تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 600-614

ذِكْرُ مَنْ قَالَ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾

صفحات 600-614
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ , عَنْ رَجُلٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: «يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ ثَلَاثًا» وَقَالَ آخَرُونَ: يُسْتَتَابُ كُلَّمَا ارْتَدَّ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ , عَمَّنْ سَمِعَ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: «يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ كُلَّمَا ارْتَدَّ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِي قِيَامِ الْحُجَّةِ بِأَنَّ الْمُرْتَدَّ يُسْتَتَابُ الْمَرَّةَ الْأُولَى , الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ عَلَى أَنَّ حُكْمَ كُلِّ مَرَّةٍ ارْتَدَّ فِيهَا عَنِ الْإِسْلَامِ حُكْمُ الْمَرَّةِ الْأُولَى فِي أَنْ تَوْبَتَهُ مَقْبُولَةٌ , وَأَنَّ إِسْلَامَهُ حَقَنَ لَهُ دَمَهُ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الَّتِي حَقَنَتْ دَمَهُ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى إِسْلَامُهُ , فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ تُوجَدَ الْعِلَّةُ الَّتِي مِنْ أَجَلِهَا كَانَ دَمُهُ مَحْقُونًا فِي الْحَالَةِ الْأُولَى ثُمَّ يَكُونُ دَمُهُ مُبَاحًا مَعَ وُجُودِهَا , إِلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ حُكْمِ الْمَرَّةِ الْأُولَى وَسَائِرِ الْمَرَّاتِ غَيْرِهَا مَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ مِنْ أَصْلٍ مُحْكَمٍ , فَيَخْرُجَ حُكْمُ الْقِيَاسِ حِينَئِذٍ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 138] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ﴾ [النساء: 138] أَخْبَرَ الْمُنَافِقِينَ , وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى التَّبْشِيرِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ ﴿بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 138] يَعْنِي: بِأَنَّ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ اللَّهِ عَلَى نِفَاقِهِمْ , عَذَابًا أَلِيمًا , وَهُوَ

الْمُوجِعُ , وَذَلِكَ عَذَابُ جَهَنَّمَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: 139] أَمَّا قَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 139] فَمِنْ صِفَةِ الْمُنَافِقِينَ.
يَقُولُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: يَا مُحَمَّدُ , بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ

أَهْلَ الْكُفْرِ بِي وَالْإِلْحَادِ فِي دِينِي أَوْلِيَاءَ: يَعْنِي أَنْصَارًا وَأَخِلَّاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ , يَعْنِي: مِنْ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ [النساء: 139] يَقُولُ: " أَيَطْلُبُونَ عِنْدَهُمُ الْمَنْعَةَ وَالْقُوَّةَ بِاتِّخَاذِهِمْ إِيَّاهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِي ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: 139] يَقُولُ: " فَإِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوهُمْ مِنَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ ابْتِغَاءَ الْعِزَّةِ عِنْدَهُمْ , هُمُ الْأَذِلَّاءُ الْأَقِلَّاءُ , فَهَلَا اتَّخَذُوا الْأَوْلِيَاءَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ , فَيَلْتَمِسُوا الْعِزَّةَ وَالْمَنَعَةُ وَالنُّصْرَةَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ , الَّذِي لَهُ الْعِزَّةُ وَالْمَنْعَةُ , الَّذِي يُعِزُّ مَنْ يَشَاءٍ , وَيُذِلَّ مَنْ يَشَاءُ فَيُعِزَّهُمْ وَيَمْنَعَهُمْ؟ وَأَصْلُ الْعِزَّةِ: الشِّدَّةُ؛ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْأَرْضِ الصَّلْبَةِ الشَّدِيدَةِ: عِزَازٌ , وَقِيلَ: قَدِ

اسْتُعِزَّ عَلَى الْمَرِيضِ: إِذَا اشْتَدَّ مَرَضُهُ وَكَادَ يَشْفَى , وَيُقَالَ: تَعَزَّزَ اللَّحْمُ: إِذَا اشْتَدَّ؛ وَمِنْهُ قِيلَ: عَزَّ عَلَيَّ أَنْ يَكُونَ كَذَا وَكَذَا , بِمَعْنَى: اشْتَدَّ عَلَيَّ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكَفِّرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مَثَلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: 140] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ

أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونَ الْمُؤْمِنِينَ.
﴿وَقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: 140] يَقُولُ: " أُخْبِرَ مَنِ اتَّخَذَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الْكُفَّارِ أَنْصَارًا وَأَوْلِيَاءَ بَعْدَمَا نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: 140] يَعْنِي: بَعْدَمَا عَلِمُوا نَهْيَ اللَّهِ عَنْ مُجَالَسَةِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِحُجَجِ اللَّهِ وَآيِ كِتَابِهِ , وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهَا ﴿حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: 140] يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿يَخُوضُوا﴾ [النساء: 140] يَتَحَدَّثُوا حَدِيثًا غَيْرَهُ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140] يَعْنِي: وَقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكُمْ أَنَّكُمْ إِنْ جَالَسْتُمْ مَنْ يَكْفُرُ بِآيَاتِ اللَّهِ , وَيَسْتَهْزِئُ بِهَا وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ فَأَنْتُمْ مِثْلُهُ , يَعْنِي: فَأَنْتُمْ إِنْ لَمْ تَقُومُوا عَنْهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالِ مَثَلُهُمْ فِي فِعْلِهِمْ , لِأَنَّكُمْ قَدْ عَصَيْتُمُ اللَّهَ بِجُلُوسِكُمْ مَعَهُمْ , وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا , كَمَا عَصَوْهُ بِاسْتِهْزَائِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ , فَقَدْ أَتَيْتُمْ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ نَحْوَ الَّذِي أَتَوْهُ مِنْهَا , فَأَنْتُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ فِي رُكُوبِكُمْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ , وَإِتْيَانِكُمْ مَا نَهَاكُمُ اللَّهُ عَنْهُ.

وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الدَّلَالَةُ الْوَاضِحَةُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ مُجَالَسَةِ أَهْلِ الْبَاطِلِ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ وَالْفَسَقَةِ عِنْدَ خَوْضِهِمْ فِي بَاطِلِهِمْ.
وبِنَحْوِ ذَلِكَ كَانَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَّةِ الْمَاضِيَةِ يَقُولُونَ تَأَوُّلًا مِنْهُمْ هَذِهِ الْآيَةِ , إِنَّهُ مُرَادٌ بِهَا النَّهْي عَنْ مُشَاهَدَةِ كُلِّ بَاطِلٍ عِنْدَ خَوْضِ أَهْلِهِ فِيهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ , عَنْ أَبِي وَائِلٍ , قَالَ: " إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ فِي الْمَجْلِسِ مِنَ الْكَذِبِ لِيُضْحِكَ بِهَا جُلَسَاءَهُ , فَيَسْخَطُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.
قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ , فَقَالَ: صَدَقَ أَبُو وَائِلٍ.
أوَلَيْسَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140]

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ , عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمِنْهَالِ , عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ , قَالَ: أَخَذَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَوْمًا عَلَى شَرَابٍ , فَضَرَبَهُمْ وَفِيهِمْ صَائِمٌ , فَقَالُوا: إِنَّ هَذَا صَائِمٌ فَتَلَا: ﴿فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: 140]

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ , يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا﴾ [النساء: 140] وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153] وَقَوْلُهُ: ﴿أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13] وَنَحْوُ هَذَا مِنَ الْقُرْآنِ , قَالَ: أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجَمَاعَةِ , وَنَهَاهُمْ عَنِ الاخْتِلَافِ وَالْفُرْقَةِ , وَأَخْبَرَهُمْ: إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالْمِرَاءِ وَالْخُصُومَاتِ فِي دِينِ اللَّهِ " وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ﴾ [النساء: 140] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ أَهُلِ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ فِي الْقِيَامَةِ فِي النَّارِ، فَمُوَفَّقٌ بَيْنَهُمْ فِي عِقَابِهِ فِي جَهَنَّمَ وَأَلِيمٌ عَذَابُهُ، كَمَا اتَّفَقُوا فِي الدُّنْيَا فَاجْتمَعُوا عَلَى عَدَاوَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَتَوَازَرُوا عَلَى التَّخْذِيلِ عَنْ دِينِ اللَّهِ وَعَنِ الَّذِي ارْتَضَاهُ وَأَمَرَ بِهِ أَهْلَهُ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: «وَقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ» فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ الْقُرَّاءَ بِضَمِّ النُّونِ وَتَثْقِيلِ الزَّايِ وَتَشْدِيدِهَا عَلَى وَجْهِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ.
وَقَرَأَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ بِفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ عَلَى مَعْنَى: وَقَدْ نَزَّلَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ الْمَكِّيِّينَ: «وَقَدْ نَزَلَ عَلَيْكُمْ» بِفَتْحِ النُّونِ وَتَخْفِيفِ الزَّايِ , بِمَعْنَى: وَقَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ.

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ الثَّلَاثَةِ وَجْهٌ يَبْعُدُ مَعْنَاهُ مِمَّا يَحْتِمُلُهُ الْكَلَامُ , غَيْرَ أَنَّ الَّذِيَ أَخْتَارُ الْقِرَاءَةَ بِهِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: (وَقَدْ نُزِّلَ) بِضَمِّ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ , عَلَى وَجْهِ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ فِيهِ: التَّقْدِيمُ عَلَى مَا وَصَلْتَ قَبْلُ , عَلَى مَعْنَى ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 139] ﴿وَقَدْ نُزِّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا﴾ [النساء: 140] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [النساء: 140] ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ﴾ [النساء: 139] فَقَوْلُهُ: ﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ [النساء: 139] يَعْنِي التَّأْخِيرَ , فَلِذَلِكَ كَانَ ضَمُّ النُّونِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿نُزِّلَ﴾ [النساء: 140] أَصَوْبَ عِنْدَنَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وكَذَا اخْتَلَفُوا فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ "﴾ [النساء: 136] فَقَرَأَهُ بفَتْحٍ ﴿أَنْزَلَ﴾ [البقرة: 4] أَكْثَرُ الْقُرَّاءَ , بِمَعْنَى: وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ , وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْبَصْرَةِ بِضَمِّهِ فِي الْحَرْفَيْنِ كِلَاهُمَا , بِمَعْنَى: مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ.
وهُمَا مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى , غَيْرَ أَنَّ الْفَتْحَ فِي ذَلِكَ أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنَ الضَّمِّ , لِأَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ قَدْ جَرَى قَبْلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: 136]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ

سَبِيلًا} [النساء: 141] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ [النساء: 141] الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِكُمْ ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: 141] يَعْنِي: فَإِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتْحًا مِنْ عَدُوِّكُمْ , فَأَفَاءَ عَلَيْكُمْ فَيْئًا مِنَ الْمَغَانِمِ.
﴿قَالُوا﴾ [البقرة: 11] لَكُمْ ﴿أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [النساء: 141] نُجَاهِدُ عَدُوَّكُمْ , وَنَغْزُوهُمْ مَعَكُمْ , فَأَعْطُونَا نَصِيبًا مِنَ الْغَنِيمَةِ , فَإِنَّا قَدْ شَهِدْنَا الْقِتَالَ مَعَكُمْ.
﴿وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ [النساء: 141] يَعْنِي: وَإِنْ كَانَ لِأَعْدَائِكُمْ مِنَ الْكَافِرِينَ حَظٌّ مِنْكُمْ بِإِصَابَتِهِمْ مِنْكُمْ.
﴿قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾ [النساء: 141] يَعْنِي: قَالَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ لِلْكَافِرِينَ: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 141] يَعْنِي: قَالَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ لِلْكَافِرِينَ: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 141] أَلَمْ نَغْلِبْ عَلَيْكُمْ حَتَّى قَهَرْتُمُ الْمُؤْمِنِينَ , وَنَمْنَعْكُمْ مِنْهُمْ بِتَخْذِيلِنَا إِيَّاهُمْ , حَتَّى امْتَنَعُوا مِنْكُمْ فَانْصَرَفُوا.
﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [البقرة: 113] يَعْنِي: فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ , فَيَفْصِلُ بَيْنَكُمْ بِالْقَضَاءِ الْفَاصِلِ بِإِدْخَالِ أَهْلِ الْإِيمَانِ جَنَّتَهُ وَأَهْلِ النِّفَاقِ مَعَ أَوْلِيَائِهِمْ مِنَ الْكُفَّارِ نَارَهُ.
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141] يَعْنِي: حُجَّةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ , وَذَلِكَ وَعْدٌ مِنَ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ الْمُنَافِقِينَ مُدْخَلَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ مُدْخَلَ الْمُنَافِقِينَ , فَيَكُونُ بِذَلِكَ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حُجَّةٌ , بِأَنْ يَقُولُوا لَهُمْ: أَنِ ادْخِلُوا مُدْخَلَهُمْ , هَا أَنْتُمْ كُنْتُمْ فِي الدُّنْيَا أَعْدَاءَنَا , وَكَانَ الْمُنَافِقُونَ أَوْلِيَاءَنَا , وَقَدِ اجْتَمَعْتُمْ فِي النَّارِ فَيُجْمَعُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَوْلِيَائِنَا , فَأَيْنَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ تُقَاتِلُونَنَا مِنْ أَجْلِهِ فِي الدُّنْيَا؟ فَذَلِكَ هُوَ السَّبِيلُ الَّذِي وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ لَا يَجْعَلَهَا عَلَيْهِمْ لِلْكَافِرِينَ.

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: 141] قَالَ: " الْمُنَافِقُونَ يَتَرَبَّصُونَ بِالْمُسْلِمِينَ , فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ قَالَ: إِنْ أَصَابَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ عَدُوِّهِمْ غَنِيمَةً , قَالَ الْمُنَافِقُونَ: أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ؟ قَدْ كُنَّا مَعَكُمْ فَأَعْطُونَا غَنِيمَةً مِثْلَ مَا تَأْخُذُونَ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ يُصِيبُونَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ , قَالَ الْمُنَافِقُونَ لِلْكَافِرِينَ: أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ , وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَدْ كُنَّا نُثَبِّطُهُمْ عَنْكُمْ " وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأَوُّلِ قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 141] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: أَلَمْ نَغْلِبْ عَلَيْكُمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , فِي قَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 141] قَالَ: «نَغْلِبُ عَلَيْكُمْ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَلَمْ نُبَيِّنْ لَكُمْ أَنَّا مَعَكُمْ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: {أَلَمْ

نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ} [النساء: 141] أَلَمْ نُبَيِّنْ لَكُمْ أَنَّا مَعَكُمْ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مُتَقَارِبًا الْمَعْنَى , وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ تَأَوَّلَهُ بِمَعْنَى: أَلَمْ نُبَيِّنْ لَكُمْ إِنَّمَا أَرَادَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَلَمْ نَغْلِبْ عَلَيْكُمْ بِمَا كَانَ مِنَّا مِنَ الْبَيَانِ لَكُمْ أَنَّا مَعَكُمْ.
وَأَصْلُ الِاسْتِحْوَاذِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فِيمَا بَلَغَنَا الْغَلَبَةُ , وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾ [المجادلة: 19] بِمَعْنَى غَلَبَ عَلَيْهِمْ , يُقَالَ مِنْهُ: حَاذَ عَلَيْهِ , وَاسْتَحَاذَ يَحِيذُ وَيَسْتَحِيذُ , وَأَحَاذَ يَحِيذُ.
وَمِنْ لُغَةِ مَنْ قَالَ حَاذَ , قَوْلُ الْعَجَّاجِ فِي صِفَةِ ثَوْرٍ وَكَلْبٍ: [البحر الرجز] يَحُوذُهُنَّ وَلَهُ حُوذِيُّ وَقَدْ أَنْشَدَ بَعْضُهُمْ: يَحُوزُهُنَّ وَلَهُ حُوزِي وَهُمَا مُتَقَارِبَا الْمَعْنَى.
ومِنْ لُغَةِ مَنْ قَالَ أَحَاذَ , قَوْلُ لَبِيدٍ فِي صِفَةِ عِيرٍ وأُتُنٍ: [البحر الوافر] إِذَا اجْتَمَعَتْ وَأَحْوَذَ جَانِبَيْهَا ... وَأَوْرَدَهَا عَلَى عُوجٍ طُوَالِ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: وَأَحْوَذَ جَانِبَيْهَا: غَلَبَهَا وَقَهَرَهَا حَتَّى حَاذَ كِلَا جَانِبَيْهِ فَلَمْ يَشِذَّ مِنْهَا شَيْءٌ.

وَكَانَ الْقِيَاسُ فِي قَوْلِهِ: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة: 19] أَنْ يَأْتِيَ اسْتَحَاذَ عَلَيْهِمْ , لِأَنَّ الْوَاوَ إِذَا كَانَتْ عَيْنَ الْفِعْلِ وَكَانَتْ مُتَحَرِّكَةً بِالْفَتْحِ وَمَا قَبْلَهَا سَاكِنٌ , جَعَلَتِ الْعَرَبُ حَرَكَتَهَا فِي فَاءِ الْفِعْلِ قَبْلَهَا , وَحَوَّلُوهَا أَلِفًا مُتْبَعَةً حَرَكَةَ مَا قَبْلَهَا , كَقَوْلِهِمُ: اسْتَحَالَ هَذَا الشَّيْءُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ حَالَ يَحُولُ , وَاسْتَنَارَ فُلَانٌ بِنُورِ اللَّهِ مِنَ النُّورِ , وَاسْتَعَاذَ بِاللَّهِ مِنْ عَاذَ يَعُوذُ.
وَرُبَّمَا تَرَكُوا ذَلِكَ عَلَى أَصْلِهِ , كَمَا قَالَ لَبِيدٌ: وَأَحْوَذَ , وَلَمْ يَقُلْ: وَأَحَاذَ , وَبِهَذِهِ اللُّغَةِ جَاءَ الْقُرْآنُ فِي قَوْلِهِ: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ﴾ [المجادلة: 19]

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141] فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ مَعْنَاهُ: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ يَوْمَئِذٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا.

ذِكْرُ الْخَبَرِ عَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا جَرِيرٌ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ ذَرٍّ , عَنْ يُسَيْعٍ الْحَضْرَمِيِّ , قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141] وَهُمْ يُقَاتِلُونَنَا فَيَظْهَرُونَ وَيَقْتُلُونَ؟ قَالَ لَهُ عَلِيُّ: ادْنُهْ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141] يَوْمَ الْقِيَامَةِ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ ذَرٍّ , عَنْ يُسَيْعٍ الْكِنْدِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141] قَالَ: " جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ , فَقَالَ: كَيْفَ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141] فَقَالَ عَلِيُّ: ادْنُهْ ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ﴾ [النساء: 141] يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141] حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ ذَرٍّ , عَنْ ٍ يُسَيْعَ الْحَضْرَمِيِّ , عَنْ عَلِيٍّ بِنَحْوِهِ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا غُنْدَرٌ , عَنْ شُعْبَةَ , قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ يُحَدِّثُ عَنْ ذَرٍّ , عَنْ رَجُلٍ , عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141] قَالَ: «فِي الْآخِرَةِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ , عَنْ إِسْرَائِيلَ , عَنِ السُّدِّيِّ , عَنْ أَبِي مَالِكٍ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141] يَوْمَ الْقِيَامَةِ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141] قَالَ: «ذَاكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»

وَأَمَّا السَّبِيلُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَالْحُجَّةُ.
كَمَا:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: 141] قَالَ: «حُجَّةً»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ عَلَى مَعْنَى خِدَاعِ الْمُنَافِقِ رَبَّهُ وَوَجْهِ خِدَاعِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ , مَعَ اخْتِلَافِ

الْمُخْتَلِفِينَ فِي ذَلِكَ.
فَتَأْوِيلُ ذَلِكَ: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ بِإِحْرَازِهِمْ بِنِفَاقِهِمْ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ , وَاللَّهُ خَادِعُهُمْ بِمَا حَكَمَ فِيهِمْ مِنْ مَنْعِ دِمَائِهِمْ بِمَا أَظْهَرُوا بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنَ الْإِيمَانِ , مَعَ عِلْمِهِ بِبَاطِنِ ضَمَائِرِهِمْ , وَاعْتِقَادِهِمُ الْكُفْرَ , اسْتِدْرَاجًا مِنْهُ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا حَتَّى يَلْقَوْهُ فِي الْآخِرَةِ , فَيُورِدُهُمْ بِمَا اسْتَبْطَنُوا مِنَ الْكُفْرِ نَارَ جَهَنَّمَ.
كَمَا:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142] قَالَ: «يُعْطِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نُورًا يَمْشُونَ بِهِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا كَانُوا مَعَهُمْ فِي الدُّنْيَا , ثُمَّ يَسْلُبُهُمْ ذَلِكَ النُّورَ فَيُطْفِئُهُ , فَيَقُومُونَ فِي ظُلْمَتِهِمْ وَيُضْرَبُ بَيْنَهُمْ بِالسُّوَرِ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142] قَالَ: " نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ

وَأَبِي عَامِرِ بْنِ النُّعْمَانِ , وَفِي الْمُنَافِقِينَ؛ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ , قَالَ: مِثْلُ قَوْلِهِ فِي الْبَقَرَةِ: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة: 9] . قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142] فَيَقُولُ: فِي النُّورِ الَّذِي يُعْطَى الْمُنَافِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ , فَيُعْطَوْنَ النُّورَ , فَإِذَا بَلَغُوا السُّورَ سُلِبَ , وَمَا ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: 13] قَالَ: " قَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142]

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ , عَنِ الْحَسَنِ , أَنَّهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142] قَالَ: " يُلْقَى عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُنَافِقٍ نُورٌ يَمْشُونَ بِهِ , حَتَّى إِذَا انْتَهَوْا إِلَى الصِّرَاطِ طُفِئَ نُورُ الْمُنَافِقِينَ , وَمَضَى الْمُؤْمِنُونَ بِنُورِهِمْ , فَيُنَادُونَهُمْ: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: 13] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الحديد: 14] قَالَ الْحَسَنُ: فَتِلْكَ خَدِيعَةُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْمَلُونَ شَيْئًا مِنَ الْأَعْمَالِ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ عَلَى وَجْهِ التَّقَرُّبِ بِهَا إِلَى اللَّهِ , لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُوقِنِينَ بِمَعَادٍ وَلَا ثَوَابٍ وَلَا عِقَابٍ , وَإِنَّمَا يَعْمَلُونَ مَا عَمِلُوا مِنَ الْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ بَقَاءً عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَحَذَرًا

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهَا أَنْ يُقْتُلُوا أَوْ يَسْلُبُوا أَمْوَالَهُمْ , فَهُمْ إِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْفَرَائِضِ الظَّاهِرَةِ , قَامُوا كُسَالَى إِلَيْهَا , رِيَاءً لِلْمُؤْمِنِينَ , لِيَحْسَبُوهُمْ مِنْهُمْ وَلَيْسُوا مِنْهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مُعْتَقِدِي فَرْضَهَا وَوُجُوبَهَا عَلَيْهِمْ , فَهُمْ فِي قِيَامِهِمْ إِلَيْهَا كُسَالَى.
كَمَا:

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ [النساء: 142] قَالَ: «وَاللَّهِ لَوْلَا النَّاسُ مَا صَلَّى الْمُنَافِقُ وَلَا يُصَلِّي إِلَّا رِيَاءً وَسُمْعَةً»

حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ قَالَ: «هُمُ الْمُنَافِقُونَ , لَوْلَا الرِّيَاءُ مَا صَلُّوا» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142] فَلَعَلَّ قَائِلًا أَنْ يَقُولَ: وَهَلْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ شَيْءٌ قَلِيلٌ؟ قِيلَ لَهُ: إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا إِلَيْهِ ذَهَبْتَ , إِنَّمَا مَعْنَاهُ: وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا ذِكْرًا رِيَاءً , لِيَدْفَعُوا بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمُ الْقَتْلَ وَالسِّبَاءِ وَسَلْبَ الْأَمْوَالِ , لَا ذِكْرَ مُوقِنٍ مُصَدِّقٍ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ مُخْلِصٍ لَهُ الرُّبُوبِيَّةَ , فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ اللَّهُ قَلِيلًا , لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ اللَّهُ وَلَا مُبْتَغًى بِهِ التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ , وَلَا مُرَادًا بِهِ ثَوَابَ اللَّهِ , وَمَا عِنْدَهُ فَهُوَ وَإِنْ كَثُرَ مِنْ وَجْهِ نَصْبِ عَامِلِهِ , وَذَاكِرُهُ فِي مَعْنَى السَّرَابِ الَّذِي لَهُ ظَاهِرٌ بِغَيْرِ حَقِيقَةِ مَاءٍ.

وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ , عَنْ أَبِي الْأَشْهَبِ , قَالَ: قَرَأَ الْحَسَنُ: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142] قَالَ: «إِنَّمَا قَلَّ لِأَنَّهُ كَانَ لِغَيْرِ اللَّهِ»

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 142] قَالَ: «إِنَّمَا قِلَّ ذِكْرُ الْمُنَافِقِ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْبَلْهُ , وَكُلُّ مَا رَدَّ اللَّهُ قَلِيلٌ وَكُلُّ مَا قَبِلَ اللَّهُ كَثِيرٌ»

جارٍ التحميل