وَأَنَّ مُوسَى كَانَ أَضَلَّ الطَّرِيقَ، فَلَمَّا رَأَى ضَوْءَ النَّارِ ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ﴾ [القصص: 29] مَا قَالَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: لَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ، سَارَ بِأَهْلِهِ فَضَلَّ الطَّرِيقَ
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ: كَانَ فِي الشِّتَاءِ، وَرُفِعَتْ لَهُمْ نَارٌ، فَلَمَّا رَآهَا ظَنَّ أَنَّهَا نَارٌ، وَكَانَتْ مِنْ نُورِ اللَّهِ ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ [القصص: 29]
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ الْيَمَانِيِّ، قَالَ: لَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ، خَرَجَ وَمَعَهُ غَنَمٌ لَهُ، وَمَعَهُ زَنْدٌ لَهُ، وَعَصَاهُ فِي يَدِهِ يَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِهِ نَهَارًا، فَإِذَا أَمْسَى اقْتَدَحَ بِزَنْدِهِ نَارًا، فَبَاتَ عَلَيْهَا هُوَ وَأَهْلُهُ وَغَنَمُهُ، فَإِذَا أَصْبَحَ غَدًا بِأَهْلِهِ وَبِغَنَمِهِ، فَتَوَكَّأَ عَلَى عَصَاهُ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَرَادَ اللَّهُ بِمُوسَى كَرَامَتَهُ، وَابْتِدَاءَهُ فِيهَا بِنُبُوَّتِهِ وَكَلَامِهِ، أَخْطَأَ فِيهِ الطَّرِيقَ حَتَّى لَا يَدْرِي أَيْنَ يَتَوَجَّهُ، فَأَخْرَجَ زَنْدَهُ لِيَقْتَدِحَ نَارًا لِأَهْلِهِ لِيَبِيتُوا عَلَيْهَا حَتَّى يُصْبِحَ، وَيَعْلَمَ وَجْهَ سَبِيلِهِ، فَأَصْلَدَ زَنْدَهُ فَلَا يُورِي لَهُ نَارًا، فَقَدَحَ حَتَّى أَعْيَاهُ لَاحَتِ النَّارُ فَرَآهَا، فَـ ﴿قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾
وَعَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿آنَسْتُ نَارًا﴾ [طه: 10] وَجَدْتُ، وَمِنْ أَمْثَالِ الْعَرَبِ: بَعْدَ اطِّلَاعٍ إِينَاسٌ، وَيُقَالُ أَيْضًا: بَعْدَ طُلُوعٍ إِينَاسٌ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْأُنْسِ
وَقَوْلُهُ: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ [طه: 10] يَقُولُ: لَعَلِّي أَجيئُكُمْ مِنَ النَّارِ الَّتِي آنَسْتُ بِشُعْلَةٍ.
وَالْقَبَسُ: هُوَ النَّارُ فِي طَرَفِ الْعُودِ أَوِ الْقَصَبَةِ.
يَقُولُ الْقَائِلُ لِصَاحِبِهِ: أَقْبَسَنِي نَارًا، فَيُعْطِيهِ إِيَّاهَا فِي طَرَفِ عُودٍ أَوْ قَصَبَةٍ.
وَإِنَّمَا أَرَادَ مُوسَى بِقَوْلِهِ لِأَهْلِهِ: ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ [طه: 10] لَعَلِّي آتِيكُمْ بِذَلِكَ
لِتَصْطَلُوا بِهِ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ [طه: 10] قَالَ: بِقَبَسٍ تَصْطَلُونَ
وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: 10] دَلَالَةٌ تَدُلُّ عَلَى الطَّرِيقِ الَّذِي أَضْلَلْنَاهُ، إِمَّا مِنْ خَبَرٍ هَادٍ يَهْدِينَا إِلَيْهِ، وَإِمَّا مِنْ بَيَانٍ وَعِلْمٍ نَتَبَيَّنُهُ بِهِ وَنَعْرِفُهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: 10] يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى الطَّرِيقِ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: 10] قَالَ: هَادِيًا يَهْدِيهِ الطَّرِيقَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: 10] أَيْ هُدَاةً يَهْدُونَهُ الطَّرِيقَ
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَاحِبٍ لَهُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهَا أَيْلَةُ ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: 10] وَقَالَ أَبِي: وَزَعَمَ قَتَادَةُ أَنَّهُ هُدَى الطَّرِيقِ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: 10] قَالَ: مَنْ يَهْدِينِي إِلَى الطَّرِيقِ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: 10] قَالَ: هُدًى عَنْ عِلْمِ الطَّرِيقِ الَّذِي أَضْلَلْنَا بِنَعْتٍ مِنْ خَبَرٍ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ [طه: 10] قَالَ: كَانُوا أَضَلُّوا عَنِ الطَّرِيقِ، فَقَالَ: لَعَلِّي أَجِدُ مَنْ يَدُلُّنِي عَلَى الطَّرِيقِ، أَوْ آتِيكُمْ بِقَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا أَتَى النَّارَ مُوسَى، نَادَاهُ رَبُّهُ: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾
[طه: 12]
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: خَرَجَ مُوسَى نَحْوَهَا، يَعْنِي نَحْوَ النَّارِ، فَإِذَا هِيَ فِي شَجَرٍ مِنَ الْعُلَّيْقِ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَقُولُ فِي عَوْسَجَةٍ، فَلَمَّا دَنَا اسْتَأْخَرَتْ عَنْهُ، فَلَمَّا رَأَى اسْتِئْخَارَهَا رَجَعَ عَنْهَا، وَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ مِنْهَا خِيفَةً، فَلَمَّا أَرَادَ الرَّجْعَةَ، دَنَتْ مِنْهُ ثُمَّ كُلِّمَ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ الصَّوْتَ اسْتَأْنَسَ، وَقَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: يَا مُوسَى ﴿اخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ فَخَلَعَهَا فَأَلْفَاهَا وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجَلِهِ أَمَرَ اللَّهُ مُوسَى بِخَلْعِ نَعْلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَرَهُ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُمَا كَانَتَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ، فَكَرِهَ أَنْ يَطَأَ بِهِمَا الْوَادِي الْمُقَدَّسِ، وَأَرَادَ أَنْ يَمَسَّهُ مِنْ بَرَكَةِ الْوَادِي
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ كَعْبٍ، أَنَّهُ رَآهُمْ يَخْلَعُونَ نِعَالَهُمْ ﴿اخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ فَقَالَ: كَانَتْ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَمَسَّهُ الْقُدُسُ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، فِي قَوْلِهِ ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: 12] قَالَ: كَانَتَا مِنْ جَلْدِ حِمَارٍ مَيِّتٍ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَّ نَعْلَيْهِ كَانَتَا مِنْ جَلْدِ حِمَارٍ، فَخَلَعَهُمَا ثُمَّ أَتَاهُ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: 12] قَالَ: كَانَتَا مِنْ جَلْدِ حِمَارٍ، فَقِيلَ لَهُ اخْلَعْهُمَا
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: وَأَخْبَرَنِي عُمَرُ بْنُ عَطَاءٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وَأَبُو سُفْيَانَ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ [طه: 12] قَالَ: كَانَتَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ، فَقِيلَ لَهُ اخْلَعْهُمَا قَالَ: وَقَالَ قَتَادَةُ مِثْلَ ذَلِكَ وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَتَا مِنْ جَلْدِ بَقَرٍ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يَطَأَ مُوسَى الْأَرْضَ بِقَدَمَيْهِ، لِيَصِلَ إِلَيْهِ بَرَكَتُهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ الْحَسَنُ: كَانَتَا يَعْنِي نَعْلَيْ مُوسَى مِنْ بَقَرٍ، وَلَكِنْ إِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُبَاشِرَ بِقَدَمَيْهِ بَرَكَةَ الْأَرْضِ، وَكَانَ قَدْ قُدِّسَ مَرَّتَيْنِ
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقِيلَ لِمُجَاهِدٍ: زَعَمُوا أَنَّ نَعْلَيْهِ كَانَتَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ أَوْ مَيْتَةٍ، قَالَ: لَا، وَلَكِنَّهُ أُمِرَ أَنْ يُبَاشِرَ بِقَدَمَيْهِ بَرَكَةَ الْأَرْضِ
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: قَالَ أَبُو بِشْرٍ، يَعْنِي ابْنَ عُلَيَّةَ، سَمِعْتُ ابْنَ أَبِي نَجِيحٍ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ قَالَ: يَقُولُ: أَفَضْ
بِقَدَمَيْكَ إِلَى بَرَكَةِ الْوَادِي قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِخَلْعِ نَعْلَيْهِ لِيُبَاشِرَ بِقَدَمَيْهِ بَرَكَةَ الْوَادِي، إِذْ كَانَ وَادِيًا مُقَدَّسًا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ، لِأَنَّهُ لَا دَلَالَةَ فِي ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ عَلَى أَنَّهُ أَمَرَ بِخَلْعِهِمَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ وَلَا لِنَجَاسَتِهِمَا، وَلَا خَبَرَ بِذَلِكَ عَمَّنْ يَلْزَمُ بِقَوْلِهِ الْحُجَّةُ، وَإِنَّ فِي قَوْلِهِ ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ بِعَقِبِهِ دَلِيلًا وَاضِحًا، عَلَى أَنَّهُ إِنَّمَا أَمَرَهُ بِخَلْعِهِمَا لِمَا ذَكَرْنَا.
وَلَوْ كَانَ الْخَبَرُ الَّذِي:
حَدَّثَنَا بِهِ، بِشْرٌ قَالَ: ثنا خَلَفُ بْنُ خَلِيفَةَ، عَنْ حُمَيْدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: " يَوْمَ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى، كَانَتْ عَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ وَكِسَاءُ صُوفٍ، وَسَرَاوِيلُ صُوفٍ، وَنَعْلَانِ مِنْ جِلْدِ حِمَارٍ غَيْرِ مُذَكًّى صَحِيحًا لَمْ نُعِدْهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ يَجِبُ التَّثَبُّتُ فِيهِ وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ [طه: 12] فَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ: (نُودِيَ يَا مُوسَى أَنِّي) بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ «أَنِّي» ، فَأَنَّ عَلَى قِرَاءَتِهِمْ