تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 558-569

ذِكْرُ الْأَخْبَارِ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِالَّذِي كَانَ مِنْ فِعْلِ الْقَاتِلِ مِنَ ابْنَيْ آدَمَ بِأَخِيهِ الْمَقْتُولِ بَعْدَ قَتْلِهِ إِيَّاهُ:

صفحات 558-569
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: 64] حَمَلَهُمْ حَسَدُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْعَرَبَ عَلَى أَنْ كَفَرُوا بِهِ , وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: 64] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: 64] بَيْنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
كَمَا:

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [المائدة: 64] الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى "

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: 64] جُعِلَتِ الْهَاءُ وَالْمِيمُ فِي قَوْلِهِ ﴿بَيْنَهُمْ﴾ [المائدة: 64] كِنَايَةً عَنِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى , وَلَمْ يَجْرِ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ذِكْرٌ؟ قِيلَ: قَدْ جَرَى لَهُمْ ذِكْرٌ , وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: 51] جَرَى الْخَبَرُ فِي بَعْضِ الْآيِ عَنِ الْفَرِيقَيْنِ وَفِي بَعْضٍ عَنْ أَحَدِهِمَا , إِلَى أَنِ انْتَهَىَ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ [المائدة: 64] ثُمَّ قَصَدَ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ﴾ [المائدة: 64] الْخَبَرَ عَنِ الْفَرِيقَيْنِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: 64] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: كُلَّمَا جُمِعَ أَمْرُهُمْ عَلَى شَيْءٍ فَاسْتَقَامَ وَاسْتَوَى فَأَرَادُوا مُنَاهَضَةَ مَنْ نَاوَأَهُمْ , شَتَّتَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَأَفْسَدَهُ , لِسُوءِ فِعَالِهِمْ وَخُبْثِ نِيَّاتِهِمْ.
كَالَّذِي:

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ الرَّبِيعِ , فِي قَوْلِهِ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أَوْلَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ [الإسراء: 5] قَالَ: " كَانَ الْفَسَادُ الْأَوَّلُ , فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا , فَاسْتَبَاحُوا الدِّيَارَ وَاسْتَنْكَحُوا النِّسَاءَ وَاسْتَعْبَدُوا الْوِلْدَانَ وَخَرَّبُوا الْمَسْجِدَ.
فغَبَرُوا زَمَانًا , ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ فِيهِمْ نَبِيًّا , وَعَادَ أَمْرُهُمْ إِلَى أَحْسَنِ مَا كَانَ.
ثُمَّ كَانَ الْفَسَادُ الثَّانِي بِقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ , حَتَّى قَتَلُوا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا , فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ , قَتَلَ مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ وَسَبَى مَنْ سَبَى وَخَرَّبَ الْمَسْجِدَ , فَكَانَ بُخْتَنَصَّرُ لِلْفَسَادِ الثَّانِي.
قَالَ: وَالْفَسَادُ: الْمَعْصِيَةُ.
ثُمَّ قَالَ: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ [الإسراء: 8] فَبَعَثَ اللَّهُ لَهُمْ عُزَيْزًا , وَقَدْ

كَانَ عَلِمَ التَّوْرَاةَ وَحَفِظَهَا فِي صَدْرِهِ , وَكَتَبَهَا لَهُمْ.
فَقَامَ بِهَا ذَلِكَ الْقَرْنُ , وَلَبِثُوا وَنَسَوْا.
وَمَاتَ عُزَيْرٌ , وَكَانَتْ أَحْدَاثٌ , وَنَسَوُا الْعَهْدَ , وَبَخَّلُوا رَبَّهُمْ , وَقَالُوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64] وَقَالُوا فِي عُزَيرٍ: إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَهُ وَلَدًا.
وَكَانُوا يَعِيبُونَ ذَلِكَ عَلَى النَّصَارَى فِي قَوْلِهِمْ فِي الْمَسِيحِ , فَخَالَفُوا مَا نُهُوا عَنْهُ وَعَمِلُوا بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ عَلَيْهِ.
فسَبَقَ مِنَ اللَّهِ كَلِمَةٌ عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَدُوٍّ آخَرَ الدَّهْرَ , فَقَالَ: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: 64] فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمَجُوسَ الثَّلَاثَةَ أَرْبَابًا , فَلَمْ يَزَالُوا كَذَلِكَ وَالْمَجُوسُ عَلَى رِقَابِهِمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: يَا لَيْتَنَا أَدْرَكْنَا هَذَا النَّبِيَّ الَّذِي نَجِدُهُ مَكْتُوبًا عِنْدَنَا , عَسَى اللَّهُ أَنْ يَفُكَّنَا بِهِ مِنَ الْمَجُوسِ وَالْعَذَابِ الْهُونِ , فَبَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَاسْمُهُ مُحَمَّدٌ , وَاسْمُهُ فِي الْإِنْجِيلِ أَحْمَدُ ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: 89] قَالَ: " ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 89] وَقَالَ: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضِبٍ﴾ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: 64] هُمُ الْيَهُودُ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: 64] أُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللَّهِ الْيَهُودُ , كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ , فَلَنْ تَلْقَى الْيَهُودَ بِبَلَدٍ إِلَّا وَجَدْتَهُمْ مِنْ أَذَلَّ أَهْلِهِ , لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ حِينَ جَاءَ وَهُمْ تَحْتَ أَيْدِي الْمَجُوسِ أَبْغَضِ خَلْقِهِ إِلَيْهِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , قَوْلُهُ: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: 64] قَالَ: " كُلَّمَا أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى شَيْءٍ فَرَّقَهُ اللَّهُ , وَأَطْفَأَ حَدَّهُمْ وَنَارَهُمْ , وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ

وَقَالَ مُجَاهِدٌ بِمَا: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَوْلُهُ: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: 64] قَالَ: «حَرْبُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: 64] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَعْمَلُ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ , فَيَكْفُرُونَ بِآيَاتِهِ وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَهُ وَيُخَالِفُونَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ , وَذَلِكَ سَعْيُهُمْ فِيهَا بِالْفَسَادِ.
﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: 64] يَقُولُ: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ مَنْ

كَانَ عَامِلًا بِمَعَاصِيهِ فِي أَرْضِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [المائدة: 65] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: 65] وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ﴿آمَنُوا﴾ [البقرة: 9] بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَدَّقُوهُ وَاتَّبَعُوهُ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ ﴿وَاتَّقَوْا﴾ [البقرة: 48] مَا نَهَاهُمُ اللَّهُ

عَنْهُ فَاجْتَنَبُوهُ ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [المائدة: 65] .

يَقُولُ: " مَحَوْنَا عَنْهُمْ ذُنُوبَهُمْ , فَغَطَّيْنَا عَلَيْهَا وَلَمْ نَفْضَحْهُمْ بِهَا ﴿وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [المائدة: 65] يَقُولُ: «وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ بَسَاتِينَ يَنْعَمُونَ فِيهَا فِي الْآخِرَةِ» وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ , الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ [المائدة: 65] يَقُولُ: " آمَنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ , وَاتَّقَوْا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ﴿لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [المائدة: 65] "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 66] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: 66] وَلَوْ أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِمَا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ

﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [المائدة: 66] يَقُولُ: " وَعَمِلُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ مِنَ الْفُرْقَانِ الَّذِي جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ يُقِيمُونَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مَعَ اخْتِلَافِ هَذِهِ الْكُتُبِ وَنَسْخِ بَعْضِهَا بَعْضًا؟ قِيلَ: وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ فِي بَعْضِ أَحْكَامِهَا وَشَرَائِعِهَا , فَهِيَ مُتَّفِقَةٌ فِي الْأَمْرِ بِالْإِيمَانِ بِرُسُلِ اللَّهِ وَالتَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَتْ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؛ فَمَعْنَى إِقَامَتِهِمُ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصْدِيقُهُمْ بِمَا فِيهَا

وَالْعَمَلُ بِمَا هِيَ مُتَّفِقَةٌ فِيهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي الْخَبَرِ الَّذِي فَرَضَ الْعَمَلَ بِهِ.
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: 66] فَإِنَّهُ يَعْنِي: لَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ قَطْرَهَا , فَأَنْبَتَتْ لَهُمْ بِهِ الْأَرْضُ حَبَّهَا وَنَبَاتَهَا فَأَخْرَجَ ثِمَارَهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: 66] فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَأَكَلُوا مِنْ بَرَكَةِ مَا تَحْتَ أَقْدَامِهِمْ مِنَ الْأَرْضِ , وَذَلِكَ مَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضِ مِنْ حَبِّهَا وَنَبَاتِهَا وَثِمَارِهَا , وَسَائِرِ مَا يُؤْكَلُ مِمَّا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [المائدة: 66] يَعْنِي: " لَأَرْسَلَ السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: 66] تُخْرِجُ الْأَرْضُ بَرَكَتَهَا "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: 66] يَقُولُ: «إِذًا لَأَعْطَتْهُمُ السَّمَاءُ بَرَكَتَهَا وَالْأَرْضُ نَبَاتَهَا»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: 66] يَقُولُ: «لَوْ عَمِلُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَطَرَ فَأَنْبَتَ الثَّمَرَ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [المائدة: 66] أَمَّا إِقَامَتُهُمُ التَّوْرَاةَ: فَالْعَمَلُ بِهَا , وَأَمَّا مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ: فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ.
يَقُولُ: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: 66] أَمَّا مِنْ فَوْقِهِمْ: فَأَرْسَلْتُ عَلَيْهِمْ مَطَرًا , وَأَمَّا مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ , يَقُولُ: لَأَنْبَتُّ لَهُمْ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ رِزْقِي مَا يُغْنِيهِمْ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَوْلُهُ: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: 66] قَالَ: " بَرَكَاتٌ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمُ الْمَطَرَ , وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْ نَبَاتِ الْأَرْضِ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي , قَالَ: ثني عَمِّي , قَالَ: ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: 66] يَقُولُ: " لَأَكَلُوا مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: 66] يَقُولُ: «مِنَ الْأَرْضِ»

وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ: إِنَّمَا أُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ﴿لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة: 66] التَّوْسِعَةُ , كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: هُوَ فِي خَيْرٍ مِنْ فَرْقِهِ إِلَى قَدَمِهِ.
وَتَأْوِيلُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِخِلَافِ مَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذَا الْقَوْلِ , وَكَفَى بِذَلِكَ شَهِيدًا عَلَى فَسَادِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 66] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ﴾ [المائدة: 66] مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ ﴿مُقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: 66] يَقُولُ: " مُقْتَصِدَةٌ فِي الْقَوْلِ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ قَائِلَةٌ فِيهِ الْحَقَّ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ , لَا غَالِيَةً قَائِلَةً إِنَّهُ ابْنُ اللَّهِ

, تَعَالَى عَمَّا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ.
وَلَا مُقَصِّرَةً قَائِلَةً هُوَ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ , ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: 66] يَعْنِي مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى ﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 66] يَقُولُ: " كَثِيرٌ مِنْهُمْ سَيِّئٌ عَمَلُهُمْ , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ , فَتُكَذِّبُ النَّصَارَى بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَزْعُمُ أَنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ , وَتُكَذِّبُ الْيَهُودُ بِعِيسَى وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا , فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ ذَامًّا لَهُمْ: ﴿سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 66] فِي ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: 66] وَهُمْ مُسْلِمَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 66] "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ , أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا , يَقُولُ: " تَفَرَّقَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فِرَقًا , فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: عِيسَى هُوَ ابْنُ اللَّهِ , وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: هُوَ اللَّهُ , وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرُوحُهُ؛ وَهِيَ الْمُقْتَصِدَةُ , وَهِيَ مُسْلِمَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَالَ اللَّهُ: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: 66] يَقُولُ: " عَلَى كِتَابِهِ وَأَمْرِهِ.
ثُمَّ ذَمَّ أَكْثَرَ الْقَوْمِ , فَقَالَ: ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 66] "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ [المائدة: 66] يَقُولُ: «مُؤْمِنَةٌ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 66] قَالَ: «الْمُقْتَصِدَةُ أَهْلُ طَاعَةِ اللَّهِ» . قَالَ: «وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْكِتَابِ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 66] قَالَ: "

فَهَذِهِ الْأُمَّةُ الْمُقْتَصِدَةُ الَّذِينَ لَا هُمْ فَسَقُوا فِي الدِّينِ وَلَا هُمْ غَلَوْا.
قَالَ: وَالْغُلُوُّ: الرَّغْبَةُ , وَالْفِسْقُ: التَّقْصِيرُ عَنْهُ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة: 67] وَهَذَا أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بِإِبْلَاغِ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ

الَّذِينَ قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى قَصَصَهُمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَذَكَرَ فِيهَا مَعَايِبَهُمْ وَخُبْثَ أَدْيَانِهِمْ وَاجتِرَاءَهُمْ عَلَى رَبِّهِمْ وَتَوَثُّبَهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ وَتَبْدِيلَهُمْ كِتَابَهُ وَتَحْرِيفَهُمْ إِيَّاهُ وَرَدَاءَةَ مَطَاعِمِهِمْ وَمَآكِلِهِمْ؛ وَسَائِرِ الْمُشْرِكِينَ غَيْرِهِمْ , مَا أَنْزَلَ عَلَيْهِ فِيهِمْ مِنْ مَعَايِبِهِمْ وَالْأَزْرَاءِ عَلَيْهِمْ وَالتَّقْصِيرِ بِهِمْ وَالتَّهْجِينِ لَهُمْ , وَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ , وَأَنْ لَا يُشْعِرَ نَفْسَهُ حَذَرًا مِنْهُمْ أَنْ يُصِيبَهُ فِي نَفْسِهِ مَكْرُوهٌ , مَا قَامَ فِيهِمْ بِأَمْرِ اللَّهِ , وَلَا جَزَعًا مِنْ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَقِلَّةِ عَدَدِ مَنْ مَعَهُ , وَأَنْ لَا يَتَّقِيَ أَحَدًا فِي ذَاتِ اللَّهِ , فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَافِيهِ كُلَّ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ , وَدَافِعٌ عَنْهُ مَكْرُوهَ كُلِّ مَنْ يَتَّقِي مَكْرُوهَهُ.
وأَعْلَمَهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُ إِنْ قَصَّرَ عَنْ إِبْلَاغِ شَيْءٍ مِمَّا أَنْزَلَ إِلَيْهِ إِلَيْهِمْ , فَهُوَ فِي تَرْكِهِ تَبْلِيغَ ذَلِكَ وَإِنْ قَلَّ مَا لَمْ يُبَلِّغْ مِنْهُ , فَهُوَ فِي عَظِيمِ مَا رَكِبَ بِذَلِكَ مِنَ الذَّنْبِ بِمَنْزِلَتِهِ لَوْ لَمْ يُبَلِّغْ مِنْ تَنْزِيلِهِ

شَيْئًا " وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67] يَعْنِي: «إِنْ كَتَمْتَ آيَةً مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ , لَمْ تُبَلِّغْ رِسَالَتِي»

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: 67] الْآيَةُ , أَخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَيَكْفِيهِ النَّاسَ وَيَعْصِمُهُ مِنْهُمْ , وَأَمَرَهُ بِالْبَلَاغِ , ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهُ: لَوِ احْتَجَبَتْ.
فَقَالَ: «وَاللَّهِ لَأَبْدِيَنَّ عَقِبِي لِلنَّاسِ مَا صَاحَبْتُهُمْ»

حَدَّثَنِي الْحَارِثُ بْنُ مُحَمَّدٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ , عَنْ رَجُلٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: 67] قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا وَاحِدٌ , كَيْفَ أَصْنَعُ؟ تَجْتَمِعُ عَلَيَّ النَّاسُ» فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67] الْآيَةُ "

حَدَّثَنَا هَنَّادٌ , وَابْنُ وَكِيعٍ , قَالَا: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ ثَعْلَبَةَ , عَنْ جَعْفَرٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَحْرُسُونِي إِنَّ رَبِّي قَدْ عَصَمَنِي»

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , وَابْنُ وَكِيعٍ , قَالَا: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ , عَنِ الْجُرَيْرِيِّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَقِبُهُ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ , فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67] خَرَجَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ , الْحَقُوا بِمَلَاحِقِكُمْ , فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي مِنَ النَّاسِ»

جارٍ التحميل