سُورَةُ الْأَنْعَامِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
مَكِّيَّةٌ وَآيَاتُهَا خَمْسٌ وَسِتُّونَ وَمِائَةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: 2] : الْحَمْدُ الْكَامِلُ لِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، دُونَ جَمِيعِ الْأَنْدَادِ وَالْآلِهَةِ، وَدُونَ مَا سِوَاهُ مِمَّا تَعْبُدُهُ كَفَرَةُ خَلْقِهِ مِنَ الْأَوْثَانِ
وَالْأَصْنَامِ.
وَهَذَا كَلَامٌ مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ الْخَبَرِ يُنْحَى بِهِ نَحْوَ الْأَمْرِ، يَقُولُ: أَخْلِصُوا الْحَمْدَ وَالشُّكْرَ لِلَّذِي خَلَقَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَلَا تُشْرِكُوا مَعَهُ فِي ذَلِكَ أَحَدًا شَيْئًا، فَإِنَّهُ الْمُسْتَوْجِبُ عَلَيْكُمُ الْحَمْدَ بِأَيَادِيهِ عِنْدَكُمْ وَنِعَمِهِ عَلَيْكُمْ، لَا مَنْ تَعْبُدُونَهُ مِنْ دُونِهِ وَتَجْعَلُونَهُ لَهُ شَرِيكًا مِنْ خَلْقِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا الْفَصْلَ بَيْنَ مَعْنَى الْحَمْدِ وَالشُّكْرِ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: 1] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَأَظْلَمَ اللَّيْلَ وَأَنَارَ النَّهَارَ
كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا
أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: 1] قَالَ: الظُّلُمَاتُ: ظُلْمَةُ اللَّيْلِ، وَالنُّورُ: نُورُ النَّهَارِ "
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ فَإِنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ قَبْلَ الْأَرْضِ، وَالظُّلْمَةَ قَبْلَ النُّورِ، وَالْجَنَّةَ قَبْلَ النَّارِ " فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ إِذَنْ ﴿جَعَلَ﴾ [الأنعام: 1] ؟ قِيلَ: إِنَّ الْعَرَبَ تَجْعَلُهَا ظَرْفًا لِلْخَبَرِ وَالْفِعْلِ، فَتَقُولُ: جَعَلْتُ أَفْعَلُ كَذَا، وَجَعَلْتُ أَقُومُ وَأَقْعُدُ، تَدُلُّ بِقَوْلِهَا (جَعَلْتُ) عَلَى اتِّصَالِ الْفِعْلِ، كَمَا تَقُولُ: عَلَّقْتُ أَفْعَلُ كَذَا، لَا أَنَّهَا فِي نَفْسِهَا فَعَلَ، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ الْقَائِلِ: جَعَلْتُ أَقُومُ، وَأَنَّهُ لَا جَعْلَ هُنَاكَ سِوَى الْقِيَامِ، وَإِنَّمَا دَلَّ بِقَوْلِهِ (جَعَلْتُ) عَلَى اتِّصَالِ الْفِعْلِ وَدَوَامِهِ، وَمَنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الكامل] وَزَعَمْتَ أَنَّكَ سَوْفَ تَسْلُكُ فَارِدًا ... وَالْمَوْتُ مُكْتَنِعٌ طَرِيقَيْ قَادِرِ
فَاجْعَلْ تَحَلَّلْ مِنْ يَمِينِكَ إِنَّمَا ... حِنْثُ الْيَمِينِ عَلَى اللَّئِيمِ الْفَاجِرِ
يَقُولُ: (فَاجْعَلْ تَحَلَّلْ) بِمَعْنَى: تَحَلَّلْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، لَا أَنَّ هُنَاكَ جَعْلًا مِنْ غَيْرِ التَّحْلِيلِ.
فَكَذَلِكَ كُلُّ جَعَلَ فِي الْكَلَامِ إِنَّمَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَى فِعْلٍ لَهُ اتِّصَالٌ، لَا أَنَّ لَهُ خُطًا فِي مَعْنَى الْفِعْلِ، فَقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: 1] إِنَّمَا هُوَ أَظْلَمَ لَيْلَهُمَا وَأَنَارَ نَهَارَهُمَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُعَجِّبًا خَلْقَهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ كَفَرَةِ عِبَادِهِ وَمُحْتَجًّا عَلَى الْكَافِرِينَ: إِنَّ الْإِلَهَ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ حَمْدَهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، الَّذِي جَعَلَ مِنْهُمَا مَعَايشَكُمْ وَأَقْوَاتَكُمْ وَأَقْوَاتَ أَنْعَامِكُمُ الَّتِي بِهَا
حَيَاتُكُمْ، فَمِنَ السَّمَوَاتِ يَنْزِلُ عَلَيْكُمُ الْغَيْثُ، وَفِيهَا تَجْرِي الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِاعْتِقَابٍ وَاخْتِلَافٍ لِمَصَالِحِكُمْ، وَمِنَ الْأَرْضِ يَنْبُتُ الْحَبُّ الَّذِي بِهِ غَذَاؤُكُمْ وَالثِّمَارُ الَّتِي فِيهَا مَلَاذِكُمْ، مَعَ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي فِيهَا مَصَالِحِكُمْ وَمَنَافِعُكُمْ بِهَا.
وَالَّذِينَ يَجْحَدُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ خَلْقِ ذَلِكَ لَهُمْ وَلَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ بِرَبِّهِمُ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ وَأَحْدَثَهُ ﴿يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1] : يَجْعَلُونَ لَهُ شَرِيكًا فِي عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ، فَيَعْبُدُونَ مَعَهُ الْآلِهَةَ وَالْأَنْدَادَ وَالْأَصْنَامَ وَالْأَوْثَانَ، وَلَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ شَرَكَهُ فِي خَلَقِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا فِي إِنْعَامِهِ عَلَيْهِمْ بِمَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ، بَلْ هُوَ الْمُنْفَرِدُ بِذَلِكَ كُلِّهِ، وَهُمْ يُشْرِكُونَ فِي
عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ غَيْرَهُ.
فَسُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَبْلَغَهَا مِنْ حُجَّةٍ وَأَوْجَزَهَا مِنْ عِظَةٍ، لِمَنْ فَكَّرَ فِيهَا بِعَقْلٍ وَتَدَبَّرَهَا بِفَهْمٍ، وَلَقَدْ قِيلَ إِنَّهَا فَاتِحَةُ التَّوْرَاةِ
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْعَمِّيُّ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ كَعْبٍ، قَالَ: " فَاتِحَةُ التَّوْرَاةِ فَاتِحَةُ الْأَنْعَامِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا زَيْدُ بْنُ حُبَابٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ، عَنْ كَعْبٍ، مِثْلَهُ.
وَزَادَ فِيهِ: «وَخَاتِمَةُ التَّوْرَاةِ خَاتِمَةُ هُودٍ» يُقَالُ مِنْ مُسَاوَاةِ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ: عَدَلْتُ هَذَا بِهَذَا، إِذَا سَاوَيْتَهُ بِهِ عَدْلًا.
وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ إِذَا أَنْصَفْتَ فِيهِ فَإِنَّكَ تَقُولُ: عَدَلْتُ فِيهِ أَعْدِلُ عَدْلًا.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1] قَالَ: يُشْرِكُونَ ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عُنِيَ بِذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَعْقُوبُ الْقُمِّيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، عَنِ ابْنِ أَبْزَى، قَالَ: " جَاءَهُ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ يَقْرَأُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ ، قَالَ لَهُ: أَلَيْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ؟ قَالَ: بَلَى.
قَالَ: وَانْصَرَفَ عَنْهُ الرَّجُلُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: يَا ابْنَ أَبْزَى، إِنَّ هَذَا قَدْ أَرَادَ تَفْسِيرَ هَذِهِ غَيْرَ هَذَا، إِنَّهُ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ، فَقَالَ: رُدُّوهُ عَلَيَّ، فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: هَلْ تَدْرِي فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ قَالَ: لَا.
قَالَ إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ، اذْهَبْ وَلَا تَضَعَهَا عَلَى غَيْرِ حَدِّهَا " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِهَا الْمُشْرِكُونَ مِنْ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ
: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1] قَالَ: هَؤُلَاءِ أَهْلُ صَرَاحَةٍ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1] قَالَ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1] قَالَ: الْآلِهَةُ الَّتِي عَبَدُوهَا عَدَلُوهَا بِاللَّهِ، قَالَ: وَلَيْسَ بِاللَّهِ عَدْلٌ وَلَا نِدٌّ، وَلَيْسَ مَعَهُ آلِهَةٌ، وَلَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ، فَعَمَّ بِذَلِكَ جَمِيعَ الْكُفَّارِ، وَلَمْ يُخَصِّصْ مِنْهُمْ بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، فَجَمِيعُهُمْ دَاخِلُونَ فِي ذَلِكَ: يَهُودُهُمْ، وَنَصَارَاهُمْ، وَمَجُوسُهُمْ، وَعَبْدَةُ الْأَوْثَانِ مِنْهُمْ، وَمَنْ غَيْرُهُمْ مِنْ سَائِرِ أَصْنَافِ الْكُفْرِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ﴾ [الأنعام: 2] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ [الأنعام: 2] أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَأَظْلَمَ لَيْلَهُمَا وَأَنَارَ نَهَارَهُمْ، فَكَفَرَ بِهِ مَعَ إِنْعَامِهِ عَلَيْهِمُ الْكَافِرُونَ، وَعَدَلُوا بِهِ مَنْ لَا
يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ، هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ طِينٍ، وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّ النَّاسَ وَلَدُ مَنْ خَلَقَهُ مِنْ طِينٍ،
فَأَخْرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ الْخِطَابِ لَهُمْ، إِذْ كَانُوا وَلَدَهُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ [الأنعام: 2] : «بَدْءُ الْخَلْقِ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مِنْ طِينٍ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ [الأنعام: 2] قَالَ: هُوَ آدَمُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " أَمَّا خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ: فَآدَمُ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا أَبُو تُمَيْلَةَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ، قَالَ: «خَلَقَ آدَمَ مِنْ طِينٍ، وَخَلَقَ النَّاسَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ﴾ [الأنعام: 2] قَالَ: خَلَقَ آدَمَ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ خَلَقَنَا مِنْ آدَمَ حِينَ أَخَذَنَا مِنْ ظَهْرِهِ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: 2] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ [الأنعام: 2] : ثُمَّ قَضَى لَكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ أَجَلًا، وَذَلِكَ مَا بَيْنَ أَنْ يُخْلَقَ إِلَى أَنْ يَمُوتَ، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: 2] : وَذَلِكَ مَا بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ إِلَى أَنْ يُبْعَثَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، وَهَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ، قَالَا: ثنا وَكِيعٌ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ [الأنعام: 2] قَالَ: " مَا بَيْنَ أَنْ يُخْلَقَ إِلَى أَنْ يَمُوتَ.
﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: 2] قَالَ: مَا بَيْنَ أَنْ يَمُوتَ إِلَى أَنْ يُبْعَثَ "
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: 2] كَانَ يَقُولُ: «أَجَلُ حَيَاتِكَ إِلَى أَنْ تَمُوتَ وَأَجَلُ مَوْتِكَ إِلَى أَنْ تُبْعَثَ، فَأَنْتَ بَيْنَ أَجَلَيْنِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا أَبُو تُمَيْلَةَ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ: ﴿قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: 2] قَالَ: " قَضَى أَجَلَ الْمَوْتِ، وَكُلُّ نَفْسٍ أَجَلُهَا الْمَوْتُ.
قَالَ: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ [المنافقون: 11] ، ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: 2] يَعْنِي: أَجَلُ السَّاعَةِ ذَهَابُ الدُّنْيَا وَالْإِفْضَاءُ إِلَى اللَّهِ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: ثُمَّ قَضَى الدُّنْيَا وَعِنْدَهُ الْآخِرَةُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَجَلًا﴾ [الأنعام: 2] قَالَ: الدُّنْيَا.
﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: 2] : الْآخِرَةُ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ ابْنِ أَبِي
نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ [الأنعام: 2] قَالَ: الْآخِرَةُ عِنْدَهُ.
﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: 2] : الدُّنْيَا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدِ: ﴿أَجَلًا﴾ [الأنعام: 2] قَالَ: الْآخِرَةُ عِنْدَهُ.
﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: 2] قَالَ: الدُّنْيَا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أَجَلًا﴾ [الأنعام: 2] قَالَ: الْآخِرَةُ عِنْدَهُ.
﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ [الأنعام: 2] قَالَ: الدُّنْيَا
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، وَالْحَسَنِ: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: 2] ، قَالَا: قَضَى أَجَلَ الدُّنْيَا مِنْ حِينِ خَلَقَكَ إِلَى أَنْ تَمُوتَ.
﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: 2] : يَوْمَ الْقِيَامَةِ
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: 2] قَالَ: قَضَى أَجَلَ الدُّنْيَا.
﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: 2] قَالَ: هُوَ أَجَلُ الْبَعْثِ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، وَعِكْرِمَةَ: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا﴾ [الأنعام: 2] قَالَ: الْمَوْتُ.
﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: 2] : الْآخِرَةُ
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ وَالْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: 2] قَالَا: قَضَى أَجَلَ الدُّنْيَا مُنْذُ يَوْمِ خُلِقَتْ إِلَى أَنْ تَمُوتَ، وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ وَابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَا: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ [الأنعام: 2] قَالَ: أَجَلَ الدُّنْيَا.
﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: 2] قَالَ: الْبَعْثُ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: 2] يَعْنِي: أَجَلَ الْمَوْتِ.
وَالْأَجَلُ الْمُسَمَّى: أَجَلُ السَّاعَةِ، الْوقُوفُ عِنْدَ اللَّهِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿قَضَى أَجَلًا﴾ [الأنعام: 2] قَالَ: أَمَّا قَضَى أَجَلًا: فَأَجَلُ الْمَوْتِ.
﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ﴾ [الأنعام: 2] يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ