تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 542-558

ذِكْرُ الْأَخْبَارِ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِالَّذِي كَانَ مِنْ فِعْلِ الْقَاتِلِ مِنَ ابْنَيْ آدَمَ بِأَخِيهِ الْمَقْتُولِ بَعْدَ قَتْلِهِ إِيَّاهُ:

صفحات 542-558
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 60] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءَ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ قُرَّاءُ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: 60] بِمَعْنَى: وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَمَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ , بِمَعْنَى: عَابِدٍ , فَجَعَلَ عَبَدَ فِعْلًا

مَاضِيًا مِنْ صِلَةِ الْمُضْمَرِ ,

وَنَصَبَ الطَّاغُوتَ بِوُقُوعِ عَبَدَ عَلَيْهِ " وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ: «وَعَبُدَ الطَّاغُوتِ» بِفَتْحِ الْعَيْنِ مِنْ عَبُدُ وَضَمَّ بَائِهَا وَخَفْضِ الطَّاغُوتَ بِإِضَافَةِ عَبُدَ إِلَيْهِ , وَعَنَوْا بِذَلِكَ: وَخَدَمُ الطَّاغُوتِ

حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَمَّادٍ , قَالَ: ثني حَمْزَةُ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ , أَنَّهُ قَرَأَ: (وَعَبُدَ الطَّاغُوتِ) يَقُولُ: خَدَمٌ.
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وَكَانَ حَمْزَةُ كَذَلِكَ يَقْرَؤُهَا " حَدَّثَنِي ابْنُ وَكِيعٍ , وَابْنُ حُمَيْدٍ قَالَا: ثنا جَرِيرٌ , عَنِ الْأَعْمَشِ , أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا كَذَلِكَ.
وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَقُولُ: إِنْ يَكُنْ فِيهِ لُغَةٌ مِثْلُ حَذِرٍ وَحَذُرٍ , وَعَجِلٍ وَعَجُلٍ , فَهُوَ وَجْهٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَإِلَّا فَإِنْ أَرَادَ قَوْلَ الشَّاعِرِ: [البحر الكامل] أَبَنِي لُبَيْنَى إِنَّ أُمَّكُمُ ... أَمَةٌ وَإِنَّ أَبَاكُمُ عَبُدُ فَإِنَّ هَذَا مِنْ ضَرُورَةِ الشِّعْرِ.
وَهَذَا يَجُوزُ فِي الشِّعْرِ لِضَرُورَةِ الْقَوَافِي , وَأَمَّا فِي الْقِرَاءَةِ فَلَا.

وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ (وَعُبُدَ الطَّاغُوتِ) ذُكِرَ ذَلِكَ عَنِ الْأَعْمَشِ , وَكَأَنَّ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَرَادَ جَمْعَ الْجَمْعِ مِنَ الْعَبْدِ , كَأَنَّهُ جَمَعَ الْعَبْدَ عَبِيدًا , ثُمَّ جَمَعَ الْعَبِيدَ عُبُدًا , مِثْلُ ثِمَارٍ وَثُمُرٍ.
وَذُكِرَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْقَارِئِ أَنَّهُ يَقْرَؤُهُ: (وعُبُدَ الطَّاغُوتِ)

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ , قَالَ: كَانَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحْوِيُّ يَقْرَؤُهَا: «وَعُبِدَ الطَّاغُوتُ» كَمَا يَقُولُ: ضُرِبَ عَبْدُ اللَّهِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذِهِ قِرَاءَةٌ لَا مَعْنَى لَهَا , لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا ابْتَدَأَ الْخَبَرَ بِذَمِّ أَقْوَامٍ , فَكَانَ فِيمَا ذَمَّهُمْ بِهِ عِبَادَتُهُمُ الطَّاغُوتَ.
وَأَمَّا الْخَبَرُ عَنْ أَنَّ الطَّاغُوتَ قَدْ عُبِدَ , فَلَيْسَ مِنْ نَوْعِ الْخَبَرِ الَّذِي ابْتَدَأَ بِهِ الْآيَةَ , وَلَا مِنْ جِنْسِ مَا خَتَمَهَا بِهِ , فَيَكُونُ لَهُ وَجْهٌ يُوَجَّهُ إِلَيْهِ مِنَ الصِّحَّةِ.
وَذُكِرَ أَنَّ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيَّ كَانَ يَقْرَؤُهُ: «وَعَابِدُ الطَّاغُوتِ» حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ , قَالَ: ثنا شَيْخٌ , بَصْرِيُّ: أَنَّ بُرَيْدَةَ , كَانَ يَقْرَؤُهُ كَذَلِكَ.
وَلَوْ قُرِئَ ذَلِكَ: «وَعَبَدَ الطَّاغُوتِ» , بِالْكَسْرِ كَانَ لَهُ مَخْرَجٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ صَحِيحٌ , وَإِنْ لَمْ أَسْتَجِزِ الْيَوْمَ الْقِرَاءَةَ بِهَا , إِذْ كَانَتْ قِرَاءَةُ الْحُجَّةُ مِنَ الْقُرَّاءَ بِخِلَافِهَا؛ وَوَجْهُ جَوَازِهَا فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهَا وَعَبْدَةُ الطَّاغُوتِ , ثُمَّ حُذِفَتِ الْهَاءُ مِنَ

الْعَبْدَةِ لِلْإِضَافَةِ , كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ: [البحر الرجز] قَامَ وُلَاهَا فَسَقَوْهُ صَرْخَدَا يُرِيدُ: قَامَ وُلَاتُهَا , فَحَذَفَ التَّاءَ مِنْ وُلَاتِهَا لِلْإِضَافَةِ.
وَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرَّاءَ فَبِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ بَدَأْتُ بِذِكْرِهِمَا , وَهُوَ: «وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ» بِنَصْبِ الطَّاغُوتِ وَإِعْمَالِ عَبَدَ فِيهِ , وَتَوْجِيهِ عَبَدَ إِلَى أَنَّهُ فِعْلٌ مَاضٍ مِنَ الْعِبَادَةِ.
وَالْآخَرُ: «عَبُدَ الطَّاغُوتِ» عَلَى مِثَالِ فَعُلَ , وَخَفْضِ الطَّاغُوتِ بِإِضَافَةِ عَبُدَ إِلَيْهِ.
فَإِذَا كَانَتْ قِرَاءَةُ الْقُرَّاءَ بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنَ الْأَوْجُهِ الَّتِي هِيَ أَصَحُّ مَخْرَجًا فِي الْعَرَبِيَّةِ مِنْهُمَا , فَأَوْلَاهُمَا بِالصَّوَابِ مِنَ الْقِرَاءَةِ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: 60] بِمَعْنَى: وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ , وَمَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ: «وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدُوا الطَّاغُوتَ» بِمَعْنَى: وَالَّذِينَ عَبَدُوا الطَّاغُوتَ.
فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى صِحَّةِ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ: وَمَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ , وَأَنَّ النَّصَبَ بِالطَّاغُوتِ أَوْلَى عَلَى مَا وَصَفْتُ فِي الْقِرَاءَةِ لِإِعْمَالِ عَبَدَ فِيهِ , إِذْ كَانَ الْوَجْهُ الْآخَرُ غَيْرَ مُسْتَفِيضٍ فِي الْعَرَبِ وَلَا مَعْرُوفٍ فِي كَلَامِهَا عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ يَسْتَنْكِرُونَ إِعْمَالَ شَيْءٍ فِي مَنْ وَالَّذِي الْمُضْمَرَيْنِ مَعَ مَنْ وَفِي إِذَا كَفَّتْ مَنْ أَوْ فِي مِنْهُمَا , وَيَسْتَقْبِحُونَهُ , حَتَّى كَانَ

بَعْضُهُمْ يُحِيلُ ذَلِكَ وَلَا يُجِيزُهُ.
وَكَانَ الَّذِي يُحِيلُ ذَلِكَ يَقْرَؤُهُ: وَعَبُدَ الطَّاغُوتِ , فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ خَطَأٌ وَلَحْنٌ غَيْرُ جَائِزٍ.
وَكَانَ آخَرُونَ مِنْهُمْ يَسْتَجِيزُونَهُ عَلَى قُبْحٍ , فَالْوَاجِبُ عَلَى قَوْلِهِمْ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ بِذَلِكَ قَبِيحَةً؛ وَهُمْ مَعَ اسْتِقْبَاحِهِمْ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ قَدِ اخْتَارُوا الْقِرَاءَةَ بِهَا , وَإِعْمَالُ وَجَعَلَ فِي مَنْ وَهِيَ مَحْذُوفَةٌ مَعَ مَنْ وَلَوْ كُنَّا نَسْتَجِيزُ مُخَالَفَةَ الْجَمَاعَةِ فِي شَيْءٍ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ مُجْمِعَةً عَلَيْهِ , لَاخْتَرْنَا الْقِرَاءَةَ بِغَيْرِ هَاتَيْنِ الْقِرَاءَتَيْنِ , غَيْرَ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ مُسْتَفِيضًا , فَهُمْ لَا يَتَنَاكَرُونَهُ , فَلَا نَسْتَجِيزُ الْخُرُوجَ مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِ؛ فَلِذَلِكَ لَمْ نَسْتَجِزِ الْقِرَاءَةَ بِخِلَافِ إِحْدَى الْقِرَاءَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذَكَرْنَا أَنَّهُمْ لَمْ يَعْدُوهُمَا.
وَإِذْ كَانَتِ الْقِرَاءَةُ عِنْدَنَا مَا ذَكَرْنَا , فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ: مَنْ لَعَنَهُ , وَغَضِبَ عَلَيْهِ , وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ , وَمَنْ عَبَدَ الطَّاغُوتَ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الطَّاغُوتِ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ مِنَ الرِّوَايَاتِ وَغَيْرِهَا , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هَهُنَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 60] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ , وَهُمُ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ , فَقَالَ: مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ , وَغَضِبَ عَلَيْهِ , وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ , وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ؛ وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهُمْ شَرٌّ مَكَانًا فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ عِنْدَ اللَّهِ مِمَّنْ نَقِمْتُمْ عَلَيْهِمْ يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ

إِيمَانَهُمْ بِاللَّهِ وَبِمَا أَنْزَلَ إِلَيْهِمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الْكِتَابِ وَبِمَا أَنْزَلَ إِلَى مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﴿وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: 60] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَأَنْتُمْ مَعَ ذَلِكَ أَيُّهَا الْيَهُودُ , أَشَدُّ أَخْذًا عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ الْقَوِيمِ , وَأَجْوَرُ عَنْ سَبِيلِ الرُّشْدِ وَالْقَصْدِ مِنْهُمْ.
وَهَذَا مِنْ لَحْنِ الْكَلَامِ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا قَصَدَ بِهَذَا الْخَبَرِ إِخْبَارَ الْيَهُودِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي الْآيَاتِ قَبْلَ هَذِهِ بِقَبِيحِ فِعَالِهِمْ وَذَمِيمِ أَخْلَاقِهِمْ وَاسْتِيجَابِهِمْ سَخَطَهُ بِكَثْرَةِ ذُنُوبِهِمْ وَمَعَاصِيهِمْ , حَتَّى مَسَخَ بَعْضَهُمْ قِرَدَةً وَبَعْضَهُمْ خَنَازِيرَ , خِطَابًا مِنْهُ لَهُمْ بِذَلِكَ تَعْرِيضًا بِالْجَمِيلِ مِنَ الْخِطَابِ , وَلَحْنٌ لَهُمْ بِمَا عَرَفُوا مَعْنَاهُ مِنَ الْكَلَامِ بِأَحْسَنِ اللَّحْنِ , وَعَلَّمَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَدَبِ أَحْسَنَهُ , فَقَالَ لَهُ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ , أَهَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَبِكُتُبِهِ الَّذِينَ تَسْتَهْزِءُونَ مِنْهُمْ شَرٌّ أَمْ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ؟ وَهُوَ يَعْنِي الْمَقُولَ ذَلِكَ لَهُمْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَإِذَا جَاءَكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ مِنَ الْيَهُودِ , قَالُوا لَكُمْ: آمَنَّا: أَيْ صَدَّقْنَا بِمَا جَاءَ بِهِ نَبِيُّكُمْ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

, وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى دِينِهِ , وَهُمْ مُقِيمُونَ عَلَى كُفْرِهِمْ وَضَلَالَتِهِمْ , قَدْ دَخَلُوا عَلَيْكُمْ بِكُفْرِهِمُ الَّذِي يَعْتَقِدُونَهُ بِقُلُوبِهِمْ وَيُضْمِرُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ , وَهُمْ يُبْدُونَ كَذِبًا التَّصْدِيقَ لَكُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ.
﴿وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: 61] يَقُولُ: " وَقَدْ خَرَجُوا بِالْكُفْرِ مِنْ عِنْدِكُمْ كَمَا دَخَلُوا بِهِ عَلَيْكُمْ لَمْ يَرْجِعُوا بِمَجِيئِهِمْ إِلَيْكُمْ عَنْ كُفْرِهِمْ وَضَلَالَتِهِمْ , يَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِمْ يَخْفَى عَلَى اللَّهِ جَهْلًا مِنْهُمْ بِاللَّهِ.
﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: 61] يَقُولُ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عِنْدَ قَوْلِهِمْ لَكِنْ بِأَلْسِنَتِهِمْ: آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِمُحَمَّدٍ وَصَدَّقْنَا بِمَا جَاءَ بِهِ، يَكْتُمُونَ

مِنْهُمْ بِمَا يُضْمِرُونَهُ مِنَ الْكُفْرِ بِأَنْفُسِهِمْ، وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ الْآيَةُ: أُنَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ كَانُوا يَدْخُلُونَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيُخْبِرُونَهُ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ رَاضُونَ بِالَّذِي جَاءَ بِهِ , وَهُمْ مُتَمَسِّكُونَ بِضَلَالَتِهِمْ وَالْكُفْرِ , وَكَانُوا يَدْخُلُونَ بِذَلِكَ وَيَخْرُجُونَ بِهِ مِنْ عِنْدِ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ قَالَ: " هَؤُلَاءِ نَاسٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَهُودَ.
يَقُولُ: دَخَلُوا كُفَّارًا وَخَرَجُوا كُفَّارًا "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي , قَالَ: ثني عَمِّي , قَالَ: ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ وَإِنَّهُمْ دَخَلُوا وَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ بِالْحَقِّ وَتُسِرُّ قُلُوبُهُمُ الْكُفْرَ , فَقَالَ: دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: 72] فَإِذَا رَجَعُوا إِلَى كُفَّارِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَشَيَاطِينِهِمْ , رَجَعُوا بِكُفْرِهِمْ.
وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنْ يَهُودَ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ: ﴿وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ [المائدة: 61] أَيْ «إِنَّهُ مِنْ عِنْدِهِمْ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 62] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَتَرَى يَا مُحَمَّدُ كَثِيرًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ قَصَصْتُ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 62] يَقُولُ: "

يُعَجِّلُونَ بِمُوَاقَعَةِ الْإِثْمِ.
وَقِيلَ: إِنَّ الْإِثْمَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْنِيٌّ بِهِ الْكُفْرُ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 62] قَالَ: " الْإِثْمُ: الْكُفْرُ "

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 62] وَكَانَ هَذَا فِي حُكَّامِ الْيَهُودِ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 62] قَالَ: " هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ﴾ [المائدة: 63] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: 63] قَالَ: «يَصْنَعُونَ وَيَعْمَلُونَ وَاحِدٌ.
قَالَ لِهَؤُلَاءِ حِينَ لَمْ يَنْهَوْا , كَمَا قَالَ لِهَؤُلَاءِ حِينَ عَمِلُوا» قَالَ: وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنِ السُّدِّيِّ وَإِنْ كَانَ قَوْلًا غَيْرُ مَدْفُوعٍ جَوَازُ صِحَّتِهِ , فَإِنَّ الَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْكَلَامِ أَنْ يَكُونَ الْقَوْمُ مَوْصُوفِينَ بِأَنَّهُمْ يُسَارِعُونَ فِي جَمِيعِ مَعَاصِي اللَّهِ لَا يَتَحَاشَوْنَ مِنْ شَيْءٍ مِنْهَا لَا مِنْ كُفْرٍ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَمَّ فِي وَصْفِهِمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ مِنْ أَنَّهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخُصَّ بِذَلِكَ إِثْمًا دُونَ إِثْمٍ.
وَأَمَّا الْعُدْوَانُ , فَإِنَّهُ مُجَاوَزَةُ الْحَدِّ الَّذِي حَدَّهُ اللَّهُ لَهُمْ فِي كُلِّ مَا حَدَّهُ لَهُمْ.
وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْيَهُودَ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ , يُسَارِعُ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي مَعَاصِي اللَّهِ وَخِلَافِ أَمْرِهِ , وَيَتَعَدَّوْنَ حُدُودَهُ الَّتِي حَدَّ لَهُمْ فِيمَا أَحَلَّ لَهُمْ وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِي أَكْلِهِمُ السُّحْتَ , وَذَلِكَ الرِّشْوَةُ الَّتِي يَأْخُذُونَهَا مِنَ النَّاسِ عَلَى الْحُكْمِ بِخِلَافِ حُكْمِ اللَّهِ فِيهِمْ.
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 62] يَقُولُ: " أَقْسَمَ لَبِئْسَ الْعَمَلُ مَا كَانَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ يَعْمَلُونَ فِي مُسَارَعَتِهِمْ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: 63] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: هَلَا يَنْهَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِ الرُّشَا فِي الْحُكْمِ مِنَ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَبَّانِيُّوهُمْ , وَهُمْ أَئِمَّتُهُمُ الْمُؤْمِنُونَ

, وَسَاسَتُهُمُ الْعُلَمَاءُ بِسِيَاسَتِهِمْ وَأَحْبَارَهُمْ , وَهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ وَقُوَّادُهُمْ ﴿عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾ [المائدة: 63] يَعْنِي: " عَنْ قَوْلِ الْكَذِبِ وَالزُّورِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْكُمُونَ فِيهِمْ بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ , وَيَكْتُبُونَ كُتُبًا بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ: هَذَا مِنْ حُكْمِ اللَّهِ , وَهَذَا مِنْ كُتُبِهِ.
يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: 79] وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: 62] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ الرِّشْوَةَ الَّتِي كَانُوا يَأْخُذُونَهَا عَلَى حُكْمِهِمْ بِغَيْرِ كِتَابِ اللَّهِ لِمَنْ حَكَمُوا لَهُ بِهِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَارِ وَمَعْنَى السُّحْتِ بِشَوَاهِدِ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: 63] وَهَذَا قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ أَقْسَمَ بِهِ , يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَقْسَمَ لَبِئْسَ الصَّنِيعُ كَانَ يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ فِي تَرْكِهِمْ نَهْيَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ مِنْهُمْ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِ السُّحْتِ عَمَّا كَانُوا يَفْعَلُونَ مِنْ ذَلِكَ.
وَكَانَ الْعُلَمَاءُ يَقُولُونَ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدَّ تَوْبِيخًا لِلْعُلَمَاءِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَلَا أَخْوَفَ عَلَيْهِمْ مِنْهَا

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دَاوُدَ , قَالَ: ثنا سَلَمَةُ بْنُ نُبَيْطٍ , عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ﴾ [المائدة: 63] قَالَ: «مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَخْوَفَ عِنْدِي مِنْهَا أَنَّا لَا نَنْهَى»

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ: ثنا ابْنُ عَطِيَّةَ , قَالَ: ثنا قَيْسٌ , عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنْ خَالِدِ بْنِ دِينَارٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: مَا فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ أَشَدَّ تَوْبِيخًا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُون﴾ [المائدة: 63] قَالَ: " كَذَا قَرَأَ؟ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا هَنَّادٌ , قَالَ: ثنا وَكِيعٌ , وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ , عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ , وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ , لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: 63] "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: 63] يَعْنِي الرَّبَّانِيِّينَ أَنَّهُمْ

لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: 64] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ جَرَاءَةِ الْيَهُودِ عَلَى رَبِّهِمْ وَوَصْفِهِمْ إِيَّاهُ بِمَا لَيْسَ مِنْ صِفَتِهِ , تَوْبِيخًا لَهُمْ بِذَلِكَ وَتَعْرِيفًا مِنْهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِيمَ جَهْلِهِمْ وَاغْتِرَارَهُمْ بِهِ وَإِنْكَارَهُمْ جَمِيعَ جَمِيلِ أَيَادِيهِ عِنْدَهُمْ وَكَثْرَةَ صَفْحِهِ عَنْهُمْ وَعَفْوِهِ عَنْ عَظِيمِ إِجْرَامِهِمْ , وَاحْتِجَاجًا لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ لَهُ نَبِيُّ مَبْعُوثٌ وَرَسُولٌ مُرْسَلٌ أَنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَنْبَاءُ الَّتِي أَنْبَأَهُمْ بِهَا كَانَتْ مِنْ خَفِيِّ عُلُومِهِمْ وَمَكْنُونِهَا الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا أَحْبَارُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْيَهُودِ فَضْلًا فَأَطْلَعَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُقَرِّرَ عِنْدَهُمْ صِدْقَهُ وَيَقْطَعَ بِذَلِكَ حُجَّتَهُمْ.
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ﴾ [البقرة: 113] مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: 64] يَعْنُونَ: أَنَّ خَيْرَ اللَّهِ مُمْسَكٌ , وَعَطَاءُهُ مَحْبُوسٌ عَنِ الِاتِّسَاعِ عَلَيْهِمْ , كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي تَأْدِيبِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: 29] وَإِنَّمَا وَصَفَ تَعَالَى ذِكْرُهُ الْيَدَ بِذَلِكَ , وَالْمَعْنَى: الْعَطَاءُ , لِأَنَّ عَطَاءَ النَّاسِ وَبَذْلَ مَعْرُوفِهِمُ الْغَالِبَ بِأَيْدِيهِمْ , فَجَرَى اسْتِعْمَالُ النَّاسِ فِي وَصْفِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا إِذَا وَصَفُوهُ بِجُودٍ وَكَرَمٍ أَوْ بِبُخْلٍ وَشُحٍّ وَضِيقٍ , بِإِضَافَةِ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ

الْمَوْصُوفِ إِلَى يَدَيْهِ , كَمَا قَالَ الْأَعْشَى فِي مَدْحِ رَجُلٍ: [البحر الطويل] يَدَاكَ يَدَا مَجْدٍ فَكَفٌّ مُفِيدَةٌ ... وَكَفٌّ إِذَا مَا ضُنَّ بِالزَّادِ تُنْفِقُ فَأَضَافَ مَا كَانَ صِفَةَ صَاحِبِ الْيَدِ مِنْ إِنْفَاقٍ وَإِفَادَةٍ إِلَى الْيَدِ؛ وَمِثْلُ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي أَشْعَارِهَا وَأَمْثَالِهَا أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَى.
فخَاطَبَهُمُ اللَّهُ بِمَا يَتَعَارَفُونَهُ , وَيَتَحَاوَرُونَهُ بَيْنَهُمْ فِي كَلَامِهِمْ , فَقَالَ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: 64] يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ يَبْخَلُ عَلَيْنَا وَيَمْنَعُنَا فَضْلَهُ فَلَا يَفْضُلُ , كَالْمَغْلُولَةِ يَدُهُ الَّذِي لَا يَقْدِرُ أَنْ يَبْسُطَهَا بِعَطَاءٍ وَلَا بَذْلٍ مَعْرُوفٍ.
تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا قَالَ أَعْدَاءُ اللَّهِ.
فَقَالَ اللَّهُ مُكَذِّبُهُمْ وَمُخْبِرُهُمْ بِسَخَطِهِ عَلَيْهِمْ: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: 64] يَقُولُ: " أُمْسِكَتْ أَيْدِيهِمْ عَنِ الْخَيْرَاتِ , وَقُبِضَتْ عَنِ الِانْبِسَاطِ بِالْعَطِيَّاتِ , وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا , وَأُبْعِدُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ بِالَّذِي قَالُوا مِنَ الْكُفْرِ وَافْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ وَوَصَفُوهُ بِهِ مِنَ الْكَذِبِ , وَالْإِفْكِ ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64] يَقُولُ: " بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ بِالْبَذْلِ وَالِاعْطَاءِ وَأَرْزَاقِ عِبَادِهِ وَأَقْوَاتِ خَلْقِهِ , غَيْرُ مَغْلُولَتَيْنِ وَلَا مَقْبُوضَتَيْنِ ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64] يَقُولُ: " يُعْطِي هَذَا وَيَمْنَعُ هَذَا فَيُقَتِّرُ عَلَيْهِ.
وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: 64] قَالَ: لَيْسَ يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّ يَدَ اللَّهِ مُوثَقَةٌ , وَلَكِنَّهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّهُ

بَخِيلٌ أَمْسَكَ مَا عِنْدَهُ.
تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: 64] قَالَ: «لَقَدْ يَجْهَدُنَا اللَّهُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ حَتَّى جَعَلَ اللَّهُ يَدَهُ إِلَى نَحْرِهِ.
وَكَذَبُوا»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: 64] قَالَ: " الْيَهُودُ تَقُولُ: لَقَدْ يَجْهَدُنَا اللَّهُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَيَا أَهْلَ الْكِتَابِ حَتَّى إِنَّ يَدَهُ إِلَى نَحْرِهِ.
بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانٍ , يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: 64] غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا إِلَى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: 64] أَمَّا قَوْلُهُ ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: 64] قَالُوا: اللَّهُ بِخَيْلٌ غَيْرُ جَوَادٍ , قَالَ اللَّهُ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءَ﴾ [المائدة: 64] "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64] قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ فَلَا يَبْسُطُهَا حَتَّى يَرُدَّ عَلَيْنَا مُلْكَنَا " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64] يَقُولُ: «يَرْزُقُ كَيْفَ يَشَاءُ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , قَالَ: قَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: 64] الْآيَةُ , نَزَلَتْ فِي فِنْحَاصٍ الْيَهُودِيِّ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثنا أَبُو تُمَيْلَةَ , عَنْ عُبَيْدِ بْنِ سُلَيْمَانَ , عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ , قَوْلُهُ: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: 64] يَقُولُونَ: إِنَّهُ بِخَيْلٌ لَيْسَ بِجَوَادٍ.
قَالَ اللَّهُ: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: 64] أُمْسِكَتْ أَيْدِيهِمْ عَنِ النَّفَقَةِ وَالْخَيْرِ.
ثُمَّ قَالَ يَعْنِي نَفْسَهُ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ [المائدة: 64] وَقَالَ: ﴿لَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ [الإسراء: 29] يَقُولُ: «لَا تُمْسِكْ يَدَكَ عَنِ النَّفَقَةِ» وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْجَدَلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِذَلِكَ نِعْمَتَاهُ , وَقَالَ: ذَلِكَ بِمَعْنَى: يَدُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ , وَذَلِكَ نِعَمُهُ عَلَيْهِمْ؛ وَقَالَ: إِنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ: لَكَ عِنْدِي يَدٌ , يَعْنُونَ بِذَلِكَ: نِعْمَةً.
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ الْقُوَّةَ , وَقَالُوا: ذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي﴾ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ يَدُهُ مُلْكُهُ؛ وَقَالَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: 64] مُلْكُهُ وَخَزَائِنُهُ.
قَالُوا: وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْعَرَبِ لِلْمَمْلُوكِ: هُوَ مِلْكُ يَمِينِهِ , وَفُلَانٌ بِيَدِهِ عُقْدَةُ نِكَاحِ فُلَانَةَ: أَيْ يَمْلِكُ ذَلِكَ , وَكَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: 12] وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ: بَلْ يَدُ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ هِيَ يَدٌ , غَيْرَ أَنَّهَا لَيْسَتْ

بِجَارِحَةٍ كَجَوَارِحِ بَنِي آدَمَ.
قَالُوا: وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ عَنْ خُصُوصِيَّةِ آدَمَ بِمَا خَصَّهُ بِهِ مِنْ خَلْقِهِ إِيَّاهُ بِيَدِهِ.
قَالُوا: وَلَوْ كَانَ لِخُصُوصِيَّةِ آدَمَ بِذَلِكَ وَجْهٌ مَفْهُومٌ , إِذْ كَانَ جَمِيعُ خَلْقِهِ مَخْلُوقِينَ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتُهُ فِي خَلْقِهِ تَعُمُّهُ وَهُوَ لِجَمِيعِهِمْ مَالِكٌ.
قَالُوا: وَإِذَا كَانَ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ خَصَّ آدَمَ بِذِكْرِهِ خَلْقَهُ إِيَّاهُ بِيَدِهِ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ عِبَادِهِ , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ إِنَّمَا خَصَّهُ بِذَلِكَ لِمَعْنَى بِهِ فَارَقَ غَيْرَهُ مِنْ سَائِرِ الْخَلْقِ.
قَالُوا: وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , بَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى الْيَدِ مِنَ اللَّهِ الْقُوَّةُ وَالنِّعْمَةُ أَوِ الْمُلْكُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
قَالُوا: وَأَحْرَى أَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَمَا قَالَ الزَّاعِمُونَ إِنَّ يَدَ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: 64] هِيَ نِعْمَتُهُ , لَقِيلَ: بَلْ يَدُهُ مَبْسُوطَةٌ , وَلَمْ يَقُلْ: بَلْ يَدَاهُ , لِأَنَّ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصَى بِكَثْرَةٍ؛ وَبِذَلِكَ جَاءَ التَّنْزِيلُ , يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: 18] قَالُوا: وَلَوْ كَانَتْ نِعْمَتَيْنِ كَانَتَا مُحْصَاتَيْنِ قَالُوا: فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ النِّعْمَتَيْنِ بِمَعْنَى النِّعَمِ الْكَثِيرَةِ , فَذَلِكَ مِنْهُ خَطَأٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تُخْرِجُ الْجَمِيعَ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ لِأَدَاءِ الْوَاحِدِ عَنْ جَمِيعِ جِنْسِهِ , وَذَلِكَ كَقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: 2] , وَكَقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ [البلد: 4] وَقَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ [الفرقان: 55] قَالَ: " فَلَمْ يُرَدْ بِالْإَِنْسَانِ وَالْكَافِرِ فِي هَذِهِ الْإِمَاكِنِ إِنْسَانٌ بِعَيْنِهِ , وَلَا كَافِرٌ مُشَارٌ إِلَيْهِ حَاضِرٌ , بَلْ عُنِيَ بِهِ جَمِيعُ الْإِنْسِ وَجَمِيعُ الْكُفَّارِ , وَلَكِنَّ

الْوَاحِدَ أَدَّى عَنْ جِنْسِهِ كَمَا تَقُولُ الْعَرَبُ: مَا أَكْثَرَ الدِّرْهَمَ فِي أَيْدِي النَّاسِ , وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ﴾ [الفرقان: 55] مَعْنَاهُ: وَكَانَ الَّذِينَ كَفَرُوا.
قَالُوا: فَأَمَّا إِذَا ثُنِّيَ الِاسْمُ , فَلَا يُؤَدِّي عَنِ الْجِنْسِ , وَلَا يُؤَدِّي إِلَّا عَنِ اثْنَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا دُونَ الْجَمِيعِ وَدُونَ غَيْرِهِمَا.
قَالُوا: وَخَطَأٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يُقَالَ: مَا أَكْثَرَ الدِّرْهَمَيْنِ فِي أَيْدِي النَّاسِ.
بِمَعْنَى: مَا أَكْثَرَ الدَّرَاهِمَ فِي أَيْدِيهِمْ.
قَالُوا: وَذَلِكَ أَنَّ الدِّرْهَمَ إِذَا ثُنِّيَ لَا يُؤَدِّي فِي كَلَامِهَا إِلَّا عَنِ اثْنَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا.
قَالُوا: وَغَيْرُ مُحَالٍ: مَا أَكْثَرَ الدِّرْهَمَ فِي أَيْدِي النَّاسِ.
وَمَا أَكْثَرَ الدَّرَاهِمَ فِي أَيْدِيهِمْ.
لِأَنَّ الْوَاحِدَ يُؤَدِّي عَنِ الْجَمِيعِ.
قَالُوا: فَفِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: 64] مَعَ إِعْلَامِهِ عِبَادَهُ أَنَّ نِعَمَهُ لَا تُحْصَى , وَمَعَ مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُولٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنَّ اثْنَيْنِ يُؤَدِّيَانِ عَنِ الْجَمِيعِ , مَا يُنْبِئُ عَنْ خَطَأِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: مَعْنَى الْيَدِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: النِّعْمَةُ , وَصِحَّةُ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ يَدَ اللَّهِ هِيَ لَهُ صِفَةٌ قَالُوا: وَبِذَلِكَ تَظَاهَرْتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَالَ بِهِ الْعُلَمَاءُ وَأَهْلُ التَّأْوِيلِ.

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [المائدة: 64] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ هَذَا الَّذِي أَطْلَعْنَاكَ عَلَيْهِ مِنْ خَفِيِّ أُمُورِ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا عُلَمَاؤُهُمْ وَأَحْبَارُهُمْ , احْتِجَاجًا عَلَيْهِمْ لِصِحَّةِ نُبُوَّتِكَ , وَقَطْعًا لِعُذْرِ

قَائِلٍ مِنْهُمْ أَنْ يَقُولَ: مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ , لَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكِ طُغْيَانًا وَكُفْرًا , يَعْنِي بِالطُّغيَانِ: الْغُلُوَّ فِي إِنْكَارِ مَا قَدْ عَلِمُوا صِحَّتَهُ مِنْ نُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّمَادِي فِي ذَلِكَ ﴿وَكُفْرًا﴾ [المائدة: 64] يَقُولُ: " وَيَزِيدُهُمْ مَعَ غُلُوِّهِمْ فِي إِنْكَارِ ذَلِكَ جُحُودَهُمْ عَظَمَةِ اللَّهِ وَوَصْفَهُمْ إِيَّاهُ بِغَيْرِ صِفَتِهِ ,

بِأَنْ يَنْسُبُوهُ إِلَى الْبُخْلِ , وَيَقُولُوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: 64] وَإِنَّمَا أَعْلَمَ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ أَهْلُ عُتُوٍّ وَتَمَرُّدٍ عَلَى رَبِّهِمْ , وَأَنَّهُمْ لَا يُذْعِنُونَ لَحَقٍّ وَإِنْ عَلِمُوا صِحَّتَهُ , وَلَكِنَّهُمْ يُعَانِدُونَهُ؛ يُسَلِّي بِذَلِكَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْمَوْجِدَةِ بِهِمْ فِي ذَهَابِهِمْ عَنِ اللَّهِ وَتَكْذِيبِهِمْ إِيَّاهُ.
وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى الطُّغْيَانِ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

جارٍ التحميل