تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 462-471

سُورَةُ الْحَجِّ

صفحات 462-471
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " إِذَا وَقَعَتِ النُّطْفَةُ فِي الرَّحِمِ، بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا فَقَالَ: يَا رَبِّ , مُخَلَّقَةٌ أَوْ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ؟ فَإِنْ قَالَ: غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ، مَجَّتْهَا الْأَرْحَامُ دَمًا، وَإِنْ قَالَ: مُخَلَّقَةٌ , قَالَ: يَا رَبِّ فَمَا صِفَةُ هَذِهِ النُّطْفَةِ: أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى؟ مَا رِزْقُهَا؟ مَا أَجَلُهَا؟ أَشَقِيُّ أَوْ سَعِيدٌ؟ قَالَ: فَيُقَالُ لَهُ: انْطَلِقْ إِلَى أُمِّ الْكِتَابِ فَاسْتَنْسِخْ مِنْهُ صِفَةَ هَذِهِ النُّطْفَةِ قَالَ: فَيَنْطَلِقُ الْمَلَكُ فَيَنْسَخُهَا , فَلَا تَزَالُ مَعَهُ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى

آخِرِ صِفَتِهَا وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: تَامَّةٌ , وَغَيْرُ تَامَّةٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا سُلَيْمَانُ، قَالَ: ثنا أَبُو هِلَالٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: 5] قَالَ: «تَامَّةٌ , وَغَيْرُ تَامَّةٍ» حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: 5] فَذَكَرَ مِثْلَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ الْمُضْغَةُ مُصَوَّرَةٌ إِنْسَانًا , وَغَيْرُ مُصَوَّرَةٍ، فَإِذَا صُوِّرَتْ فَهِيَ مُخَلَّقَةٌ , وَإِذَا لَمْ تُصَوِّرْ فَهِيَ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: 5] قَالَ: «السِّقْطُ، مُخَلَّقَةٌ , وَغَيْرُ مُخَلَّقَةٍ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثنا عِيسَى , وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثنا الْحَسَنُ قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ

فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: 5] قَالَ: «السِّقْطُ، مَخْلُوقٌ وَغَيْرُ مَخْلُوقٍ» حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، بِنَحْوِهِ

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا دَاوُدُ، عَنْ عَامِرٍ، «أَنَّهُ قَالَ فِي النُّطْفَةِ وَالْمُضْغَةِ إِذَا نُكِّسَتْ فِي الْخَلْقِ الرَّابِعِ كَانَتْ نَسَمَةً مُخَلَّقَةَ، وَإِذَا قَذَفَتْهَا قَبْلَ ذَلِكَ فَهِيَ غَيْرُ مُخَلَّقَةٍ»

قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: 5] قَالَ: «السِّقْطُ» وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْمُخَلَّقَةُ الْمُصَوَّرَةُ خَلْقًا تَامًّا، وَغَيْرُ مُخَلَّقَةٍ: السِّقْطُ قَبْلَ تَمَامِ خَلْقِهِ , لِأَنَّ الْمُخَلَّقَةَ وَغَيْرَ الْمُخَلَّقَةِ مِنْ نَعْتِ الْمُضْغَةِ وَالنُّطْفَةِ بَعْدَ مَصِيرِهَا مُضْغَةً، لَمْ يَبْقَ لَهَا حَتَّى تَصِيرَ خَلْقًا سَوِيًّا إِلَّا التَّصْوِيرُ , وَذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: 5] خَلْقًا سَوِيًّا، وَغَيْرُ مُخَلَّقَةٍ بِأَنْ تُلْقِيَهُ الْأُمُّ مُضْغَةً , وَلَا تُصَوَّرُ , وَلَا يُنْفَخُ فِيهَا الرُّوحُ

وَقَوْلُهُ: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [الحج: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: جَعَلْنَا الْمُضْغَةَ مِنْهَا الْمُخَلَّقَةُ التَّامَّةُ , وَمِنْهَا السِّقْطُ غَيْرُ التَّامِّ، لِنُبَيِّنَ لَكُمْ قُدْرَتَنَا عَلَى مَا نَشَاءُ , وَنُعَرِّفَكُمُ ابْتِدَاءَنَا خَلْقَكُمْ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجْلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَنْ كُنَّا كَتَبْنَا لَهُ بَقَاءً وَحَيَاةً إِلَى أَمَدٍ وَغَايَةٍ، فَإِنَّا نُقِرُّهُ فِي رَحِمِ أُمِّهِ إِلَى وَقْتِهِ الَّذِي جَعَلْنَا لَهُ أَنْ يَمْكُثَ فِي رَحِمَهَا فَلَا تُسْقِطَهُ , وَلَا يَخْرُجَ مِنْهَا حَتَّى يَبْلُغَ أَجَلَهُ، فَإِذَا بَلَغَ وَقْتَ خُرُوجِهِ مِنْ رَحِمِهَا أَذِنَّا لَهُ بِالْخُرُوجِ

مِنْهَا , فَيَخْرُجُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجْلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: 5] قَالَ: «التَّمَامُ» حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجْلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: 5] قَالَ: " الْأَجَلُ الْمُسَمَّى: إِقَامَتُهُ فِي الرَّحِمِ حَتَّى يَخْرُجَ "

وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [الحج: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ مِنْ أَرْحَامِ أُمَّهَاتِكُمْ إِذَا بَلَغْتُمُ الْأَجَلَ الَّذِي قَدَّرْتُهُ لِخُرُوجِكُمْ مِنْهَا طِفْلًا صِغَارًا , وَوَحَّدَ الطِّفْلَ، وَهُوَ صِفَةٌ لِلْجَمِيعِ، لِأَنَّهُ مَصْدَرٌ , مِثْلُ عَدْلٍ وَزُورٍ

وَقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ [الحج: 5] يَقُولُ: ثُمَّ لِتَبْلُغُوا كَمَالَ عُقُولِكُمْ , وَنِهَايَةَ قُوَاكُمْ بِعُمُرِكُمْ.
وَقَدْ ذَكَرْتُ اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْأَشُدِّ، وَالصَّوَابَ مِنَ الْقَوْلِ فِيهِ عِنْدَنَا بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مِنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ يُتَوَفَّى قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ فَيَمُوتُ، وَمِنْكُمْ مَنْ يُنْسَأُ

فِي أَجَلِهِ فَيُعَمِّرُ حَتَّى يَهْرَمَ , فَيُرَدَّ مِنْ بَعْدِ انْتِهَاءِ شَبَابِهِ , وَبُلُوغِهِ غَايَةَ أَشُدِّهِ إِلَى أَرْذَلِ عُمْرِهِ، وَذَلِكَ الْهَرَمُ، حَتَّى يَعُودَ كَهَيْئَتِهِ فِي حَالِ صِبَاهُ لَا يَعْقِلُ مِنْ بَعْدِ عَقْلِهِ الْأَوَّلِ شَيْئًا.
وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ بَعْدَ بُلُوغِهِ أَشُدَّهُ ﴿لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ﴾ [الحج: 5] كَانَ يَعْلَمُهُ ﴿شَيْئًا﴾ [البقرة: 48]

وَقَوْلُهُ: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ [الحج: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَتَرَى الْأَرْضَ يَا مُحَمَّدُ يَابِسَةً دَارِسَةَ الْآثَارِ مِنَ النَّبَاتِ وَالزَّرْعِ.
وَأَصْلُ الْهُمُودِ: الدُّرُوسُ وَالدُّثُورُ، وَيُقَالُ مِنْهُ: هَمَدَتِ الْأَرْضُ تَهْمَدُ هُمُودًا , وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى مَيْمُونِ بْنِ قَيْسٍ: [البحر الكامل] قَالَتْ قُتَيْلَةُ: مَا لِجِسْمِكَ شَاحِبًا ... وَأَرَى ثِيَابَكَ بَالِيَاتٍ هُمَّدَا

وَالْهُمَّدُ: جَمْعُ هَامِدٍ، كَمَا الرُّكَّعِ جَمْعُ رَاكِعٍ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ [الحج: 5] قَالَ: «لَا نَبَاتَ فِيهَا»

وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ﴾ [الحج: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَإِذَا نَحْنُ أَنْزَلْنَا عَلَى هَذِهِ الْأَرْضِ الْهَامِدَةِ الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا الْمَطَرَ مِنَ السَّمَاءِ ﴿اهْتَزَّتْ﴾ [الحج: 5] يَقُولُ: تَحَرَّكَتْ بِالنَّبَاتِ ﴿وَرَبَتْ﴾ [الحج: 5] يَقُولُ: وَأَضْعَفَتِ النَّبَاتَ بِمَجِيءِ الْغَيْثِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: 5] قَالَ: «عُرِفَ الْغَيْثُ فِي رَبْوِهَا»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [الحج: 5] قَالَ: «حَسُنَتْ، وَعُرِفَ الْغَيْثُ فِي رَبْوِهَا» وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ.
وَيُوَجِّهُ الْمَعْنَى إِلَى الزَّرْعِ، وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ مَخْرَجُهُ عَلَى الْخَبَرِ عَنِ الْأَرْضِ.
وَقَرَأَتْ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ: ﴿وَرَبَتْ﴾ [الحج: 5] بِمَعْنَى: الرَّبْوُ، الَّذِي هُوَ النَّمَاءُ وَالزِّيَادَةُ،

وَكَانَ أَبُو جَعْفَرٍ الْقَارِئُ يَقْرَأُ ذَلِكَ: (وَرَبَأَتْ) بِالْهَمْزِ، حُدِّثْتُ عَنِ الْفَرَّاءِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيِّ، عَنْهُ.
وَذَلِكَ غَلَطٌ، لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلرَّبِّ هَهُنَا، وَإِنَّمَا يُقَالُ: رَبَأَ بِالْهَمْزِ , بِمَعْنَى: حَرَسَ مِنَ الرَّبِيئَةِ، وَلَا مَعْنَى لِلْحِرَاسَةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَالصَّحِيحُ مِنَ الْقِرَاءَةِ مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: 5] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَأَنْبَتَتْ هَذِهِ الْأَرْضُ الْهَامِدَةُ بِذَلِكَ الْغَيْثِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ بَهِيجٍ.
يَعْنِي بِالْبَهِيجِ: الْبَهِجَ، وَهُوَ الْحَسَنُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [الحج: 5] قَالَ: «حَسَنٌ» حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: 7]

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ذَلِكَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْتُ لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ بَدْئِنَا خَلْقَكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ، وَوَصْفِنَا أَحْوَالَكُمْ قَبْلَ الْمِيلَادِ وَبَعْدَهُ، طِفْلًا، وَكَهْلًا، وَشَيْخًا هَرَمًا , وَتَنْبِيهِنَاكُمْ عَلَى فِعْلِنَا بِالْأَرْضِ الْهَامِدَةِ بِمَا نُنَزِّلُ عَلَيْهَا مِنَ الْغَيْثِ , لِتُؤْمِنُوا وَتُصَدِّقُوا بِأَنَّ ذَلِكَ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ اللَّهُ الَّذِي هُوَ الْحَقُّ لَا شَكَّ فِيهِ، وَأَنَّ مَنْ سِوَاهُ مِمَّا تَعْبُدُونَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ بَاطِلٌ , لِأَنَّهَا لَا تَقْدِرُ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَتَعَلَمُوا أَنَّ الْقُدْرَةَ الَّتِي جَعَلَ بِهَا هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الْعَجِيبَةَ لَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهَا أَنْ يُحْيِيَ بِهَا الْمَوْتَى بَعْدَ فَنَائِهَا وَدُرُوسِهَا فِي التُّرَابِ، وَأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ مَا أَرَادَ وَشَاءَ مِنْ شَيْءٍ قَادِرٌ لَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَرَادَهُ، وَلِتُوقِنُوا بِذَلِكَ أَنَّ السَّاعَةَ الَّتِي وَعَدْتُكُمْ أَنْ أَبْعَثَ فِيهَا الْمَوْتَى مِنْ قُبُورِهِمْ جَائِيَةٌ لَا مَحَالَةَ.
﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ [الكهف: 21] يَقُولُ: لَا شَكَّ فِي مَجِيئِهَا وَحُدُوثِهَا، ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [الحج: 7] حِينَئِذٍ مَنْ فِيهَا مِنَ الْأَمْوَاتِ أَحْيَاءً إِلَى مَوْقِفِ الْحِسَابِ، فَلَا تَشُكُّوا فِي ذَلِكَ , وَلَا تَمْتَرُوا فِيهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنِ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُخَاصِمُ فِي تَوْحِيدِ اللَّهِ , وَإِفْرَادِهِ بِالْأُلُوهَةِ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْهُ بِمَا يُخَاصِمُ بِهِ.
﴿وَلَا هُدًى﴾ [الحج: 8] يَقُولُ: وَبِغَيْرِ بَيَانٍ مَعَهُ لِمَا يَقُولُ وَلَا بُرْهَانٍ.
﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [الحج: 8] يَقُولُ:

وَبِغَيْرِ كِتَابٍ مِنَ اللَّهِ أَتَاهُ لِصِحَّةِ مَا يَقُولُ.
﴿مُنِيرٍ﴾ [الحج: 8] يَقُولُ يُنِيرُ عَنْ حُجَّتِهِ، وَإِنَّمَا يَقُولُ مَا يَقُولُ مِنَ الْجَهْلِ ظَنًّا مِنْهُ وَحُسْبَانًا.
وَذُكِرَ أَنَّهُ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَالَّتِي بَعْدَهَا النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْي وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الحج: 10] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يُجَادِلُ هَذَا الَّذِي يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: 9] وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ وُصِفَ بِأَنَّهُ يَثْنِي عِطْفَهُ , وَمَا الْمُرَادُ مِنْ وَصْفِهِ إِيَّاهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَصَفَهُ بِذَلِكَ لِتَكَبُّرِهِ وَتَبَخْتُرِهِ.
وَذُكِرَ عَنِ الْعَرَبِ أَنَّهَا تَقُولُ: جَاءَنِي فُلَانٌ ثَانِيَ عِطْفِهِ: إِذَا جَاءَ مُتَبَخْتِرًا مِنَ الْكِبْرِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: 9] يَقُولُ: «مُسْتَكْبِرًا فِي نَفْسِهِ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: لَا وَرَقَبَتَهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: 9] قَالَ: «رَقَبَتُهُ» حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ

مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا ابْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: 9] قَالَ: «لَاو عُنُقَهُ» حَدَّثَنَا الْحَسَنُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يُعْرِضُ عَمَّا يُدْعَى إِلَيْهِ , فَلَا يَسْمَعُ لَهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: 9] يَقُولُ: «يُعْرِضُ عَنْ ذِكْرِي»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ،﴾ [الحج: 9] قَالَ: " لَاوِيًا رَأْسَهُ، مُعْرِضًا مُوَلِّيًا، لَا يُرِيدُ أَنْ يَسْمَعَ مَا قِيلَ لَهُ.
وَقَرَأَ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ , ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا﴾ [لقمان: 7] "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ [الحج: 9] قَالَ: «يُعْرِضُ عَنِ الْحَقِّ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ مُتَقَارِبَاتُ الْمَعْنَى , وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ ذَا

اسْتِكْبَارٍ فَمِنْ شَأْنِهِ الْإِعْرَاضُ عَمَّا هُوَ مُسْتَكْبِرٌ عَنْهُ , وَلَيُّ عُنُقِهِ عَنْهُ , وَالْإِعْرَاضُ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ وَصَفَ هَذَا الْمُخَاصِمَ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَنَّهُ مِنْ كِبْرِهِ إِذَا دُعِيَ إِلَى اللَّهِ أَعْرَضَ عَنْ دَاعِيهِ , وَلَوَى عُنُقَهُ عَنْهُ , وَلَمْ يَسْمَعْ مَا يُقَالُ لَهُ اسْتِكْبَارًا

وَقَوْلُهُ: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: يُجَادِلُ هَذَا الْمُشْرِكُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ , مُعْرِضًا عَنِ الْحَقِّ اسْتِكْبَارًا، لِيَصُدَّ الْمُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ عَنْ دِينِهِمُ الَّذِي هَدَاهُمْ لَهُ , وَيَسْتَزِلُّهُمْ عَنْهُ ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْي﴾ [الحج: 9] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: لِهَذَا الْمُجَادِلِ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فِي الدُّنْيَا خِزْي , وَهُوَ الْقَتْلُ

وَالذُّلُّ وَالْمَهَانَةُ بِأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ، فَقَتَلَهُ اللَّهُ بِأَيْدِيهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ:

كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: ﴿فِي الدُّنْيَا خِزْي﴾ [الحج: 9] قَالَ: «قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ»

جارٍ التحميل