تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 414-428

ذِكْرُ الْمَعَانِي الَّتِي حَدَثَتْ فِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ بِحُدُوثِ هَذِهِ الْآيَاتِ وَالسَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَحْدَثَهَا اللَّهُ فِيهِمْ

صفحات 414-428
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ " ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: 142] قَالَ: ذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ، فَفِي ذَلِكَ اخْتَلَفُوا "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: 142] هُوَ ذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: 142] "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: «زَعَمَ حَضْرَمِيُّ أَنَّ الثَّلَاثِينَ الَّتِي، كَانَ وَاعَدَ مُوسَى رَبَّهُ كَانَتْ ذَا الْقَعْدَةِ وَالْعَشْرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ الَّتِي تَمَّمَ اللَّهُ بِهَا الْأَرْبَعِينَ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: 142] قَالَ: ذُو الْقَعْدَةِ.
﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: 142] قَالَ: عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ " قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا أَبُو سَعْدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: 142] قَالَ: ذُو الْقَعْدَةِ، وَالْعَشْرُ الْأُوَلُ مَنْ ذِي الْحِجَّةِ "

قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ، قَالَ: ثنا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ مَسْرُوقٍ: " ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: 142] قَالَ: عَشْرُ الْأَضْحَى "

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: 142] فَإِنَّهُ يَعْنِي: فَكَمَّلَ الْوَقْتَ

الَّذِي وَاعَدَ اللَّهُ مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَبَلَغَهَا.
كَمَا

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: " ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ﴾ [الأعراف: 142] قَالَ: فَبَلَغَ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: 142] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَمَّا مَضَى لِمَوْعِدِ رَبِّهِ، قَالَ لِأَخِيهِ هَارُونَ: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ [الأعراف: 142] يَقُولُ: كُنْ خَلِيفَتِي فِيهِمْ إِلَى أَنْ أَرْجِعَ، يُقَالُ مِنْهُ: خَلَفَهُ يَخْلُفُهُ خِلَافَةً.
﴿وَأَصْلِحْ﴾ [المائدة: 39] يَقُولُ: وَأَصْلِحْهُمْ

بِحَمْلِكَ إِيَّاهُمْ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَعِبَادَتِهِ

كَمَا حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ،

قَالَ: " قَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: 142] وَكَانَ مِنْ إِصْلَاحِهِ أَنْ لَا يَدَعَ الْعِجْلَ يُعْبَدُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: 142] يَقُولُ: وَلَا تَسْلُكْ طَرِيقَ الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بِمَعْصِيَتِهِمْ رَبَّهُمْ، وَمَعُونَتِهِمْ أَهْلَ الْمَعَاصِي عَلَى عِصْيَانِهِمْ رَبَّهُمْ، وَلَكِنِ اسْلُكْ سَبِيلَ الْمُطِيعِينَ رَبَّهُمْ.
فَكَانَتْ مُوَاعَدَةُ اللَّهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ أَنْ أَهْلَكَ فِرْعَوْنَ ونَجَّى مِنْهُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِيمَا قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ، كَمَا "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني الْحَجَّاجُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: 142] . الْآيَةَ، قَالَ: يَقُولُ: إِنَّ ذَلِكَ بَعْدَ مَا فَرَغَ مِنْ فِرْعَوْنَ، وَقَبْلَ الطُّورِ لَمَّا نَجَّى اللَّهُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْبَحْرِ وَغَرِقَ آلُ فِرْعَوْنَ وَخَلَصَ إِلَى الْأَرْضِ الطَّيِّبَةِ، أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيهَا الْمَنَّ وَالسَّلْوَى وَأَمَرَهُ رَبُّهُ أَنْ يَلْقَاهُ، فَلَمَّا أَرَادَ لِقَاءَ رَبِّهِ اسْتَخْلَفَ هَارُونَ عَلَى قَوْمِهِ، وَوَاعَدَهُمْ أَنْ يَأْتِيَهُمُ إِلَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً مِيعَادًا مِنْ قِبَلِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ رَبِّهِ وَلَا مِيعَادِهِ فَتَوَجَّهَ لِيَلْقَى رَبَّهُ، فَلَمَّا تَمَّتْ ثَلَاثُونَ لَيْلَةً، قَالَ عَدُوُّ اللَّهِ السَّامِرِيُّ: لَيْسَ يَأْتِيكُمْ مُوسَى، وَمَا يُصْلِحُكُمْ إِلَّا إِلَهٌ تَعْبُدُونَهُ، فَنَاشَدَهُمْ هَارُونُ وَقَالَ: لَا تَفْعَلُوا انْظُرُوا لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ وَيَوْمَكُمْ هَذَا، فَإِنْ جَاءَ وَإِلَّا فَعَلْتُمْ مَا بَدَا لَكُمْ، فَقَالُوا: نَعَمْ.
فَلَمَّا أَصْبَحُوا مِنْ غَدٍ وَلَمْ يَرَوْا مُوسَى عَادَ السَّامِرِيُّ لِمِثْلِ قَوْلِهِ بِالْأَمْسِ، قَالَ: وَأَحْدَثَ اللَّهُ الْأَجَلَ بَعْدَ الْأَجَلِ الَّذِي جَعَلَهُ بَيْنَهُمْ عَشْرًا، فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَعَادَ هَارُونُ فَنَاشَدَهُمْ، إِلَّا مَا نَظَرُوا يَوْمَهُمْ ذَلِكَ أَيْضًا، فَإِنْ جَاءَ وَإِلَّا فَعَلْتُمْ مَا بَدَا لَكُمْ.
ثُمَّ عَادَ السَّامِرِيُّ الثَّالِثَةَ لِمِثْلِ قَوْلِهِ لَهُمْ، وَعَادَ هَارُونُ فَنَاشَدَهُمْ أَنْ يَنْتَظِرُوا.
فَلَمَّا لَمْ يَرَوْهُ.
. . "

قَالَ الْقَاسِمُ: قَالَ الْحُسَيْنُ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، قَالَ: ثني أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْهُذَلِيُّ، قَالَ: " قَامَ السَّامِرِيُّ إِلَى هَارُونَ حِينَ انْطَلَقَ مُوسَى، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّا اسْتَعَرْنَا يَوْمَ خَرَجْنَا مِنَ الْقِبْطِ حُلِيًّا كَثِيرًا مِنْ زِينَتِهِمْ، وَإِنَّ الَّذِينَ

مَعَكَ قَدْ أَسْرَعُوا فِي الْحُلِيِّ يَبِيعُونَهُ وَيُنْفِقُونَهُ، وَإِنَّمَا كَانَ عَارِيَةً مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ فَلَيْسُوا بِأَحْيَاءَ فَنَرُدَّهَا عَلَيْهِمْ، وَلَا نَدْرِي لَعَلَّ أَخَاكَ نَبِيَّ اللَّهِ مُوسَى إِذَا جَاءَ يَكُونُ لَهُ فِيهَا رَأْي، إِمَّا يُقَرِّبُهَا قُرْبَانًا فَتَأْكُلُهَا النَّارُ، وَإِمَّا يَجْعَلُهَا لِلْفُقَرَاءِ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ.
فَقَالَ لَهُ هَارُونُ: نِعْمَ مَا رَأَيْتَ وَمَا قُلْتَ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا فَنَادَى: مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ حُلِيِّ آلِ فِرْعَوْنَ فَلْيَأْتِنَا بِهِ، فَأَتَوْهُ بِهِ، فَقَالَ هَارُونُ يَا سَامِرِيُّ أَنْتَ أَحَقُّ مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ هَذِهِ الْخِزَانَةُ.
فَقَبَضَهَا السَّامِرِيُّ، وَكَانَ عَدُوُّ اللَّهِ الْخَبِيثُ صَائِغًا، فَصَاغَ مِنْهُ عِجْلًا جَسَدًا، ثُمَّ قَذَفَ فِي جَوْفِهِ تُرْبَةً مِنَ الْقَبْضَةِ الَّتِي قَبَضَ مِنْ أَثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذْ رَآهُ فِي الْبَحْرِ، فَجَعَلَ يَخُورُ، وَلَمْ يَخُرْ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، وَقَالَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: إِنَّمَا تَخَلَّفَ مُوسَى بَعْدَ الثَّلَاثِينَ لَيْلَةً يَلْتَمِسُ هَذَا ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه: 88] يَقُولُ: إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ نَسِيَ رَبَّهُ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 143] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ:

وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِلْوَقْتِ الَّذِي وَعَدَنَا أَنْ يَلْقَانَا فِيهِ، وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ وَنَاجَاهُ، قَالَ مُوسَى لِرَبِّهِ: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 143] قَالَ اللَّهُ لَهُ مُجِيبًا

: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف: 143] وَكَانَ سَبَبُ مَسْأَلَةِ مُوسَى رَبَّهُ النَّظَرَ إِلَيْهِ مَا

حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: " إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا كَلَّمَهُ رَبُّهُ أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: 143] فَحَفَّ حَوْلَ الْجَبَلِ، وَحَفَّ حَوْلَ الْمَلَائِكَةِ بِنَارٍ، وَحَفَّ حَوْلَ النَّارِ بِمَلَائِكَةٍ، وَحَفَّ حَوْلَ الْمَلَائِكَةِ بِنَارٍ، ثُمَّ تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52] قَالَ: ثني مَنْ لَقِيَ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَرَّبَهُ الرَّبُّ حَتَّى سَمِعَ صَرِيفَ الْقَلَمِ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ مِنَ الشَّوْقِ إِلَيْهِ: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ [الأعراف: 143] "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثني الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ، قَالَ: " لَمَّا تَخَلَّفَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ الثَّلَاثِينَ، حَتَّى سَمِعَ كَلَامَ اللَّهِ اشْتَاقَ إِلَى النَّظَرِ إِلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: 143] وَلَيْسَ لِبَشَرٍ أَنْ يُطِيقَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيَّ فِي الدُّنْيَا، مَنْ نَظَرَ إِلَيَّ مَاتَ.
قَالَ: إِلَهِيَ سَمِعْتُ مَنْطِقَكَ وَاشْتَقْتُ إِلَى النَّظَرِ إِلَيْكَ، وَلَأَنْ أَنْظُرَ إِلَيْكَ ثُمَّ أَمُوتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعِيشَ وَلَا أَرَاكَ، قَالَ:

فَانْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ، فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 143] قَالَ: أَعْطِنِي "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: " اسْتَخْلَفَ مُوسَى هَارُونَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَالَ: إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى رَبِّي، فَاخْلُفْنِي فِي قَوْمِي، وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ، فَخَرَجَ مُوسَى إِلَى رَبِّهِ مُتَعَجِّلًا لِلُقِيِّهِ شَوْقًا إِلَيْهِ، وَأَقَامَ هَارُونُ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَمَعَهُ السَّامِرِيُّ يَسِيرُ بِهِمْ عَلَى أَثَرِ مُوسَى لِيُلْحِقَهُمْ بِهِ.
فَلَمَّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى، طَمِعَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَسَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ اللَّهُ لِمُوسَى: إِنَّكَ ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف: 143] الْآيَةَ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَهَذَا مَا وَصَلَ إِلَيْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَنْ خَبَرِ مُوسَى لَمَّا طَلَبَ النَّظَرَ إِلَى رَبِّهِ.
وَأَهْلُ الْكِتَابِ يَزْعُمُونَ وَأَهْلُ التَّوْرَاةِ أَنْ قَدْ كَانَ لِذَلِكَ تَفْسِيرٌ وَقِصَّةٌ وَأُمُورٌ كَثِيرَةٌ وَمُرَاجَعَةٌ لَمْ تَأْتِنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ الْأَوَّلِ بِأَحَادِيثِ أَهْلِ الْكِتَابِ: إِنَّهُمْ يَجِدُونَ فِي تَفْسِيرِ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ خَبَرِ مُوسَى حِينَ طَلَبَ ذَلِكَ إِلَى رَبِّهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ كَلَامِهِ إِيَّاهُ حِينَ طَمِعَ فِي رُؤْيَتِهِ، وَطَلَبَ ذَلِكَ مِنْهُ، وَرَدَّ عَلَيْهِ رَبُّهُ مِنْهُ مَا رَدَّ، أَنَّ

مُوسَى كَانَ تَطَهَّرَ وَطَهَّرَ ثِيَابَهُ وَصَامَ لِلِقَاءِ رَبِّهِ فَلَمَّا أَتَى طُورَ سَيْنَاءَ، وَدَنَا اللَّهُ لَهُ فِي الْغَمَامِ فَكَلَّمَهُ، سَبَّحَهُ وَحَمِدَهُ وَكَبَّرَهُ وَقَدَّسَهُ، مَعَ تَضَرُّعٍ وَبُكَاءٍ حَزِينٍ، ثُمَّ أَخَذَ فِي مِدْحَتِهِ، فَقَالَ: رَبِّ مَا أَعْظَمَكَ وَأَعْظَمَ شَأْنَكَ كُلَّهُ، مِنْ عَظَمَتِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِنْ قَبْلِكَ، فَأَنْتَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ، كَأَنَّ عَرْشَكَ تَحْتَ عَظَمَتِكَ نَارٌ تُوقَدُ لَكَ، وَجَعَلْتَ سُرَادِقَ مِنْ دُونِهِ سُرَادِقُ مِنْ نُورٍ، فَمَا أَعْظَمَكَ رَبِّ، وَأَعْظَمَ مُلْكَكَ، جَعَلْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَلَائِكَتِكَ مَسِيرَةَ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، فَمَا أَعْظَمَكَ رَبِّ وَأَعْظَمَ مُلْكَكَ فِي سُلْطَانِكَ، فَإِذَا أَرَدْتَ شَيْئًا تَقْضِيهِ فِي جُنُودِكَ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، أَوِ الَّذِينَ فِي الْأَرْضِ، وَجُنُودِكَ الَّذِينَ فِي الْبَحْرِ، بَعَثْتَ الرِّيحَ مِنْ عِنْدَكِ لَا يَرَاهَا شَيْءٌ مِنْ خَلْقِكَ إِلَّا أَنْتَ إِنْ شِئْتَ، فَدَخَلَتْ فِي جَوْفِ مَنْ شِئْتَ مِنْ أَنْبِيَائِكَ، فَبَلَغُوا لِمَا أَرَدْتَ مِنْ عِبَادِكَ، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ مَلَائِكَتِكَ يَسْتَطِيعُ شَيْئًا مِنْ عَظَمَتِكَ، وَلَا مِنْ عَرْشِكَ، وَلَا يَسْمَعُ صَوْتَكَ، فَقَدْ أَنْعَمْتَ عَلَيَّ، وَأَعْظَمْتَ عَلَيَّ فِي الْفَضْلِ، وَأَحْسَنْتَ إِلَيَّ كُلَّ الْإِحْسَانِ، عَظَّمْتَنِي فِي أُمَمِ الْأَرْضِ، وَعَظَّمْتَنِي عِنْدَ مَلَائِكَتِكَ، وَأَسْمَعْتَنِي صَوْتَكَ، وَبَذَلْتَ لِي كَلَامَكَ، وَآتَيْتَنِي حِكْمَتَكَ، فَإِنْ أَعُدَّ نُعْمَاكَ لَا أُحْصِيهَا، وَإِنْ أَرَدْتُ شُكْرَكَ لَا أَسْتَطِيعُهَا.
دَعَوْتُكَ رَبِّ عَلَى فِرْعَوْنَ بِالْآيَاتِ

الْعِظَامِ، وَالْعُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ، فَضَرَبْتُ بِعَصَايَ الَّتِي فِي يَدِي الْبَحْرَ، فَانْفَلَقَ لِي وَلِمَنْ مَعِي، وَدَعَوْتُكَ حِينَ جُزْتُ الْبَحْرَ، فَأَغْرَقْتَ عَدُوَّكَ وَعَدُوِّي، وَسَأَلْتُكَ الْمَاءَ لِي وَلِأُمَّتِي، فَضَرَبْتُ بِعَصَايَ الَّتِي فِي يَدِي الْحَجَرَ، فَمِنْهُ أَرْوَيْتَنِي وَأُمَّتِي، وَسَأَلْتُكَ لِأُمَّتِي طَعَامًا لَمْ يَأْكُلْهُ أَحَدٌ كَانَ قَبْلَهُمْ، فَأَمَرْتَنِي أَنْ أَدْعُوكَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، وَمِنْ قِبَلِ الْمَغْرِبِ.
فَنَادَيْتُكَ مِنْ شَرْقِيِّ أُمَّتِي، فَأَعْطَيْتَهُمُ الْمَنَّ مِنْ مَشْرِقِي لِنَفْسِي، وَآتَيْتَهُمُ السَّلْوَى مِنْ غَرْبِيِّهِمْ مِنْ قِبَلِ الْبَحْرِ، وَاشْتَكَيْتُ الْحَرَّ فَنَادَيْتُكَ، فَظَلَّلْتَ عَلَيْهِمْ بِالْغَمَامِ، فَمَا أُطِيقُ نُعْمَاكَ عَلَيَّ أَنْ أَعُدَّهَا وَلَا أُحْصِيهَا، وَإِنْ أَرَدْتُ شُكْرَهَا لَا أَسْتَطِيعُهَا.
فَجِئْتُكَ الْيَوْمَ رَاغِبًا طَالِبًا سَائِلًا مُتَضَرِّعًا، لَتُعْطِيَنِي مَا مَنَعْتَ غَيْرِي، أَطْلُبُ إِلَيْكَ وَأَسْأَلُكَ يَا ذَا الْعَظَمَةِ وَالْعِزَّةِ وَالسُّلْطَانِ أَنْ تُرِيَنِي أَنْظُرُ إِلَيْكَ، فَإِنِّي قَدْ أَحْبَبْتُ أَنْ أَرَى وَجْهَكَ الَّذِي لَمْ يَرَهُ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِكَ قَالَ لَهُ رَبُّ الْعِزَّةِ: فَلَا تَرَى يَا ابْنَ عِمْرَانَ مَا تَقُولُ؟ تَكَلَّمَتْ بِكَلَامٍ هُوَ أَعْظَمُ مِنْ سَائِرِ الْخَلْقِ، لَا يَرَانِي أَحَدٌ فَيَحْيَا، أَلَيْسَ فِي السَّمَوَاتِ مُعَمِّرِي، فَإِنَّهُنَّ قَدْ ضَعُفْنَ أَنْ يَحْمِلْنَ عَظَمَتِي، وَلَيْسَ فِي الْأَرْضِ مُعَمِّرِي، فَإِنَّهَا قَدْ ضَعُفَتْ أَنْ تَسِعَ بِجُنْدِي، فَلَسْتُ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ فَأَتَجَلَّى لَعَيْنٍ تَنْظُرُ إِلَيَّ.

قَالَ مُوسَى: يَا رَبِّ أَنْ أَرَاكَ وَأَمُوتَ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ لَا أَرَاكَ وَلَا أَحْيَا، قَالَ لَهُ رَبُّ الْعِزَّةِ: يَا ابْنَ عِمْرَانَ تَكَلَّمْتَ بِكَلَامٍ هُوَ أَعْظَمُ مِنْ سَائِرِ الْخَلْقِ، لَا يَرَانِي أَحَدٌ فَيَحْيَا، قَالَ: رَبِّ تَمِّمْ عَلَيَّ نُعْمَاكَ، وَتَمِّمْ عَلَيَّ فَضْلَكَ، وَتَمِّمْ عَلَيَّ إِحْسَانَكَ هَذَا الَّذِي سَأَلْتُكَ، لَيْسَ لِي أَنْ أَرَاكَ فَأُقْبَضَ، وَلَكِنْ أُحِبُّ أَنْ أَرَاكَ فَيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.
قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ عِمْرَانَ لَنْ يَرَانِي أَحَدٌ فَيَحْيَا.
قَالَ: مُوسَى رَبِّ تَمِّمْ عَلَيَّ نُعْمَاكَ وَفَضْلَكَ، وَتَمِّمْ عَلَيَّ إِحْسَانَكَ هَذَا الَّذِي سَأَلْتُكَ، لَيْسَ لِي أَنْ أَرَاكَ فَأَمُوتَ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الْحَيَاةِ، فَقَالَ الرَّحْمَنُ الْمُتَرَحِّمُ عَلَى خَلْقِهِ: قَدْ طَلَبْتَ يَا مُوسَى، وَأَعْطَيْتُكَ سُؤْلَكَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَيَّ، فَاذْهَبْ فَاتَّخِذْ لَوْحَيْنِ، ثُمَّ انْظُرْ إِلَى الْحَجَرِ الْأَكْبَرِ فِي رَأْسِ الْجَبَلِ، فَإِنَّ مَا وَرَاءَهُ وَمَا دُونَهُ مَضِيقٌ لَا يَسَعُ إِلَّا مَجْلِسَكَ يَا ابْنَ عِمْرَانَ، ثُمَّ انْظُرْ فَإِنِّي أُهْبِطُ إِلَيْكَ جُنُودِي مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ.
فَفَعَلَ مُوسَى كَمَا أَمَرَهُ رَبُّهُ، نَحَتَ لَوْحَيْنِ ثُمَّ صَعِدَ بِهِمَا إِلَى الْجَبَلِ، فَجَلَسَ عَلَى الْحَجَرِ: فَلَمَّا اسْتَوَى عَلَيْهِ، أَمَرَ اللَّهُ جُنُودَهُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَقَالَ: ضَعِي أَكْنَافَكِ حَوْلَ الْجَبَلِ، فَسَمِعَتْ مَا قَالَ الرَّبُّ فَفَعَلَتْ أَمْرَهُ، ثُمَّ

أَرْسَلَ اللَّهُ الصَّوَاعِقَ وَالظُّلْمَةَ وَالضَّبَابَ عَلَى مَا كَانَ يَلِي الْجَبَلَ الَّذِي يَلِي مُوسَى أَرْبَعَةَ فَرَاسِخَ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ مَلَائِكَةَ الدُّنْيَا أَنْ يَمُرُّوا بِمُوسَى، فَاعْتَرِضُوا عَلَيْهِ، فَمَرُّوا بِهِ طَيْرَانَ النَّغْرِ تَنْبُعُ أَفْوَاهُهُمْ بِالتَّقْدِيسِ وَالتَّسْبِيحِ بِأَصْوَاتٍ عَظِيمَةٍ كَصَوْتِ الرَّعْدِ الشَّدِيدِ، فَقَالَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: رَبِّ إِنِّي كُنْتُ عَنْ هَذَا غَنِيًّا، مَا تَرَى عَيْنَايَ شَيْئًا قَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُمَا مِنْ شُعَاعِ النُّورِ الْمُتَصَفِّفِ عَلَى مَلَائِكَةِ رَبِّي.
ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ أَنِ اهْبِطُوا عَلَى مُوسَى، فَاعْتَرِضُوا عَلَيْهِ، فَهَبَطُوا أَمْثَالَ الْأَسَدِ، لَهُمْ لَجَبٌ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ، فَفَزِعَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ ابْنُ عِمْرَانَ مِمَّا رَأَى وَمِمَّا سَمِعَ، فَاقْشَعَرَّتْ كُلُّ شَعْرَةٍ فِي رَأْسِهِ وَجِلْدِهِ، ثُمَّ قَالَ: نَدِمْتُ عَلَى مَسْأَلَتِي إِيَّاكَ، فَهَلْ يُنَجِّينِي مِنْ مَكَانِي الَّذِي أَنَا فِيهُ شَيْءٌ؟ فَقَالَ لَهُ خَيْرُ الْمَلَائِكَةِ وَرَأْسُهُمْ: يَا مُوسَى اصْبِرْ لِمَا سَأَلْتَ، فَقَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ مَا رَأَيْتَ، ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ أَنِ اهْبِطُوا عَلَى مُوسَى، فَاعْتَرِضُوا عَلَيْهِ، فَأَقْبَلُوا أَمْثَالَ النُّسُورِ لَهُمْ قَصْفٌ وَرَجْفٌ وَلَجَبٌ شَدِيدٌ، وَأَفْوَاهُهُمْ تَنْبُعُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ كَلَجَبِ الْجَيْشِ الْعَظِيمِ أَوْ كَلَهَبِ النَّارِ، فَفَزِعَ مُوسَى، وَأَيِسَتْ نَفْسُهُ، وَأَسَاءَ ظَنَّهُ، وَأَيِسَ مِنَ الْحَيَاةِ، فَقَالَ

لَهُ خَيْرُ الْمَلَائِكَةِ وَرَأْسُهُمْ: مَكَانَكَ يَا ابْنَ عِمْرَانَ، حَتَّى تَرَى مَا لَا تَصْبِرُ عَلَيْهِ؟ ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ أَنِ اهْبِطُوا فَاعْتَرِضُوا عَلَى مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ.
فَأَقْبَلُوا وَهَبَطُوا عَلَيْهِ لَا يُشْبِهُهُمْ شَيْءٌ مِنَ الَّذِينَ مَرُّوا بِهِ قَبْلَهُمْ، أَلْوَانُهُمْ كَلَهَبِ النَّارِ، وَسَائِرُ خَلْقِهِمْ كَالثَّلْجِ الْأَبْيَضِ، أَصْوَاتُهُمْ عَالِيَةٌ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ، لَا يُقَارِبُهُمْ شَيْءٌ مِنْ أَصْوَاتِ الَّذِينَ مَرُّوا بِهِ قَبْلَهُمْ.
فَاصْطَكَّتْ رُكْبَتَاهُ، وَأُرْعِدَ قَلْبُهُ، وَاشْتَدَّ بُكَاؤُهُ، فَقَالَ خَيْرُ الْمَلَائِكَةِ وَرَأْسُهُمْ: يَا ابْنَ عِمْرَانَ اصْبِرْ لِمَا سَأَلْتَ، فَقَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ مَا رَأَيْتَ، ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ أَنِ اهْبِطُوا فَاعْتَرِضُوا عَلَى مُوسَى، فَهَبَطُوا عَلَيْهِ سَبْعَةَ أَلْوَانٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ مُوسَى أَنْ يُتْبِعَهُمْ طَرْفَهُ، وَلَمْ يَرَ مِثْلَهُمْ وَلَمْ يَسْمَعْ مِثْلَ أَصْوَاتِهِمْ، وَامْتَلَأَ جَوْفُهُ خَوْفًا، وَاشْتَدَّ حُزْنُهُ، وَكَثُرَ بُكَاؤُهُ، فَقَالَ لَهُ خَيْرُ الْمَلَائِكَةِ وَرَأْسُهُمْ: يَا ابْنَ عِمْرَانَ مَكَانَكَ حَتَّى تَرَى مَا لَا تَصْبِرُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ مَلَائِكَةَ السَّمَاءِ السَّادِسَةِ أَنِ اهْبِطُوا عَلَى عَبْدِي الَّذِي طَلَبَ أَنْ يَرَانِي مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ وَاعْتَرِضُوا عَلَيْهِ.
فَهَبَطُوا عَلَيْهِ فِي يَدِ كُلِّ مَلَكٍ مِثْلُ النَّخْلَةِ الطَّوِيلَةِ نَارًا أَشَدَّ ضَوْءًا مِنَ الشَّمْسِ، وَلِبَاسُهُمْ كَلَهَبِ النَّارِ، إِذَا سَبَّحُوا وَقَدَّسُوا جَاوَبَهُمْ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مِنْ مَلَائِكَةِ السَّمَوَاتِ كُلُّهُمْ يَقُولُونَ بِشِدَّةِ أَصْوَاتِهِمْ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْعِزَّةِ أَبَدًا لَا يَمُوتُ، فِي رَأْسِ كُلِّ مَلَكٍ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ.
فَلَمَّا رَآهُمْ مُوسَى رَفَعَ صَوْتَهُ يُسَبِّحُ مَعَهُمْ حِينَ سَبَّحُوا، وَهُوَ يَبْكِي وَيَقُولُ: رَبِّ اذْكُرْنِي، وَلَا

تَنْسَ عَبْدَكَ، لَا أَدْرِي أَنْقَلِبُ مِمَّا أَنَا فِيهِ أَمْ لَا؟ إِنْ خَرَجْتُ أُحْرِقْتُ، وَإِنْ مَكَثْتُ مُتُّ.
فَقَالَ لَهُ كَبِيرُ الْمَلَائِكَةِ وَرَئِيسُهُمْ: قَدْ أَوْشَكْتَ يَا ابْنَ عِمْرَانَ أَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُكَ، وَيَنْخَلِعَ قَلْبُكَ، وَيَشْتَدَّ بُكَاؤُكَ فَاصْبِرْ لِلَّذِي جَلَسْتَ لِتَنْظُرَ إِلَيْهِ يَا ابْنَ عِمْرَانَ وَكَانَ جَبَلُ مُوسَى جَبَلًا عَظِيمًا، فَأَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُحْمَلَ عَرْشُهُ، ثُمَّ قَالَ: مُرُّوا بِي عَلَى عَبْدِي لِيَرَانِي، فَقَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ مَا رَأَى، فَانْفَرَجَ الْجَبَلُ مِنْ عَظَمَةِ الرَّبِّ، وَغَشِيَ ضَوْءُ عَرْشِ الرَّحْمَنِ جَبَلَ مُوسَى، وَرَفَعَتْ مَلَائِكَةُ السَّمَوَاتِ أَصْوَاتَهَا جَمِيعًا، فَارْتَجَّ الْجَبَلُ فَانْدَكَّ، وَكُلُّ شَجَرَةٍ كَانَتْ فِيهِ، وَخَرَّ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ صَعِقًا عَلَى وَجْهِهِ لَيْسَ مَعَهُ رُوحُهُ، فَأَرْسَلَ اللَّهُ الْحَيَاةَ بِرَحْمَتِهِ، فَتَغَشَّاهُ بِرَحْمَتِهِ وَقَلَبَ الْحَجَرَ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَجَعَلَهُ كَالْمعدةِ، كَهَيْئَةِ الْقُبَّةِ لِئَلَّا يَحْتَرِقَ مُوسَى، فَأَقَامَهُ الرُّوحُ مِثْلَ الْأُمِّ أَقَامَتْ جَنِينَهَا حِينَ يُصْرَعُ، قَالَ: فَقَامَ مُوسَى يُسَبِّحُ اللَّهَ وَيَقُولُ: آمَنْتُ أَنَّكَ رَبِّي، وَصَدَّقْتُ أَنَّهُ لَا يَرَاكَ أَحَدٌ فَيَحْيَا، وَمَنْ نَظَرَ إِلَى مَلَائِكَتِكَ انْخَلَعَ قَلْبُهُ، فَمَا أَعْظَمَكَ رَبِّ وَأَعْظَمَ مَلَائِكَتَكَ، أَنْتَ رَبُّ الْأَرْبَابِ وَإِلَهُ الْآلِهَةِ وَمَلِكُ الْمُلُوكِ، تَأْمُرُ الْجُنُودَ الَّذِينَ عِنْدَكَ فَيُطِيعُونَكَ، وَتَأْمُرُ السَّمَاءَ وَمَا فِيهَا فَتُطِيعُكَ، لَا تَسْتَنْكِفُ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يَعْدِلُكَ شَيْءٌ وَلَا يَقُومُ لَكَ شَيْءٌ، رَبِّ تُبْتُ إِلَيْكَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ، مَا أَعْظَمَكَ

وَأَجَلَّكَ رَبَّ الْعَالَمِينَ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: 143] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا اطَّلَعَ الرَّبُّ لِلْجَبَلِ جَعَلَ اللَّهُ الْجَبَلَ دَكًّا: أَيْ: مُسْتَوِيًا بِالْأَرْضِ.
﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: 143] أَيْ: مَغْشِيًّا عَلَيْهِ وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَنْقَزِيُّ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: 143] قَالَ: مَا تَجَلَّى مِنْهُ إِلَّا قَدْرُ الْخِنْصَرِ.
﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: 143] قَالَ: تُرَابًا.
﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: 143] قَالَ: مَغْشِيًّا عَلَيْهِ "

حَدَّثَنَا مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، قَالَ: زَعَمَ السُّدِّيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: «تَجَلَّى مِنْهُ مِثْلُ الْخِنْصَرِ، فَجَعَلَ الْجَبَلَ دَكًّا، وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا، فَلَمْ يَزَلْ صَعِقًا مَا شَاءَ اللَّهُ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: 143] قَالَ: مَغْشِيًّا عَلَيْهِ "

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: 143] قَالَ: انْقَعَرَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا أَيْ: مَيِّتًا "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: " ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: 143] أَيْ: مَيِّتًا "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿دَكًّا﴾ [الأعراف: 143] قَالَ: دَكَّ بَعْضُهُ بَعْضًا "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا سُوَيْدٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ، قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: " ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: 143] قَالَ: سَاخَ الْجَبَلُ فِي الْأَرْضِ حَتَّى وَقَعَ فِي الْبَحْرِ، فَهُوَ يَذْهَبُ مَعَهُ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، عَنِ الْحَجَّاجِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْهُذَلِيِّ: " ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: 143] انْقَعَرَ فَدَخَلَ تَحْتَ الْأَرْضِ فَلَا يَظْهَرُ إِلَى يَوْمِ

الْقِيَامَةِ "

جارٍ التحميل