ذِكْرُ مَنْ قَالَ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا سُوَيْدُ بْنُ نَصْرٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ , عَنْ يُونُسَ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , فِي شَهَادَةِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَذِي الْقَرَابَةِ , قَالَ: كَانَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى مِنَ السُّنَّةِ فِي سَلَفِ الْمُسْلِمِينَ , وَكَانُوا يَتَأَوَّلُونَ فِي ذَلِكَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: 135] الْآيَةُ , فَلَمْ يَكُنْ يُتَّهَمُ سَلَفُ الْمُسْلِمِينَ الصَّالِحُ فِي شَهَادَةِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ , وَلَا الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ , وَلَا الْأَخُ لِأَخِيهِ , وَلَا الرَّجُلُ لِامْرَأَتِهِ , ثُمَّ دَخَلَ النَّاسُ بَعْدَ ذَلِكَ فَظَهَرَتْ مِنْهُمْ أُمُورٌ حَمَلَتِ الْوُلَاةَ عَلَى اتِّهَامِهِمْ , فَتُرِكَتْ شَهَادَةُ مَنْ يُتَّهَمُ إِذَا كَانَتْ مِنْ أَقْرِبَائِهِمْ وَصَارَ ذَلِكَ مِنَ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَالْأَخِ وَالزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ لَمْ يُتَّهَمْ إِلَّا هَؤُلَاءِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: 135] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ , قَالَ: " لَا يَحْمِلُكُ فَقْرُ هَذَا عَلَى أَنْ تَرْحَمَهُ فَلَا تُقِيمَ عَلَيْهِ الشَّهَادَةَ , قَالَ: يَقُولُ هَذَا لِلشَّاهِدِ "
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: 135] الْآيَةُ , هَذَا فِي الشَّهَادَةِ , فَأَقِمِ الشَّهَادَةَ يَا ابْنَ آدَمَ وَلَوْ عَلَى نَفْسِكَ , أَوِ الْوَالِدَيْنِ , أَوْ عَلَى ذَوِي قَرَابَتِكَ , أَوْ أَشْرَافِ قَوْمِكَ , فَإِنَّمَا الشَّهَادَةُ لِلَّهِ وَلَيْسَتْ لِلنَّاسٍ , وَإِنَّ اللَّهَ رَضِيَ الْعَدْلَ لِنَفْسِهِ؛ وَالْإِقْسَاطُ وَالْعَدْلُ مِيزَانُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ , بِهِ يَرُدُّ اللَّهُ مِنَ الشَّدِيدِ عَلَى الضَّعِيفِ , مِنَ الْكَاذِبِ عَلَى الصَّادِقِ , وَمِنَ الْمُبْطِلِ عَلَى الْمُحِقِّ , وَبِالْعَدْلِ يُصَدَّقُ الصَّادِقُ , وَيُكَذَّبُ الْكَاذِبُ , وَيُرَدُّ الْمُعْتَدِي , وَيُوَبِّخُهُ تَعَالَى رَبُّنَا وَتَبَارَكَ , وَبِالْعَدْلِ يَصْلُحُ النَّاسُ.
يَا ابْنَ آدَمَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا , فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا , يَقُولُ: أَوْلَى بِغَنِيِّكُمْ وَفَقِيرِكُمْ.
قَالَ: وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: يَا رَبِّ
أَيَّ شَيْءٍ وَضَعْتَ فِي الْأَرْضِ أَقَلَّ؟ قَالَ: «الْعَدْلُ أَقَلُّ مَا وَضَعْتُ فِي الْأَرْضِ , فَلَا يَمْنَعُكَ غِنَى غَنِيٍّ وَلَا فَقْرُ فَقِيرٍ أَنْ تَشْهَدَ عَلَيْهِ بِمَا تَعْلَمُ , فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَيْكَ مِنَ الْحَقِّ» . وَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: 135] وَقَدْ قِيلَ: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ [النساء: 135] الْآيَةُ , أُرِيدَ: فَاللَّهُ أَوْلَى بِغِنَى الْغَنِيِّ وَفَقْرِ الْفَقِيرِ , لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ لَا مِنْ غَيْرِهِ , فَلِذَلِكَ قَالَ ﴿بِهِمَا﴾ [النساء: 135] , وَلَمْ يَقُلْ: بِهِ وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا قِيلَ ﴿بِهِمَا﴾ [النساء: 135] لِأَنَّهُ قَالَ: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ [النساء: 135] فَلَمْ يَقْصِدَ فَقِيرًا بِعَيْنِهِ وَلَا غَنِيًّا بِعَيْنِهِ , وَهُوَ مَجْهُولٌ , وَإِذَا كَانَ مَجْهُولًا جَازَ الرَّدُّ عَلَيْهِ بِالتَّوْحِيدِ وَالتَّثْنِيَةِ وَالْجَمْعِ.
وذَكَرَ قَائِلُو هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ فِي قِرَاءَةِ أُبَيٍّ: «فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمْ» . وَقَالَ آخَرُونَ: أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَقَالَ آخَرُونَ: جَازَ تَثْنِيَةُ قَوْلِهِ ﴿بِهِمَا﴾ [النساء: 135] , لِأَنَّهُمَا قَدْ ذُكِرَا كَمَا قِيلَ: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ [النساء: 12] وَقِيلَ: جَازَ لِأَنَّهُ أَضْمَرَ فِيهِ مَنْ كَأَنَّهُ قِيلَ: إِنْ يَكُنْ مَنْ خَاصَمَ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا , بِمَعْنَى: غَنِيَّيْنِ أَوْ فَقِيرَيْنِ , فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا.
وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ [النساء: 135] أَيْ عَنِ الْحَقِّ , فَتَجُورُوا بِتَرْكِ إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ
بِالْحَقِّ.
وَلَوْ وُجِّهَ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: فَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ أَنْفُسِكُمْ هَرَبًا مِنْ أَنْ تَعْدِلُوا عَنِ الْحَقِّ فِي إِقَامَةِ الشَّهَادَةِ بِالْقِسْطِ كَانَ وَجْهًا.
وَقَدْ قِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى لِتَعْدِلُوا , كَمَا يُقَالَ: لَا تَتَّبِعْ هَوَاكَ لِتُرْضِيَ رَبَّكَ , بِمَعْنَى: أَنْهَاكَ عَنْهُ كَمَا تُرْضِي رَبَّكَ بِتَرْكِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 135] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى: وَإِنْ تَلْوُوا أَيُّهَا الْحُكَّامُ فِي الْحُكْمِ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ عَلَى الْآخَرِ أَوْ تُعْرِضُوا , فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا.
وَوَجَّهُوا مَعْنَى الْآيَةِ إِلَى أَنَّهَا
نَزَلَتْ فِي الْحُكَّامِ عَلَى نَحْوِ الْقَوْلِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنِ السُّدِّيِّ مِنْ قَوْلِهِ: إِنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَلَى مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , وَابْنُ وَكِيعٍ , قَالَا: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظَبْيَانَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: 135] قَالَ: «هُمَا الرَّجُلَانِ يَجْلِسَانِ بَيْنَ يَدَيِ الْقَاضِي , فَيَكُونُ لَيُّ الْقَاضِي وَإِعْرَاضُهُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَإِنْ تَلْوُوا أَيُّهَا الشُّهَدَاءُ فِي شَهَادَاتِكُمْ فَتُحَرِّفُوهَا وَلَا تُقِيمُوهَا , أَوْ تُعْرِضُوا عَنْهَا فَتَتْرُكُوهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: 135] يَقُولُ: «إِنْ تَلْوُوا بِأَلْسِنَتِكُمْ بِالشَّهَادَةِ أَوْ تُعْرِضُوا عَنْهَا»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي قَالَ: ثني عَمِّي , قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: 135] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: 135] يَقُولُ: «تَلْوِي لِسَانَكَ بِغَيْرِ الْحَقِّ , وَهِيَ اللَّجْلَجَةُ , فَلَا تُقِيمُ الشَّهَادَةَ عَلَى وَجْهِهَا.
وَالْإِعْرَاضُ التَّرْكُ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ [النساء: 135] أَيْ تُبَدِّلُوا الشَّهَادَةَ ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: 135] قَالَ: «تَكْتُمُوهَا»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ [النساء: 135] قَالَ: " بِتَبْدِيلِ الشَّهَادَةِ , وَالْإِعْرَاضُ: كِتْمَانُهَا "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَانَ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: 135] قَالَ: «إِنْ تُحَرِّقُوا , أَوْ تَتْرُكُوا»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: 135] قَالَ: «تُلَجْلِجُوا أَوْ تَكْتُمُوا؛ وَهَذَا فِي الشَّهَادَةِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: 135] أَمَّا تَلْوُوا: فَتَلْوِي لِلشَّهَادَةِ فَتُحَرِّفُهَا حَتَّى لَا تُقِيمَهَا؛ وَأَمَّا ﴿تُعْرِضُوا﴾ [النساء: 135] : فَتُعْرِضُ عَنْهَا فَتَكْتُمُهَا وَتَقُولُ: لَيْسَ عِنْدِي شَهَادَةٌ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ [النساء: 135] فَتَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ , تَلْوِي: تُنْقِصُ مِنْهَا , أَوْ تُعْرِضُ عَنْهَا فَتَكْتُمُهَا فَتَأْبَى أَنْ تَشْهَدَ عَلَيْهِ , تَقُولُ: أَكْتُمُ عَنْهُ لِأَنَّهُ مِسْكِينٌ أَرْحَمُهُ فَتَقُولُ: لَا أُقِيمُ الشَّهَادَةَ عَلَيْهِ , وَتَقُولُ: هَذَا غَنِيُّ أَبْقِيهِ وَأَرْجُو مَا قِبَلَهُ فَلَا أَشْهَدُ عَلَيْهِ , فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا﴾ [النساء: 135]
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ [النساء: 135] تُحَرِّفُوا ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: 135] تَتْرُكُوا "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَارَةَ , قَالَ: ثنا حَسَنُ بْنُ عَطِيَّةَ , قَالَ: ثنا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ , عَنْ عَطِيَّةَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ [النساء: 135] قَالَ: " إِنْ تَلَجْلَجُوا فِي الشَّهَادَةِ فَتُفْسِدُوهَا , ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: 135] قَالَ: «فَتَتْرُكُوهَا»
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ , عَنْ
جُوَيْبِرٍ , عَنِ الضَّحَّاكِ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: 135] قَالَ: " إِنْ تَلْوُوا فِي الشَّهَادَةِ , أَنْ لَا تُقِيمُوهَا عَلَى وَجْهِهَا ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: 135] قَالَ: «تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَمَّادٍ , قَالَ: ثنا شَيْبَانُ , عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: 135] يَعْنِي: تَلَجْلَجُوا ﴿أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: 135] قَالَ: «تَدَعُهَا فَلَا تَشْهَدُ»
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا عُبَيْدُ بْنُ سَلْمَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: 135] أَمَّا تَلْوُوا: فَهُوَ أَنْ يَلْوِيَ الرَّجُلُ لِسَانَهُ بِغَيْرِ الْحَقِّ , يَعْنِي فِي الشَّهَادَةِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ: أَنَّهُ لَيُّ الشَّاهِدِ شَهَادَتَهُ لِمَنْ يَشْهَدُ لَهُ وَعَلَيْهِ؛ وَذَلِكَ تَحْرِيفُهُ إِيَّاهَا لِسَانَهُ وَتَرْكُهُ إِقَامَتَهَا لِيُبْطِلَ بِذَلِكَ شَهَادَتَهُ لِمَنْ شَهِدَ لَهُ وَعَمَّنْ شَهِدَ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا إِعْرَاضُهُ عَنْهَا , فَإِنَّهُ تَرْكُهُ أَدَاءَهَا وَالْقِيَامَ بِهَا فَلَا يَشْهَدُ بِهَا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: هَذَا التَّأْوِيلَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: 135] فَأَمَرَهُمْ بِالْقِيَامِ بِالْعَدْلِ شُهَدَاءَ , وَأَظْهَرَ مَعَانِيَ الشُّهَدَاءِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ وَصْفِهِمْ بِالشَّهَادَةِ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءَ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ [النساء: 135] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ سِوَى الْكُوفَةِ ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ [النساء: 135] بِوَاوَيْنِ مِنْ: لَوَانِي الرَّجُلُ حَقِّي , وَالْقَوْمُ يَلْوُونَنِي دَيْنِي , وَذَلِكَ إِذَا مَطَلُوهُ , لَيًّا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: وَإِنْ (تَلُوا) بِوَاو وَاحِدَةٍ؛ وَلِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ قَارِئُهَا أَرَادَ هَمْزَ الْوَاوِ لِانْضِمَامِهَا , ثُمَّ أَسْقَطَ الْهَمْزَ , فَصَارَ إِعْرَابُ الْهَمْزِ فِي اللَّامِ إِذْ أَسْقَطَهُ , وَبَقِيَتْ وَاوٌ وَاحِدَةٌ , كَأَنَّهُ أَرَادَ: تَلْوُؤا , ثُمَّ حَذَفَ الْهَمْزَ.
وَإِذَا عُنِيَ هَذَا الْوَجْهُ كَانَ مَعْنَاهُ مَعْنَى مَنْ قَرَأَ: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا﴾ [النساء: 135] بِوَاوَيْنِ غَيْرَ أَنَّهُ خَالَفَ الْمَعْرُوفَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ , وَذَلِكَ أَنَّ الْوَاوَ الثَّانِيَةَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿تَلْوُوا﴾ [النساء: 135] وَاوُ جَمْعٍ , وَهِيَ عَلَمٌ لِمَعْنَى , فَلَا يَصِحُّ هَمْزُهَا ثُمَّ حَذْفُهَا بَعْدَ هَمْزِهَا , فَيَبْطُلُ عِلْمُ الْمَعْنَى الَّذِي لَهُ أُدْخِلَتِ الْوَاوُ الْمَحْذُوفَةُ.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: أَنْ يَكُونَ قَارِئُهَا كَذَلِكَ , أَرَادَ: إِنْ تَلُوا , مِنَ الْوَلَايَةِ , فَيَكُونُ مَعْنَاهُ: وَإِنْ تَلُوا أُمُورَ النَّاسِ , أَوْ تَتْرُكُوا.
وَهَذَا مَعْنَى إِذَا وَجَّهَ الْقَارِئُ قِرَاءَتَهُ عَلَى مَا وَصَفْنَا إِلَيْهِ , خَارِجٌ عَنْ مَعَانِي أَهْلِ التَّأْوِيلِ وَمَا وَجَّهَ إِلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّابِعُونَ تَأْوِيلَ الْآيَةِ.
فَإِذَا كَانَ فَسَادُ ذَلِكَ وَاضِحًا مِنْ كِلَا وَجْهَيْهِ , فَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ الَّذِي لَا يَصْلُحُ غَيْرُهُ أَنْ يُقْرَأَ بِهِ عِنْدَنَا: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا﴾ [النساء: 135] بِمَعْنَى اللَّيِّ: الَّذِي هُوَ مَطْلٌ , فَيَكُونُ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَإِنْ تَدْفَعُوا الْقِيَامَ بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا لِمَنْ لَزِمَكُمُ
الْقِيَامُ لَهُ بِهَا.
فتُغَيِّرُوهَا , وَتُبَدِّلُوا , أَوْ تُعْرِضُوا عَنْهَا , فَتَتْرُكُوا الْقِيَامَ لَهُ بِهَا , كَمَا يَلْوِي الرَّجُلُ دَيْنَ الرَّجُلِ , فَيُدَافِعُهَ بِأَدَائِهِ إِلَيْهِ عَلَى مَا أَوْجَبَ عَلَيْهِ لَهُ مَطْلًا مِنْهُ لَهُ , كَمَا قَالَ الْأَعْشَى:
[البحر الكامل]
يَلْوِينَنِي دَيْنِي النَّهَارَ وَأَقْتَضِي ... دَيْنِي إِذَا وَقَذَ النُّعَاسُ الرُّقَّدَا
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 128] فَإِنَّهُ أَرَادَ: فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ مِنْ إِقَامَتِكُمُ الشَّهَادَةَ وَتَحْرِيفِكُمْ إِيَّاهَا وَإِعْرَاضِكُمْ عَنْهَا بِكِتْمَانِكُمُوهَا , خَبِيرًا , يَعْنِي: ذَا خِبْرَةٍ وَعِلْمٍ بِهِ , يَحْفَظُ ذَلِكَ مِنْكُمْ عَلَيْكُمْ حَتَّى يُجَازِيَكُمْ بِهِ جَزَاءَكُمْ فِي الْآخِرَةِ , الْمُحْسِنَ مِنْكُمْ بِإِحْسَانِهِ , وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ , يَقُولُ: فَاتَّقُوا رَبَّكُمْ فِي ذَلِكَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 136] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 104] بِمَنْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ
وَالرُّسُلِ , وَصَدَّقُوا بِمَا جَاءُوهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: 136] يَقُولُ: " صَدِّقُوا بِاللَّهِ , وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولِهِ , أَنَّهُ لِلَّهِ رَسُولٌ مُرْسَلٌ إِلَيْكُمْ وَإِلَى سَائِرِ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ.
﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [النساء: 136] يَقُولُ: وَصَدَّقُوا بِمَا جَاءَكُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنَ الْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ , وَذَلِكَ الْقُرْآنُ.
﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: 136] يَقُولُ: " وَآمِنُوا بِالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ قَبْلِ الْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا وَجْهُ دُعَاءِ هَؤُلَاءِ إِلَى الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَكُتُبِهِ وَقَدْ سَمَّاهُمْ مُؤْمِنِينَ؟ قِيلَ: إِنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يُسَمِّهِمْ مُؤْمِنِينَ , وَإِنَّمَا وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا , وَذَلِكَ وَصْفٌ لَهُمْ بِخُصُوصٍ مِنَ التَّصْدِيقِ , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا صِنْفَيْنِ: أَهْلَ تَوْرَاةٍ مُصَدِّقِينَ بِهَا وَبِمَنْ جَاءَ بِهَا , وَهُمْ مُكَذِّبُونَ بِالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا؛ وَصِنْفٌ أَهْلُ إِنْجِيلٍ وَهُمْ مُصَدَّقُونَ بِهِ وَبِالتَّوْرَاةِ وَسَائِرِ الْكُتُبِ , مُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْفُرْقَانِ.
فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُمْ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 104] يَعْنِي: بِمَا هُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ مِنَ الْكُتُبِ وَالرُّسُلِ ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: 136] مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [النساء: 136] فَإِنَّكُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ تَجِدُونَ صِفَتَهُ فِي كُتُبِكُمْ ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ [النساء: 136] الَّذِي تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ , فَإِنَّكُمْ لَنْ تَكُونُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ وَأَنْتُمْ بِمُحَمَّدٍ مُكَذِّبُونَ , لِأَنَّ كِتَابَكُمْ يَأْمُرُكُمْ بِالتَّصْدِيقِ بِهِ وَبِمَا جَاءَكُمْ بِهِ , فَآمِنُوا بِكِتَابِكُمْ فِي اتِّبَاعِكُمْ مُحَمَّدًا , وَإِلَّا فَأَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ.
فهَذَا وَجْهُ أَمْرِهِمْ بِالْإِيمَانِ بِمَا أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِهِ , بَعْدَ أَنْ وَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الدِّينُ آمَنُوا﴾ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: 136] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: وَمَنْ يَكْفُرْ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَجْحَدْ نُبُوَّتَهُ , فَهُوَ يَكْفُرُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ , لِأَنَّ جُحُودَ
الشَّيْءِ مِنْ ذَلِكَ بِمَعْنَى جُحُودِهِ جَمِيعَهُ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِيمَانُ أَحَدٍ مِنَ الْخَلْقِ إِلَّا بِالْإِيمَانِ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِالْإِيمَانِ بِهِ , وَالْكُفْرُ بِشَيْءٍ مِنْهُ كُفْرٌ بَجَمِيعِهِ , فَلِذَلِكَ قَالَ: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: 136] بِعَقِبِ خِطَابِهِ أَهْلَ الْكِتَابِ , وَأَمْرِهِ إِيَّاهُمْ بِالْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَهْدِيدًا مِنْهُ لَهُمْ , وَهُمْ مُقِرُّونَ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكُتُبِ وَالرُّسُلِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ سِوَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْفُرْقَانِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 116] فَإِنَّهُ يَعْنِي: فَقَدْ ذَهَبَ عَنْ قَصْدِ السَّبِيلِ , وَجَارَ عَنْ مَحَجَّةِ الطَّرِيقِ إِلَى الْمَهَالِكِ ذَهَابًا وَجَوْرًا بَعِيدًا , لِأَنَّ كِفْرَ مَنْ كَفَرَ بِذَلِكَ خُرُوجٌ مِنْهُ عَنْ دِينِ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ , وَالْخُرُوجُ عَنْ دِينِ اللَّهِ: الْهَلَاكُ الَّذِي فِيهِ الْبَوَارُ , وَالضَّلَالُ عَنِ الْهُدَى هُوَ الضُّلَالُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: 137] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُهُ: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا بِمُوسَى ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: 137] بِهِ ﴿ثُمَّ آمَنُوا﴾ [النساء: 137] : يَعْنِي النَّصَارَى بِعِيسَى ﴿ثُمَّ كَفَرُوا﴾
[النساء: 137] بِهِ ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [آل عمران: 90] بِمُحَمَّدٍ ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: 137]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: 137] وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى , آمَنَتِ الْيَهُودُ بِالتَّوْرَاةِ , ثُمَّ كَفَرَتْ؛ وَآمَنَتِ النَّصَارَى بِالْإِنْجِيلِ , ثُمَّ كَفَرَتْ؛ وَكُفْرُهُمْ بِهِ: تَرْكُهُمْ إِيَّاهُ , ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِالْفُرْقَانِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ اللَّهُ: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: 137] يَقُولُ: «لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَاِ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقَ هُدًى , وَقَدْ كَفَرُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»
حَدَّثَنَا: الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: 137] قَالَ: " هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ آمَنُوا بِالتَّوْرَاةِ , ثُمَّ كَفَرُوا.
ثُمَّ ذَكَرَ النَّصَارَى , ثُمَّ قَالَ: ﴿ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: 137] يَقُولُ: «آمَنُوا بِالْإِنْجِيلِ ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ , ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ: أَهْلَ النِّفَاقِ أَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا , ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ ارْتَدُّوا , ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بِمَوْتِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: 137] قَالَ: " كُنَّا نَحْسَبُهُمُ الْمُنَافِقِينَ , وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَنْ كَانَ مِثْلَهُمْ ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [آل عمران: 90] قَالَ: «تَمُّوا عَلَى كُفْرِهِمْ حَتَّى مَاتُوا»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [آل عمران: 90] قَالَ: «مَاتُوا»
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [آل عمران: 90] قَالَ: «حَتَّى مَاتُوا»
حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: 137] الْآيَةُ , قَالَ: هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ آمَنُوا مَرَّتَيْنِ , وَكَفَرُوا مَرَّتَيْنِ , ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا بَعْدَ ذَلِكَ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هُمْ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ: التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ , أَتَوْا ذَنُوبًا فِي كُفْرِهِمْ فَتَابُوا , فَلَمْ تُقْبَلْ مِنْهُمُ التَّوْبَةُ فِيهَا مَعَ إِقَامَتِهِمْ عَلَى كُفْرِهِمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبُو خَالِدِ , عَنْ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ , عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: 137] قَالَ: «هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى أَذْنَبُوا فِي شِرْكِهِمْ , ثُمَّ تَابُوا فَلَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُمْ , وَلَوْ تَابُوا مِنَ الشِّرْكِ لَقُبِلَ مِنْهُمْ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِذَلِكَ أَهْلُ
الْكِتَابِ الَّذِينَ أَقَرُّوا بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ , ثُمَّ كَذَّبُوا بِخِلَافِهِمْ إِيَّاهُ , ثُمَّ أَقَرَّ مَنْ أَقَرَّ مِنْهُمْ بِعِيسَى وَالْإِنْجِيلِ , ثُمَّ كَذَّبَ بِهِ بِخِلَافِهِ إِيَّاهُ , ثُمَّ كَذَّبَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْفُرْقَانِ , فَازْدَادَ بِتَكْذِيبِهِ بِهِ كُفْرًا عَلَى كُفْرِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا: ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ , لِأَنَّ الْآيَةَ قَبْلَهَا فِي قَصَصِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ , أَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النساء: 136] وَلَا دَلَالَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: 137] مُنْقَطِعٌ مَعْنَاهُ مِنْ مَعْنَى مَا قَبْلَهُ , فَإِلْحَاقُهُ بِمَا قَبْلَهُ أَوْلَى حَتَّى تَأْتِيَ دَلَالَةٌ دَالَّةٌ عَلَى انْقِطَاعِهِ مِنْهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء: 137] فَإِنَّهُ يَعْنِي: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَسْتُرَ عَلَيْهِمْ كُفْرَهُمْ وَذُنُوبَهُمْ بِعَفْوِهِ عَنِ الْعُقُوبَةِ لَهُمْ عَلَيْهِ , وَلَكِنَّهُ يِفْضَحُهُمْ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ.
﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا﴾ [النساء: 137] يَقُولُ: " وَلَمْ يَكُنْ لِيُسَدِّدَهُمْ لِإِصَابَةِ طَرِيقِ الْحَقِّ فَيُوَفِّقَهُمْ لَهَا , وَلَكِنَّهُ يَخْذُلُهُمْ عَنْهَا عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى عَظِيمِ جُرْمِهِمْ وَجَرَاءَتِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ.
وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الْمُرْتَدَّ يُسْتَتَابُ ثَلَاثًا انْتِزَاعًا مِنْهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ , وَخَالَفَهُمْ عَلَى ذَلِكَ آخَرُونَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ يُسْتَتَابُ ثَلَاثًا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا حَفْصٌ , عَنْ أَشْعَثَ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , عَنْ عَلِيٍّ , عَلَيْهِ السَّلَامُ , قَالَ: إِنْ كُنْتُ لَمُسْتَتِيبَ الْمُرْتَدَّ ثَلَاثًا.
ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةِ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ [النساء: 137]
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ جَابِرٍ , عَنْ عَامِرٍ , عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ ثَلَاثًا , ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا﴾ [النساء: 137]