تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 221-233

سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ

صفحات 221-233
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

مَكِّيَّةٌ وَآيَاتُهَا اثْنَتَا عَشَرَةَ وَمِائَةٌ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 1] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: دَنَا حِسَابُ النَّاسِ عَلَى أَعْمَالِهِمُ الَّتِي عَمِلُوهَا فِي دُنْيَاهُمْ , وَنِعَمِهِمُ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِمْ فِيهَا , فِي أَبْدَانِهِمْ، وَأَجْسَامِهِمْ، وَمَطَاعِمِهِمْ، وَمَشَارِبِهِمْ، وَمَلَابِسِهِمْ , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ نِعَمِهِ عِنْدَهُمْ، وَمَسْئَلَتُهُ

إِيَّاهُمْ مَاذَا عَمِلُوا فِيهَا , وَهَلْ أَطَاعُوهُ فِيهَا، فَانْتَهَوْا إِلَى أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ فِي جَمِيعَهَا، أَمْ عَصَوْهُ فَخَالَفُوا أَمْرَهُ فِيهَا؟ ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 1] يَقُولُ: وَهُمْ فِي الدُّنْيَا عَمَّا اللَّهُ فَاعِلٌ بِهِمْ مِنْ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَعَنْ دُنُوِّ مُحَاسَبَتِهِ إِيَّاهُمْ مِنْهُمْ، وَاقْتِرَابِهِ لَهُمْ فِي سَهْو وَغَفْلَةٍ، وَقَدْ أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ، فَتَرَكُوا الْفِكْرَ فِيهِ , وَالِاسْتِعْدَادَ لَهُ وَالتَّأَهُّبَ، جَهْلًا مِنْهُمْ بِمَا هُمْ لَاقُوهُ عِنْدَ ذَلِكَ مِنْ عَظِيمِ الْبَلَاءِ , وَشَدِيدِ الْأَهْوَالِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 1] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ , وَجَاءَ الْأَثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو الْوَلِيدِ، قَالَ: ثني أَبُو مُعَاوِيَةَ

قَالَ: أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: 1] قَالَ: «فِي الدُّنْيَا»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [الأنبياء: 2] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا يُحْدِثُ اللَّهُ مِنْ تَنْزِيلِ شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ وَيُذَكِّرُهُمْ بِهِ , وَيَعِظُهُمْ، إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ , لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: 2] . الْآيَةَ يَقُولُ: «مَا يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هل هذا إِلَّا بِشْرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: 3] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: 3] غَافِلَةً، يَقُولُ: مَا

يَسْتَمِعُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ هَذَا الْقُرْآنُ إِلَّا وَهُمْ يَلْعَبُونَ , غَافِلَةً عَنْهُ قُلُوبُهُمْ، لَا يَتَدَبَّرُونَ حُكْمَهُ , وَلَا يَتَفَكَّرُونَ فِيمَا أَوْدَعَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُجَجِ عَلَيْهِمْ:

كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنبياء: 3] يَقُولُ: «غَافِلَةً قُلُوبُهُمْ» وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: 3] يَقُولُ: وَأَسَرَّ هَؤُلَاءِ النَّاسُ الَّذِينَ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ مِنْهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ، لَاهِيَةً قُلُوبُهُمُ النَّجْوَى بَيْنَهُمْ، يَقُولُ: وَأَظْهَرُوا الْمُنَاجَاةَ بَيْنَهُمْ فَقَالُوا: هَلْ هَذَا الَّذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ أَرْسَلَهُ إِلَيْكُمْ ﴿إِلَّا بِشْرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [إبراهيم: 11] ؟ يَقُولُونَ: هَلْ هُوَ إِلَّا إِنْسَانٌ مِثْلُكُمْ فِي صُوَرِكُمْ وَخَلْقِكُمْ؟ يَعْنُونَ بِذَلِكَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَقَالَ: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: 3] , فَوَصَفَهُمْ بِالظُّلْمِ بِفِعْلِهِمْ , وَقِيلِهِمُ الَّذِي أَخْبَرَ بِهِ عَنْهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ , أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ وَيَقُولُونَ مِنَ الْإِعْرَاضِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ , وَالتَّكْذِيبِ بِرَسُولِهِ.
وَلِ (الَّذِينَ) مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: 3] فِي الِإْعِرَابِ وَجْهَانِ: الْخَفْضُ عَلَى أَنَّهُ تَابِعٌ لِلنَّاسِ فِي قَوْلِهِ: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: 1] وَالرَّفْعُ عَلَى الرَّدِّ عَلَى الْأَسْمَاءِ الَّذِينَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [طه: 62] مِنْ ذِكْرِ النَّاسِ، كَمَا قِيلَ: ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 71] . وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ رَفْعًا عَلَى الِابْتِدَاءِ، وَيَكُونَ مَعْنَاهُ: وَأَسَرُّوا النَّجْوَى، ثُمَّ قَالَ: هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا

قَوْلُهُ: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: 3] يَقُولُ: وَأَظْهَرُوا هَذَا

الْقَوْلَ بَيْنَهُمْ، وَهِيَ النَّجْوَى الَّتِي أَسَرُّوهَا بَيْنَهُمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَتَقْبَلُونَ السِّحْرَ وَتُصَدِّقُونَ بِهِ , وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ سِحْرٌ؟ يَعْنُونَ بِذَلِكَ الْقُرْآنَ:

كَمَا حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: 3] قَالَ: " قَالَهُ أَهْلُ الْكُفْرِ لِنَبِيِّهِمْ , لِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، زَعَمُوا أَنَّهُ سَاحِرٌ، وَأَنَّ مَا جَاءَ بِهِ سِحْرٌ، قَالُوا: أَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ؟ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنبياء: 4] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿قَالَ رَبِّي﴾ [الأنبياء: 4] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: (قُلْ رَبِّي) عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ.
وَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ مَكَّةَ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفَةِ: ﴿قَالَ رَبِّي﴾ [الأنبياء: 4] عَلَى

وَجْهِ الْخَبَرِ، وَكَأَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوهُ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ أَرَادُوا مِنْ تَأْوِيلِهِ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلْقَائِلِينَ ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء: 3] : رَبِّي يَعْلَمُ قَوْلَ كُلِّ قَائِلٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ , وَهُوَ السَّمِيعُ لِذَلِكَ كُلِّهِ , وَلِمَا يَقُولُونَ مِنَ الْكَذِبِ، الْعَلِيمُ بِصِدْقِي , وَحَقِيقَةِ مَا أَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ , وَبَاطِلٌ مَا تَقُولُونَ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا.
وَكَأَنَّ الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ ﴿قَالَ﴾ [البقرة: 30] عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ أَرَادُوا: قَالَ مُحَمَّدٌ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ , خَبَرًا مِنَ اللَّهِ عَنْ جَوَابِ نَبِيِّهِ إِيَّاهُمْ، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قَرَأَةِ الْأَمْصَارِ، قَدْ قَرَأَ بِكُلِّ

وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عُلَمَاءٌ مِنَ الْقُرَّاءِ، وَجَاءَتْ بِهِمَا مَصَاحِفُ الْمُسْلِمِينَ , مُتَّفِقَتَا الْمَعْنَى , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ إِذَا أَمَرَ مُحَمَّدًا بِقِيلِ ذَلِكَ قَالَهُ، وَإِذَا قَالَهُ فَعَنْ أَمْرِ اللَّهِ قَالَهُ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ الصَّوَابَ فِي قِرَاءَتِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: 5] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا صَدَّقُوا بِحِكْمَةِ هَذَا الْقُرْآنِ , وَلَا أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَلَا أَقَرُّوا بِأَنَّهُ وَحْي أَوْحَى اللَّهُ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بَلْ قَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَهَاوِيلُ

رُؤْيَا رَآهَا فِي النَّوْمِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ فِرْيَةٌ وَاخْتِلَاقٌ افْتَرَاهُ , وَاخْتَلَقَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ مُحَمَّدٌ شَاعِرٌ، وَهَذَا الَّذِي جَاءَكُمْ بِهِ شِعرٌ.
﴿فَلْيَأْتِنَا﴾ [الأنبياء: 5] يَقُولُ: قَالُوا: فَلْيَجِئْنَا مُحَمَّدٌ إِنْ كَانَ صَادِقًا فِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ بَعَثَهُ رَسُولًا إِلَيْنَا , وَإِنَّ هَذَا الَّذِي يَتْلُوهُ عَلَيْنَا وَحْي مِنَ اللَّهِ أَوْحَاهُ إِلَيْنَا ﴿بِآيَةٍ﴾ [آل عمران: 49] يَقُولُ: بِحُجَّةٍ , وَدِلَالَةٍ عَلَى حَقِيقَةِ مَا يَقُولُ وَيَدَّعِي، ﴿كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: 5] يَقُولُ: كَمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ الْأَوَّلُونَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى , وَإِبْراءِ الْأَكْمَهِ , وَالْأَبْرَصِ , وَكَنَاقَةِ صَالِحٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا إِلَّا اللَّهُ , وَلَا يَأْتِي بِهَا إِلَّا الْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ [يوسف: 44] أَيْ فِعْلُ حَالِمٍ، إِنَّمَا هِيَ رُؤْيَا رَآهَا.
﴿بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: 5] كُلُّ هَذَا قَدْ كَانَ مِنْهُمْ.
وَقَوْلُهُ ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ [الأنبياء: 5] يَقُولُ: كَمَا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ , وَمُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ، وَالرُّسُلُ

حَدَّثَنِي عَلِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ [يوسف: 44] قَالَ: مُشْتَبِهَةٌ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ [يوسف: 44] قَالَ: أَهَاوِيلُهَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ وَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿بَلْ قَالُوا﴾ [الأنبياء: 5] وَلَا جَحْدَ فِي الْكَلَامِ ظَاهِرٌ فَيُحَقَّقُ بِـ " بَلْ، لِأَنَّ الْخَبَرَ عَنْ أَهْلِ الْجُحُودِ وَالتَّكْذِيبِ، فَاجْتُزِيءَ بِمَعْرِفَةِ السَّامِعِينَ بِمَا دَلَّ

عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿بَلْ﴾ [الأنبياء: 5] مِنْ ذِكْرِ الْخَبَرِ عَنْهُمْ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفْهَمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 6] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: مَا آمَنَ مِنْ قَبْلِ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبِينَ مُحَمَّدًا مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِهِ الَّذِينَ قَالُوا: فَلْيَأْتِنَا مُحَمَّدٌ بِآيَةٍ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ قَبْلَهُ مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ عَذَّبْنَاهُمْ بِالْهَلَاكِ فِي الدُّنْيَا، إِذْ جَاءَهُمْ رَسُولُنَا إِلَيْهِمْ

بِآيَةٍ مُعْجِزَةٍ.
﴿أَفْهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 6] يَقُولُ: أَفَهَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ مُحَمَّدًا السَّائِلُوهُ الْآيَةَ يُؤْمِنُونَ بِهِ إِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ وَلَمْ تُؤْمِنْ قَبْلَهُمْ أَسْلَافُهُمْ مِنَ الْأُمَمِ الْخَالِيَةِ الَّتِي أَهْلَكْنَاهَا بِرُسُلِهَا مَعَ مَجِيئِهَا؟ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: أَهْلَكْنَاهَا أَفْهَمْ يُؤْمِنُونَ يُصَدِّقُونَ بِذَلِكَ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفْهَمْ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 6] أَيِ الرُّسُلَ كَانُوا إِذَا جَاءُوا قَوْمَهُمْ

بِالْبَيِّنَاتِ فَلَمْ يُؤْمِنُوا وَلَمْ يُنْظَرُوا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 7] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ: وَمَا أَرْسَلْنَا يَا مُحَمَّدُ قَبْلَكَ رَسُولًا إِلَى أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ الَّتِي خَلَتْ قَبْلَ أُمَّتِكَ إِلَّا رِجَالًا مَثَلَهُمْ , نُوحِي إِلَيْهِمْ مَا نُرِيدُ أَنْ نُوحِيَهُ إِلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِنَا

وَنَهْيِنَا، لَا مَلَائِكَةً , فَمَاذَا أَنْكَرُوا مِنْ إِرْسَالِنَا لَكَ إِلَيْهِمْ , وَأَنْتَ رَجُلٌ كَسَائِرِ الرُّسُلِ الَّذِينَ قَبْلَكَ إِلَى أُمَمِهِمْ؟ وَقَوْلُهُ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] يَقُولُ لِلْقَائِلِينَ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَنَاجِيهِمْ بَيْنَهُمْ: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلَكُمْ﴾ [الأنبياء: 3] فَإِنْ أَنْكَرْتُمْ وَجَهِلْتُمْ أَمْرَ الرُّسُلِ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِ مُحَمَّدٍ، فَلَمْ تَعْلَمُوا أَيُّهَا الْقَوْمُ أَمْرَهُمْ إِنْسًا كَانُوا أَمْ مَلَائِكَةً، فَاسْأَلُوا أَهْلَ الْكُتُبِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ مَا كَانُوا؟ يُخْبِرُوكُمْ عَنْهُمْ , كَمَا:

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] يَقُولُ: «فَاسْأَلُوا أَهْلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: أُرَاهُ أَنَا قَالَ: يُخْبِرُوكُمْ أَنَّ الرُّسُلَ كَانُوا رِجَالًا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ , وَيَمْشُونْ فِي الْأَسْوَاقِ وَقِيلَ: أَهْلُ الذِّكْرِ: أَهْلُ الْقُرْآنِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ، قَالَ: ثني عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَالِحٍ قَالَ: ثني مُوسَى بْنُ عُثْمَانَ، عَنْ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] قَالَ عَلِيٌّ: نَحْنُ أَهْلُ الذِّكْرِ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43] قَالَ: أَهْلُ الْقُرْآنِ، وَالذِّكْرُ: الْقُرْآنُ.
وَقَرَأَ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ [الأنبياء: 8] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا جَعَلْنَا الرُّسُلَ الَّذِينَ أَرْسَلْنَاهُمْ مِنْ قَبْلَكِ يَا مُحَمَّدُ إِلَى الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ قَبْلَ أُمَّتِكَ، ﴿جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الأنبياء: 8] يَقُولُ: لَمْ نَجْعَلْهُمْ مَلَائِكَةً لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ، وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُمْ

أَجْسَادًا مِثْلَكَ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ:

كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الأنبياء: 8] يَقُولُ: «مَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا إِلَّا لِيَأْكُلُوا الطَّعَامَ»

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ

الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [الأنبياء: 8] يَقُولُ: «لَمْ أَجْعَلْهُمْ جَسَدًا لَيْسَ فِيهِمْ أَرْوَاحٌ لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ، وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا فِيهَا أَرْوَاحٌ يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَالَ ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا﴾ [الأنبياء: 8] فَوَحَّدَ " الْجَسَدَ , وَجَعَلَهُ مُوَحَّدًا، وَهُوَ مِنْ صِفَةِ الْجَمَاعَةِ، وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْجَسَدَ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ: وَمَا جَعَلْنَاهُمْ خَلْقًا لَا يَأْكُلُونَ وَقَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ [الأنبياء: 8] يَقُولُ: وَلَا كَانُوا أَرْبَابًا لَا يَمُوتُونَ وَلَا يَفْنُونَ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا بَشَرًا أَجْسَادًا فَمَاتُوا , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [الإسراء: 90] . إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: 92] قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُمْ: مَا فَعَلْنَا ذَلِكَ بِأَحَدٍ قَبْلَكُمْ , فَنَفْعَلَ بِكُمْ، وَإِنَّمَا كُنَّا نُرْسِلُ إِلَيْهِمْ رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا نُوحِي إِلَيْهِ أَمْرَنَا وَنَهْيَنَا وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ [الأنبياء: 8] أَيْ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَنْ يَمُوتُوا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْنَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ثُمَّ صَدَقْنَا رُسُلَنَا الَّذِينَ كَذَّبَتْهُمْ أُمَمُهُمْ وَسَأَلَتْهُمُ الْآيَاتِ، فَأَتَيْنَاهُمْ مَا سَأَلُوهُ مِنْ ذَلِكَ , ثُمَّ أَقَامُوا عَلَى تَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهَا، وَأَصَرُّوا عَلَى جُحُودِهِمْ نُبُوَّتَهَا بَعْدَ الَّذِي أَتَتْهُمْ بِهِ مِنْ

آيَاتِ رَبِّهَا، وَعَدْنَا الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ مِنَ الْهَلَاكِ عَلَى إِقَامَتِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ بِرَبِّهِمْ بَعْدَ مَجِيءِ الْآيَةِ الَّتِي سَأَلُوا وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: 115] وَكَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾ [هود: 64] وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمَوَاعِيدِ الَّتِي وُعِدَ الْأُمَمُ مَعَ مَجِيءِ الْآيَاتِ وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُمْ﴾ [الأنبياء: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَأَنْجَيْنَا الرُّسُلَ عِنْدَ إِصْرَارِ أُمَمِهَا عَلَى تَكْذِيبِهَا بَعْدَ الْآيَاتِ ﴿وَمَنْ نَشَاءُ﴾ [الأنبياء: 9] وَهُمُ أتْبَاعُهَا الَّذِينَ صَدَّقُوهَا , وَآمَنُوا بِهَا وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: 9] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَهْلَكْنَا الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِكُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ، كَمَا

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنبياء: 9] وَالْمُسْرِفُونَ: هُمُ الْمُشْرِكُونَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: 10] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: لَقَدْ أَنْزَلْنَا

إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ، فِيهِ حَدِيثُكُمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، , وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10] قَالَ: «حَدِيثُكُمْ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ [الأنبياء: 10] قَالَ: حَدِيثُكُمْ , ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: 10] , قَالَ فِي «قَدْ أَفْلَحَ» : ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ [المؤمنون: 71]

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ: نَزَلَ الْقُرْآنُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ , أَلَمْ تَسْمَعْهُ يَقُولُ: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: 10] وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عُنِيَ بِالذِّكْرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الشُّرَفُ، وَقَالُوا: مَعْنَى الْكَلَامِ: لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ شَرَفُكُمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي أَشْبَهُ بِمَعْنَى الْكَلِمَةِ، وَهُوَ نَحْوٌ مِمَّا قَالَ سُفْيَانُ الَّذِي حَكَيْنَا عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ شَرَفٌ لِمَنِ اتَّبَعَهُ وَعَمِلَ بِمَا فِيهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ [الأنبياء: 12] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَثِيرًا قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ.
وَالْقَصْمُ: أَصْلُهُ الْكَسْرُ، يُقَالُ مِنْهُ: قَصَمْتُ ظَهْرَ فُلَانٍ إِذَا كَسَرْتُهُ، وَانْقَصَمَتْ سِنُّهُ: إِذَا انْكَسَرَتْ وَهُوَ هَهُنَا مَعْنِيُّ بِهِ: أَهْلَكْنَا، وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

جارٍ التحميل