سُورَةُ سَبَأٍ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
مَكِّيَّةٌ وَآيَاتُهَا أَرْبَعٌ وَخَمْسُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: الشُّكْرُ الْكَامِلُ، وَالْحَمْدُ التَّامُّ كُلُّهُ لِلْمَعْبُودِ الَّذِي هُوَ مَالِكُ جَمِيعِ مَا فِي السَّمَوَاتِ السَّبْعِ، وَمَا فِي الْأَرَضِينَ السَّبْعِ دُونَ كُلِّ مَا يَعْبُدُونَهُ، وَدُونَ
كُلِّ شَيْءٍ سِوَاهُ، لَا مَالِكَ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ غَيْرُهُ؛ فَالْمَعْنَى: الَّذِي هُوَ مَالِكٌ جَمِيعَهُ ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾ [سبأ: 1] يَقُولُ: وَلَهُ الشُّكْرُ الْكَامِلُ فِي الْآخِرَةِ، كَالَّذِي هُوَ لَهُ ذَلِكَ فِي الدُّنْيَا الْعَاجِلَةِ، لِأَنَّ مِنْهُ النِّعَمَ كُلَّهَا عَلَى كُلِّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فِي الدُّنْيَا، وَمِنْهُ يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ خَالِصًا دُونَ مَا سِوَاهُ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا، وَآجِلِ الْآخِرَةِ، لِأَنَّ النِّعَمَ كُلَّهَا مِنْ قِبَلِهِ لَا يُشْرِكُهُ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ دُونِهِ، وَهُوَ الْحَكِيمُ فِي تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ وَصَرْفِهِ إِيَّاهُمْ فِي تَقْدِيرِهِ، خَبِيرٌ بِهِمْ وَبِمَا يُصْلِحُهُمْ، وَبِمَا عَمِلُوا، وَمَا هُمْ عَامِلُونَ، مُحِيطٌ بِجَمِيعِ ذَلِكَ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [سبأ: 1] «حَكِيمٌ فِي أَمْرِهِ، خَبِيرٌ بِخَلْقِهِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: 2] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يَعْلَمُ مَا يَدْخُلُ الْأَرْضَ وَمَا يَغِيبُ فِيهَا مِنْ شَيْءٍ؛ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَلَجْتُ فِي كَذَا: إِذَا دَخَلْتُ فِيهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] رَأَيْتُ الْقَوَافِيَ يَتَّلِجْنَ مَوَالِجًا ... تَضَايَقَ عَنْهَا أَنْ تَوَلَّجَهَا الْإِبَرْ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: «يَتَّلِجْنَ مَوَالِجًا» : يَدْخُلْنَ مَدَاخِلَ ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ [سبأ: 2] يَقُولُ: وَمَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ ﴿وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾ [سبأ: 2] يَعْنِي: وَمَا يَصْعَدُ فِي السَّمَاءِ؛ وَذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ أَنَّهُ الْعَالِمُ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، مِمَّا ظَهَرَ فِيهَا وَمَا بَطَنَ ﴿وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ﴾ [سبأ: 2] وَهُوَ الرَّحِيمُ بِأَهْلِ التَّوْبَةِ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ يُعَذِّبَهُمُ بَعْدَ تَوْبَتِهِمْ، الْغَفُورُ لِذُنُوبِهِمْ إِذَا تَابُوا مِنْهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَسْتَعْجِلُكَ يَا مُحَمَّدُ الَّذِينَ جَحَدُوا قُدْرَةَ اللَّهِ عَلَى إِعَادَةِ خَلْقِهِ
بَعْدَ فَنَائِهِمْ بِهَيْئَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا بِهَا مِنْ قَبْلِ فَنَائِهِمْ مِنْ قَوْمِكَ بِقِيَامِ السَّاعَةِ، اسْتِهْزَاءً بِوَعْدِكَ إِيَّاهُمْ، وَتَكْذِيبًا لِخَبَرِكَ، قُلْ لَهُمْ: بَلَى تَأْتِيكُمْ وَرَبِّي، قَسْمًا بِهِ لَتَأْتِيَنَّكُمُ السَّاعَةُ، ثُمَّ عَادَ جَلَّ جَلَالُهُ بَعْدَ ذِكْرِهِ السَّاعَةَ عَلَى نَفْسِهِ، وَتَمْجِيدِهَا، فَقَالَ: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: 73] وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ: (عَالِمُ الْغَيْبِ) عَلَى مِثَالِ فَاعِلِ، بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ، إِذْ دَخَلَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وَرَبِّي﴾ [يونس: 53] ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام: 73] كَلَامٌ حَائِلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءُ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ، عَالِمَ عَلَى مِثَالِ فَاعِلِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ خَفَضُوا عَالِمِ رَدًّا مِنْهُمْ لَهُ عَلَى قَوْلِهِ ﴿وَرَبِّي﴾ [يونس: 53] إِذْ كَانَ مِنْ صِفَتِهِ وَقَرَأَ ذَلِكَ بَقِيَّةُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ
: (عَلَّامِ الْغَيْبِ) عَلَى مِثَالِ فَعَّالِ، وَبِالْخَفْضِ رَدًّا لِإِعْرَابِهِ عَلَى أَعْرَابِ قَوْلِهِ ﴿وَرَبِّي﴾ [يونس: 53] إِذْ كَانَ مِنْ نَعَتِهِ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا، أَنَّ كُلَّ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ الثَّلَاثِ، قِرَاءَاتٌ مَشْهُورَاتٌ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ مُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي، فَبِأَيَّتِهِنَّ قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ؛ غَيْرَ أَنَّ أَعْجَبَ الْقِرَاءَاتِ فِي ذَلِكَ إِلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ بِهَا: (عَلَّامِ الْغَيْبِ) عَلَى الْقِرَاءَةِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا عَنْ عَامَّةِ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ؛ فَأَمَّا اخْتِيَارُ عَلَّامِ عَلَى عَالِمِ، فَلِأَنَّهَا أَبْلَغُ فِي الْمَدْحِ وَأَمَّا الْخَفْضُ فِيهَا فَلِأَنَّهَا مِنْ نَعْتِ الرَّبِّ، وَهُوَ فِي مَوْضِعِ الْجَرِّ وَعَنَى بِقَوْلِهِ: عَلَّامِ الْغَيْبِ: عَلَّامَ مَا يَغِيبُ عَنْ أَبْصَارِ الْخَلْقِ، فَلَا يَرَاهُ أَحَدٌ، إِمَّا مَا لَمْ يُكَوِّنْهُ مِمَّا سَيُكَوِّنُهُ، أَوْ مَا قَدْ كَوَّنَهُ فَلَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ أَحَدًا غَيْرَهُ.
وَإِنَّمَا وَصَفَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ نَفْسَهُ بِعِلْمِهِ الْغَيْبَ، إِعْلَامًا مِنْهُ خَلْقَهُ أَنَّ السَّاعَةَ لَا يَعْلَمُ وَقْتَ مَجِيئِهَا أَحَدٌ سِوَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ جَائِيَةً، فَقَالَ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ: بَلَى وَرَبِّكُمْ لَتَأْتِيَنَّكُمُ السَّاعَةُ، وَلَكِنَّهُ لَا يَعْلَمُ وَقْتَ مَجِيئِهَا أَحَدٌ سِوَى عَلَّامِ الْغُيُوبِ، الَّذِي لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ [سبأ: 3] لَا يَغِيبُ عَنْهُ، وَلَكِنَّهُ ظَاهَرٌ لَهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ [سبأ: 3] يَقُولُ: «لَا يَغِيبُ عَنْهُ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ﴾ [سبأ: 3] قَالَ: «لَا يَغِيبُ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [سبأ: 3] أَيْ لَا يَغِيبُ عَنْهُ " وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
وَقَوْلُهُ: ﴿مِثْقَالُ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40] يَعْنِي: زِنَةُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ؛ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَا يَغِيبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْ زِنَةِ ذَرَّةٍ فَمَا فَوْقَهَا فَمَا دُونَهَا، أَيْنَ كَانَ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ﴿وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ﴾ [يونس: 61] يَقُولُ: وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ أَصْغَرُ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ ﴿وَلَا أَكْبَرُ﴾ [يونس: 61] مِنْهُ ﴿إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 59] يَقُولُ: هُوَ
مُثْبَتٌ فِي كِتَابٍ يَبِينُ لِلنَّاظِرِ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ أَثْبَتَهُ وَأَحْصَاهُ وَعَلِمَهُ، فَلَمْ يَعْزُبْ عَنْ عَلْمُهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ [سبأ: 4] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَثْبَتَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ الْمُبِينِ، كَيْ يُثِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَعَمِلُوا بِمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِهِ، وَانْتَهُوا عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ عَلَى طَاعَتِهِمْ رَبَّهُمْ ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [هود: 11] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ، مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ لِذُنُوبِهِمْ ﴿وَرُزِقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: 4] يَقُولُ: وَعَيْشٌ هَنِيءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْجَنَّةِ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ﴾ [هود: 11] لِذُنُوبِهِمْ ﴿وَرُزِقٌ كَرِيمٌ﴾ [الأنفال: 4] فِي الْجَنَّةِ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [سبأ: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَثْبَتَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ، لِيَجْزِي الْمُؤْمِنِينَ مَا وَصَفَ، وَلِيَجْزِي الَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ؛ يَقُولُ: وَكَيْ يُثِيبُ الَّذِينَ عَمِلُوا فِي إِبْطَالِ أَدِلَّتِنَا وَحُجَجِنَا مُعَاوِنِينَ، يَحْسِبُونَ
أَنَّهُمْ يَسْبِقُونَنَا بِأَنْفُسِهِمْ فَلَا نَقْدِرُ عَلَيْهِمْ ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ﴾ [آل عمران: 91] يَقُولُ: هَؤُلَاءِ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ شَدِيدِ الْعَذَابِ الْأَلِيمٌ؛ وَيَعْنِي بِالْأَلِيمِ: الْمُوجِعُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ [سبأ: 5] أَيْ لَا يُعْجِزُونَ ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ﴾ [سبأ: 5] قَالَ: الرِّجْزُ: سُوءُ الْعَذَابِ، الْأَلِيمُ: الْمُوجِعُ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ [سبأ: 5] قَالَ: " جَاهِدِينَ لِيُهْبِطُوهَا أَوْ يُبْطِلُوهَا، قَالَ: وَهُمُ الْمُشْرِكُونَ، وَقَرَأَ: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: 26]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَثْبَتَ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ؛ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا، وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مَا قَدْ بَيَّنَ لَهُمْ، وَلِيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ؛ فَيَرَى فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ
عَطْفًا بِهِ عَلَى قَوْلِهِ: يَجْزِيَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [يونس: 4] وَعَنَى بِالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ: مُسْلِمَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَّامٍ، وَنُظَرَائِهِ الَّذِينَ قَدْ قَرَؤُوا كُتُبَ اللَّهِ الَّتِي أُنْزِلَتْ قَبْلَ الْفُرْقَانِ، فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلِيَرَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ بِكِتَابِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ التَّوْرَاةُ، الْكِتَابُ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ
وَقِيلَ: عَنَى بِالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ: أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ﴾ [سبأ: 6] قَالَ: «أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [سبأ: 6] يَقُولُ: وَيُرْشِدُ مَنِ اتَّبَعَهُ، وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ إِلَى سَبِيلِ اللَّهِ الْعَزِيزِ فِي انْتِقَامِهِ مِنْ أَعْدَائِهِ، الْحَمِيدُ عِنْدَ خَلْقِهِ، فَأَيَادِيهِ عِنْدَهُمْ، وَنِعَمُهُ لَدَيْهِمْ.
وَإِنَّمَا يَعْنِي أَنَّ الْكِتَابَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ يَهْدِي إِلَى الْإِسْلَامِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: 7] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مُتَعَجِّبِينَ مِنْ وَعْدِهِ إِيَّاهُمُ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَمَاتِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ﴾ [سبأ: 7] أَيُّهَا النَّاسُ
﴿عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: 7] يَقُولُ: يُخْبِرُكُمْ أَنَّكُمْ بَعْدَ تَقْطِيعِكُمْ فِي الْأَرْضِ بَلَاءً وَبَعْدَ مَصِيرِكُمْ فِي التُّرَابِ رُفَاتًا، عَائِدُونَ كَهَيْئَتِكُمْ قَبْلَ الْمَمَاتِ خَلْقًا جَدِيدًا
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: 7] قَالَ: «ذَلِكَ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ وَالْمُشْرِكُونَ مِنَ النَّاسِ» ﴿يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ [سبأ: 7] «إِذَا أَكَلَتْكُمُ الْأَرْضُ، وَصِرْتُمْ رُفَاتًا وَعِظَامًا، وَقَطَّعَتْكُمُ السِّبَاعُ وَالطَّيْرُ» ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: 7] «سَتُحْيَوْنَ وَتُبْعَثُونَ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ﴾ [سبأ: 7] إِلَى ﴿خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: 7] قَالَ: يَقُولُ: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ﴾ [سبأ: 7] «وَإِذَا بُلِيتُمْ وَكُنْتُمْ عِظَامًا وَتُرَابًا وَرُفَاتًا» ذَلِكَ ﴿كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلَقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: 7] " قَالَ: يُنَبِّئُكُمْ إِنَّكُمْ " فَكَسَرَ إِنَّ وَلَمْ يُعْمِلْ يُنَبِّئُكُمْ فِيهَا، وَلَكِنِ ابْتَدَأَ بِهَا ابْتِدَاءً، لِأَنَّ النَّبَأَ خَبَرٌ وَقَوْلٌ، فَالْكَسْرُ فِي إِنَّ لِمَعْنَى الْحِكَايَةِ فِي قَوْلِهِ: ﴿يُنَبِّئُكُمْ﴾ [الأنعام: 60] دُونَ لَفْظِهِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: يَقُولُ لَكُمْ: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: 7] "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ، بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِهِ، وَأَنْكَرُوا الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَمَاتِ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، مُعْجَبِينَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَعْدِهِ إِيَّاهُمْ ذَلِكَ: أَفْتَرَى هَذَا الَّذِي يَعِدُنَا أَنَّا بَعْدَ أَنْ نُمَزَّقَ كُلَّ مُمَزَّقٍ فِي خَلْقٍ جَدِيدٍ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، فَتَخَلَّقَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَاطِلًا مِنَ الْقَوْلِ، وَتَخَرَّصَ عَلَيْهِ قَوْلَ الزُّورِ ﴿أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: 8] يَقُولُ: أَمْ هُوَ مَجْنُونٌ فَيَتَكَلَّمُ بِمَا لَا مَعْنَى لَهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: قَالُوا تَكْذِيبًا: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [سبأ: 8] قَالَ: " قَالُوا: إِمَّا أَنْ يَكُونَ يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ، أَمْ بِهِ جِنَّةٌ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَجْنُونًا ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: 8] الْآيَةُ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ؛ " ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: 8] الرَّجُلُ مَجْنُونُ فَيَتَكَلَّمُ بِمَا لَا يَعْقِلُ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ: 8]
وَقَوْلُهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا الْأَمْرُ كَمَا قَالَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ فِي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَظَنُّوا بِهِ مِنْ أَنَّهُ أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا، أَوْ أَنَّ بِهَ جِنَّةً، لَكِنِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ فِي عَذَابِ اللَّهِ فِي
الْآخِرَةِ، وَفِي الذَّهَابِ الْبَعِيدِ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَقَصْدِ
السَّبِيلِ، فَهُمْ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ يَقُولُونَ فِيهِ مَا يَقُولُونَ
حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ؛ " قَالَ اللَّهُ: ﴿بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ﴾ [سبأ: 8] وَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِفَ لَهُمْ لِيَعْتَبِرُوا، وَقَرَأَ: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: 7] . . . . . . الْآيَةَ كُلَّهَا، وَقَرَأَ: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبأ: 3] وَقُطِعَتِ الْأَلِفُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ﴾ [سبأ: 8] فِي الْقَطْعِ وَالْوَصْلِ، فَفُتِحَتْ لِأَنَّهَا أَلِفُ اسْتِفْهَامِ فَأَمَّا الْأَلِفُ الَّتِي بَعْدَهَا، الَّتِي هِيَ أَلِفُ افْتَعَلَ، فَإِنَّهَا ذَهَبَتْ لِأَنَّهَا خَفِيفَةٌ زَائِدَةٌ تَسْقُطُ فِي اتِّصَالِ الْكَلَامِ، وَنَظِيرُهَا: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ [المنافقون: 6] ، وَ ﴿بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ﴾ [ص: 75] وَ ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ﴾ [الصافات: 153] وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَأَمَّا أَلِفُ آلْآنَ، وَآلذَّكَرَيْنِ فَطُوِّلَتْ هَذِهِ، وَلَمْ تُطَوَّلْ تِلْكَ، لِأَنَّ الْآنَ وَالذَّكَرَيْنِ كَانَتْ مَفْتُوحَةً، فَلَوْ أُسْقِطَتْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الِاسْتِفْهَامِ وَالْخَبَرِ فَرْقٌ، فَجَعَلَ التَّطْوِيلَ فِيهَا فَرْقًا بَيْنَ الِاسْتِفْهَامِ وَالْخَبَرِ، وَأَلِفُ الِاسْتِفْهَامِ مَفْتُوحَةٌ، فَكَانَتَا مُفْتَرَقَتَيْنِ بِذَلِكَ، فَأَغْنَى ذَلِكَ دَلَالَةً عَلَى الْفَرْقِ مِنَ التَّطْوِيلِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبأ: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَلَمْ يَنْظُرْ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِالْمِعَادِ، الْجَاحِدُونَ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَمَاتِ، الْقَائِلُونَ
لِرَسُولِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [سبأ: 8] إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَيَعْلَمُوا أَنَّهُمْ حَيْثُ كَانُوا، فَإِنَّ أَرْضِي وَسَمَائِي مُحِيطَةٌ بِهِمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمَنْ خَلْفِهُمْ، وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ، وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ، فَيَرْتَدِعُوا عَنْ جَهْلِهِمْ، وَيَتَزَجَّرُوا عَنْ تَكْذِيبِهِمْ بِآيَاتِنَا حَذَرًا أَنْ نَأْمُرَ الْأَرْضَ فَتَخْسِفُ بِهِمْ، أَوِ السَّمَاءَ فَتَسْقُطُ عَلَيْهِ قِطَعًا، فَإِنَّا إِنْ نَشَأْ نَفْعَلْ ذَلِكَ بِهِمْ فِعْلَنَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [سبأ: 9] قَالَ: " يَنْظُرُونَ عَنْ أَيْمَانِهِمْ، وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ، كَيْفَ السَّمَاءُ قَدْ أَحَاطَتْ بِهِمْ ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفُ بِهِمُ الْأَرْضَ﴾ [سبأ: 9] كَمَا خَسَفْنَا بِمَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ [سبأ: 9] أَيْ قِطَعًا مِنَ السَّمَاءِ "
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبأ: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّ فِي
إِحَاطَةِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ بِعِبَادِ اللَّهِ ﴿لَآيَةً﴾ [البقرة: 248] يَقُولُ: لَدَلَالَةً ﴿لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبأ: 9] يَقُولُ: لِكُلِّ عَبْدٍ أَنَابَ إِلَى رَبِّهِ بِالتَّوْبَةِ، وَرَجَعَ إِلَى مَعْرِفَةِ تَوْحِيدِهِ، وَالْإِقْرَارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ، وَالِاعْتِرَافِ بِوَحْدَانِيَّتِهِ، وَالْإِذْعَانِ لِطَاعَتِهِ، عَلَى أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ فِعْلُ شَيْءٍ أَرَادَ فِعْلَهُ، وَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ فِعْلُ شَيْءٍ شَاءَهُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبأ: 9] " وَالْمُنِيبُ: الْمُقْبِلُ التَّائِبُ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَقَدْ أُعْطِينَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلًا، وَقُلْنَا لِلْجِبَالِ: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: 10] سَبِّحِي مَعَهُ إِذَا سَبَّحَ وَالتَّأْوِيبُ
عِنْدَ الْعَرَبِ: الرُّجُوعُ، وَمَبِيتُ الرَّجُلِ فِي مَنْزِلِهِ وَأَهْلِهِ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر البسيط]
يَوْمَانِ يَوْمُ مَقَامَاتٍ وَأَنْدِيَةٍ ... وَيَوْمُ سَيْرٍ إِلَى الْأَعْدَاءِ تَأْوِيبِ،
أَيْ رُجُوعٍ.
وَقَدْ كَانَ بَعْضُهُمْ يَقْرَؤُهُ: أَوِّبِي مَعَهُ مِنْ آبَ يَؤُوبُ، بِمَعْنَى: تَصَرَّفِي مَعَهُ؛ وَتِلْكَ قِرَاءَةٌ لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ بِهَا لِخِلَافِهَا قِرَاءَةَ الْحُجَّةِ
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ الصَّلْتِ، قَالَ: ثنا أَبُو كُدَيْنَةَ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ الْأَشْقَرُ، قَالَ: ثنا أَبُو كُدَيْنَةَ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: 10] قَالَ: سَبِّحِي مَعَهُ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: 10] يَقُولُ: «سَبِّحِي مَعَهُ»
حَدَّثَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَلَائِيُّ، قَالَ: ثنا مِسْعَرٌ، عَنْ أَبِي حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: 10] يَقُولُ: سَبِّحِي "