ذِكْرُ الْمَعَانِي الَّتِي حَدَثَتْ فِي قَوْمِ فِرْعَوْنَ بِحُدُوثِ هَذِهِ الْآيَاتِ وَالسَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ أَحْدَثَهَا اللَّهُ فِيهِمْ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، قَالَ: ثنا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ [الأعراف: 134] يَقُولُ: الْعَذَابُ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ [الأعراف: 134] قَالَ: الرِّجْزُ: الْعَذَابُ الَّذِي سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْجَرَادِ وَالْقُمَّلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَكُلُّ ذَلِكَ يُعَاهِدُونَهُ ثُمَّ يَنْكُثُونَ " وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرِّجْزِ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا بِشَوَاهِدِهِ الْمُغْنِيَّةِ عَنْ إِعَادَتِهَا.
وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ أَنَّهُمْ لَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ، وَهُوَ الْعَذَابُ وَالسُّخْطُ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، فَزِعُوا إِلَى مُوسَى بِمَسْأَلَتِهِ رَبَّهُ كَشْفَ ذَلِكَ عَنْهُمْ وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرِّجْزُ كَانَ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ؛ لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ كَانَ عَذَابًا عَلَيْهِمْ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرِّجْزُ كَانَ طَاعُونًا.
وَلَمْ يُخْبِرْنَا اللَّهُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ؟ وَلَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَيِّ ذَلِكَ كَانَ خَبَرٌ فَنُسَلِّمَ لَهُ.
فَالصَّوَابُ أَنْ نَقُولَ فِيهِ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ [الأعراف: 134] وَلَا نَتَعَدَّاهُ إِلَّا بِالْبَيَانِ الَّذِي لَا تَمَانُعَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَهُوَ لَمَّا حَلَّ بِهِمْ عَذَابُ اللَّهِ وَسَخَطُهُ، ﴿قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ [الأعراف: 134] يَقُولُ: بِمَا أَوْصَاكَ وَأَمَرَكَ بِهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْعَهْدِ فِيمَا مَضَى ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ﴾ [الأعراف: 134] يَقُولُ: لَئِنْ رَفَعْتَ عَنَّا الْعَذَابَ الَّذِي
نَحْنُ فِيهِ ﴿لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ﴾ [الأعراف: 134] يَقُولُ: لَنُصَدِّقَنَّ بِمَا جِئْتَ بِهِ وَدَعَوْتَ إِلَيْهِ وَلَنُقِرَّنَّ بِهِ لَكَ ﴿وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأعراف: 134] يَقُولُ: وَلَنُخَلِّيَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَا نَمْنَعُهُمْ أَنْ يَذْهَبُوا حَيْثُ شَاءُوا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: 135] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَدَعَا مُوسَى رَبَّهُ، فَأَجَابَهُ، فَلَمَّا رَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ الَّذِي أَنْزَلَهُ بِهِمْ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ لِيَسْتَوْفُوا عَذَابَ أَيَّامِهِمُ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْحَيَاةِ أَجَلًا إِلَى وَقْتِ هَلَاكِهِمْ،
﴿إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: 135] يَقُولُ: إِذَا هُمْ يَنْقُضُونَ عُهُودَهُمُ الَّتِي عَاهَدُوا رَبَّهُمْ وَمُوسَى، وَيُقِيمُونَ عَلَى كُفْرِهِمْ وَضَلَالِهِمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: " ﴿إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ﴾ [الأعراف: 135] قَالَ: عَدَدٍ مُسَمًّى لَهُمْ مِنْ أَيَّامِهِمْ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، نَحْوَهُ
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: 135] قَالَ: مَا أَعْطُوا مِنَ الْعُهُودِ، وَهُوَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: 130] وَهُوَ الْجُوعُ، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 130] "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 136] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَلَمَّا نَكَثُوا عُهُودَهُمْ، انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ، يَقُولُ: انْتَصَرْنَا مِنْهُمْ بِإِحْلَالِ نِقْمَتِنَا بِهِمْ وَذَلِكَ عَذَابُهُ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ، وَهُوَ الْبَحْرُ، كَمَا قَالَ ذُو الرُّمَّةِ:
[البحر البسيط]
دَاوِيَّةٌ وَدُجَى لَيْلٍ كَأَنَّهُمَا ... يَمٌّ تَرَاطَنُ فِي حَافَاتِهِ الرُّومُ
وَكَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:
[البحر الرجز]
كَبَاذِخِ الْيَمِّ سَقَاهُ الْيَمُّ
﴿بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأعراف: 136] يَقُولُ: فَعَلْنَا ذَلِكَ بِهِمْ، بِتَكْذِيبِهِمْ بِحُجَجِنَا وَأَعْلَامِنَا الَّتِي أَرَيْنَاهُمُوهَا.
﴿وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 136] يَقُولُ: وَكَانُوا عَنِ النِّقْمَةِ الَّتِي أَحْلَلْنَاهَا بِهِمْ غَافِلِينَ قَبْلَ حُلُولِهَا بِهِمْ أَنَّهَا بِهِمْ حَالَّةٌ.
وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ فِي قَوْلِهِ: ﴿عَنْهَا﴾ [البقرة: 36] كِنَايَةٌ مِنْ ذِكْرِ النِّقْمَةِ، فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: هِيَ كِنَايَةٌ مِنْ ذِكْرِ الْآيَاتِ، وَوَجْهُ تَأْوِيلِ الْكَلَامِ إِلَى: وَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ
فَجَعَلَ إِعْرَاضَهُمْ عَنْهَا غُفُولًا مِنْهُمْ إِذْ لَمْ يَقْبَلُوهَا كَانَ مَذْهَبًا.
يُقَالُ مِنَ الْغَفْلَةِ، غَفَلَ الرَّجُلُ عَنْ كَذَا يَغْفُلُ عَنْهُ غَفْلَةً وَغُفُولًا وَغَفْلًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: 137] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ
يَسْتَضْعَفُونَهُمْ، فَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَهُمْ، وَيَسْتَخْدِمُونَهُمْ تَسْخِيرًا وَاسْتِعْبَادًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، مَشَارِقَ الْأَرْضِ الشَّامَ، وَذَلِكَ مَا يَلِي الشَّرْقَ مِنْهَا، وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا، يَقُولُ: الَّتِي جَعَلْنَا فِيهَا الْخَيْرَ ثَابِتًا دَائِمًا لِأَهْلِهَا.
وَإِنَّمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وأَوْرَثْنَا﴾ [الأعراف: 137] لِأَنَّهُ أَوْرَثَ ذَلِكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، بِمَهْلِكِ مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْعَمَالِقَةِ.
وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْلِهِ: ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ [الأعراف: 137] قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ يَمَانٍ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ فُرَاتِ الْقَزَّازِ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: 137] قَالَ: الشَّامُ "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ فُرَاتِ الْقَزَّازِ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا قَبِيصَةُ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ فُرَاتِ الْقَزَّازِ، عَنِ الْحَسَنِ: " الْأَرْضُ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا، قَالَ: الشَّامُ "
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: 137] هِيَ أَرْضُ الشَّامِ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: " ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: 137] قَالَ: الَّتِي بَارِكَ فِيهَا: الشَّامُ " وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ يَزْعُمُ أَنَّ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا نَصْبٌ عَلَى الْمَحِلِّ، يَعْنِي: وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ
وَمَغَارِبِهَا، وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأَوْرَثْنَا﴾ [الأعراف: 137] إِنَّمَا وَقَعَ عَلَى قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف: 137] وَذَلِكَ قَوْلٌ لَا مَعْنًى لَهُ؛ لِأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَكُنْ يَسْتَضْعِفْهُمْ أَيَّامَ فِرْعَوْنَ غَيْرُ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ سُلْطَانٌ إِلَّا بِمِصْرَ، فَغَيْرُ جَائِزٍ وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: الَّذِينَ يُسْتَضْعَفُونَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ مَعْنَاهُ: فِي مَشَارِقِ أَرْضِ مِصْرَ وَمَغَارِبِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ بَعِيدٌ مِنَ الْمَفْهُومِ فِي الْخَطَّابِ: مَعَ خُرُوجِهِ عَنْ أَقْوَالِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ وَالْعُلَمَاءِ بِالتَّفْسِيرِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾ فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَفِي وَعْدِ اللَّهِ الَّذِي وَعَدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِتَمَامِهِ، عَلَى مَا وَعَدَهُمْ مِنْ تَمْكِينِهِمْ فِي الْأَرْضِ، وَنَصْرِهِ إِيَّاهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ فِرْعَوْنَ.
وَكَلِمَتُهُ الْحُسْنَى قَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: 6] وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: " ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قَالَ: ظُهُورُ قَوْمِ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ، وَتَمْكِينُ اللَّهِ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ، وَمَا وَرَّثَهُمْ مِنْهَا "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ [الأعراف: 137] فَإِنَّهُ يَقُولُ: وَأَهْلَكْنَا مَا كَانَ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ يَصْنَعُونَهُ مِنَ الْعِمَارَاتِ وَالْمَزَارِعِ.
﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: 137] يَقُولُ: وَمَا كَانُوا يَبْنُونَ مِنَ الْأَبْنِيَةِ وَالْقُصُورِ، وَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَخَرَّبْنَا جَمِيعَ ذَلِكَ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى التَّعْرِيشِ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: 137] يَقُولُ: يَبْنُونَ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: 137] يَبْنُونَ الْبُيُوتَ وَالْمَسَاكِنَ مَا بَلَغَتْ، وَكَانَ عِنَبُهُمْ غَيْرَ مَعْرُوشٍ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ.
وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ
﴿يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: 137] بِكَسْرِ الرَّاءِ، سِوَى عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ، فَإِنَّهُ قَرَأَهُ بِضَمِّهَا.
وَهُمَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي الْعَرَبِ، يُقَالُ: عَرَشَ يَعْرِشُ وَيَعْرُشُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ لِاتِّفَاقِ مَعْنَى ذَلِكَ، وَأَنَّهُمَا مَعْرُوفَانِ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي فِعْلٍ إِذَا رَدَّتْهُ إِلَى الِاسْتِقْبَالِ، تَضُمُّ الْعَيْنَ مِنْهُ أَحْيَانًا، وَتَكْسِرُهُ أَحْيَانًا.
غَيْرَ أَنَّ أَحَبَّ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ كَسْرُ الرَّاءِ لِشُهْرَتِهَا فِي الْعَامَّةِ وَكَثْرَةِ الْقِرَاءَةِ بِهَا وَأَنَّهَا أَصَحُّ اللُّغَتَيْنِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: 138] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَقَطَعْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ بَعْدَ الْآيَاتِ الَّتِي أَرَيْنَاهُمُوهَا وَالْعِبَرِ الَّتِي عَايَنُوهَا عَلَى يَدَيْ نَبِيِّ
اللَّهِ مُوسَى، فَلَمْ تَزْجُرْهُمْ تِلْكَ الْآيَاتُ وَلَمْ تَعِظْهُمْ تِلْكَ الْعِبَرُ وَالْبَيِّنَاتُ حَتَّى قَالُوا مَعَ مُعَايَنَتِهِمْ مِنَ الْحُجَجِ مَا يَحِقُّ أَنْ يُذْكَرَ مَعَهَا الْبَهَائِمُ، إِذْ مَرُّوا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ، يَقُومُونَ
عَلَى مُثُلٍ لَهُمْ يَعْبُدُونَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ، اجْعَلْ لَنَا يَا مُوسَى إِلَهًا، يَقُولُ: مِثَالًا نَعْبُدُهُ وَصَنَمًا نَتَّخِذُهُ إِلَهًا، كَمَا لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ أَصْنَامٌ يَعْبُدُونَهَا، وَلَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ لِشَيْءٍ سِوَى اللَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ.
وَقَالَ مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: إِنَّكُمْ أَيُّهَا الْقَوْمُ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ عَظَمَةَ اللَّهِ وَوَاجِبَ حَقِّهِ عَلَيْكُمْ، وَلَا تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الْعِبَادَةُ لِشَيْءٍ سِوَى اللَّهِ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ.
وَذُكِرَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي ذَلِكَ مَا
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: 138] قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: " عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ، قَالَ: تَمَاثِيلُ بَقَرٌ، فَلَمَّا كَانَ عِجْلُ السَّامِرِيِّ شُبِّهَ لَهُمْ أَنَّهُ مِنْ تِلْكَ الْبَقَرِ، فَذَلِكَ كَانَ أَوَّلَ شَأْنِ الْعِجْلِ ﴿قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: 138] " وَقِيلَ: إِنَّ الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا عُكُوفًا عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ، الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، قَوْمٌ كَانُوا مِنْ لَخْمٍ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا بِشْرُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا الْعَبَّاسُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، عَنْ أَبِي الْعَوَّامِ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: 138]
قَالَ: عَلَى لَخْمٍ، وَقِيلَ: إِنَّهُمْ كَانُوا مِنَ الْكَنْعَانِيِّينَ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِقِتَالِهِمْ "
وَقَدْ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ أَبَا وَاقِدٍ اللَّيْثِيَّ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ حُنَيْنٍ، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ، قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ اجْعَلْ لَنَا هَذِهِ ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لِلْكُفَّارِ ذَاتُ أَنْوَاطٍ، وَكَانَ الْكُفَّارُ يَنُوطُونَ سِلَاحَهُمْ بِسِدْرَةٍ يَعْكُفُونَ حَوْلَهَا.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " اللَّهُ أَكْبَرُ، هَذَا كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، إِنَّكُمْ سَتَرْكَبُونَ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ " حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سِنَانَ بْنِ أَبِي سِنَانَ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ حُنَيْنٍ، فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ، فَقُلْنَا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ اجْعَلْ لَنَا هَذِهِ ذَاتَ أَنْوَاطٍ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سِنَانَ بْنِ أَبِي سِنَانَ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، نَحْوَهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني اللَّيْثُ، قَالَ: ثني عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي سِنَانُ بْنُ أَبِي سِنَانَ الدِّيلِيُّ، عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ: أَنَّهُمْ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حُنَيْنٍ، قَالَ: وَكَانَ لِلْكُفَّارِ سِدْرَةٌ يَعْكُفُونَ عِنْدَهَا وَيُعَلِّقُونَ بِهَا أَسْلِحَتَهُمْ، يُقَالُ لَهَا ذَاتُ أَنْوَاطٍ قَالَ: فَمَرَرْنَا بِسِدْرَةٍ خَضْرَاءَ عَظِيمَةٍ، قَالَ: فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ، قَالَ: " قُلْتُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى: اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ، قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّهَا السُّنَنُ لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى.
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 139] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ قِيلِ مُوسَى لِقَوْمِهِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى: إِنَّ هَؤُلَاءِ الْعُكُوفَ عَلَى هَذِهِ الْأَصْنَامِ، اللَّهُ مُهْلِكٌ مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الْعَمَلِ وَمُفْسِدُهُ، وَمُخْسِرُهُمْ فِيهِ
بِإِثَابَتِهِ إِيَّاهُمْ عَلَيْهِ الْعَذَابَ الْمُهِينَ، وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ مِنْ عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهَا فَمُضْمَحِلٌّ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ نَافِعٍ
عِنْدَ مَجِيءِ أَمْرِ اللَّهِ وَحُلُولِهِ بِسَاحَتِهِمْ، وَلَا مُدَافِعٌ عَنْهُمْ بَأْسَ اللَّهِ إِذَا نَزَلَ بِهِمْ، وَلَا مُنْقِذُهُمْ مِنْ عَذَابِهِ إِذَا عَذَّبَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ، فَهُوَ فِي مَعْنَى مَا لَمْ يَكُنْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ [الأعراف: 139] يَقُولُ: مُهْلَكٌ مَا هُمْ فِيهِ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ [الأعراف: 139] يَقُولُ: خُسْرَانٌ "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 139] قَالَ: هَذَا كُلُّهُ وَاحِدٌ، كَهَيْئَةِ «غَفُورٌ رَحِيمٌ» ، «عَفُوٌّ غَفُورٌ» . قَالَ: وَالْعَرَبُ تَقُولُ: إِنَّهُ الْبَائِسُ الْمُتَبَّرُ، وَإِنَّهُ الْبَائِسُ الْمُخْسِرُ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ أَغْيَرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 140] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: أَسِوَى اللَّهِ أَلْتَمِسُكُمْ إِلَهًا وَأَجْعَلُ لَكُمْ مَعْبُودًا تَعْبُدُونَهُ، وَاللَّهِ الَّذِي هُوَ خَالِقُكُمْ، فَضَّلَكُمْ عَلَى عَالَمِي دَهْرِكُمْ وَزَمَانِكُمْ؟ يَقُولُ: أَفَأَبْغِيكُمْ مَعْبُودًا لَا يَنْفَعُكُمْ وَلَا
يَضُرُّكُمْ تَعْبُدُونَهُ وَتَتْرُكُونَ عِبَادَةَ مَنْ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْخَلْقِ؟ إِنَّ هَذَا مِنْكُمْ لَجَهْلٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف: 141] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ مُهَاجَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاذْكُرُوا مَعَ قِيلِكُمْ هَذَا الَّذِي قُلْتُمُوهُ لِمُوسَى بَعْدَ رُؤْيَتِكُمْ مِنَ الْآيَاتِ وَالْعِبَرِ، وَبَعْدَ النِّعَمِ الَّتِي سَلَفَتْ مِنِّي إِلَيْكُمْ،
وَالْأَيَادِي الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِعْلَكُمْ مَا فَعَلْتُمْ.
﴿إِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف: 141] وَهُمُ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى مِنْهَاجِهِ وَطَرِيقَتِهِ فِي الْكُفْرِ بِاللَّهِ مِنْ قَوْمِهِ.
﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ [البقرة: 49] يَقُولُ: إِذْ يَحْمِلُونَكُمْ أَقْبَحَ الْعَذَابِ وَسَيِّئَهُ.
وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا مَا كَانَ الْعَذَابُ الَّذِي كَانَ يَسُومُهُمْ سَيِّئَهُ.
﴿يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأعراف: 141] الذُّكُورَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ
﴿وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ [البقرة: 49] يَقُولُ: يَسْتَبِقُونَ إِنَاثَهُمْ.
﴿وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾ [البقرة: 49] يَقُولُ: وَفِي سَوْمِهِمْ إِيَّاكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ، اخْتِبَارٌ مِنَ اللَّهِ لَكُمْ وَتَعَمُّدٌ عَظِيمٌ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: 142] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَوَاعَدْنَا مُوسَى لِمُنَاجَاتِنَا ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَقِيلَ: إِنَّهَا ثَلَاثُونَ لَيْلَةً مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ.
﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: 142] يَقُولُ: وَأَتْمَمْنَا الثَّلَاثِينَ اللَّيْلَةِ بِعَشْرِ لَيَالٍ تَتِمَّةَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً.
وَقِيلَ: إِنَّ الْعَشْرَ الَّتِي أَتَمَّهَا بِهِ أَرْبَعِينَ، عَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: 142] قَالَ: ذُو الْقَعْدَةِ وَعَشْرُ ذِي الْحِجَّةِ "