تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 610-621

سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ

صفحات 610-621
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

وَقَوْلُهُ: ﴿فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يَقُولُ: خَالِقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: 10] يَقُولُ: يَدْعُوكُمْ إِلَى تَوْحِيدِهِ وَطَاعَتِهِ ﴿لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [إبراهيم: 10] يَقُولُ: فَيَسْتُرُ عَلَيْكُمْ بَعْضَ ذُنُوبِكُمْ بِالْعَفْوِ عَنْهَا، فَلَا يُعَاقِبُكُمْ عَلَيْهَا ﴿وَيُؤَخِّرَكُمْ﴾ [إبراهيم: 10] يَقُولُ: وَيُنْسِئُ فِي آجَالِكُمْ، فَلَا يُعَاقِبُكُمْ فِي الْعَاجِلِ فَيُهْلِكَكُمْ، وَلَكِنْ يُؤَخِّرَكُمْ إِلَى الْوَقْتِ الَّذِي كَتَبَ فِي أَمْ الْكِتَابِ أَنَّهُ يَقْبِضُكُمْ فِيهِ، وَهُوَ الْأَجَلُ الَّذِي سَمَّى لَكُمْ، فَقَالَتِ الْأُمَمُ لَهُمْ: ﴿إِنْ أَنْتُمْ﴾ [المائدة: 106] أَيُّهَا الْقَوْمُ ﴿إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم: 10] فِي الصُّورَةِ وَالْهَيْئَةِ، وَلَسْتُمْ مَلَائِكَةً، وَإِنَّمَا تُرِيدُونَ بِقَوْلِكُمْ هَذَا الَّذِي تَقُولُونَ لَنَا ﴿أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ [إبراهيم: 10] يَقُولُ: إِنَّمَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصْرِفُونَا بِقَوْلِكُمْ عَنْ عِبَادَةِ مَا كَانَ يَعْبُدُهُ مِنَ الْأَوْثَانِ آبَاؤُنَا: ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم: 10] يَقُولُ: فَأْتُونَا بِحُجَّةٍ عَلَى مَا تَقُولُونَ تُبَيِّنُ لَنَا حَقِيقَتَهُ وَصِحَّتَهُ، فَنَعْلَمُ أَنَّكُمْ فِيمَا تَقُولُونَ مُحِقُّونَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [إبراهيم: 11] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ الْأُمَمُ الَّتِي أَتَتْهُمُ الرُّسُلُ لِرُسُلِهِمْ، ﴿إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾

[إبراهيم: 11] صَدَقْتُمْ فِي قَوْلِكُمْ ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ [إبراهيم: 10] فَمَا نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِنْ بَنِي آدَمَ إِنْسٌ مِثْلُكُمْ، ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [إبراهيم: 11] يَقُولُ: وَلَكِنَّ اللَّهَ يَتَفَضَّلُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ، فَيَهْدِيهِ وَيُوَفِّقُهُ

لِلْحَقِّ، وَيُفَضِّلُهُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِهِ ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ﴾ [إبراهيم: 11] يَقُولُ: وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِحُجَّةٍ وَبُرْهَانٍ عَلَى مَا نَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 102] يَقُولُ: إِلَّا بِأَمْرِ اللَّهِ لَنَا بِذَلِكَ ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 122] يَقُولُ: وَبِاللَّهِ فَلْيَثِقْ بِهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَأَطَاعَهُ، فَإِنَّا بِهِ نَثِقُ، وَعَلَيْهِ نَتَوَكَّلُ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَا: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَوْلُهُ: ﴿فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [إبراهيم: 10] قَالَ: " السُّلْطَانُ الْمُبِينُ: الْبُرْهَانُ وَالْبَيِّنَةُ " وَقَوْلُهُ: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ [آل عمران: 151] قَالَ: «بَيِّنَةً وَبُرْهَانًا»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا، وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: 12] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ الرُّسُلِ لِأُمَمِهَا: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ﴾ [إبراهيم: 12] فَنَثِقُ بِهِ وَبِكِفَايَتِهِ وَدِفَاعِهِ إِيَّاكُمْ عَنَّا، ﴿وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾ [إبراهيم: 12] يَقُولُ:

وَقَدْ بَصَّرَنَا طَرِيقَ النَّجَاةِ مِنْ عَذَابِهِ، فَبَيَّنَ لَنَا ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ [إبراهيم: 12] فِي اللَّهِ وَعَلَى مَا نَلْقَى مِنْكُمْ مِنَ الْمَكْرُوهِ فِيهِ بِسَبَبِ دُعَائِنَا إِلَيْكُمْ إِلَى مَا نَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْبَرَاءَةِ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إبراهيم: 12] يَقُولُ: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ مَنْ كَانَ بِهِ وَاثِقًا مِنْ خَلْقِهِ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ بِهِ كَافِرًا فَإِنَّ وَلِيُّهُ الشَّيْطَانَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا، فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ.
وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ

الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ، ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي، وَخَافَ وَعِيدِ} [إبراهيم: 14] يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ لِرُسُلِهِمُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ حِينَ دَعَوْهُمْ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ وَفِرَاقِ عِبَادَةِ الْآلِهَةِ وَالْأَوْثَانِ: ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [إبراهيم: 13] يَعْنُونَ: مِنْ بِلَادِنَا، فَنَطْرُدُكُمْ عَنْهَا ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾ [الأعراف: 88] يَعْنُونَ: إِلَّا أَنْ تَعُودُوا فِي دِينِنَا الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْأَصْنَامِ، وَأُدْخِلَتْ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَتَعُودُنَّ﴾ [الأعراف: 88] لَامٍ، وَهُوَ فِي مَعْنَى شَرْطٍ، كَأَنَّهُ جَوَّابٌ لِلْيَمِينِ.
وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ تَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا، وَمَعْنَى «أَوْ» هَهُنَا مَعْنَى «إِلَّا» أَوْ مَعْنَى «حَتَّى» كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ: لَأَضْرِبَنَّكَ أَوْ تُقِرَّ لِي، فَمِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَجْعَلُ مَا بَعْدَ «أَوْ» فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ عَطْفًا عَلَى مَا قَبْلَهُ جَزْمًا جَزَمُوهُ، وَإِنْ كَانَ نَصْبًا نَصَبُوهُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ لَامٌ جَعَلُوا فِيهِ لَامًا، إِذْ كَانَتْ «أَوْ» حَرْفُ نَسَقٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْصِبُ «مَا» بَعْدَ «أَوْ» بِكُلِّ حَالٍ، لِيَعْلَمَ بِنَصْبِهِ أَنَّهُ عَنِ الْأَوَّلِ مُنْقَطِعٌ عَمَّا قَبْلَهُ، كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: [البحر الطويل] بَكَى صَاحِبِي لَمَّا رَأَى الدَّرْبَ دُونَهُ ... وَأَيْقَنَ أَنَّا لَاحِقَانِ بِقَيْصَرَا فَقُلْتُ لَهُ: لَا تَبْكِ عَيْنُكَ إِنَّمَا ... نُحَاوِلُ مُلْكًا أَوْ نَمُوتَ فَنُعْذَرَا فَنَصَبَ «نَمُوتَ فَنُعْذَرَا» وَقَدْ رَفَعَ «نُحَاوِلُ» ، لِأَنَّهُ أَرَادَ مَعْنَى: إِلَّا أَنْ نَمُوتَ، أَوْ حَتَّى نَمُوتَ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْآخَرِ: [البحر البسيط] لَا أَسْتَطِيعُ نُزُوعًا عَنْ مَوَدَّتِهَا ... أَوْ يَصْنَعُ الْحُبُّ بِي غَيْرَ الَّذِي صَنَعَا

وَقَوْلُهُ: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ﴾ [إبراهيم: 13] الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ، فَأَوْجَبُوا لَهَا عِقَابَ اللَّهِ بِكُفْرِهِمْ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قِيلَ لَهُمُ: الظَّالِمُونَ لِعِبَادَتِهِمْ، مَنْ لَا تَجُوزُ عِبَادَتُهُ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْآلِهَةِ، فَيَكُونُ بِوَضْعِهِمُ الْعِبَادَةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا إِذْ كَانَ ظُلْمًا سُمُّوا بِذَلِكَ ظَالِمِينَ

وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: 14] هَذَا وَعَدٌ مِنَ اللَّهِ مَنْ وَعَدَ مِنْ أَنْبِيَائِهِ النَّصْرَ عَلَى الْكَفَرَةِ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ، يَقُولُ: لَمَّا تَمَادَتْ أُمَمُ الرُّسُلِ فِي الْكُفْرِ، وَتَوَعَّدُوا رُسُلَهُمْ بِالْوُقُوعِ بِهِمْ، أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمْ بِإِهْلَاكِ مَنْ كَفَرَ بِهِمْ مِنْ أُمَمِهِمْ وَوَعَدَهُمُ النَّصْرَ وَكُلُّ ذَلِكَ كَانَ مِنَ اللَّهِ وَعِيدًا وَتَهْدِيدًا

لِمُشْرِكِي قَوْمِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى كُفْرِهِمْ بِهِ وَجَرَاءَتِهِمْ عَلَى نَبِيِّهِ، وَتَثْبِيتًا لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَمْرًا لَهُ بِالصَّبْرِ عَلَى مَا لَقِيَ مِنَ الْمَكْرُوهِ فِيهِ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِهِ، كَمَا صَبَرَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنْ أُولِي الْعَزْمِ مِنْ رُسُلِهِ، وَمَعْرِفَةَ أَنَّ عَاقِبَةَ أَمْرِ مَنْ كَفَرَ بِهِ الْهَلَاكُ، وَعَاقِبَتَهُ النَّصْرُ عَلَيْهِمْ، ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ [الأحزاب: 38]

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [إبراهيم: 14] قَالَ: «وَعَدَهُمُ النَّصْرَ فِي الدُّنْيَا، وَالْجَنَّةَ فِي الْآخِرَةِ»

وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: 14] يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: هَكَذَا فِعْلِي لِمَنْ خَافَ مَقَامَهُ بَيْنَ يَدَيَّ، وَخَافَ وَعِيدِي، فَاتَّقَانِي بِطَاعَتِهِ وَتَجَنَّبَ سَخَطِي، أَنْصُرُهُ عَلَى مَنْ أَرَادَ بِهِ سُوءًا وَبَغَاهُ مَكْرُوهًا مِنْ أَعْدَائِي، أُهْلِكْ عَدُوَّهُ وَأَخْزِيهِ، وَأُوَرِّثُهُ أَرْضَهُ وَدِيَارَهُ، وَقَالَ: ﴿لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾ [إبراهيم: 14] وَمَعْنَاهُ مَا

قُلْتُ مِنْ أَنَّهُ لِمَنْ خَافَ مَقَامَهِ بَيْنَ يَدَيَّ بِحَيْثُ أُقِيمُهُ هُنَالِكَ لِلْحِسَابِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: 82] مَعْنَاهُ: وَتَجْعَلُونَ رِزْقِي إِيَّاكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تُضِيفُ أَفْعَالَهَا إِلَى أَنْفُسِهَا، وَإِلَى مَا أَوْقَعَتْ عَلَيْهِ، فَتَقُولُ: قَدْ سُرِرْتُ بِرُؤْيَتِكَ وَبِرُؤْيَتِي إِيَّاكَ، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: 15] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاسْتَفْتَحَتِ الرُّسُلُ عَلَى قَوْمِهَا: أَيْ اسْتَنْصَرَتِ اللَّهَ عَلَيْهَا ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: 15] يَقُولُ: هَلَكَ كُلُّ مُتَكَبِّرٍ جَائِرٍ حَائِدٍ عَنِ الْإِقْرَارِ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ وَإِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ، وَالْعَنِيدُ وَالْعَانِدُ وَالْعَنُودُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، وَمِنَ

الْجَبَّارِ تَقُولُ: هُوَ جَبَّارٌ بَيْنَ الْجَبَرِيَّةِ وَالْجَبَرُوتِيَّةِ وَالْجَبْرُوَّةِ وَالْجَبَرُوتِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، جَمِيعًا عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ [إبراهيم: 15] قَالَ: " الرُّسُلُ كُلُّهَا، يَقُولُ: " اسْتَنْصَرُوا عَلَى أَعْدَائِهِمْ وَمُعَانِدِيهِمْ: أَيْ عَلَى مَنْ عَانَدَ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ وَتَجَنَّبَهُ ".

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: ثنا شَبَابَةُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، ح. وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ [إبراهيم: 15] قَالَ: " الرُّسُلُ كُلُّهَا اسْتَنْصَرُوا ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: 15] قَالَ: «مُعَانِدٌ لِلْحَقِّ مُجَانِبُهُ» . حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: اسْتَفْتَحُوا عَلَى قَوْمِهِمْ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: 15] قَالَ: " كَانَتِ الرُّسُلُ وَالْمُؤْمِنُونَ يَسْتَضْعِفُهُمْ قَوْمُهُمْ، وَيَقْهَرُونَهُمْ، وَيُكَذِّبُونَهُمْ، وَيَدْعُونَهُمْ إِلَى أَنْ يَعُودُوا فِي مِلَّتِهِمْ، فَأَبَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِرُسُلِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَعُودُوا فِي مِلَّةِ الْكُفْرِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَتَوَكَّلُوا عَلَى اللَّهِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَفْتِحُوا عَلَى الْجَبَابِرَةِ، وَوَعَدَهُمْ أَنْ يُسْكِنَهُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ، فَأَنْجَزَ اللَّهُ لَهُمْ مَا وَعَدَهُمْ، وَاسْتَفْتَحُوا كَمَا أَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَفْتِحُوا ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: 15] "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: ثنا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الْمُغِيرَةِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: 15] قَالَ: «هُوَ النَّاكِبُ عَنِ الْحَقِّ؛ أَيِ الْحَائِدِ عَنِ اتِّبَاعِ طَرِيقِ الْحَقِّ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ قَالَ: ثنا مُطَرِّفٌ، عَنْ بِشْرٍ، عَنْ هُشَيْمٍ،

عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: 15] قَالَ: «النَّاكِبُ عَنِ الْحَقِّ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ [إبراهيم: 15] يَقُولُ: " اسْتَنْصَرَتِ الرُّسُلُ عَلَى قَوْمِهَا، قَوْلُهُ: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: 15] وَالْجَبَّارُ الْعَنِيدُ: الَّذِي أَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ [إبراهيم: 15] قَالَ: " اسْتَنْصَرَتِ الرُّسُلُ عَلَى قَوْمِهَا ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: 15] يَقُولُ: بَعِيدٍ عَنِ الْحَقِّ مُعْرِضٍ عَنْهُ ". حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، مِثْلَهُ، وَزَادَ فِيهِ: مُعْرِضٌ عَنْهُ، أَبَى أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: 15] قَالَ: «الْعَنِيدُ عَنِ الْحَقِّ الَّذِي يَعْنِدُ عَنِ الطَّرِيقِ» قَالَ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ: شَرُّ الْإِبِلِ الْعَنِيدُ، الَّذِي يَخْرُجُ عَنِ الطَّرِيقِ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم: 15] قَالَ: " الْجَبَّارُ: هُوَ الْمُتَجَبِّرُ " وَكَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ [إبراهيم: 15] خِلَافَ قَوْلِ هَؤُلَاءِ،

وَيَقُولُ: إِنَّمَا اسْتَفْتَحَتِ الْأُمَمُ، فَأُجِيبَتْ

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا﴾ [إبراهيم: 15] قَالَ: " اسْتِفْتَاحُهُمْ بِالْبَلَاءِ، قَالُوا: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي أَتَى بِهِ مُحَمَّدٌ هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ، كَمَا أَمْطَرْتَهَا عَلَى قَوْمِ لُوطٍ، أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ قَالَ: " كَانَ اسْتِفْتَاحُهُمْ بِالْبَلَاءِ كَمَا اسْتَفْتَحَ قَوْمُ هُودٍ، ﴿ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ قَالَ: " فَالِاسْتِفْتَاحُ: الْعَذَابُ.
قَالَ: قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ لِهَذَا أَجَلًا، حِينَ سَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: بَلْ نُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ، فَقَالُوا: لَا نُرِيدُ أَنْ نُؤَخَّرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ [ص: 16] عَذَابَنَا ﴿قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [ص: 16] وَقَرَأَ: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجْلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ [العنكبوت: 53] حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ، وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [العنكبوت: 55] "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ.
يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ، وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ، وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: 17] يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: ﴿مِنْ وَرَائِهِ﴾ [إبراهيم: 16] مِنْ أَمَامِ كُلِّ جَبَّارٍ ﴿جَهَنَّمُ﴾ [البقرة: 206] يَرِدُونَهَا وَوَرَاءَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: يَعْنِي أَمَامَ، كَمَا يُقَالُ: إِنَّ الْمَوْتَ مِنْ

وَرَائِكَ: أَيْ قُدَّامِكَ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الوافر]

أَتُوعِدُنِي وَرَاءَ بَنِي رِيَاحٍ ... كَذَبْتَ لَتَقْصُرَنَّ يَدَاكَ دُونِي يَعْنِي وَرَاءَ بَنِي رِيَاحٍ: قُدَّامَ بَنِي رِيَاحٍ وَأَمَامَهُمْ.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْبَصْرَةِ يَقُولُ: إِنَّمَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ وَرَائِهِ﴾ [إبراهيم: 16] أَيْ مِنْ أَمَامِهِ، لِأَنَّهُ وَرَاءَ مَا هُوَ فِيهِ، كَمَا يَقُولُ لَكَ: وَكُلُّ هَذَا مِنْ وَرَائِكَ: أَيْ سَيَأْتِي عَلَيْكَ، وَهُوَ مِنْ وَرَاءِ مَا أَنْتَ فِيهِ لِأَنَّ مَا أَنْتَ فِيهِ قَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ: ﴿وَرَاءَهُمْ مَلَكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ [الكهف: 79] مِنْ هَذَا الْمَعْنَى: أَيْ كَانَ وَرَاءَ مَا هُمْ فِيهِ أَمَامَهُمْ.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي أَهْلِ الْكُوفَةِ يَقُولُ: أَكْثَرُ مَا يَجُوزُ هَذَا فِي الْأَوْقَاتِ، لِأَنَّ الْوَقْتَ يَمُرُّ عَلَيْكَ فَيَصِيرُ خَلْفَكَ إِذَا جُزْتَهُ، وَكَذَلِكَ كَانَ وَرَاءَهُمْ مَلَكٌ، لِأَنَّهُمْ يَجُوزُونَهُ فَيَصِيرُ وَرَاءَهُمْ.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: هُوَ مِنْ حُرُوفِ الْأَضْدَادِ، يَعْنِي وَرَاءَ يَكُونُ قُدَّامًا وَخَلْفًا

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 16] يَقُولُ: وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ الْمَاءَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَمَا هُوَ، فَقَالَ: هُوَ صَدِيدٌ، وَلِذَلِكَ رَدَّ الصَّدِيدَ فِي إِعْرَابِهِ عَلَى الْمَاءِ، لِأَنَّهُ بَيَانٌ عَنْهُ، وَالصَّدِيدُ: هُوَ الْقَيْحُ وَالدَّمُ، وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، وَحَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، ح. وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا

شَبَابَةُ، قَالَ: ثنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 16] قَالَ: «قَيْحٌ وَدَمٌ» . حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 16] " وَالصَّدِيدُ: مَا يَسِيلُ مِنْ دَمِهِ وَلَحْمِهِ وَجِلْدِهِ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 16] قَالَ: «مَا يَسِيلُ مِنْ بَيْنِ لَحْمِهِ وَجِلْدِهِ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا هِشَامٌ، عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 16] قَالَ: " يَعْنِي بِالصَّدِيدِ: مَا يَخْرُجُ مِنْ جَوْفِ الْكَافِرِ قَدْ خَالَطَ الْقَيْحَ وَالدَّمَ "

وَقَوْلُهُ: ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: 17] يَتَحَسَّاهُ، ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: 17] يَقُولُ: وَلَا يَكَادُ يَزْدَرِدَهُ مِنْ شِدَّةِ كَرَاهَتِهِ، وَهُوَ يُسِيغُهُ مِنْ شِدَّةِ الْعَطَشِ.
وَالْعَرَبُ تَجْعَلُ «لَا يَكَادُ» فِيمَا قَدْ فُعِلَ، وَفِيمَا لَمْ يُفْعَلْ فَأَمَّا مَا قَدْ فُعِلَ فَمِنْهُ

هَذَا، لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَ لَهُمْ ذَلِكَ شَرَابًا، وَأَمَّا مَا لَمْ يُفْعَلْ وَقَدْ دَخَلَتْ فِيهِ «كَادَ» فَقَوْلُهُ: ﴿إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: 40] فَهُوَ لَا يَرَاهَا.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ [إبراهيم: 17] وَهُوَ يُسِيغُهُ، جَاءَ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ أَبُو إِسْحَاقَ الطَّالْقَانِيُّ، قَالَ: ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ﴾ [إبراهيم: 17] : «فَإِذَا شَرِبَهُ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ» يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: 15] وَيَقُولُ: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ [الكهف: 29] ". حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ: ثنا صَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 16] فَذَكَرَ مِثْلَهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ ﴿سُقُوا مَاءً حَمِيمًا﴾ [محمد: 15] . حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ الْعَسْقَلَانِيُّ قَالَ: ثنا حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ الْحِمْصِيُّ قَالَ:

ثنا بَقِيَّةُ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: ثني عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ بُسْرٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ سَوَاءً

وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: 17] فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، وَعَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ، وَمِنْ كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْ أَعْضَاءِ جَسَدِهِ ﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: 17] لِأَنَّهُ لَا تَخْرُجُ نَفْسُهُ فَيَمُوتُ فَيَسْتَرِيحُ، وَلَا يَحْيَا لِتَعَلُّقِ نَفْسِهِ بِالْحَنَاجِرَ، فَلَا تَرْجِعُ إِلَى مَكَانِهَا، كَمَا

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ [إبراهيم: 17] قَالَ: «تُعَلَّقُ نَفْسُهُ عِنْدَ حَنْجَرَتِهِ، فَلَا تَخْرُجُ مِنْ فِيهِ فَيَمُوتُ وَلَا تَرْجِعُ إِلَى مَكَانِهَا مِنْ جَوْفِهِ فَيَجِدُ لِذَلِكَ رَاحَةً فَتَنْفَعُهُ الْحَيَاةُ»

جارٍ التحميل