سُورَةُ الضُّحَى
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
مَكِّيَّةٌ وَآيَاتُهَا إِحْدَى عَشْرَةَ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَّكَ مِنَ الْأُولَى وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: 2] أَقْسَمَ رَبُّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالضُّحَى، وَهُوَ النَّهَارُ كُلُّهُ، وَأَحْسِبُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِمْ: ضَحِيَ فُلَانٌ لِلشَّمْسِ:
إِذَا ظَهَرَ مِنْهُ؛ وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: 119] أَيْ لَا يُصِيبُكُ فِيهَا الشَّمْسُ، وَقَدْ ذَكَرْتُ اخْتِلَافَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي مَعْنَاهُ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: 1] مَعَ ذِكْرِي اخْتِيَارَنَا فِيهِ.
وَقِيلَ: عُنِيَ بِهِ وَقْتُ الضُّحَى
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى: 1] : سَاعَةٌ مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: 2] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ:
مَعْنَاهُ: وَاللَّيْلِ إِذَا أَقْبَلَ بِظَلَامِهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: 2] يَقُولُ: وَاللَّيْلِ إِذَا أَقْبَلَ
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: 2] قَالَ: إِذَا لَبِسَ النَّاسَ، إِذَا جَاءَ وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: إِذَا ذَهَبَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: 2] يَقُولُ: إِذَا ذَهَبَ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: إِذَا اسْتَوَى وَسَكَنَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، جَمِيعًا، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: 2] قَالَ: إِذَا اسْتَوَى
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى؛ وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: 2] قَالَ: إِذَا اسْتَوَى
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: 2] : سَكَنَ بِالْخَلْقِ
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثنا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: 2] يَعْنِي: اسْتِقْرَارَهُ وَسُكُونَهُ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: 2] قَالَ: إِذَا سَكَنَ، قَالَ: ذَلِكَ سَجْوُهُ، كَمَا يَكُونُ سُكُونُ الْبَحْرِ سَجْوُهُ وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ عِنْدِي فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ: وَاللَّيْلِ إِذَا سَكَنَ بِأَهْلِهِ، وَثَبَتَ بِظَلَامِهِ، كَمَا يُقَالُ: بَحْرٌ سَاجٍ: إِذَا كَانَ سَاكِنًا؛ وَمِنْهُ قَوْلُ أَعْشَى بَنِي ثَعْلَبَةَ: [البحر الطويل] فَمَا ذَنْبُنَا إِنْ جَاشَ بَحْرُ ابْنِ عَمِّكُمْ ... وَبَحْرُكَ سَاجٍ مَا يُوَارِي الدَّعَامِصَا وَقَوْلُ الرَّاجِزِ: [البحر الرجز]
يَا حَبَّذَا الْقَمْرَاءُ وَاللَّيْلُ السَّاجْ ... وَطُرُقٌ مِثْلُ مُلَاءِ النَّسَّاجِ
وَقَوْلُهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 3] وَهَذَا جَوَابُ الْقَسَمِ، وَمَعْنَاهُ: مَا تَرَكَكَ يَا مُحَمَّدُ رَبُّكَ وَمَا أَبْغَضَكَ.
وَقِيلَ: ﴿وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 3] وَمَعْنَاهُ.
وَمَا قَلَاكَ، اكْتِفَاءً بِفَهْمِ السَّامِعِ لِمَعْنَاهُ، إِذْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ﴾ [الضحى: 3] فَعُرِفَ بِذَلِكَ أَنَّ الْمُخَاطَبَ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا
فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيٌّ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 3] يَقُولُ: مَا تَرَكَكَ رَبُّكَ، وَمَا أَبْغَضَكَ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 3] قَالَ: مَا قَلَاكَ رَبُّكَ وَمَا أَبْغَضَكَ؛ قَالَ: وَالْقَالِي: الْمُبْغِضُ وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكْذِيبًا مِنَ اللَّهِ قُرَيْشًا فِي قِيلِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ، لَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ: قَدْ وَدَّعَ مُحَمَّدًا رَبُّهُ وَقَلَاهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الدَّهَّانُ، قَالَ: ثنا مُفَضَّلُ بْنُ صَالِحٍ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ الْعَبْدِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: لَمَّا أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ، أَوْ مِنْ قَوْمِهِ: وَدَّعَ الشَّيْطَانُ مُحَمَّدًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿وَالضُّحَى﴾ [الضحى: 1] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 3] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ: هُوَ جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الدَّامِغَانِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ الْقَطَّانُ، قَالَا: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ سَمِعَ جُنْدُبًا الْبَجَلِيَّ يَقُولُ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى قَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَدَّعَ مُحَمَّدًا رَبُّهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 2]
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جُنْدُبًا الْبَجَلِيَّ قَالَ: قَالَتِ امْرَأَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَرَى صَاحِبَكَ إِلَّا قَدْ أَبْطَأَ عَنْكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 3]
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ
سَمِعْتُ جُنْدُبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: إِنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: مَا أَرَى شَيْطَانَكَ إِلَّا قَدْ تَرَكَكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 2]
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الشَّوَارِبِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ، أَنَّ خَدِيجَةَ، قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَرَى رَبَّكَ إِلَّا قَدْ قَلَاكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 2]
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 3] قَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَبْطَأَ عَلَيْهِ بِالْوَحْيِ، فَقَالَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ، مَا نَرَى صَاحِبَكَ إِلَّا قَدْ قَلَاكَ فَوَدَعَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ مَا تَسْمَعُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 3]
حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 3] قَالَ: أَبْطَأَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ قَلَاهُ رَبُّهُ وَوَدَّعَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 3]
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: ثنا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ
الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 3] مَكَثَ جِبْرِيلُ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: قَدْ وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 3] قَالَ: لَمَّا نَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، أَبْطَأَ عَنْهُ جِبْرِيلُ أَيَّامًا، فَعُيِّرَ بِذَلِكَ، فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ: وَدَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلَاهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 3]
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَبْطَأَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَزِعَ جَزَعًا شَدِيدًا، وَقَالَتْ خَدِيجَةُ: أَرَى رَبَّكَ قَدْ قَلَاكَ، مِمَّا نَرَى مِنْ جَزَعِكَ، قَالَ: فَنَزَلَتْ ﴿وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 2] إِلَى آخِرِهَا
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ [الضحى: 4] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ، وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ فِيهَا، خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدَّارِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا؛ يَقُولُ: فَلَا تَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَكَ مِنْهَا، فَإِنَّ الَّذِي لَكَ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لَكَ مِنْهَا
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ يَا مُحَمَّدُ رَبُّكَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ فَوَاضِلِ نِعَمِهِ، حَتَّى تَرْضَى.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الَّذِي وَعَدَهُ مِنَ الْعَطَاءِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَا
حَدَّثَنِي
بِهِ مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ هَاشِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الْأَوْزَاعِيَّ، يُحَدِّثُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْمُهَاجِرِ الْمَخْزُومِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: عُرِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا هُوَ مَفْتُوحٌ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ، كَفْرًا كَفْرًا، فَسُرَّ بِذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 5] فَأَعْطَاهُ فِي الْجَنَّةِ أَلْفَ قَصْرٍ، فِي كُلِّ قَصْرٍ، مَا يَنْبَغِي مِنَ الْأَزْوَاجِ وَالْخَدَمِ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ، قَالَ: ثني رَوَّادُ بْنُ الْجَرَّاحِ، عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 5] قَالَ: أَلْفَ قَصْرٍ مِنْ لُؤْلُؤٍ، تُرَابُهُنَّ الْمِسْكُ، وَفِيهِنَّ مَا يُصْلِحُهُنَّ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 5] : وَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ مَا: حَدَّثَنِي بِهِ، عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ، قَالَ: ثنا الْحَكَمُ بْنُ ظُهَيْرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 5] قَالَ: مَنْ رِضَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَّا يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ النَّارَ
وَقَوْلُهُ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ [الضحى: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُعَدِّدًا عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِعَمَهُ عِنْدَهُ، وَمُذَكِّرَهُ آلَاءَهُ قَبْلَهُ: أَلَمْ يَجِدْكَ يَا مُحَمَّدُ رَبَّكَ يَتِيمًا فَآوَى، يَقُولُ: فَجَعَلَ لَكَ مَأْوًى تَأْوِي إِلَيْهِ، وَمَنْزِلًا تَنْزِلُهُ ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: 7] وَوَجَدَكَ عَلَى غَيْرِ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ الْيَوْمَ وَقَالَ السُّدِّيُّ
فِي ذَلِكَ مَا
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ [الضحى: 7] قَالَ: كَانَ عَلَى أَمْرِ قَوْمِهِ أَرْبَعِينَ عَامًا.
وَقِيلَ: عُنِيَ بِذَلِكَ: وَوَجَدَكَ فِي قَوْمٍ ضُلَّالٍ فَهَدَاكَ
وَقَوْلُهُ: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى: 8] يَقُولُ: وَوَجَدَكَ فَقِيرًا فَأَغْنَاكَ، يُقَالُ مِنْهُ: عَالَ فُلَانٌ يَعِيلُ عَيْلَةً، وَذَلِكَ إِذَا افْتَقَرَ؛ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الوافر] فَمَا يَدْرِي الْفَقِيرُ مَتَى غِنَاهُ ... وَمَا يَدْرِي الْغَنِيُّ مَتَى يَعِيلُ يَعْنِي: مَتَى يَفْتَقِرُوَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا مِهْرَانُ، عَنْ سُفْيَانَ، ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾ [الضحى: 8] فَقِيرًا وَذُكِرَ أَنَّهَا فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: «وَوَجَدَكَ عَدِيمًا فَآوَى»