ذِكْرُ الْأَخْبَارِ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِالَّذِي كَانَ مِنْ فِعْلِ الْقَاتِلِ مِنَ ابْنَيْ آدَمَ بِأَخِيهِ الْمَقْتُولِ بَعْدَ قَتْلِهِ إِيَّاهُ:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ , عَنِ الْحَسَنِ , فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: 45] قَالَ: «كَفَّارَةٌ لِلْمَجْرُوحِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ زَكَرِيَّا , قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرًا , يَقُولُ: «كَفَّارَةٌ لِمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ»
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: 45] يَقُولُ: «لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الَّذِي عَفَا»
حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي شَبِيبُ بْنُ سَعِيدٍ , عَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ , عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ , عَنِ الْهَيْثَمِ أَبِي الْعُرْيَانِ , قَالَ: كُنْتُ بِالشَّامِ , وَإِذَا بِرَجُلٍ مَعَ مُعَاوِيَةَ قَاعِدٌ عَلَى السَّرِيرِ كَأَنَّهُ مَوْلًى , قَالَ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: 45] قَالَ: «فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ هَدَمَ اللَّهُ عَنْهُ مِثْلَهُ مِنْ ذُنُوبِهِ.
فَإِذَا هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو» وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِذَلِكَ الْجَارِحَ , وَقَالُوا مَعْنَى الْآيَةِ: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِمَا وَجَبَ لَهُ مِنْ قَوَدٍ أَوْ قِصَاصٍ عَلَى مَنْ وَجَبَ ذَلِكَ لَهُ عَلَيْهِ , فَعَفَا عَنْهُ , فَعَفْوُهُ ذَلِكَ عَنِ الْجَانِي كَفَّارَةٌ لِذَنْبِ الْجَانِي الْمُجْرِمِ , كَمَا الْقِصَاصُ مِنْهُ كَفَّارَةٌ لَهُ؛ قَالُوا: فَأَمَّا أَجْرُ الْعَافِي الْمُتَصَدِّقُ فَعَلَى اللَّهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: 45] قَالَ: «كَفَّارَةٌ لِلْجَارِحِ , وَأَجْرُ الَّذِي أُصِيبَ عَلَى اللَّهِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ , قَالَ: ثنا يُونُسُ , عَنْ أَبِي
إِسْحَاقَ , قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا , يَقُولُ لِأَبِي إِسْحَاقَ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: 45] يَا أَبَا إِسْحَاقَ؟ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: لِلْمُتَصَدِّقِ؟ فَقَالَ مُجَاهِدٌ: لِلْمُذْنِبِ الْجَارِحِ "
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ , قَالَ: قَالَ مُغِيرَةُ , قَالَ مُجَاهِدٌ: «لِلْجَارِحِ» حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ مُغِيرَةَ , عَنْ مُجَاهِدٍ , مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ , وَسُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ , قَالَا: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , وَمُجَاهِدٍ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: 45] قَالَا: " الَّذِي تَصَدَّقَ عَلَيْهِ , وَأَجْرُ الَّذِي أُصِيبَ عَلَى اللَّهِ.
قَالَ هَنَّادٌ فِي حَدِيثِهِ , قَالَا: كَفَّارَةٌ لِلَّذِي تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ " حَدَّثَنَا هَنَّادٌ , قَالَ: ثنا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ بِنَحْوِهِ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ , عَنْ زَكَرِيَّا , عَنْ عَامِرٍ , قَالَ: كَفَّارَةٌ لِمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ وَإِبْرَاهِيمَ , قَالَا: «كَفَّارَةٌ لِلْجَارِحِ , وَأَجْرُ الَّذِي أُصِيبَ عَلَى اللَّهِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ , يَقُولُ: «إِنْ عَفَا عَنْهُ أَوِ اقْتَصَّ مِنْهُ , أَوْ قَبِلَ مِنْهُ الدِّيَةَ , فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: كَفَّارَةٌ لِلْجَارِحِ وَأَجْرٌ لِلْعَافِي , لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 40] "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: 45] قَالَ: «كَفَّارَةٌ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ , قَالَ: ثنا خَالِدٌ , قَالَ: ثنا حُصَيْنٌ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: 45] قَالَ: «هِيَ كَفَّارَةٌ لِلْجَارِحِ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو نُعَيْمٍ , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: 45] قَالَ: «فَالْكَفَّارَةُ لِلْجَارِحِ , وَأَجْرُ الْمُتَصَدِّقِ عَلَى اللَّهِ»
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: 45] يَقُولُ: «لِلْقَاتِلِ , وَأَجْرٌ لِلْعَافِي»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عِمْرَانُ بْنُ ظَبْيَانَ , عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: هُتِمَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ مُعَاوِيَةَ , فَأُعْطِيَ دِيَةً فَلَمْ يَقْبَلْ , ثُمَّ أُعْطِيَ دِيَتَيْنِ فَلَمْ يَقْبَلْ , ثُمَّ أُعْطِيَ ثَلَاثًا فَلَمْ يَقْبَلْ.
فحَدَّثَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ: «فَمَنْ تَصَدَّقَ بِدَمٍ فَمَا دُونَهُ , كَانَ كَفَّارَةً لَهُ مِنْ يَوْمِ تَصَدَّقَ إِلَى يَوْمِ وُلِدَ» قَالَ: فَتَصَدَّقَ الرَّجُلُ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي , قَالَ: ثني عَمِّي , قَالَ: ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ﴾ [المائدة: 45] لَهُ يَقُولُ: «مَنْ جُرِحَ فَتَصَدَّقَ بِالَّذِي جُرِحَ بِهِ عَلَى الْجَارِحِ , فَلَيْسَ عَلَى الْجَارِحِ سَبِيلٌ وَلَا قَوَدٌ وَلَا عَقْلٌ وَلَا جُرْحٌ عَلَيْهِ؛ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ الَّذِي جُرِحَ , فَكَانَ كَفَّارَةً لَهُ مِنْ ظُلْمِهِ الَّذِي ظَلَمَ» وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِهِ: فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ الْمَجْرُوحُ , فَلَأَنْ تَكُونَ الْهَاءُ فِي قَوْلِهِ لَهُ عَائِدَةً عَلَى مَنْ أَوْلَى مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ ذِكْرِ مَنْ لَمْ يَجْرِ لَهُ ذِكْرٌ إِلَّا بِالْمَعْنَى دُونَ التَّصْرِيحِ وَأَحْرَى , إِذِ الصَّدَقَةُ هِيَ الْمُكَفِّرَةُ ذَنْبَ صَاحِبِهَا دُونَ الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ فِي سَائِرِ الصَّدَقَاتِ غَيْرَ هَذِهِ , فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ سَبِيلُ هَذِهِ سَبِيلَ غَيْرِهَا مِنَ الصَّدَقَاتِ.
فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْقِصَاصَ إِذْ كَانَ يُكَفِّرُ ذَنْبَ صَاحِبِهِ الْمُقْتَصِّ مِنْهُ الَّذِي أَتَاهُ فِي قَتْلِ مَنْ قَتَلَهُ ظُلْمًا , لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَخَذَ الْبَيْعَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ: «أَنْ لَا تَقْتُلُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَسْرِقُوا» ثُمَّ قَالَ: «فَمَنْ فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّهُ , فَهُوَ كَفَّارَتُهُ» فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُونَ عَفْوُ الْعَافِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوْ وَلِيِّ الْمَقْتُولِ عَنْهُ , نَظِيرُهُ فِي أَنَّ ذَلِكَ لَهُ كَفَّارَةٌ , فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ , لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَفْوُ الْمَقْذُوفِ عَنْ قَاذِفِهِ بِالزِّنَا وَتَرْكُهُ أَخْذَهُ بِالْوَاجِبِ لَهُ مِنَ الْحَدِّ , وَقَدْ قَذَفَهُ قَاذِفُهُ وَهُوَ عَفِيفٌ مُسْلِمٌ مِحْصَنٌ , كَفَّارَةً لِلْقَاذِفِ مِنْ ذَنْبِهِ الَّذِي رَكِبَهُ وَمَعْصِيَتِهِ الَّتِي أَتَاهَا , وَذَلِكَ مَا لَا نَعْلَمُ قَائِلًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُهُ.
فَإِذْ كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ الْمَقْذُوفِ الَّذِي وَصَفْنَا أَمْرَهُ أَخْذَ قَاذِفِهِ بِالْوَاجِبِ لَهُ مِنَ الْحَدِّ كَفَّارَةً لِلْقَاذِفِ مِنْ ذَنْبِهِ الَّذِي رَكِبَهُ , كَانَ كَذَلِكَ غَيْرَ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ الْمَجْرُوحِ أَخْذَ الْجَارِحِ بِحَقِّهِ مِنَ الْقِصَاصِ كَفَّارَةً لِلْجَارِحِ
مِنْ ذَنْبِهِ الَّذِي رَكِبَهُ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: أَوَ لَيْسَ لِلْمَجْرُوحِ عِنْدَكَ أَخْذُ جَارِحِهِ بِدِيَةِ جُرْحِهِ مَكَانَ الْقِصَاصِ؟ قِيلَ لَهُ: بَلَى.
فَإِنْ قَالَ: أَفَرَأَيْتَ لَوِ اخْتَارَ الدِّيَةَ ثُمَّ عَفَا عَنْهَا , أَكَانَتْ لَهُ قِبَلَهُ فِي الْآخِرَةِ تَبَعَةً؟ قِيلَ لَهُ: هَذَا كَلَامٌ عِنْدَنَا مُحَالٌ , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ عِنْدَنَا مُخْتَارَ الدِّيَةِ إِلَّا وَهُوَ لَهَا آخِذٌ.
فَأَمَّا الْعَفْوُ فَإِنَّمَا هُوَ عَفْوٌ عَنِ الدَّمِ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ هَذَا بِمَا أَغْنَى عَنْ تَكْرِيرِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
إِلَّا أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِذَلِكَ هِبَتُهَا لِمَنْ أُخِذَتْ مِنْهُ بَعْدَ الْأَخْذِ , مَعَ أَنَّ عَفْوَهُ عَنِ الدِّيَةِ بَعْدَ اخْتِيَارِهِ إِيَّاهَا لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِي صِحَّةِ ذَلِكَ مَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْفُوُّ لَهُ عَنْهَا بَرِيئًا مِنْ عُقُوبَةِ ذَنْبِهِ عِنْدَ اللَّهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَوْعَدَ قَاتِلَ الْمُؤْمِنِ بِمَا أَوْعَدَهُ بِهِ , إِنْ لَمْ يَتُبْ مِنْ ذَنْبِهِ , وَالدِّيَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْهُ , أَحَبَّ أَمْ سَخِطَ , وَالتَّوْبَةُ مِنَ التَّائِبِ إِنَّمَا تَكُونُ تَوْبَةً إِذَا اخْتَارَهَا وَأَرَادَهَا وَآثَرَهَا عَلَى الْإِصْرَارِ.
فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ كَفَّارَةً كَمَا جَازَ الْقِصَاصُ كَفَّارَةً؛ فَإِنَّا إِنَّمَا جَعَلْنَا الْقِصَاصَ لَهُ كَفَّارَةً مَعَ نَدَمِهِ وَبَذْلِهِ نَفْسَهُ لِأَخْذِ الْحَقِّ مِنْهَا تَنَصُّلًا مِنْ ذَنْبِهِ , بِخَبَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَأَمَّا الدِّيَةُ إِذَا اخْتَارَهَا الْمَجْرُوحُ ثُمَّ عَفَا عَنْهَا فَلَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بِحَدِّ ذَنْبِهِ , فَيَكُونُ مِمَّنْ دَخَلَ فِي حُكْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلِهِ: « فَمَنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ فَهُوَ كَفَّارَتُهُ» ثُمَّ مِمَّا يُؤَكِّدُ صِحَّةَ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ , الْأَخْبَارُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: «فَمَنْ تَصَدَّقَ بِدَمٍ» وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي قَدْ ذَكَرْنَاهَا قَبْلُ.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُونَ أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ الْجَارِحَ , أَرَادُوا الْمَعْنَى الَّذِي ذُكِرَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ , الَّذِي:
حَدَّثَنِي بِهِ الْحَرْثُ بْنُ مُحَمَّدٍ , قَالَ: ثنا ابْنُ سَلَّامٍ , قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: إِذَا أَصَابَ رَجُلٌ رَجُلًا وَلَا يَعْلَمِ الْمُصَابُ مَنْ أَصَابَهُ فَاعْتَرَفَ لَهُ الْمُصِيبُ , قَالَ: وَكَانَ مُجَاهِدٌ يَقُولُ عِنْدَ هَذَا: أَصَابَ عُرْوَةُ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَيْنَ إِنْسَانٍ عِنْدَ الرُّكْنِ فِيمَا يَسْتَلِمُونَ , فَقَالَ لَهُ: يَا هَذَا أَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ , فَإِنْ كَانَ بِعَيْنِكَ بَأْسٌ فَأَنَا بِهَا وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ مِنَ الْجَارِحِ عَلَى نَحْوِ مَا كَانَ مِنْ عُرْوَةَ مِنْ خَطَأٍ فِعْلٌ عَلَى غَيْرِ عَمْدٍ ثُمَّ اعْتَرَفَ لِلَّذِي أَصَابَهُ بِمَا أَصَابَهُ فَعَفَا لَهُ الْمُصَابُ بِذَلِكَ عَنْ حَقِّهِ قَبْلَهُ , فَلَا تَبَعَةَ لَهُ حِينَئِذٍ قَبْلَ الْمُصِيبِ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي كَانَ وَجَبَ لَهُ قَبْلَهُ مَالٌ لَا قِصَاصَ وَقَدْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ , فَإِبْرَاؤُهُ مِنْهُ كَفَّارَةٌ لَهُ مِنْ حَقَّهُ الَّذِي كَانَ لَهُ أَخْذُهُ بِهِ , فَلَا طَلِبَةَ لَهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ قِبَلَهُ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ , وَلَا عُقُوبَةَ تَلْزَمُهُ بِهَا بِمَا كَانَ مِنْهُ مَنْ أَصَابَهُ , لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ إِصَابَتَهُ بِمَا أَصَابَهُ بِهِ فَيَكُونُ بِفِعْلِهِ إِنَّمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الْعُقُوبَةَ مِنْ رَبِّهِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ وَضَعَ الْجُنَاحَ عَنْ عِبَادِهِ فِيمَا أَخْطَئُوا فِيهِ وَلَمْ
يَتَعَمَّدُوهُ مِنْ أَفْعَالِهِمْ , فَقَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5] وَقَدْ يُرَادُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بِالدَّمِ: الْعَفْوُ عَنْهُ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ مِنْ قَوَدِ النَّفْسِ الْقَاتِلَةِ قِصَاصًا بِالنَّفْسِ الْمَقْتُولَةِ ظُلْمًا.
وَلَمْ يَفْقَأْ عَيْنَ الْفَاقِئِ بِعَيْنِ الْمَفْقُوءَةِ ظُلْمًا قِصَاصًا مِمَّنْ أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ
, وَلَكِنْ أَقَادَ مِنْ بَعْضٍ وَلَمْ يُقِدْ مِنْ بَعْضٍ , أَوْ قَتَلَ فِي بَعْضٍ اثْنَيْنِ بِوَاحِدٍ , وَإِنَّ مَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مِنَ الظَّالِمِينَ , يَعْنِي مِمَّنْ جَارَ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ وَوَضَعَ فِعْلَهُ مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ مَوْضِعًا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 46] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ﴾ [المائدة: 46] أَتْبَعْنَا , يَقُولُ: أَتْبَعْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ عَلَى
آثَارِ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا مِنْ قَبْلِكَ يَا مُحَمَّدُ , فَبَعَثْنَاهُ نَبِيًّا مُصَدِّقًا لِكِتَابِنَا الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَى مُوسَى مِنْ قَبْلِهِ أَنَّهُ حَقٌّ وَأَنَّ الْعَمَلَ بِمَا لَمْ يَنْسَخْهُ الْإِنْجِيلُ مِنْهُ فَرْضٌ وَاجِبٌ ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: 46] يَقُولُ: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْهِ كِتَابَنَا الَّذِي اسْمُهُ الْإِنْجِيلُ ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: 46] يَقُولُ: " فِي الْإِنْجِيلِ هُدًى , وَهُوَ بَيَانُ مَا جَهِلَهُ النَّاسُ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ فِي زَمَانِهِ ﴿وَنَورٌ﴾ [المائدة: 44] يَقُولُ: وَضِيَاءٌ مِنْ عَمَى الْجَهَالَةِ {وَمُصَدِّقًا لِمَا
بَيْنَ يَدَيْهِ} [المائدة: 46] يَقُولُ: أَوْحَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ , وَأَنْزَلْنَاهُ إِلَيْهِ بِتَصْدِيقِ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ الَّتِي كَانَ أَنْزَلَهَا عَلَى كُلِّ أُمَّةٍ أُنْزِلَ إِلَى نَبِيِّهَا كِتَابٌ لِلْعَمَلِ بِمَا أُنْزِلَ إِلَى نَبِيِّهِمْ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ مِنْ تَحْلِيلِ مَا حُلِّلَ وَتَحْرِيمِ مَا حُرِّمَ ﴿وَهَدًى وَمَوْعِظَةً﴾ [آل عمران: 138] يَقُولُ: أَنْزَلْنَا الْإِنْجِيلَ إِلَى عِيسَى مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ الَّتِي قَبْلَهُ , وَبَيَانًا لِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ الْمُتَّقِينَ فِي زَمَانِ عِيسَى وَمَوْعِظَةً لَهُمْ , يَقُولُ: وَزَجْرًا لَهُمْ عَمَّا يَكْرَهُهُ اللَّهُ إِلَى مَا يُحِبُّهُ مِنَ الْأَعْمَالِ , وَتَنْبِيهًا لَهُمْ عَلَيْهِ.
وَالْمُتَّقُونَ: هُمُ الَّذِينَ خَافُوا اللَّهَ وَحَذَرُوا عِقَابَهُ , فَاتَّقُوهُ بِطَاعَتِهِ فِيمَا أَمَرَهُمْ وَحَذَرُوهُ بِتَرْكِ مَا نَهَاهُمْ عَنْ فِعْلِهِ , وَقَدْ مَضَى الْبَيَانُ عَنْ ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ قَبْلُ فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءَ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ﴾ [المائدة: 47] فَقَرَأَ قُرَّاءُ الْحِجَازِ وَالْبَصْرَةِ وَبَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: ﴿وَلْيَحْكُمْ﴾ [المائدة: 47] بِتَسْكِينِ اللَّامِ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ مِنَ اللَّهِ لِأَهْلِ الْإِنْجِيلِ
أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ أَحْكَامِهِ.
وَكَأَنَّ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ أَرَادَ: وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلِ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ , وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ , وَأَمَرْنَا أَهْلَهُ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ.
فَيَكُونُ فِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ تُرِكَ اسْتِغْنَاءً بِمَا ذُكِرَ عَمَّا حُذِفَ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ: «وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ» بِكَسْرِ اللَّامِ مِنْ لِيَحْكُمَ , بِمَعْنَى: كَيْ يَحْكُمَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ.
وَكَأَنَّ مَعْنَى مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ:
وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ , وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ , وَكَيْ يَحْكُمَ أَهْلُهُ بِمَا فِيهِ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ.
وَالَّذِي يَتَرَاءَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَشْهُورَتَانِ مُتَقَارِبَتَا الْمَعْنَى , فَبِأَيِّ ذَلِكَ قَرَأَ قَارِئٌ فَمُصِيبٌ فِيهِ الصَّوَابَ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُنْزِلْ كِتَابًا عَلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ إِلَّا لَيَعْمَلَ بِمَا فِيهِ أَهْلُهُ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالْعَمَلِ بِمَا فِيهِ , وَلَمْ يُنَزِّلْهُ عَلَيْهِمْ إِلَّا وَقَدْ أَمَرَهُمْ بِالْعَمَلِ بِمَا فِيهِ , فَلِلْعَمَلِ بِمَا فِيهِ أَنْزَلَهُ , وَأَمَرَ بِالْعَمَلِ بِمَا فِيهِ أَهْلَهُ.
فَكَذَلِكَ الْإِنْجِيلُ , إِذْ كَانَ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى أَنْبِيَائِهِ , فَلِلْعَمَلِ بِمَا فِيهِ أَنْزَلَهُ عَلَى عِيسَى , وَأَمَرَ بِالْعَمَلِ بِهِ أَهْلَهُ.
فَسَوَاءٌ قُرِئَ عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ بِتَسْكِينِ اللَّامِ أَوْ قُرِئَ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ بِكَسْرِهَا لِاتِّفَاقِ مَعْنَيَيْهِمَا.
وَأَمَّا مَا ذُكِرَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مِنْ قِرَاءَتِهِ ذَلِكَ: «وَأَنِ احْكُمْ» عَلَى وَجْهِ الْأَمْرِ , فَذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَصِحَّ بِهِ النَّقْلُ عَنْهُ , وَلَوْ صَحَّ أَيْضًا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ بِخِلَافِهِ مَحْظُورَةً , إِذْ كَانَ مَعْنَاهَا صَحِيحًا , وَكَانَ الْمُتَقَدِّمُونَ مِنْ أَئِمَّةِ الْقُرَّاءَ قَدْ قَرَءُوا بِهَا.
وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ مَا بَيَّنَّا , فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذَا قُرِئَ بِكَسْرِ اللَّامِ مِنْ لِيَحْكُمْ: وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْإِنْجِيلَ , فِيهِ هُدًى وَنُورٌ , وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ , وَهَدَى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ , وَكَيْ يَحْكُمَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلْنَا فِيهِ؛ فَبَدَّلُوا حُكْمَهُ وَخَالَفُوهُ , فَضَلُّوا بِخِلَافِهِمْ إِيَّاهُ , إِذْ لَمْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَخَالَفُوهُ.
﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 82] يَعْنِي: " الْخَارِجِينَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ فِيهِ , الْمُخَالِفِينَ لَهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ فِي كِتَابِهِ.
فَأَمَّا إِذَا قُرِئَ بِتَسْكِينِ اللَّامِ , فَتَأْوِيلُهُ: وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْإِنْجِيلَ , فِيهِ هُدًى وَنُورٌ , وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ , وَأَمَرْنَا أَهْلَهُ أَنْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلْنَا فِيهِ , فَلَمْ يُطِيعُونَا فِي أَمْرِنَا إِيَّاهُمْ بِمَا أَمَرْنَاهُمْ بِهِ فِيهِ , وَلَكِنَّهُمْ خَالَفُوا أَمْرَنَا , فَالَّذِينَ خَالَفُوا أَمْرَنَا الَّذِي أَمَرْنَاهُمْ بِهِ فِيهِ هُمُ الْفَاسِقُونَ.
وَكَانَ ابْنُ زَيْدٍ يَقُولُ: الْفَاسِقُونَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَفِي غَيْرِهِ: هُمُ الْكَاذِبُونَ
حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47] قَالَ: " وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِنْجِيلِ أَيْضًا بِذَلِكَ , فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ؛ قَالَ: الْكَاذِبُونَ بِهَذَا.
قَالَ: وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ: كُلُّ شَيْءٍ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا قَلِيلًا فَاسِقٌ فَهُوَ كَاذِبٌ؛ وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ [الحجرات: 6] قَالَ: " الْفَاسِقُ هَهُنَا: كَاذِبٌ " وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الْفِسْقَ بِشَوَاهِدِهِ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبَقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [المائدة: 48] وَهَذَا خِطَابٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ
: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [المائدة: 48] يَا مُحَمَّدُ ﴿الْكِتَابَ﴾ [البقرة: 2] وَهُوَ الْقُرْآنُ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿بِالْحَقِّ﴾ [البقرة: 71] بِالصِّدْقِ , وَلَا كَذِبَ فِيهِ , وَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: 48] يَقُولُ: " أَنْزَلْنَاهُ بِتَصْدِيقِ مَا قَبْلَهُ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا إِلَى أَنْبِيَائِهِ ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48] يَقُولُ: " أَنْزَلْنَا الْكِتَابَ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ مُصَدِّقًا لِلْكُتُبِ قَبْلَهُ , وشَهِيدًا عَلَيْهَا أَنَّهَا حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ , أَمِينًا عَلَيْهَا , حَافِظًا لَهَا.
وَأَصْلُ الْهَيْمَنَةِ: الْحِفْظُ وَالارْتِقَابُ , يُقَالَ إِذَا رَقَبَ الرَّجُلُ الشَّيْءَ وَحَفِظَهُ وَشَهِدَهُ: قَدْ هَيْمَنَ فُلَانٌ عَلَيْهِ , فَهُوَ يُهَيْمِنُ هَيْمَنَةً , وَهُوَ عَلَيْهِ مُهَيْمِنٌ.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُهُمْ عَنْهُ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: شَهِيدًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48] يَقُولُ: «شَهِيدًا»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48] قَالَ: «شَهِيدًا عَلَيْهِ»
حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: 48] يَقُولُ: " الْكُتُبَ
الَّتِي خَلَتْ قَبْلَهُ ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48] أَمِينًا وَشَاهِدًا عَلَى الْكُتُبِ الَّتِي خَلَتْ قَبْلَهُ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48] مُؤْتَمَنًا عَلَى الْقُرْآنِ وَشَاهِدًا وَمُصَدِّقًا وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَآخَرُونَ: الْقُرْآنُ أَمِينٌ عَلَى الْكُتُبِ فِيمَا إِذْ أَخْبَرَنَا أَهْلُ الْكِتَابِ فِي كِتَابِهِمْ بِأَمْرٍ إِنْ كَانَ فِي الْقُرْآنِ فَصَدِّقُوا , وَإِلَّا فَكَذِّبُوا وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: أَمِينٌ عَلَيْهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ , وَحَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ , قَالَ: ثنا وَكِيعٌ , جَمِيعًا , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنِ التَّمِيمِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48] قَالَ: «مُؤْتَمَنًا عَلَيْهِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ , قَالَ: ثنا أَبُو الْأَحْوَصِ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنِ التَّمِيمِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48] قَالَ: «مُؤْتَمَنًا عَلَيْهِ» حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , قَالَ: ثنا سُفْيَانُ وَإِسْرَائِيلُ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنِ التَّمِيمِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , مِثْلَهُ