تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 454-469

ذِكْرُ الْمَعَانِي الَّتِي حَدَثَتْ فِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ بِحُدُوثِ هَذِهِ الْآيَاتِ وَالسَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَحْدَثَهَا اللَّهُ فِيهِمْ

صفحات 454-469
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ أَبِي عُمَارَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ: «كَتَبَ اللَّهُ الْأَلْوَاحَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ يَسْمَعُ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ فِي الْأَلْوَاحِ»

قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: «أَدْنَاهُ حَتَّى سَمِعَ صَرِيفَ الْأَقْلَامِ» وَقِيلَ: إِنَّ التَّوْرَاةَ كَانَتْ سَبْعَةَ أَسْبَاعٍ فَلَمَّا أَلْقَى مُوسَى الْأَلْوَاحَ تَكَسَّرَتْ، فَرُفِعَ مِنْهَا سِتَّةُ أَسْبَاعِهَا، وَكَانَ فِيمَا رُفِعَ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ الَّذِي قَالَ اللَّهُ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 145] وَبَقِيَ الْهُدَى وَالرَّحْمَةُ فِي السَّبْعِ الْبَاقِي، وَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ: ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: 154] وَكَانَتِ التَّوْرَاةُ فِيمَا ذُكِرَ سَبْعِينَ وَقْرَ بَعِيرٍ يُقْرَأُ مِنْهَا الْجُزْءُ فِي سَنَةٍ كَمَا

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ الْمَكْفُوفُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ: " أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَهِيَ سَبْعُونَ وِقْرَ بَعِيرٍ، يُقْرَأُ مِنْهَا الْجُزْءُ فِي سَنَةٍ، لَمْ يَقْرَأْهَا إِلَّا أَرْبَعَةُ نَفَرٍ: مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ، وَعِيسَى، وَعُزَيْرٌ، وَيُوشَعُ بْنُ نُونٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ "

وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَلْوَاحِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ مِنْ زُمُرُّدٍ أَخْضَرَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ مِنْ يَاقُوتٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ مِنْ بَرَدٍ.
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ

حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَ: ثنا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " أَلْقَى مُوسَى الْأَلْوَاحَ فَتَكَسَّرَتْ، فَرُفِعَتْ إِلَّا سُدُسَهَا.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي أَنَّ الْأَلْوَاحَ مِنْ زَبَرْجَدٍ وَزُمُرُّدٍ مِنَ الْجَنَّةِ "

وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ شَبُّويَهْ، وَأَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ التِّرْمِذِيُّ، قَالُوا: أَخْبَرَنَا آدَمُ الْعَسْقَلَانِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، قَالَ: «كَانَتْ أَلْوَاحُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ بَرَدٍ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ أَبِي الْجُنَيْدِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي الْمُغِيرَةِ، قَالَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ عَنِ الْأَلْوَاحِ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَتْ؟ قَالَ: «كَانَتْ مِنْ يَاقُوتَةٍ، كِتَابَةُ الذَّهَبِ، كَتَبَهَا الرَّحْمَنُ بِيَدِهِ، فَسَمِعَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ صَرِيفَ الْقَلَمِ وَهُوَ يَكْتُبُهَا»

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْوَضَّاحِ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَوْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: «كَانَتِ الْأَلْوَاحُ زُمُرُّدًا، فَلَمَّا أَلْقَى مُوسَى الْأَلْوَاحَ بَقِيَ الْهُدَى وَالرَّحْمَةُ، وَذَهَبَ التَّفْصِيلُ»

قَالَ: ثنا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْأَشْجَعِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «كَانَتِ الْأَلْوَاحُ مِنْ زُمُرُّدٍ أَخْضَرَ» وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْأَلْوَاحَ كَانَتْ لَوْحَيْنِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي قَالَ كَمَا قَالَ، فَإِنَّهُ قِيلَ: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ﴾ [الأعراف: 145] وَهُمَا لَوْحَانِ، كَمَا قِيلَ: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةً﴾ [النساء: 11] وَهُمَا أَخَوَانِ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: 150] فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ فَعَلِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لِمَوْجِدَتِهِ عَلَى أَخِيهِ هَارُونَ فِي تَرْكِهِ اتِّبَاعَهُ وَإِقَامَتِهِ مَعَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي تَرَكَهُمْ فِيهِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُخْبِرًا عَنْ قِيلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُ: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِي أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ حِينَ أَخْبَرَهُ هَارُونُ بِعُذْرِهِ، فَقَبِلَ عَذَرَهُ، وَذَلِكَ قَيلُهُ لِمُوسَى: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قُولِي﴾ [طه: 94] وَقَالَ: يَا ﴿ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِي الْأَعْدَاءَ﴾ [الأعراف: 150] الْآيَةَ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ ﴿يَا ابْنَ أُمَّ﴾ [طه: 94] فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْبَصْرَةِ: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ﴾ [طه: 94] بِفَتْحِ الْمِيمِ مِنَ الْأُمِّ.

وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: (يَا ابْنَ أُمِّ) بِكَسْرِ الْمِيمِ مِنَ الْأُمِّ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي فَتْحِ ذَلِكَ وَكِسْرِهِ، مَعَ إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّهُمَا لُغَتَانِ مُسْتَعْمَلَتَانِ فِي الْعَرَبِ.
فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: قِيلَ ذَلِكَ بِالْفَتْحِ عَلَى أَنَّهُمَا اسْمَانِ جُعِلَا اسْمًا وَاحِدًا، كَمَا قِيلَ: يَا ابْنَ عَمَّ، وَقَالَ: هَذَا شَاذٌّ لَا يُقَاسُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ: (يَا ابْنَ أُمِّ) فَهُوَ عَلَى لُغَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ: هَذَا غُلَامِ قَدْ جَاءَ، جَعَلَهُ اسْمًا وَاحِدًا آخِرُهُ مَكْسُورٌ، مِثْلُ قَوْلِهِ خازِ بَازِ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: قِيلَ: يَا ابْنَ أُمَّ وَيَا ابْنَ عَمَّ، فَنُصِبَ كَمَا يُنْصَبُ الْمُعْرَبُ فِي بَعْضِ الْحَالَاتِ، فَيُقَالُ: يَا حَسْرَتَا، يَا وَيْلَتَا، قَالَ: فَكَأَنَّهُمْ قَالُوا: يَا أُمَّاهُ وَيَا عَمَّاهُ وَلَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ فِي أَخٍ، وَلَوْ قِيلَ ذَلِكَ لَكَانَ صَوَابًا.
قَالَ: وَالَّذِينَ خَفَضُوا ذَلِكَ فَإِنَّهُ كَثُرَ فِي كَلَامِهِمْ حَتَّى حَذَفُوا الْيَاءَ.
قَالَ: وَلَا تَكَادُ الْعَرَبُ تَحْذِفُ الْيَاءَ إِلَّا مِنَ الِاسْمِ الْمُنَادَى يُضِيفُهُ الْمُنَادِي إِلَى نَفْسِهِ، إِلَّا قَوْلَهُمْ: يَا ابْنَ أُمِّ، وَيَا ابْنَ عَمِّ وَذَلِكَ أَنَّهُمَا يَكْثُرُ اسْتِعْمَالُهُمَا فِي كَلَامِهِمْ، فَإِذَا جَاءَ مَا لَا يُسْتَعْمَلُ أَثْبَتُوا الْيَاءَ، فَقَالُوا: يَا ابْنَ أَبِي، وَيَا ابْنَ أُخْتِي وَأَخِي، وَيَا ابْنَ خَالَتِي، وَيَا ابْنَ خَالِي.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِذَا فُتِحَتِ الْمِيمُ مِنْ ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ [الأعراف: 150] ، فَمُرَادٌ بِهِ النُّدْبَةُ: يَا ابْنَ أُمَّاهُ، وَكَذَلِكَ مِنَ ابْنِ عَمِّ فَإِذَا كُسِرَتْ فَمُرَادٌ بِهِ الْإِضَافَةُ، ثُمَّ

حُذِفَتِ الْيَاءُ الَّتِي هِيَ كِنَايَةُ اسْمِ الْمُخْبِرِ عَنْ نَفْسِهِ.
وَكَأَنَّ بَعْضَ مَنْ أَنْكَرَ نِسْبَتَهُ كَسِرَ ذَلِكَ إِذَا كُسِرَ، كَكَسْرِ الزَّايِ مِنْ خازِ بَازِ؛ لِأَنَّ خازِ بَازِ لَا يُعْرَفُ الثَّانِي إِلَّا بِالْأَوَّلِ وَلَا الْأَوَّلُ إِلَّا بِالثَّانِي، فَصَارَ كَالْأَصْوَاتِ.
وَحُكِيَ عَنْ يُونُسَ النَّحْوِيِّ تَأْنِيثُ أُمِّ وَتَأْنِيثُ عَمِّ، وَقَالَ: لَا يُجْعَلُ اسْمًا وَاحِدًا إِلَّا مَعَ ابْنِ الْمُذَكِّرِ.
قَالُوا: وَأَمَّا اللُّغَةُ الْجَيِّدَةُ وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ فَلُغَةُ مَنْ قَالَ: «يَا ابْنَ أُمِّي» بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ، كَمَا قَالَ أَبُو زَبِيدٍ: يَا ابْنَ أُمِّي وَيَا شُقَيِّقَ نَفْسِي ... أَنْتَ خَلَّفْتَنِي لِدَهْرٍ شَدِيدِ وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ: [البحر الخفيف] يَا ابْنَ أُمِّي وَلَوْ شَهِدْتُكَ إِذْ تَدْ ... عُو تَمِيمًا وَأَنْتَ غَيْرُ مُجَابِ وَإِنَّمَا أَثْبَتَ هَؤُلَاءِ الْيَاءَ فِي الْأُمِّ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُنَادَاةٍ، وَإِنَّمَا الْمُنَادَى هُوَ الِابْنُ دُونَهَا، وَإِنَّمَا تُسْقِطُ الْعَرَبُ الْيَاءَ مِنَ الْمُنَادَى إِذَا أَضَافَتْهُ إِلَى نَفْسِهَا، لَا إِذَا أَضَافَتْهُ إِلَى غَيْرِ نَفْسِهَا، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا.
وَقِيلَ: إِنَّ هَارُونَ إِنَّمَا قَالَ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿يَا ابْنَ أُمَّ﴾ [طه: 94] ، وَلَمْ يَقُلْ: يَا ابْنَ

أَبِي، وَهُمَا لِأَبٍ وَاحِدٍ وَأُمٍّ وَاحِدَةٍ، اسْتِعْطَافًا لَهُ عَلَى نَفْسِهِ بِرَحِمِ الْأُمِّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ [الأعراف: 150] يَعْنِي بِالْقَوْمِ الَّذِينَ عَكَفُوا عَلَى عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَقَالُوا هَذَا إِلَهُنَا وَإِلَهُ مُوسَى، وَخَالَفُوا هَارُونَ.
وَكَانَ اسْتِضْعَافُهُمْ إِيَّاهُ، تَرْكُهُمْ طَاعَتَهُ وَاتِّبَاعَ أَمْرِهِ.
﴿وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ [الأعراف: 150] يَقُولُ: قَارَبُوا وَلَمْ يَفْعَلُوا.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَلَا تُشْمِتْ﴾ [الأعراف: 150] فَقَرَأَ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ ذَلِكَ: ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ [الأعراف: 150] بِضَمِّ التَّاءِ مِنْ تُشْمِتْ وَكَسْرِ الْمِيمِ مِنْهَا، مِنْ قَوْلِهِمْ: أَشْمَتَ فُلَانٌ فُلَانًا بِفُلَانٍ، إِذَا سَرَّهُ فِيهِ بِمَا يَكْرَهُهُ الْمُشْمَتُ بِهِ.
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ: ﴿فَلَا تَشْمُتْ بِيَ الْأَعْدَاءُ﴾ [الأعراف: 150]

حَدَّثَنِي بِذَلِكَ عَبْدُ الْكَرِيمِ، قَالَ: ثنا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، قَالَ: قَالَ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ، قَرَأَ مُجَاهِدٌ: « (فَلَا تَشْمَتْ بِيَ الْأَعْدَاءُ) »

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ حُمَيْدٍ، قَالَ: قَرَأَ مُجَاهِدٌ: « (فَلَا تَشْمَتْ بِيَ الْأَعْدَاءُ) »

حُدِّثْتُ عَنْ يَحْيَى بْنِ زِيَادٍ الْفَرَّاءِ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ: « (فَلَا تَشْمَتْ) » وَقَالَ الْفَرَّاءُ: قَالَ الْكِسَائِيُّ: مَا أَدْرِي، فَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا: ﴿فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ﴾ [الأعراف: 150] فَإِنْ تَكُنْ صَحِيحَةً فَلَهَا نَظَائِرُ.
الْعَرَبُ تَقُولُ: فَرِغْتُ وَفَرَغْتُ، فَمَنْ قَالَ: فَرِغْتُ قَالَ: أَنَا أَفْرَغُ، وَمَنْ قَالَ: فَرَغْتَ قَالَ: أَنَا أَفْرُغُ، وَكَذَلِكَ رَكِبْتُ وَرَكَبْتُ وَشَمِلَهُمْ أَمْرٌ وَشَمَلَهُمْ، فِي كَثِيرٍ مِنَ الْكَلَامِ.
قَالَ: وَالْأَعْدَاءُ رَفْعٌ؛ لِأَنَّ

الْفِعْلَ لَهُمْ لِمَنْ قَالَ تَشْمَتْ أَوْ تَشْمُتْ وَالْقِرَاءَةُ الَّتِي لَا أَسْتَجِيزُ الْقِرَاءَةَ إِلَّا بِهَا قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: ﴿فَلَا تُشْمِتْ﴾ [الأعراف: 150] بِضَمِّ التَّاءِ الْأُولَى وَكَسْرِ الْمِيمِ مِنْ أَشْمَتُّ بِهِ عَدُوَّهُ أُشَمِّتْهُ بِهِ، وَنَصَبِ الْأَعْدَاءِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ عَلَيْهَا وَشُذُوذِ مَا خَالَفَهَا مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَكَفَى بِذَلِكَ شَاهِدًا عَلَى مَا خَالَفَهَا.
هَذَا مَعَ إِنْكَارِ مَعْرِفَةِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِكَلَامِ الْعَرَبِ: شَمَّتَ فُلَانٌ فُلَانًا بِفُلَانٍ، وَشَمَتَ فُلَانٌ بِفُلَانٍ يَشْمُتُ بِهِ، وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ مِنْ كَلَامِهِمْ إِذَا أَخْبَرُوا عَنْ شَمَاتَةِ الرَّجُلِ بِعَدُوِّهِ شَمِتَ بِهِ بِكَسْرِ الْمِيمِ يَشْمَتُ بِهِ بِفَتْحِهَا فِي الِاسْتِقْبَالِ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: 150] فَإِنَّهُ قَوْلُ هَارُونَ لِأَخِيهِ مُوسَى، يَقُولُ: لَا تَجْعَلْنِي فِي مَوْجِدَتِكَ عَلَيَّ وَعُقُوبَتِكَ لِي وَلَمْ أُخَالِفْ أَمْرَكَ مَحِلَّ مَنْ عَصَاكَ فَخَالَفَ أَمْرَكَ وَعَبَدَ الْعِجْلَ بَعْدَكَ فَظَلَمَ نَفْسَهُ وَعَبَدَ غَيْرَ مَنْ لَهُ الْعِبَادَةُ، وَلَمْ أُشَايِعْهُمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ

كَمَا حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: 150] قَالَ: أَصْحَابُ الْعِجْلِ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ

مُجَاهِدٍ.
بِمِثْلِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأعراف: 151] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ مُوسَى لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ عُذْرُ أَخِيهِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُفَرِّطْ فِي الْوَاجِبِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فِي ارْتِكْابِ مَا فَعَلَهُ الْجَهَلَةُ مِنْ عَبَدَةِ الْعِجْلِ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ [الأعراف: 151] مُسْتَغْفِرًا مِنْ

فِعْلِهِ بِأَخِيهِ، وَلِأَخِيهِ مِنْ سَالِفٍ لَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ، تَغَمَّدْ ذُنُوبَنَا بِسِتْرٍ مِنْكَ تَسْتُرُهَا بِهِ.
﴿وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ﴾ [الأعراف: 151] يَقُولُ: وَارْحَمْنَا بِرَحْمَتِكَ الْوَاسِعَةِ عِبَادَكَ الْمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّكَ أَنْتَ أَرْحَمُ بِعِبَادِكَ مِنْ كُلِّ مَنْ رَحِمَ شَيْئًا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: 152] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ﴾ [الأعراف: 152] إِلَهًا، ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: 152] بِتَعْجِيلِ اللَّهِ لَهُمْ ذَلِكَ، ﴿وَذِلَّةٌ﴾ [الأعراف: 152] وَهِيَ الْهَوَانُ، لِعُقُوبَةِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ بِرَبِّهِمْ

﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [البقرة: 85] فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا قَبْلَ آجِلِ الْآخِرَةِ.
وَكَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُ فِي ذَلِكَ بِمَا

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: 152] قَالَ: هَذَا لِمَنْ مَاتَ مِمَّنِ اتَّخَذَ الْعِجْلَ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَمَنْ فَرَّ مِنْهُمْ حِينَ أَمَرَهُمْ مُوسَى أَنْ يَقْتُلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا "

وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وَإِنْ كَانَ قَوْلًا لَهُ وَجْهٌ، فَإِنَّ ظَاهَرَ كِتَابِ اللَّهِ مَعَ تَأْوِيلِ أَكْثَرِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِخِلَافِهِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَمَّ بِالْخَبَرِ عَمَّنِ اتَّخَذَ الْعِجْلَ أَنَّهُ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.
وَتَظَاهَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ بِأَنَّ اللَّهَ إِذْ رَجَعَ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، تَابَ عَلَى عَبَدَةِ الْعِجْلِ مِنْ فِعْلِهُمْ، بِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ قِيلِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي كِتَابِهِ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 54] فَفَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ إِيَّاهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ قَتْلِ بَعْضِهِمْ أَنْفَسَ بَعْضٍ، عَنْ غَضِبٍ مِنْهُ عَلَيْهِمْ بِعِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ، فَكَانَ قَتْلُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا هَوَانًا لَهُمْ وَذِلَّةً أَذَلَّهُمُ اللَّهُ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَتَوْبَةً مِنْهُمْ إِلَى اللَّهِ قَبِلَهَا.
وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْعَلَ خَبَرًا جَاءَ الْكِتَابُ بِعُمُومِهِ فِي خاصٍّ مِمَّا عَمَّهُ الظَّاهِرُ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ مِنْ حُجَّةِ خَبَرٍ أَوْ عَقْلٍ، وَلَا نَعْلَمُ خَبَرًا جَاءَ بِوُجُوبِ نَقْلِ ظَاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمُ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: 152] إِلَى بَاطِنٍ خَاصٍّ، وَلَا مِنَ الْعَقْلِ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، فَيَجِبُ إِحَالَةُ ظَاهِرِهِ إِلَى بَاطِنِهِ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: 152] وَكَمَا جَزَيْتَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ إِلَهًا مِنْ إِحْلَالِ الْغَضَبِ بِهِمْ، وَالْإِذْلَالِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا عَلَى كُفْرِهِمْ رَبَّهُمْ، وَرِدَّتِهُمْ عَنْ دِينِهِمْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ بِاللَّهِ، وَكَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ مَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ فَكَذَبَ عَلَيْهِ وَأَقَرَّ بِأُلُوهِيَّةِ غَيْرِهِ وَعَبَدَ شَيْئًا سِوَاهُ مِنَ الْأَوْثَانِ بَعْدَ إِقْرَارِهِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَبَعْدَ إِيمَانِهِ بِهِ وَبِأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَقِيلَ ذَلِكَ، إِذَا لَمْ يَتُبْ مِنْ كُفْرِهِ

قَبْلَ قَتْلِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: تَلَا أَبُو قِلَابَةَ: ﴿سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الأعراف: 152] الْآيَةَ، قَالَ: «فَهُوَ جَزَاءُ كُلِّ مُفْتَرٍ يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، أَنْ يُذِلَّهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو النُّعْمَانِ عَارِمٌ، قَالَ: ثنا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، قَالَ: قَرَأَ أَبُو قِلَابَةَ يَوْمًا هَذِهِ الْآيَةَ: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: 152] قَالَ: هِيَ وَاللَّهِ لِكُلِّ مُفْتَرٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ "

قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، وَحُمَيْدٍ: أَنَّ قَيْسَ بْنَ عَبَّادٍ، وَجَارِيَةَ بْنَ قُدَامَةَ، دَخَلَا عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَا: أَرَأَيْتَ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ وَتَدْعُو إِلَيْهِ، أَعَهْدٌ عَهِدَهُ إِلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ رَأْي رَأَيْتَهُ؟ قَالَ: مَا لَكُمَا وَلِهَذَا؟ أَعْرِضَا عَنْ هَذَا، فَقَالَا: وَاللَّهِ لَا نُعْرِضُ عَنْهُ حَتَّى

تُخْبِرَنَا.
فَقَالَ: مَا عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا كِتَابًا فِي قِرَابِ سَيْفِي هَذَا.
فَاسْتَلَّهُ فَأَخْرَجَ الْكِتَابَ مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ، وَإِذَا فِيهِ: «إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيُّ إِلَّا لَهُ حَرَمٌ، وَإِنِّي حَرَّمْتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَكَّةَ، لَا يُحْمَلُ فِيهَا السِّلَاحُ لِقِتَالٍ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ» فَلَمَّا خَرَجَا قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَمَا تَرَى هَذَا الْكِتَابَ؟ فَرَجَعَا وَتَرَكَاهُ، وَقَالَا: إِنَّا سَمِعْنَا اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: 152] الْآيَةَ، وَإِنَّ الْقَوْمَ قَدِ افْتَرَوْا فِرْيَةً، وَلَا أَدْرِي إِلَّا سَيَنْزِلُ بِهِمْ ذِلَّةٌ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ، عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ: فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: 152] قَالَ: كُلُّ صَاحِبِ بِدْعَةٍ ذَلِيلٌ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: 153] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ قَابِلٌ مِنْ كُلِّ تَائِبٍ إِلَيْهِ مِنْ ذَنْبٍ أَتَاهُ صَغِيرَةً كَانَتْ مَعْصِيَتُهُ أَوْ كَبِيرَةً، كُفْرًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ كُفْرٍ، كَمَا قَبِلَ مِنْ عَبَدَةِ الْعِجْلِ تَوْبَتَهُمْ بَعْدَ

كُفْرِهِمْ بِهِ بِعِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ وَارْتِدَادِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ.
يَقُولُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَالَّذِينَ عَمِلُوا الْأَعْمَالَ السَّيِّئَةَ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى طَلَبِ رِضَا اللَّهِ بِإِنَابَتِهِمْ إِلَى مَا يُحِبُّ مِمَّا يَكْرَهُ وَإِلَى مَا يَرْضَى مِمَّا يَسْخَطُ مِنْ بَعْدِ سَيِّئِ أَعْمَالِهِمْ،

وَصَدَّقُوا بِأَنَّ اللَّهَ قَابِلُ تَوْبَةِ الْمُذْنِبِينَ وَتَائِبٌ عَلَى الْمُنِيبِينَ بِإِخْلَاصِ قُلُوبِهِمْ وَيَقِينٍ مِنْهُمْ بِذَلِكَ، ﴿لَغَفُورٌ﴾ [الأنعام: 165] لَهُمْ، يَقُولُ: لَسَاتِرٌ عَلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمُ السَّيِّئَةَ، وَغَيْرُ فَاضِحِهِمْ بِهَا، رَحِيمٌ بِهِمْ، وَبِكُلِّ مَنْ كَانَ مَثَلَهُمْ مِنَ التَّائِبِينَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الألْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: 154] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ﴾ [الأعراف: 154] وَلَمَّا كَفَّ مُوسَى عَنِ الْغَضَبِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ كَافٍّ عَنْ شَيْءٍ سَاكِتٌ عَنْهُ.
وَإِنَّمَا قِيلَ لِلسَّاكِتِ عَنِ الْكَلَامِ سَاكِتٌ؛ لِكَفِّهِ عَنْهُ.

وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ يُونُسَ النَّحْوِيِّ أَنَّهُ قَالَ: يُقَالُ سَكَتَ عَنْهُ الْحُزْنُ وَكُلُّ شَيْءٍ فِيمَا زَعَمَ وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي النَّجْمِ: [البحر الرجز] وَهَمَّتِ الْأَفْعَى بِأَنْ تَسِيحَا ... وَسَكَتَ الْمُكَّاءُ أَنْ يَصِيحَا ﴿أَخَذَ الْأَلْوَاحَ﴾ [الأعراف: 154] يَقُولُ: أَخَذَهَا بَعْدَ مَا أَلْقَاهَا، وَقَدْ ذَهَبَ مِنْهَا مَا

ذَهَبَ.
﴿وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ [الأعراف: 154] يَقُولُ: وَفِيمَا نُسِخَ فِيهَا: أَيْ: مِنْهَا هُدًى بَيَانٌ لِلْحَقِّ وَرَحْمَةٌ.
﴿لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: 154] يَقُولُ: لِلَّذِينَ يَخَافُونَ اللَّهَ، وَيَخْشَوْنَ عِقَابَهُ عَلَى مَعَاصِيهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ دُخُولِ اللَّامِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: 154] مَعَ اسْتِقْبَاحِ الْعَرَبِ أَنْ يُقَالَ فِي الْكَلَامِ: رَهِبْتُ لَكَ: بِمَعْنَى رَهِبْتُكَ، وَأَكْرَمْتُ لَكَ: بِمَعْنَى أَكْرَمْتُكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ذَلِكَ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: 43] أُوصِلَ الْفِعْلُ بِاللَّامِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مِنْ أَجْلِ رَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا دَخَلَتْ عَقِبِ الْإِضَافَةِ الَّذِينَ هُمْ رَاهِبُونَ لِرَبِّهِمْ وَرَاهِبُو رَبِّهِمْ ثُمَّ أُدْخِلَتِ اللَّامُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى؛ لِأَنَّهَا عُقَيْبُ الْإِضَافَةِ لَا عَلَى التَّعْلِيقِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ تَقَدَّمَ الْفِعْلَ، فَحَسُنَ إِدْخَالُ اللَّامِ.
وَقَالَ آخَرُونَ: قَدْ جَاءَ مِثْلُهُ فِي تَأْخِيرِ الِاسْمِ فِي قَوْلِهِ: ﴿رَدِفَ لَكُمْ بَعْضُ الَّذِي تَسْتَعْجِلُونَ﴾ [النمل: 72] وَذُكِرَ عَنْ عِيسَى بْنِ عُمَرَ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ الْفَرَزْدَقَ يَقُولُ: نَقَدْتُ لَهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ، يُرِيدُ نَقَدْتُهُ مِائَةَ دِرْهَمٍ.
قَالَ: وَالْكَلَامُ وَاسِعٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ﴾ [الأعراف: 155]

يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاخْتَارَ مُوسَى مِنْ قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا لِلْوَقْتِ وَالْأَجَلِ الَّذِي وَعَدَهُ اللَّهُ أَنْ يَلْقَاهُ فِيهِ بِهِمْ لِلتَّوْبَةِ مِمَّا كَانَ مِنْ فِعْلِ سُفَهَائِهِمْ فِي أَمْرِ الْعِجْلِ.
كَمَا

حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ يَأْتِيَهُ فِي نَاسٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِجْلِ، وَوَعَدَهُمْ مَوْعِدًا.
فَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا عَلَى عَيْنِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمْ لِيَعْتَذِرُوا، فَلَمَّا أَتَوْا ذَلِكَ الْمَكَانَ، قَالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ يَا مُوسَى حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً، فَإِنَّكَ قَدْ كَلَّمْتَهُ فَأَرِنَاهُ، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ فَمَاتُوا.
فَقَامَ مُوسَى يَبْكِي وَيَدْعُو اللَّهَ وَيَقُولُ: رَبِّ مَاذَا أَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِذَا أَتَيْتُهُمْ وَقَدْ أَهْلَكْتَ خِيَارَهُمْ، لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: " اخْتَارَ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَبْعِينَ رَجُلًا الْخَيِّرَ فَالْخَيِّرَ، وَقَالَ: انْطَلِقُوا إِلَى اللَّهِ فَتُوبُوا إِلَيْهِ مِمَّا صَنَعْتُمْ، وَاسْأَلُوهُ التَّوْبَةَ عَلَى مَنْ تَرَكْتُمْ وَرَاءَكُمْ مِنْ قَوْمِكُمْ، صُومُوا، وَتَطَهَّرُوا، وَطَهِّرُوا ثِيَابَكُمْ، فَخَرَجَ بِهِمْ إِلَى طُورِ سَيْنَا لِمِيقَاتٍ وَقَّتَهُ لَهُ رَبُّهُ، وَكَانَ لَا يَأْتِيهِ إِلَّا بِإِذْنٍ مِنْهُ وَعِلْمٍ، فَقَالَ السَّبْعُونَ فِيمَا ذُكِرَ لِي حِينَ صَنَعُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ، وَخَرَجُوا مَعَهُ لِلِقَاءِ رَبِّهِ لِمُوسَى: اطْلُبْ لَنَا نَسْمَعُ كَلَامَ رَبِّنَا، فَقَالَ: أَفْعَلُ.
فَلَمَّا دَنَا مُوسَى مِنَ الْجَبَلِ، وَقَعَ عَلَيْهِ عَمُودُ الْغَمَامِ حَتَّى تَغَشَّى الْجَبَلَ كُلَّهُ، وَدَنَا مُوسَى فَدَخَلَ فِيهِ، وَقَالَ لِلْقَوْمِ: ادْنُوَا، وَكَانَ مُوسَى إِذَا كَلَّمَهُ اللَّهُ، وَقَعَ عَلَى جَبْهَتِهِ نُورٌ سَاطِعٌ، لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنْ بَنِي آدَمَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ.
فَضُرِبَ دُونَهُ بِالْحِجَابِ، وَدَنَا الْقَوْمُ حَتَّى إِذَا دَخَلُوا فِي

جارٍ التحميل