سُورَةُ الْفَتْحِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
مَدَنِيَّةٌ وَآيَاتُهَا تِسْعٌ وَعِشْرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: 2] يَعْنِي بِقَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1] يَقُولُ: إِنَّا حَكَمْنَا لَكَ يَا مُحَمَّدُ
حُكْمًا لِمَنْ سَمِعَهُ أَوْ بَلَغَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ وَنَاصَبَكَ مِنْ كُفَّارِ قَوْمِكَ، وَقَضَيْنَا لَكَ عَلَيْهِمْ بِالنَّصْرِ وَالظَّفَرِ، لِتَشْكُرَ رَبَّكَ، وَتَحْمَدَهُ عَلَى نِعْمَتِهِ بِقَضَائِهِ لَكَ عَلَيْهِمْ، وَفَتْحِهِ مَا فَتَحَ لَكَ، وَلِتُسَبِّحَهُ وَتَسْتَغْفِرَهُ، فَيَغْفِرَ لَكَ بِفِعَالِكَ ذَلِكَ رَبُّكَ، مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ قَبْلَ فَتْحِهِ لَكَ مَا فَتَحَ، وَمَا تَأَخَّرَ بَعْدَ فَتْحِهِ لَكَ ذَلِكَ مَا شَكَرْتَهُ وَاسْتَغْفَرْتَهُ.
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا هَذَا الْقَوْلَ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ لِدِلَالَةِ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: 1] عَلَى صِحَّتِهِ، إِذْ أَمَرَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنْ يُسَبِّحَ بِحَمْدِ رَبِّهِ إِذَا جَاءَهُ نَصْرُ اللَّهِ وَفَتْحُ مَكَّةَ، وَأَنْ يَسْتَغْفِرَهُ، وَأَعْلَمَهُ أَنَّهُ تَوَّابٌ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، فَفِي ذَلِكَ بَيَانٌ وَاضِحٌ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ
: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] إِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ جَزَائِهِ لَهُ عَلَى شُكْرِهِ لَهُ، عَلَى النِّعْمَةِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِ مِنْ إِظْهَارِهِ لَهُ مَا فَتَحَ، لِأَنَّ جَزَاءَ اللَّهِ تَعَالَى عِبَادَهُ عَلَى أَعْمَالِهِمْ دُونَ غَيْرِهَا وَبَعْدُ فَفِي صِحَّةِ الْخَبَرِ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُومُ حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهُ، فَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ تَفْعَلُ هَذَا وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟» ، الدِّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى أَنَّ الَّذِيَ قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ هُوَ الصَّحِيحُ مِنَ الْقَوْلِ، وَأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، إِنَّمَا وَعَدَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُفْرَانَ ذُنُوبِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَتْحَ مَا فَتَحَ عَلَيْهِ، وَبَعْدَهُ عَلَى شُكْرِهِ لَهُ، عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِئَةَ مَرَّةٍ» وَلَوْ كَانَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ مِنْ خَبَرِ اللَّهِ تَعَالَى نَبِيَّهُ أَنَّهُ قَدْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنَا، لَمْ يَكُنْ لَأَمْرِهِ إِيَّاهُ بِالِاسْتِغْفَارِ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ، وَلَا لِاسْتِغْفَارِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ مِنْ ذُنُوبِهِ بَعْدَهَا مَعْنًى يُعْقَلُ، إِذِ الِاسْتِغْفَارُ مَعْنَاهُ: طَلَبُ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ غُفْرَانَ ذُنُوبِهِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذُنُوبٌ تُغْفَرُ لَمْ يَكُنْ لِمَسْأَلَتِهِ إِيَّاهُ غُفْرَانَهَا مَعْنًى، لِأَنَّهُ مِنَ الْمُحَالِ أَنْ يُقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبًا لَمْ أَعْمَلْهُ وَقَدْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ بِمَعْنَى: لِيَغْفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ قَبْلَ الرِّسَالَةِ، وَمَا تَأَخَّرَ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي قَالَ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ
مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [الفتح: 1] وَأَمَّا الْفَتْحُ الَّذِي وَعَدَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْعِدَةَ عَلَى شُكْرِهِ إِيَّاهُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ فِيمَا ذُكِرَ الْهُدْنَةُ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ أُنْزِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْصَرَفَهُ عَنِ الْحُدَيْبِيَةِ بَعْدَ الْهُدْنَةِ الَّتِي جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1] قَالَ: «قَضَيْنَا لَكَ قَضَاءً مُبِينًا»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1] " وَالْفَتْحُ: الْقَضَاءُ "
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ عَمَّنْ قَالَ: هَذِهِ السُّورَةُ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي ذَكَرْتُ حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، قَالَ: ثَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثَنَا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1] قَالَ: «الْحُدَيْبِيَةُ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثَنَا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي
الْحَارِثُ، قَالَ: ثَنَا الْحَسَنُ، قَالَ: ثَنَا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1] قَالَ: «نَحْرُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَحَلْقُهُ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَزِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو بَحْرٍ، قَالَ: ثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: ثَنَا جَامِعُ بْنُ شَدَّادٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، يَقُولُ: لَمَّا أَقْبَلْنَا مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ أَعْرَسْنَا فَنِمْنَا، فَلَمْ نَسْتَيْقِظْ إِلَّا بِالشَّمْسِ قَدْ طَلَعَتْ، فَاسْتَيْقَظْنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَائِمٌ، قَالَ: فَقُلْنَا أَيْقِظُوهُ، فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «افْعَلُوا كَمَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ، فَكَذَلِكَ مَنْ نَامَ أَوْ نَسِيَ» قَالَ: وَفَقَدْنَا نَاقَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَوَجَدْنَاهَا قَدْ تَعَلَّقَ خِطَامُهَا بِشَجَرَةٍ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَرَكِبَ فَبَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ، إِذْ أَتَاهُ الْوَحْي، قَالَ: وَكَانَ إِذَا أَتَاهُ اشْتَدَّ عَلَيْهِ؛ فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ أَخْبَرَنَا أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1]
حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمِقْدَامِ، قَالَ: ثَنَا الْمُعْتَمِرُ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا رَجَعْنَا مِنْ غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ
نُسُكِنَا، قَالَ: فَنَحْنُ بَيْنَ الْحُزْنِ وَالْكَآبَةِ، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ، وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: 2] أَوْ كَمَا شَاءَ اللَّهُ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا»
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1] قَالَ: نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْجِعَهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَدْ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نُسُكِهِمْ، فَنَحَرَ الْهَدْي بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَأَصْحَابُهُ مُخَالِطُو الْكَآبَةِ وَالْحَزَنِ، فَقَالَ: «لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا» ، فَقَرَأَ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَزِيزًا﴾ [النساء: 56] فَقَالَ أَصْحَابُهُ هَنِيئًا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَنَا مَاذَا يَفْعَلُ بِكَ، فَمَاذَا يَفْعَلُ بِنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ بَعْدَهَا ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الفتح: 5] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 5] حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو دَاوُدَ، قَالَ: ثَنَا هَمَّامٌ، قَالَ: ثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ بِنَحْوِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: هَنِيئًا لَكَ مَرِيئًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَالَ أَيْضًا: فَبَيَّنَ اللَّهُ مَاذَا يَفْعَلُ بِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَمَاذَا يَفْعَلُ بِهِمْ
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثَنَا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] مَرْجِعَهُ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا عَلَى الْأَرْضِ» ، ثُمَّ قَرَأَهَا عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: هَنِيئًا مَرِيئًا يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَكَ مَاذَا يَفْعَلُ بِكَ، فَمَاذَا يَفْعَلُ بِنَا؟ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الفتح: 5] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 73]
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، وَابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَا: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: 2] قَالُوا: هَنِيئًا مَرِيئًا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَاذَا لَنَا؟ فَنَزَلَتْ ﴿لِيَدْخُلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الفتح: 5] "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1] قَالَ: «الْحُدَيْبِيَةُ»
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «مَا كُنَّا نَعُدُّ فَتْحَ مَكَّةَ إِلَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ»
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثَنَا يَعْلَى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ سِيَاهٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، قَالَ: تَكَلَّمَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ يَوْمَ صِفِّينَ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ، لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، يَعْنِي الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ، وَلَوْ نَرَى قِتَالًا لَقَاتَلْنَا، فَجَاءَ عُمَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: «بَلَى» ، قَالَ: فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا، وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: «يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي أَبَدًا» ، قَالَ: فَرَجَعَ وَهُوَ مُتَغَيِّظٌ، فَلَمْ يَصْبِرْ حَتَّى أَتَى أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَسْنَا عَلَى حَقٍّ وَهُمْ عَلَى بَاطِلٍ؟ أَلَيْسَ قَتْلَانَا فِي الْجَنَّةِ، وَقَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَفِيمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ فِي دِينِنَا، وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمِ اللَّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، لَنْ يُضَيِّعَهُ اللَّهُ أَبْدًا، قَالَ: فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ،
فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عُمَرَ، فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوَفَتْحُ هُوَ؟ قَالَ: «نَعَمْ»
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْمَسْعُودِيُّ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: «مَا كُنَّا نَعُدُّ الْفَتْحَ إِلَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ، قَالَ: " تَعُدُّونَ أَنْتُمُ الْفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ، وَقَدْ كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحًا، وَنَحْنُ نَعُدُّ الْفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسَ عَشْرَةَ مِئَةً، وَالْحُدَيْبِيَةُ: بِئْرٌ "
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ سَهْلِ الرَّمْلِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى، قَالَ: ثَنَا مُجَمِّعُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَنْصَارِيُّ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ، عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَمِّهِ مُجَمِّعِ بْنِ جَارِيَةَ الْأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ أَحَدُ الْقُرَّاءِ الَّذِينَ قَرَأُوا الْقُرْآنَ، قَالَ: شَهِدْنَا الْحُدَيْبِيَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا انْصَرَفْنَا عَنْهَا، إِذَا النَّاسُ يَهُزُّونَ الْأَبَاعِرَ، فَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ: مَا لِلنَّاسِ؟ قَالُوا: أُوحِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: 2] فَقَالَ رَجُلٌ: أَوَ فَتْحٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لَفَتْحٌ» ، قَالَ: فَقُسِمَتْ خَيْبَرُ عَلَى أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ، لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ فِيهَا أَحَدٌ إِلَّا مَنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ، وَكَانَ الْجَيْشُ أَلْفًا وَخَمْسَ مِائَةٍ، فِيهِمْ ثَلَاثُ مِئَةِ فَارِسٍ، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا، فَأَعْطَى الْفَارِسَ سَهْمَيْنِ، وَأَعْطَى الرَّاجِلَ سَهْمًا
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: " نَزَلَتْ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: 1] بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَأَصَابَ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ مَا لَمْ يُصِبْهُ فِي غَزْوَةٍ، أَصَابَ أَنْ بُويِعَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَغُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ، وَبَلَغَ الْهَدْي مَحِلَّهُ، وَأُطْعِمُوا نَخْلَ خَيْبَرَ، وَفَرِحَ الْمُؤْمِنُونَ بِتَصْدِيقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِظُهُورِ الرُّومِ عَلَى فَارِسَ "
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [يوسف: 6] بِإِظْهَارِهِ إِيَّاكَ عَلَى عَدُوِّكَ، وَرَفْعِهِ ذِكْرَكَ فِي الدُّنْيَا، وَغُفْرَانِهِ ذُنُوبَكَ فِي الْآخِرَةِ ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: 2]
يَقُولُ: وَيُرْشِدُكَ طَرِيقًا مِنَ الدِّينِ لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ يَسْتَقِيمُ بِكَ إِلَى رِضَا رَبِّكَ ﴿وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ [الفتح: 3] يَقُولُ: وَيَنْصُرُكَ عَلَى سَائِرِ أَعْدَائِكَ، وَمَنْ نَاوَأَكَ نَصْرًا لَا يَغْلِبُهُ غَالِبٌ، وَلَا يَدْفَعُهُ دَافِعٌ، لِلْبَأْسِ الَّذِي يُؤَيِّدُكَ اللَّهُ بِهِ، وَبِالظَّفَرِ الَّذِي يُمِدُّكَ بِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ يَعْنِي جَلَّ ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 4] اللَّهُ أَنْزَلَ السُّكُونَ وَالطُّمَأْنِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ
إِلَى الْإِيمَانِ، وَالْحَقِّ الَّذِي بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ يَا مُحَمَّدُ وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ اخْتِلَافِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى السَّكِينَةِ قَبْلُ، وَالصَّحِيحُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ بِالشَّوَاهِدِ الْمُغْنِيَةِ، عَنْ إِعَادَتِهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4] يَقُولُ: لِيَزْدَادُوا بِتَصْدِيقِهِمْ بِمَا جَدَّدَ اللَّهُ مِنَ الْفَرَائِضِ الَّتِي أَلْزَمَهُمُوهَا، الَّتِي لَمْ تَكُنْ لَهُمْ لَازِمَةٌ ﴿إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4] يَقُولُ: لِيَزْدَادُوا إِلَى إِيمَانِهِمْ بِالْفَرَائِضِ الَّتِي كَانَتْ لَهُمْ لَازِمَةٌ قَبْلَ ذَلِكَ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ،
فِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الفتح: 4] قَالَ: " السَّكِينَةُ: الرَّحْمَةُ " ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: 4] قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَعَثَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلَمَّا صَدَّقُوا بِهَا زَادَهُمُ الصَّلَاةَ، فَلَمَّا صَدَّقُوا بِهَا زَادَهُمُ الصِّيَامَ، فَلَمَّا صَدَّقُوا بِهِ زَادَهُمُ الزَّكَاةَ، فَلَمَّا صَدَّقُوا بِهَا زَادَهُمُ الْحَجَّ، ثُمَّ أَكْمَلَ لَهُمْ دِينَهُمْ» ، فَقَالَ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: 3] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «فَأَوْثَقُ إِيمَانِ أَهْلِ الْأَرْضِ وَأَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَأَصْدَقُهُ وَأَكْمَلُهُ شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ»
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، أَنْصَارٌ يَنْتَقِمُ بِهِمْ مِمَّنْ يَشَاءُ مِنْ أَعْدَائِهِ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 17] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ ذَا عِلْمٍ بِمَا هُوَ كَائِنٌ قَبْلَ كَوْنِهِ، وَمَا خَلْقُهُ عَامِلُوهُ، حَكِيمًا فِي تَدْبِيرِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرْ عَنْهُمْ سَيِّآتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِتَشْكُرَ رَبَكَ، وَتَحْمَدَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَيَغْفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، وَلِيَحْمَدْ
رَبَّهُمُ الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، وَيَشْكُرُوهُ عَلَى إِنْعَامِهِ عَلَيْهِمْ بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَتْحِ الَّذِي فَتَحَهُ، وَقَضَاهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَعْدَائِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، بِإِظْهَارِهِ إِيَّاهُمْ عَلَيْهِمْ، فَيُدْخِلْهُمْ بِذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ،
مَاكِثِينَ فِيهَا إِلَى غَيْرِ نِهَايَةٍ وَلْيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَ أَعْمَالِهِمْ بِالْحَسَنَاتِ الَّتِي يَعْمَلُونَهَا شُكْرًا مِنْهُمْ لِرَبِّهِمْ عَلَى مَا قَضَى لَهُمْ، وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِهِ ﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَانَ مَا وَعَدَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ هَذِهِ الْعِدَةِ، وَذَلِكَ إِدْخَالُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، وَتَكْفِيرُهُ سَيِّئَاتِهِمْ بِحَسَنَاتِ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي يَعْمَلُونَهَا عِنْدَ اللَّهِ لَهُمْ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 73] يَقُولُ: ظَفَرًا مِنْهُمْ بِمَا كَانُوا تَأَمَّلُوهُ وَيَسْعَوْنَ لَهُ، وَنَجَاةً مِمَّا كَانُوا يَحْذَرُونَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَظِيمًا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الرِّوَايَةِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ لَمَّا قَالَ الْمُؤْمِنُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ تَلَا عَلَيْهِمْ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] هَذَا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَاذَا لَنَا؟ تَبْيِينًا مِنَ اللَّهِ لَهُمْ مَا هُوَ فَاعِلٌ بِهِمْ
حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثَنِي مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الفتح: 5] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَيُكَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الفتح: 5] «فَأَعْلَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ»
وَقَوْلُهُ: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الفتح: 5] عَلَى اللَّامِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ [الفتح: 2] بِتَأْوِيلِ تَكْرِيرِ الْكَلَامِ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ﴾ [الفتح: 2] إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَدْخُلِ الْوَاوُ الَّتِي تَدْخُلُ فِي الْكَلَامِ لِلْعَطْفِ،
فَلَمْ يَقُلْ: وَلْيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ: إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ وَلِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، وَلِيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ، بِفَتْحِ اللَّهِ لَكَ يَا مُحَمَّدُ، مَا فَتَحَ لَكَ مِنْ نَصْرِكَ عَلَى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ، فَيُكْبَتُوا لِذَلِكَ وَيَحْزَنُوا، وَيَخِيبُ رَجَاؤُهُمُ الَّذِي كَانُوا يَرْجُونَ مِنْ رُؤْيَتِهِمْ فِي أَهْلِ الْإِيمَانِ بِكَ مِنَ الضَّعْفِ وَالْوَهَنِ وَالتَّوَلِّي عَنْكَ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا، وَصِلِيِّ النَّارِ وَالْخُلُودِ فِيهَا فِي آجِلِ الْآخِرَةِ ﴿وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ﴾ [الأحزاب: 73] يَقُولُ: وَلِيُعَذِّبَ كَذَلِكَ أَيْضًا الْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ﴾ [الفتح: 6] أَنَّهُ لَنْ يَنْصُرَكَ وَأَهْلَ الْإِيمَانِ بِكَ عَلَى أَعْدَائِكَ، وَلَنْ يُظْهِرَ كَلِمَتَهُ فَيَجْعَلَهَا الْعُلْيَا عَلَى كَلِمَةِ الْكَافِرِينَ بِهِ، وَذَلِكَ كَانَ السُّوءُ مِنْ ظُنُونِهِمُ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: عَلَى الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ، وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الَّذِينَ ظَنُّوا هَذَا الظَّنَّ دَائِرَةُ السَّوْءِ، يَعْنِي دَائِرَةَ الْعَذَابِ تَدُورُ عَلَيْهِمْ بِهِ وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ ﴿دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ [التوبة: 98] بِفَتْحِ السِّينِ وَقَرَأَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْبَصْرَةِ (دَائِرَةُ السُّوءِ) بِضَمِّ السِّينِ
وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَقُولُ: الْفَتْحُ أَفْشَى فِي السِّينِ؛ قَالَ: وَقَلَّمَا تَقُولُ الْعَرَبُ دَائِرَةُ السُّوءِ بِضَمِّ السِّينِ، وَالْفَتْحُ فِي السِّينِ أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنَ الضَّمِّ، لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: هُوَ رَجُلٌ سَوْءٍ، بِفَتْحِ السِّينِ؛ وَلَا تَقُولُ: هُوَ رَجُلُ سُوءٍ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: 6] يَقُولُ: وَنَالَهُمُ اللَّهُ بِغَضَبٍ مِنْهُ، وَلَعَنَهُمْ: يَقُولُ: وَأَبْعَدَهُمْ فَأَقْصَاهُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ﴾ [الفتح: 6] يَقُولُ: وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 97] يَقُولُ: وَسَاءَتْ جَهَنَّمَ مَنْزِلًا يَصِيرُ إِلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ، وَالْمُشْرِكُونَ وَالْمُشْرِكَاتُ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْصَارًا عَلَى أَعْدَائِهِ، إِنْ أَمَرَهُمْ بِإِهْلَاكِهِمْ أَهْلَكُوهُمْ، وَسَارَعُوا إِلَى ذَلِكَ بِالطَّاعَةِ مِنْهُمْ لَهُ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 158] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ ذَا عِزَّةٍ، لَا يَغْلِبُهُ غَالِبٌ، وَلَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ مِمَّا
أَرَادَهُ بِهِ مُمْتَنِعٌ، لِعِظَمِ سُلْطَانِهِ وَقُدْرَتِهِ، حَكِيمٌ فِي تَدْبِيرِهِ خَلْقَهُ
﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفتح: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ [البقرة: 119] يَا مُحَمَّدُ ﴿شَاهِدًا﴾ [الأحزاب: 45] عَلَى أُمَّتِكَ بِمَا أَجَابُوكَ فِيمَا دَعْوَتَهُمْ إِلَيْهِ، مِمَّا أَرْسَلْتُكَ بِهِ إِلَيْهِمْ مِنَ الرِّسَالَةِ، ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ [الأحزاب: 45] لَهُمْ بِالْجَنَّةِ
إِنْ أَجَابُوكَ إِلَى مَا دَعَوْتَهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الدِّينِ الْقَيِّمِ، وَنَذِيرًا لَهُمْ عَذَابَ اللَّهِ إِنْ هُمْ تَوَلَّوْا عَمَّا