ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [النساء: 123] يَقُولُ اللَّهُ لَهُمْ: إِنَّمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَنْعَمُ فِيهَا فِي الْآخِرَةِ , مَنْ يَعْمَلْ مِنَ
الصَّالِحَاتِ مِنْ ذُكُورِكُمْ وَإِنَاثِكُمْ , وَذُكُورِ عِبَادِي وَإِنَاثِهِمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِي وَبِرَسُولِي مُحَمَّدٍ , مُصَدِّقٌ بِوَحْدَانِيَّتِي , وَنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِي , لَا أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ بِي الْمُكَذِّبُونَ رَسُولِي , فَلَا تَطْمَعُوا أَنْ تَحِلُّوا وَأَنْتُمْ كُفَّارٌ مَحِلَّ الْمُؤْمِنِينَ بِي وَتَدْخُلُوا مَدَاخِلَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ وَأَنْتُمْ مُكَذِّبُونَ بِرَسُولِي.
كَمَا:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ قَوْلَهُ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: 124] قَالَ: «أَبَى أَنْ يَقْبَلَ الْإِيمَانَ إِلَّا بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ , وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ الْإِسْلَامَ إِلَّا بِالْإِحْسَانِ.» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ثَوَابِ عَمَلِهِمْ مِقْدَارَ النُّقْرَةِ الَّتِي تَكُونُ فِي ظَهْرِ النَّوَاةِ فِي الْقِلَّةِ , فَيَكُفَّ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْثَرُ.
وَإِنَّمَا يُخْبِرُ بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَادَهُ أَنَّهُ لَا
يَبْخَسُهُمْ مِنْ جَزَاءِ أَعْمَالِهِمْ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا , وَلَكِنْ يُوَفِّيهِمْ ذَلِكَ كَمَا وَعَدَهُمْ.
وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي مَعْنَى النَّقِيرِ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 124] قَالَ: " النَّقِيرُ: الَّذِي يَكُونُ فِي ظَهْرِ النَّوَاةِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا أَبُو عَامِرٍ , قَالَ: ثنا قُرَّةُ , عَنْ عَطِيَّةَ , قَالَ: " النَّقِيرُ: الَّذِي فِي وَسَطِ النَّوَاةِ " فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا وَجْهُ دُخُولِ «مِنْ» فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ [النساء: 124] وَلَمْ يَقُلْ: وَمَنْ يَعْمَلِ الصَّالِحَاتِ؟ قِيلَ: لِدُخُولِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ لَنْ يُطِيقُوا أَنْ يَعْمَلُوا جَمِيعَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ , فَأَوْجَبَ وَعْدَهُ لِمَنْ عَمِلَ مَا أَطَاقَ مِنْهَا وَلَمْ يَحْرِمْهُ مِنْ فَضْلِهِ بِسَبَبِ مَا عَجَزَتْ عَنْ عَمَلِهِ مِنْهَا قُوَاهُ.
وَالْآخَرُ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَوْجَبَ وَعْدَهُ لِمَنِ اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ وَأَدَّى الْفَرَائِضَ , وَإِنْ قَصَّرَ فِي بَعْضِ الْوَاجِبِ لَهُ عَلَيْهِ , تَفَضُّلًا مِنْهُ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ , إِذْ كَانَ الْفَضْلُ بِهِ أَوْلَى , وَالصَّفْحُ عَنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ أَحْرَى.
وَقَدْ تَقُولُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهَا أُدْخِلَتْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِمَعْنَى الْحَذَفِ , وَيَتَأَوَّلُهُ: وَمَنْ يَعْمَلِ الصَّالِحَاتِ
مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ.
وَذَلِكَ عِنْدِي غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِأَنَّ دُخُولَهَا لِمَعْنًى , فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا الْحَذَفُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: 125] وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً وَهَذَا قَضَاءٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ بِالْفَضْلِ عَلَى سَائِرِ الْمِلَلِ غَيْرِهِ وَأَهْلِهَا , يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا﴾ [النساء: 125] أَيُّهَا النَّاسُ , وَأَصْوَبَ طَرِيقًا وَأَهْدَى
سَبِيلًا ﴿مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [النساء: 125] يَقُولُ: " مِمَّنِ اسْتَسْلَمَ وَجْهُهُ لِلَّهِ , فَانْقَادَ لَهُ بِالطَّاعَةِ , مُصَدِّقًا نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ.
﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة: 112] يَعْنِي: وَهُوَ عَامِلٌ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبُّهُ , مُحَرِّمٌ حَرَامَهُ , وَمُحَلِّلٌ حَلَالَهُ.
﴿وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: 125] يَعْنِي بِذَلِكَ: وَاتَّبِعِ الدِّينَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، وَأَمَرَ بِهِ بَنِيهِ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْصَاهُمْ بِهِ، حَنِيفًا يَعْنِي: مُسْتَقِيمًا عَلَى مِنْهَاجِهِ وَسَبِيلِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا اخْتِلَافَ الْمُخْتَلِفِينَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ فِي مَعْنَى الْحَنِيفِ وَالدَّلِيلَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ أَيْضًا الضَّحَّاكُ
حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ , عَنِ الضَّحَّاكِ , قَالَ: فَضَّلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ عَلَى كُلِّ دِينٍ , فَقَالَ: ﴿وَمَنُ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [النساء: 125] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125] وَلَيْسَ
يُقْبَلُ فِيهِ عَمَلٌ غَيْرُ الْإِسْلَامِ , وَهِيَ الْحَنِيفِيَّةِ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ وَلِيًّا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَمَا مَعْنَى الْخَلَّةُ الَّتِي أُعْطِيَهَا إِبْرَاهِيمُ؟ قِيلَ: ذَلِكَ مِنْ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْعَدَاوَةُ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِيهِ , وَالْوَلَايَةُ فِي اللَّهِ وَالْحُبُّ فِيهِ , عَلَى مَا يُعْرَفُ
مِنْ مَعَانِي الْخَلَّةِ.
وَأَمَّا مِنَ اللَّهِ لِإِبْرَاهِيمَ , فَنُصْرَتُهُ عَلَى مَنْ حَاوَلَهُ بِسُوءٍ , كَالَّذِي فَعَلَ بِهِ إِذْ أَرَادَهُ نَمْرُوذُ بِمَا أَرَادَهُ بِهِ مِنَ الْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ , فَأَنْقَذَهُ مِنْهَا , وَأَعْلَى حَجَّتَهُ عَلَيْهِ إِذْ حَاجَّهُ , وَكَمَا فَعَلَ مَلِكُ مِصْرَ إِذْ أَرَادَهُ عَنْ أَهْلِهِ , وَتَمْكِينُهُ مِمَّا أَحَبَّ , وَتَصْيِيرُهُ إِمَامًا لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ عِبَادِهِ وَقُدْوَةً لِمَنْ خَلَقَهُ فِي طَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ , فَذَلِكَ مَعْنَى مُخَالَّتِهِ إِيَّاهُ.
وَقَدْ قِيلَ: سَمَّاهُ اللَّهُ خَلِيلًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ أَصَابَ أَهْلَ نَاحِيَتِهِ جَدْبٌ , فَارْتَحَلَ إِلَى خَلِيلٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْمَوْصِلِ , وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْ أَهْلِ مِصْرَ , فِي امْتِيَارِ طَعَامٍ لِأَهْلِهِ مِنْ قِبَلِهِ فَلَمْ يُصِبْ عِنْدَهُ حَاجَتَهُ , فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ أَهْلِهِ مَرَّ بِمَفَازَةٍ ذَاتِ رَمْلٍ , فَقَالَ: لَوْ مَلَأْتُ غَرَائِرِي مِنْ هَذَا الرَّمْلِ لِئَلَّا أَغُمَّ أَهْلِي بِرُجُوعِي إِلَيْهِمْ بِغَيْرِ مِيرَةٍ , وَلِيَظُنُّوا أَنِّي قَدْ أَتَيْتُهُمْ بِمَا يُحِبُّونَ.
ففَعَلَ ذَلِكَ , فَتَحَوَّلَ مَا فِي غَرَائِرِهِ مِنَ الرَّمْلِ دَقِيقًا , فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ نَامَ وَقَامَ أَهْلُهُ , فَفَتَحُوا الْغَرَائِرَ فَوَجَدُوا دَقِيقًا , فَعَجَنُوا مِنْهُ وَخَبَزُوا , فَاسْتَيْقَظَ فَسَأَلَهُمْ عَنِ الدَّقِيقِ الَّذِي مِنْهُ خَبَزُوا , فَقَالُوا: مِنَ الدَّقِيقِ الَّذِي جِئْتَ بِهِ مِنْ عِنْدِ خَلِيلِكَ , فَعَلِمَ , فَقَالَ: نَعَمْ هُوَ مِنْ خَلِيلِي اللَّهِ.
قَالُوا: فَسَمَّاهُ اللَّهُ بِذَلِكَ خَلِيلًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا لِطَاعَتِهِ رَبَّهُ , وَإِخْلَاصِهِ الْعِبَادَةَ لَهُ , وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى رِضَاهُ وَمَحَبَّتِهِ , لَا مِنْ حَاجَةٍ بِهِ إِلَيْهِ وَإِلَى خُلَّتِهِ , وَكَيْفَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَإِلَى خُلَّتِهِ , وَلَهُ
مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ مُلْكًا , وَالْمَالِكُ الَّذِي إِلَيْهِ حَاجَةٌ مُلْكِهِ دُونَ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ , فَكَذَلِكَ حَاجَةُ إِبْرَاهِيمَ إِلَيْهِ , لَا حَاجَتُهُ إِلَيْهِ , فَيَتَّخِذُهُ مِنْ أَجْلِ حَاجَتِهِ إِلَيْهِ خَلِيلًا , وَلَكِنَّهُ اتَّخَذَهُ خَلِيلًا لِمُسَارَعَتِهِ إِلَى رِضَاهُ وَمَحَبَّتِهِ.
يَقُولُ: فَكَذَلِكَ فَسَارِعُوا إِلَى رِضَايَ وَمَحَبَّتِي لَاتَّخِذَكُمْ لِي أَوْلِيَاءَ.
﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا﴾ [النساء: 126] وَلَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُحِصِيًا لِكُلِّ مَا هُوَ فَاعِلُهُ عِبَادُهُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ , عَالِمًا بِذَلِكَ , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ , وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: 127] يَعْنِي جَلَّ
ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [النساء: 127] وَيَسْأَلُكَ يَا مُحَمَّدُ أَصْحَابُكَ أَنْ تُفْتِيَهُمْ فِي أَمْرِ النِّسَاءِ , وَالْوَاجِبِ لَهُنَّ وَعَلَيْهِنَّ.
فَاكْتَفَى بِذِكْرِ النِّسَاءِ مِنْ ذِكْرِ شَأْنِهِنَّ , لِدَلَالَةِ مَا ظَهَرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ.
﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: 127] قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ , يَعْنِي فِي النِّسَاءِ.
﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ [النساء: 127]
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: 127] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 127] قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ , وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ , قَالُوا: وَالَّذِي يُتْلَى عَلَيْهِمْ هُوَ آيَاتُ الْفَرَائِضِ , الَّتِي فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ , عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي قَيْسٍ , عَنْ عَطَاءٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: 127] قَالَ: " كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُوَرِّثُونَ الْمَوْلُودَ حَتَّى يِكْبُرَ , وَلَا يُوَرِّثُونَ الْمَرْأَةَ؛ فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ قَالَ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: 127] فِي أَوَّلِ السُّورَةِ فِي الْفَرَائِضِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُنَّ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَائِشَةَ: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127] قَالَتْ: هَذَا فِي الْيَتِيمَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ لَعَلَّهَا أَنْ تَكُونَ شَرِيكَتَهُ فِي مَالِهِ , وَهُوَ أَوْلَى بِهَا مِنْ غَيْرِهِ , فَيَرْغَبُ عَنْهَا أَنْ يَنْكِحَهَا وَيَعْضِلُهَا لِمَالِهَا وَلَا يُنْكِحُهَا غَيْرَهُ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَشْرَكَهُ أَحَدٌ فِي مَالِهَا "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , وَابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَا: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , قَالَ: كَانُوا لَا يُوَرِّثُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ النِّسَاءَ وَالصَّبِيَّ حَتَّى يَحْتَلِمَ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 127] فِي أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ مِنَ الْفَرَائِضِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ أَشْعَثَ , عَنْ جَعْفَرٍ , عَنْ شُعْبَةَ , قَالَ: كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُوَرِّثُونَ الْيَتِيمَةَ وَلَا يُنْكِحُونَهَا وَيَعْضِلُونَهَا , فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: 127] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: أَخْبَرَنِي الْحَجَّاجُ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ , أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ﴾ [النساء: 127] مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ الْآيَةُ , قَالَ: كَانَ لَا يَرِثُ إِلَّا الرَّجُلُ الَّذِي قَدْ بَلَغَ , لَا يَرِثُ الرَّجُلُ الصَّغِيرُ , وَلَا الْمَرْأَةُ؛ فَلَمَّا نَزَلَتْ
آيَةُ الْمَوَارِيثِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ , شَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ , وَقَالُوا: يَرِثُ الصَّغِيرُ الَّذِي لَا يَعْمَلُ فِي الْمَالِ وَلَا يَقُومُ فِيهِ , وَالْمَرْأَةُ هِيَ كَذَلِكَ فَيَرِثَانِ كَمَا يَرِثُ الرَّجُلُ الَّذِي يَعْمَلُ فِي الْمَالِ.
فرَجَوْا أَنْ يَأْتِيَ فِي ذَلِكَ حَدَثٌ مِنَ السَّمَاءِ , فَانْتَظَرُوا فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُ لَا يَأْتِي حَدَثٌ , قَالُوا: لَئِنْ تَمَّ هَذَا إِنَّهُ لَوَاجِبٌ مَا مِنْهُ بُدٌّ , ثُمَّ قَالُوا: سَلُوا.
فسَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: 127] فِي أَوَّلِ السُّورَةِ: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127] قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: وَكَانَ الْوَلِيِّ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ ذَاتَ جَمَالٍ وَمَالٍ رَغِبَ فِيهَا وَنَكَحَهَا وَاسْتَأْثَرَ بِهَا , وَإِذَا لَمْ تَكُنْ ذَاتَ جَمَالٍ وَمَالٍ أَنْكَحَهَا وَلَمْ يُنْكِحْهَا "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , وَابْنُ وَكِيعٍ , قَالَا: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ مُغِيرَةَ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127] قَالَ: «كَانُوا إِذَا كَانَتِ الْجَارِيَةُ يَتِيمَةً دَمِيمَةً لَمْ يُعْطُوهَا مِيرَاثَهَا وَحَبَسُوهَا عَنِ التَّزْوِيجِ حَتَّى تَمُوتَ , فَيَرِثُوهَا , فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا»
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ
فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: 127] قَالَ: " كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ تَكُونُ لَهُ الْيَتِيمَةُ بِهَا الدَّمَامَةُ وَالْأَمْرُ الَّذِي يُرْغَبُ عَنْهَا فِيهِ وَلَهَا مَالٌ , قَالَ: فَلَا يَتَزَوَّجُهَا وَلَا يُزَوِّجُهَا حَتَّى تَمُوتَ فَيَرِثَهَا , قَالَ: فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ "
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ , عَنْ إِسْرَائِيلَ , عَنِ السُّدِّيِّ , عَنْ أَبِي مَالِكٍ: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127] قَالَ: «كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا كَانَتْ عِنْدَ وَلِيٍّ يَرْغَبُ عَنْهَا حَبَسَهَا إِنْ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا وَلَمْ يَدَعْ أَحَدًا يَتَزَوَّجُهَا»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ [النساء: 127] قَالَ: " كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ وَلَا الصِّبْيَانَ شَيْئًا , كَانُوا يَقُولُونَ: لَا يَغْزُونَ وَلَا يَغْنَمُونَ خَيْرًا , فَفَرَضَ اللَّهُ لَهُنَّ الْمِيرَاثَ حَقًّا وَاجِبًا , لِيَتَنَافَسَ أَوْ لِيَنْفُسَ الرَّجُلُ فِي مَالِ يَتِيمَتِهِ إِنْ لَمْ تَكُنْ حَسَنَةً " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , بِنَحْوِهِ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثنا أَبِي قَالَ: ثنا عَمِّي , قَالَ: ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: 127] يَعْنِي الْفَرَائِضَ الَّتِي افْتَرَضَ فِي أَمْرِ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127] قَالَ: «كَانَتِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ , فَيَرْغَبُ أَنْ يَنْكِحَهَا , أَوْ يُجَامِعَهَا وَلَا يُعْطِيَهَا مَالَهَا , رَجَاءَ أَنْ تَمُوتَ فَيَرِثَهَا , وَإِنْ مَاتَ لَهَا حَمِيمٌ لَمْ تُعْطَ مِنَ الْمِيرَاثِ شَيْئًا , وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ , فَبَيَّنَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ»
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: 127] حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127] فَكَانَ الرَّجُلُ تَكُونُ فِي حِجْرِهِ الْيَتِيمَةُ بِهَا دَمَامَةٌ وَلَهَا مَالٌ , فَكَانَ يَرْغَبُ عَنْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَيَحْبِسَهَا لِمَالِهَا , فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مَا تَسْمَعُونَ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: 127] قَالَ: «كَانَتِ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ فِيهَا دَمَامَةٌ , فَيَرْغَبُ عَنْهَا أَنْ يَنْكِحَهَا , وَلَا يُنْكِحَهَا رَغْبَةً فِي مَالِهَا»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , قَوْلُهُ: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127] إِلَى قَوْلِهِ: بِالْقِسْطِ قَالَ: «كَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ ثُمَّ السُّلَمِيُّ لَهُ ابْنَةُ عَمٍّ عَمْيَاءُ , وَكَانَتْ دَمِيمَةً , وَكَانَتْ قَدْ وَرِثَتْ عَنْ أَبِيهَا مَالًا , فَكَانَ جَابِرٌ يَرْغَبُ عَنْ نِكَاحِهَا وَلَا يُنْكِحُهَا رَهْبَةً أَنْ يَذْهَبَ الزَّوْجُ بِمَالِهَا , فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ , وَكَانَ نَاسٌ فِي حُجُورِهِمْ جَوَارٍ أَيْضًا مِثْلُ ذَلِكَ , فَجَعَلَ جَابِرٌ يَسْأَلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , أَتَرِثُ الْجَارِيَةُ إِذَا كَانَتْ قَبِيحَةً عَمْيَاءَ؟ فَجَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ» نَعَمْ «, فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِنَّ هَذَا» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ , قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ , وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ , وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: 176] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْحَارِثُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ , قَالَ: ثنا سَلَّامُ بْنُ سُلَيْمٍ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , قَالَ: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُوَرِّثُونَ الْوِلْدَانَ حَتَّى
يَحْتَلِمُوا , فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [النساء: 127] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: 127] قَالَ: " وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ﴾ [النساء: 176] الْآيَةَ كُلَّهَا وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ , قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ , يَعْنِي فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ , وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ , أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] قَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي , هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ وَلِيِّهَا , تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ , فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا , فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا , فَيُعْطِيَهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيَهَا غَيْرُهُ , فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّدَاقِ , وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ.
قَالَ
عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ فِيهِنَّ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127] قَالَتْ: وَالَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ يُتْلَى فِي الْكِتَابِ الْآيَةُ الْأُولَى الَّتِي قَالَ فِيهَا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ , قَالَ: ثني اللَّيْثُ , قَالَ: ثني يُونُسُ , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ , عَنْ عُرْوَةَ , عَنْ عَائِشَةَ , مِثْلَهُ.
فَعَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مَا الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 127] فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ بِمَعْنَى الْعَطْفِ عَلَى الْهَاءِ وَالنُّونِ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: 127] فَكَأَنَّهُمْ وَجَّهُوا تَأْوِيلَ الْآيَةِ: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ فِي النِّسَاءِ , وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ , وَقَالَ آخَرُونَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِهِ سَأَلُوهُ عَنْ أَشْيَاءَ مِنْ أَمْرِ النِّسَاءِ , وَتَرَكُوا الْمَسْأَلَةَ عَنْ أَشْيَاءَ أُخَرَ كَانُوا يَفْعَلُونَهَا , فَأَفْتَاهُمُ اللَّهُ فِيمَا سَأَلُوا عَنْهُ وَفِيمَا تَرَكُوا الْمَسْأَلَةَ عَنْهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى , وَسُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ , قَالَ سُفْيَانُ: ثنا عَبْدُ الْأَعْلَى , وَقَالَ ابْنُ الْمُثَنَّى: ثني عَبْدُ الْأَعْلَى قَالَ: ثنا دَاوُدُ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُوسَى , فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ [النساء: 127] قَالَ: " اسْتَفْتَوْا نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النِّسَاءِ , وَسَكَتُوا عَنْ شَيْءٍ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ , فَأَنْزَلَهُ اللَّهُ: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: 127] وَيُفْتِيكُمْ فِيمَا لَمْ تَسْأَلُوا عَنْهُ.
قَالَ: كَانُوا لَا يَتَزَوَّجُونَ الْيَتِيمَةَ إِذَا كَانَ بِهَا دَمَامَةٌ , وَلَا يَدْفَعُونَ إِلَيْهَا مَالَهَا فَتُنْفِقَ , فَنَزَلَتْ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127] قَالَ: " وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ.
قَالَ: كَانُوا يُوَرِّثُونَ الْأَكَابِرَ وَلَا يُوَرِّثُونَ الْأَصَاغِرَ , ثُمَّ أَفْتَاهُمْ فِيمَا سَكَتُوا عَنْهُ , فَقَالَ: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128] , وَلَفْظُ الْحَدِيثِ لِابْنِ الْمُثَنَّى " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الَّذِي يُتْلَى عَلَيْنَا فِي الْكِتَابِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 127] {وَإِنِ
امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا} [النساء: 128] الْآيَةُ , وَالَّذِي سَأَلَ الْقَوْمُ فَأُجِيبُوا عَنْهُ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي كَانُوا لَا يُؤْتُونَهُنَّ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُنَّ مِنَ الْمِيرَاثِ عَمَّنْ وَرَثَتْهُ عَنْهُ.
وأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَا عَمَّنْ ذَكَرْنَاهَا عَنْهُ بِالصَّوَابِ وَأَشْبَهُهَا بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: 127] وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ مِنْ آيَاتِ الْفَرَائِضِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ وَآخِرِهَا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ الصَّدَاقَ لَيْسَ مِمَّا كُتِبَ لِلنِّسَاءِ إِلَّا بِالنِّكَاحِ , فَمَا لَمْ تُنْكَحْ فَلَا صَدَاقَ لَهَا قِبَلَ أَحَدٍ , وَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهَا قِبَلَ أَحَدٍ لَمْ يَكُنْ مِمَّا كُتِبَ لَهَا , وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِمَّا كُتِبَ لَهَا , لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِ قَائِلٍ: عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: 127] الْإِقْسَاطَ فِي صَدَقَاتِ يَتَامَى النِّسَاءِ وَجْهٌ , لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ مُبَيِّنًا عَنِ الْفُتْيَا الَّتِي وَعَدَنَا أَنْ يُفْتِينَاهَا فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ , فَأَخْبَرَ أَنَّ بَعْضَ الَّذِي يُفْتِينَا فِيهِ مِنْ أَمْرِ النِّسَاءِ أَمْرُ الْيَتِيمَةِ الْمَحُولِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهَا , وَالصَّدَاقُ قَبْلَ عَقْدِ النِّكَاحِ لَيْسَ مِمَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهَا عَلَى أَحَدٍ , فَكَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنَّ الَّتِيَ عُنِيَتْ بِهَذِهِ الْآيَةِ هِيَ الَّتِي قَدْ حِيلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الَّذِي كُتِبَ لَهَا مِمَّا يُتْلَى عَلَيْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمِيرَاثُ الَّذِي يُوجِبُهُ اللَّهُ لَهُنَّ فِي كِتَابِهِ.
فَأَمَّا الَّذِي ذُكِرَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُوسَى , فَإِنَّهُ مَعَ خُرُوجِهِ مِنْ قَوْلِ أَهْلِ التَّأْوِيلَ , بَعِيدٌ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ , وَذَلِكَ أَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ الَّذِيَ عَنَى اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: 127] هُوَ ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: 128] وَإِذَا وُجِّهَ الْكَلَامُ إِلَى الْمَعْنَى الَّذِي تَأَوَّلَهُ صَارَ الْكَلَامُ مُبْتَدَأً مِنْ قَوْلِهِ: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ [النساء: 127] تَرْجَمَةً بِذَلِكَ عَنْ قَوْلِهِ ﴿فِيهِنَّ﴾ [النساء: 127] وَيَصِيرُ مَعْنَى الْكَلَامِ: قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ , وَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى مَا قَالَهُ , وَلَا أَثَرَ عَمَّنْ يَعْلَمُ بِقَوْلِهِ صِحَّةَ ذَلِكَ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَ وَصْلُ مَعَانِي الْكَلَامِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ أَوْلَى مَا وُجِدَ إِلَيْهِ سَبِيلٌ.
فَإِذَا كَانَ
الْأَمْرُ عَلَى مَا وَصَفْنَا , فَقَوْلُهُ: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 127] بِأَنْ يَكُونَ صِلَةً لِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 127] أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ تَرْجَمَةً عَنْ قَوْلِهِ: ﴿قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: 127] لِقُرْبِهِ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ [النساء: 127] , وَانْقِطَاعِهِ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ﴾ [النساء: 127] وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ , قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ , وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ فِي أَمْرِ يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُعْطُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ , يَعْنِي: مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُنَّ مِنَ الْمِيرَاثِ عَمَّنْ وَرِثْنَهُ.
كَمَا:
حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ [النساء: 127] قَالَ: «لَا تُوَرِّثُونَهُنَّ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ , عَنْ مُغِيرَةَ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , قَوْلُهُ: ﴿لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ [النساء: 127] قَالَ: " مِنَ الْمِيرَاثِ , قَالَ: كَانُوا لَا يُوَرِّثُونَ النِّسَاءَ "
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: 127] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَتَرْغَبُونَ عَنْ نِكَاحِهِنَّ وَقَدْ مَضَى ذِكْرُ جَمَاعَةٍ مِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ , وَسَنَذْكُرُ قَوْلَ آخَرِينَ لَمْ نَذْكُرْهُمْ
حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ السَّامِيُّ , قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ , عَنِ الْحَسَنِ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ,﴾ [النساء: 127] قَالَ: «تَرْغَبُونَ عَنْهُنَّ» حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ وَابْنُ وَكِيعٍ , قَالَا: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ , عَنِ ابْنِ عَوْنٍ , عَنِ الْحَسَنِ , مِثْلَهُ