تفسير الطبري = جامع البيانذِكْرُ مَنْ قَالَ مَا حَكَيْنَا عَنْهُ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مِنْ أَنَّ مَا أَقْبَلَ مِنَ الْأُذُنَيْنِ فَمِنَ الْوَجْهِ , وَمَا أَدْبَرَ فَمِنَ الرَّأْسِ:

ذِكْرُ مَنْ قَالَ مَا حَكَيْنَا عَنْهُ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ مِنْ أَنَّ مَا أَقْبَلَ مِنَ الْأُذُنَيْنِ فَمِنَ الْوَجْهِ , وَمَا أَدْبَرَ فَمِنَ الرَّأْسِ:

عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِبِ , قَالَ: ثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ , قَالَ: ثنا أَشْعَثُ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: «مَا أَقْبَلَ مِنَ الْأُذُنَيْنِ فَمِنَ الْوَجْهِ , وَمَا أَدْبَرَ فَمِنَ الرَّأْسِ»

حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ , قَالَ: ثني شُعْبَةُ , عَنِ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ فِي الْأُذُنَيْنِ: «بَاطِنُهُمَا مِنَ الْوَجْهِ , وَظَاهِرُهُمَا مِنَ الرَّأْسِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنِ الْحَكَمِ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: «مُقَدَّمِ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الْوَجْهِ , وَمُؤَخَّرُهُمَا مِنَ الرَّأْسِ» حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى: ثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ , عَنْ شُعْبَةَ , عَنِ الْحَكَمِ وَحَمَّادٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ بِمِثْلِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: بَاطِنُ الْأُذُنَيْنِ حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنْ حَمَّادٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ بِمِثْلِهِ , إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: بَاطِنُ الْأُذُنَيْنِ.
حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنْ حَمَّادٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , بِمِثْلِهِ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ مُغِيرَةَ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: «بَاطِنُ الْأُذُنَيْنِ مِنَ الْوَجْهِ , وَظَاهِرُهُمَا مِنَ الرَّأْسِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا أَبُو تُمَيْلَةَ ح , وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: ثنا

ابْنُ عُلَيَّةَ , قَالَا جَمِيعًا: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ , قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ , عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ: " أَلَا أَتَوَضَّأُ لَكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: قُلْنَا: نَعَمْ.
فَتَوَضَّأَ , فَلَمَّا غَسَلَ وَجْهَهُ , أَلْقَمَ إِبْهَامَيْهِ مَا أَقْبَلَ مِنْ أُذُنَيْهِ , قَالَ: ثُمَّ لَمَّا مَسَحَ بِرَأْسِهِ مَسَحَ أُذُنَيْهِ مِنْ ظُهُورِهِمَا " وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْوَجْهُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ بِغُسْلِهِ الْقَائِمَ إِلَى صَلَاتِهِ: كُلُّ مَا انْحَدَرَ عَنْ مَنَابِتِ شَعْرِ الرَّأْسِ إِلَى مُنْقَطِعِ الذَّقَنِ طُولًا , وَمَا بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ عَرْضًا مِمَّا هُوَ ظَاهِرٌ لِعَيْنِ النَّاظِرِ , دُونَ مَا بَطَنَ مِنَ الْفَمِ وَالْأَنْفِ وَالْعَيْنِ , وَدُونَ مَا غَطَّاهُ شَعْرُ اللِّحْيَةِ وَالْعَارِضَيْنِ وَالشَّارِبَيْنِ فَسَتَرَهُ عَنْ أَبْصَارِ النَّاظِرِينَ , وَدُونَ الْأُذُنَيْنِ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ وَإِنْ كَانَ مَا تَحْتَ شَعْرِ اللِّحْيَةِ وَالشَّارِبَيْنِ قَدْ كَانَ وَجْهًا يَجِبُ غُسْلُهُ قَبْلَ نَبَاتِ الشَّعْرِ السَّاتِرِ عَنْ أَعْيُنِ النَّاظِرِينَ عَلَى الْقَائِمِ إِلَى صَلَاتِهِ , لِإِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْعَيْنَيْنِ مِنَ الْوَجْهِ , ثُمَّ هُمْ مَعَ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ غُسْلَ مَا عَلَاهُمَا مِنْ أَجْفَانِهِمَا دُونَ إِيصَالِ الْمَاءِ إِلَى مَا تَحْتَ الْأَجْفَانِ مِنْهُمَا مُجْزِئٌ؛ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْهُمْ إِجْمَاعًا بِتَوْقِيفِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ عَلَى ذَلِكَ , فَنَظِيرُ ذَلِكَ كُلُّ مَا عَلَاهُ شَيْءٌ مِنْ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْ جَسَدِ ابْنِ آدَمَ مِنْ نَفْسِ خَلْقِهِ سَاتِرُهُ لَا يُصَلُّ الْمَاءُ إِلَيْهِ إِلَّا بِكُلْفَةٍ وَمُؤْنَةٍ وَعِلَاجٍ , قِيَاسًا لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حُكْمِ الْعَيْنَيْنِ فِي ذَلِكَ.

فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَلَا شَكَّ أَنَّ مِثْلَ الْعَيْنَيْنِ فِي مُؤْنَةِ إِيصَالِ الْمَاءِ إِلَيْهِمَا عِنْدَ الْوُضُوءِ مَا بَطَنَ مِنَ الْأَنْفِ وَالْفَمِ وَشَعْرِ اللِّحْيَةِ وَالصُّدْغَيْنِ وَالشَّارِبَيْنِ , لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ لَا يَصِلُّ الْمَاءُ إِلَيْهِ إِلَّا بِعِلَاجٍ لِإِيصَالِ الْمَاءِ إِلَيْهِ نَحْوَ كُلْفَةِ عِلَاجِ الْحَدْقَتَيْنِ لِإِيصَالِ الْمَاءِ إِلَيْهِمَا أَوْ أَشَدَّ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَ بَيِّنًا أَنَّ غُسْلَ مَنْ غَسَلَ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مَا تَحْتَ مَنَابِتِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ وَالْعَارِضَيْنِ وَالشَّارِبَيْنِ وَمَا بَطَنَ مِنَ الْأَنْفِ وَالْفَمِ , إِنَّمَا كَانَ إِيثَارًا مِنْهُ لِأَشَقِّ الْأَمْرَيْنِ عَلَيْهِ مِنْ غُسْلِ ذَلِكَ وَتَرْكِ غُسْلِهِ , كَمَا آثَرَ ابْنُ عُمَرَ غُسْلَ مَا تَحْتَ أَجْفَانِ الْعَيْنَيْنِ بِالْمَاءِ بِصَبِّهِ الْمَاءَ فِي ذَلِكَ , لَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ فَرْضًا وَاجِبًا.
فَأَمَّا مَنْ ظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْإِيجَابِ وَالْفَرْضِ , فَإِنَّهُ خَالَفَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مِنَهَاجَهُمْ وَأَغْفَلَ سَبِيلَ الْقِيَاسِ , لِأَنَّ الْقِيَاسَ هُوَ مَا وَصَفْنَا مِنْ تَمْثِيلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ بِالْأَصْلِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ مِنْ حُكْمِ الْعَيْنَيْنِ , وَأَنْ لَا خَبَرَ عَنْ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْجَبُ عَلَى تَارِكِ إِيصَالِ الْمَاءِ فِي وُضُوئِهِ إِلَى أُصُولِ شَعْرِ لِحْيَتِهِ وَعَارِضَيْهِ , وَتَارِكِ الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ إِعَادَةَ صَلَاتِهِ إِذَا صَلَّى بِطُهْرِهِ ذَلِكَ , فَفِي ذَلِكَ أَوْضَحُ الدَّلِيلِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ فِعْلَهُمْ مَا فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ كَانَ إِيثَارًا مِنْهُمْ لِأَفْضَلِ الْفِعْلَيْنِ مِنَ التَّرْكِ وَالْغُسْلِ.
فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ فِي الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَنْثِرْ» دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِنْثَارِ , فَإِنَّ فِي إِجْمَاعِ الْحُجَّةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ فَرْضٍ يَجِبُ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ إِعَادَةُ الصَّلَاةِ الَّتِي صَلَاهَا قَبْلَ غُسْلِهِ , مَا يُغْنِي عَنْ إِكْثَارِ الْقَوْلِ فِيهِ.

وَأَمَّا الْأُذُنَانِ فَإِنَّ فِي إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنْ تَرْكَ غُسْلِهِمَا أَوْ غُسْلِ مَا أَقْبَلَ مِنْهُمَا عَلَى الْوَجْهِ , غَيْرُ مُفْسِدٍ صَلَاةَ مَنْ صَلَّى بِطُهْرِهِ الَّذِي تَرَكَ فِيهِ غُسْلَهُمَا , مَعَ إِجْمَاعِهِمْ جَمِيعًا عَلَى أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ غُسْلَ شَيْءٍ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ غُسْلُهُ مِنْ وَجْهِهِ فِي وُضُوئِهِ أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تُجْزِئُهُ بِطَهُورِهِ ذَلِكَ , مَا يُنْبِئُ عَنِ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مِمَّا قَالَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي ذَكَرْنَا قَوْلَهُمْ إِنَّهُمَا لَيْسَا مِنَ الْوَجْهِ؛ دُونَ مَا قَالَهُ الشَّعْبِيُّ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَرَافِقِ , هَلْ هِيَ مِنَ الْيَدِ الْوَاجِبِ غُسْلُهَا أَمْ لَا؟ بَعْدَ إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْيَدِ إِلَيْهَا وَاجِبٌ.

فَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَسُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] أَتَرَى أَنْ يَخْلُفَ الْمِرْفَقَيْنِ فِي الْوُضُوءِ؟ قَالَ: الَّذِي أَمَرَ بِهِ أَنْ يَبْلُغَ الْمِرْفَقَيْنِ , قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] فَذَهَبَ هَذَا يَغْسِلُ خَلْفَهُ.
فَقِيلَ لَهُ: فَإِنَّمَا يَغْسِلُ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ لَا يُجَاوِزُهُمَا؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا لَا يُجَاوِزُهُمَا؛ أَمَّا الَّذِي أَمَرَ بِهِ أَنْ يَبْلُغَ بِهِ فَهَذَا: إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَعْبَيْنِ حَدَّثَنَا يُونُسُ , عَنْ أَشْهَبَ عَنهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ أَعْلَمْ مُخَالِفًا فِي أَنَّ الْمَرَافِقَ فِيمَا يُغْسَلُ.
كَأَنَّهُ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهَا: " ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [المائدة: 6] إِلَى أَنْ تُغْسَلَ الْمَرَافِقِ

حَدَّثَنَا بِذَلِكَ عَنْهُ الرَّبِيعُ " وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا أَوْجَبَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] غُسْلَ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمَرَافِقِ , فَالْمِرْفَقَانِ غَايَةٌ لِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ غُسْلَهُ مِنْ آخِرِ الْيَدِ , وَالْغَايَةُ غَيْرُ دَاخِلَةٍ فِي الْحَدِّ , كَمَا غَيْرُ دَاخِلٍ اللَّيْلِ فِيمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ مِنَ الصَّوْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: 187] لِأَنَّ اللَّيْلَ غَايَةٌ لِصَوْمِ الصَّائِمِ , إِذَا بَلَغَهُ فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ.
قَالُوا: فَكَذَلِكَ الْمَرَافِقُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] غَايَةٌ لِمَا أَوْجَبَ اللَّهُ غُسْلَهُ مِنَ الْيَدِ.
وَهَذَا قَوْلُ زُفَرَ بْنِ الْهُذَيْلِ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا: أَنَّ غُسْلَ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مِنَ الْفَرْضِ الَّذِي إِنْ تَرَكَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ تَارِكٌ , لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ مَعَ تَرْكِهِ غُسْلَهُ.
فَأَمَّا الْمِرْفَقَانِ وَمَا وَرَاءَهُمَا , فَإِنَّ غُسْلَ ذَلِكَ مِنَ النَّدْبِ الَّذِي نَدَبَ إِلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ بِقَوْلِهِ: «أُمَّتِي الْغُرُّ الْمُحَجَّلُونَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ , فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ» فَلَا تَفْسَدُ صَلَاةُ تَارِكٍ غُسْلَهُمَا وَغُسْلَ مَا وَرَاءَهُمَا , لِمَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ فِيمَا مَضَى مِنْ أَنَّ لَكَ غَايَةً حُدَّتْ بِإِلَى فَقَدْ تَحْتَمِلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ دُخُولَ الْغَايَةِ فِي الْحَدِّ وَخُرُوجَهَا مِنْهُ.
وَإِذَا احْتَمَلَ الْكَلَامُ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ الْقَضَاءُ بِأَنَّهَا دَاخِلَةٌ فِيهِ , إِلَّا لِمَنْ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ فِيمَا بَيَّنَ وَحَكَمَ , وَلَا حُكْمَ بِأَنَّ الْمَرَافِقَ دَاخِلَةٌ فِيمَا يَجِبُ غُسْلُهُ عِنْدَنَا مِمَّنْ يَجِبُ التَّسْلِيمُ بِحُكْمِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ الْمَسْحِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَامْسَحُوا بِمَا بَدَا لَكُمْ أَنْ تَمْسَحُوا بِهِ مِنْ رُءُوسِكُمْ بِالْمَاءِ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ , قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ مَسْعَدَةَ , عَنْ عِيسَى بْنِ حَفْصٍ , قَالَ: ذُكِرَ عِنْدَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ مَسْحُ الرَّأْسِ , فَقَالَ: يَا نَافِعُ كَيْفَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَمْسَحُ؟ فَقَالَ: مَسْحَةً وَاحِدَةً.
وَوَصَفَ أَنَّهُ مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ إِلَى وَجْهِهِ.
فَقَالَ الْقَاسِمُ: «ابْنُ عُمَرَ أَفْقَهُنَا وَأَعْلَمُنَا»

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَهَّابِ , قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ , يَقُولُ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ , أَنَّ ابْنَ عُمَرَ , كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ رَدَّ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ وَوَضَعَهُمَا فِيهِ , ثُمَّ مَسَحَ بِيَدَيْهِ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ "

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بُكَيْرٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ: أَنَّ ابْنَ عُمَرَ «, كَانَ يَضَعُ بَطْنَ كَفَّيْهِ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ لَا يَنْفُضُهُمَا ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا مَا بَيْنَ قَرْنَيْهِ إِلَى الْجَبِينِ وَاحِدَةً , ثُمَّ لَا يَزِيدُ عَلَيْهَا فِي كُلِّ ذَلِكَ مَسْحَةً وَاحِدَةً , مُقْبِلَةً مِنَ الْجَبِينِ إِلَى الْقَرْنِ»

حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ , عَنْ يَحْيَى بْنِ

سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنَ عُمَرَ: «أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَوَضَّأَ مَسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِهِ»

حَدَّثَنَا تَمِيمُ بْنُ الْمُنْتَصِرِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا شَرِيكٌ , عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى الثَّعْلَبِيِّ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى , قَالَ: «يُجْزِيكَ أَنْ تَمْسَحَ , مُقَدَّمَ رَأْسِكَ إِذَا كُنْتَ مُعْتَمِرًا , وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْمَرْأَةُ»

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ الْأَشْجَعِيُّ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ , عَنْ نَافِعٍ , قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ مَسَحَ بِيَافُوخِهِ مَسْحَةً.
وَقَالَ سُفْيَانُ: إِنْ مَسَحَ شَعْرَهُ أَجْزَأَهُ؛ يَعْنِي وَاحِدَةً "

حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: «أَيَّ جَوَانِبِ رَأْسِكَ مَسِسْتَ الْمَاءَ أَجْزَأَكَ» حَدَّثَنَا أَبُو هِشَامٍ , قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ ظَبْيَانَ , قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , مِثْلَهُ حَدَّثَنَا الرِّفَاعِيُّ , قَالَ: ثنا وَكِيعٌ , عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْأَزْرَقِ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ , قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ , قَالَ: أَخْبَرَنَا أَيُّوبُ , عَنْ نَافِعٍ , قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَمْسَحُ رَأْسَهُ هَكَذَا , فَوَضَعَ أَيُّوبُ كَفَّهُ وَسَطَ رَأْسِهِ , ثُمَّ أَمَرَّهَا عَلَى مُقَدَّمِ رَأْسِهِ "

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ الْحُبَابِ , عَنْ سُفْيَانَ , قَالَ: «إِنْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَهُ»

حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ الدِّمَشْقِيُّ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , قَالَ: قُلْتُ لَأَبِي عَمْرٍو: مَا يُجْزِئُ مَنْ مَسَحَ الرَّأْسَ؟ قَالَ: «أَنْ تَمْسَحَ مُقَدَّمَ رَأْسِكَ إِلَى الْقَفَا أَحَبُّ إِلَيَّ» حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْهُ , نَحْوَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: فَامْسَحُوا بِجَمِيعِ رُءُوسِكُمْ.
قَالُوا: إِنْ لَمْ يَمْسَحْ بِجَمِيعِ رَأْسِهِ بِالْمَاءِ لَمْ تُجْزِهِ الصَّلَاةُ بِوَضُوئِهِ ذَلِكَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , قَالَ: ثنا أَشْهَبٌ , قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: " مَنْ مَسَحَ بَعْضَ رَأْسِهِ وَلَمْ يَعُمَّ أَعَادَ الصَّلَاةَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ غَسَلَ بَعْضَ وَجْهِهِ أَوْ بَعْضَ ذِرَاعِهِ.
قَالَ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ مَسْحِ الرَّأْسِ , قَالَ: يَبْدَأُ مِنْ مُقَدَّمِ وَجْهِهِ , فَيُدِيرُ يَدَيْهِ إِلَى قَفَاهُ , ثُمَّ يَرُدُّهُمَا إِلَى حَيْثُ بَدَأَ مِنْهُ " وَقَالَ آخَرُونَ: لَا يُجْزِئُ مَسْحُ الرَّأْسِ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ أَصَابِعَ , وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا , أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَمَرَ بِالْمَسْحِ بِرَأْسِهِ الْقَائِمَ إِلَى صَلَاتِهِ مَعَ سَائِرِ مَا أَمَرَهُ بِغُسْلِهِ مَعَهُ أَوْ مَسْحِهِ , وَلَمْ يَحُدَّ ذَلِكَ بِحَدٍّ لَا يَجُوزُ التَّقْصِيرُ عَنْهُ وَلَا يُجَاوِزُهُ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَمَا مَسَحَ بِهِ الْمُتَوَضِّئُ مِنْ رَأْسِهِ فَاسْتَحَقَّ

بِمَسْحِهِ ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: مَسَحَ بِرَأْسِهِ , فَقَدْ أَدَّى مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ مَسْحِ ذَلِكَ لِدُخُولِهِ فِيمَا لَزِمَهُ اسْمُ مَا مَسَحَ بِرَأْسِهِ إِذَا قَامَ إِلَى صَلَاتِهِ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ قَالَ فِي التَّيَمُّمِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ﴾ [النساء: 43] أَفَيُجْزِئُ الْمَسْحُ بِبَعْضِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ؟ قِيلَ لَهُ: كُلُّ مَا مُسِحَ مِنْ ذَلِكَ بِالتُّرَابِ فِيمَا تَنَازَعَتْ فِيهِ الْعُلَمَاءُ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُجْزِيهِ ذَلِكَ مِنَ التَّيَمُّمِ , وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُجْزِئُهُ , فَهُوَ مُجْزِئُهُ , لِدُخُولِهِ فِي اسْمِ الْمَاسِحِينَ بِهِ.
وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مُجْمَعًا عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُجْزِئُهُ , فَمُسَلَّمٌ لِمَا جَاءَتْ بِهِ الْحُجَّةُ نَقْلًا عَنْ نَبِيِّهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَا حُجَّةَ لِأَحَدٍ عَلَيْنَا فِي ذَلِكَ إِذْ كَانَ مِنْ قَوْلِنَا: إِنَّ مَا جَاءَ فِي آي الْكِتَابِ عَامًّا فِي مَعْنًى فَالْوَاجِبُ الْحُكْمُ بِهِ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى يَخُصَّهُ مَا يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهُ , فَإِذَا خُصَّ مِنْهُ شَيْءٌ كَانَ مَا خُصَّ مِنْهُ خَارِجًا مِنْ ظَاهِرِهِ , وَحُكْمُ سَائِرِهِ عَلَى الْعُمُومِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا الْعِلَّةَ الْمُوجِبَةَ صِحَّةَ الْقَوْلِ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَالرَّأْسُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بِالْمَسْحِ بِقَوْلِهِ بِهِ: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ هُوَ مَنَابِتُ شَعْرِ الرَّأْسِ دُونَ مَا جَاوَزَ ذَلِكَ إِلَى الْقَفَا مِمَّا اسْتُدْبِرَ , وَدُونَ مَا انْحَدَرَ عَنْ ذَلِكَ مِمَّا اسْتَقْبَلَ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ إِلَى الْجَبْهَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ , فَقَرَأَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ:

وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ نَصَبًا.
فَتَأْوِيلُهُ: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ , فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ , وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ , وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ.
وَإِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ كَانَ مِنَ الْمُؤَخَّرِ الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيمُ , وَتَكُونُ الْأَرْجُلُ مَنْصُوبَةً , عَطْفًا عَلَى الْأَيْدِي.
وتَأَوَّلَ قَارِئُو ذَلِكَ كَذَلِكَ , أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ إِنَّمَا أَمَرَ عِبَادَهُ بِغُسْلِ الْأَرْجِلِ دُونَ الْمَسْحِ بِهَا

جارٍ التحميل