تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 451-463

ذِكْرُ الْأَخْبَارِ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِالَّذِي كَانَ مِنْ فِعْلِ الْقَاتِلِ مِنَ ابْنَيْ آدَمَ بِأَخِيهِ الْمَقْتُولِ بَعْدَ قَتْلِهِ إِيَّاهُ:

صفحات 451-463
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , قَوْلُهُ: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: 44] النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَحْكُمُونَ بِمَا فِيهَا مِنَ الْحَقِّ "

حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ , عَنْ عَوْفٍ , عَنِ الْحَسَنِ , فِي قَوْلِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: 44] يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: 44] يَعْنِي الْيَهُودَ , فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ وَلَا تَخْشَهُمْ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَيَحْكُمُ بِالتَّوْرَاةِ وَأَحْكَامِهَا الَّتِي أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا فِي كُلِّ زَمَانٍ عَلَى مَا أَمَرَ بِالْحُكْمِ بِهِ فِيهَا مَعَ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا , الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ.
وَالرَّبَّانِيُّونَ: جَمْعُ

رَبَّانِيٍّ , وَهُمُ الْعُلَمَاءُ الْحُكَمَاءُ , الْبُصَرَاءُ بِسِيَاسَةِ النَّاسِ وَتَدْبِيرِ

أُمُورِهِمْ وَالْقِيَامِ بَمَصَالِحِهِمْ.
وَالْأَحْبَارُ: هُمُ الْعُلَمَاءُ.
وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرَّبَّانِيِّينَ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهِ , وَأَقْوَالَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ.
وَأَمَّا الْأَحْبَارُ: فَإِنَّهُمْ جَمْعُ حَبْرٍ , وَهُوَ الْعَالِمُ الْمُحْكِمُ لِلشَّيْءِ , وَمِنْهُ قِيلَ لِكَعْبٍ: كَعْبُ الْأَحْبَارِ.
وَكَانَ الْفَرَّاءُ يَقُولُ: أَكْثَرُ مَا سَمِعْتُ الْعَرَبَ تَقُولُ فِي وَاحِدِ الْأَحْبَارِ: حَبْرٌ بِكَسْرِ الْحَاءِ.
وَكَانَ بَعْضُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ يَقُولُ: عُنِيَ بِالرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَارِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: ابْنَا صُورِيَا اللَّذَانِ أَقَرَّا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى فِي التَّوْرَاةِ عَلَى الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , قَالَ: كَانَ رَجُلَانِ مِنَ الْيَهُودِ أَخَوَانِ يُقَالَ لَهُمَا ابْنَا صُورِيَا , وَقَدِ اتَّبَعَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُسْلِمَا , وَأَعْطَيَاهُ عَهْدًا أَنْ لَا يَسْأَلَهُمَا عَنْ شَيْءٍ فِي التَّوْرَاةِ إِلَّا أَخْبَرَاهُ بِهِ.
وَكَانَ أَحَدُهُمَا رِبِّيًّا , وَالْآخَرُ حَبْرًا , وَإِنَّمَا اتَّبَعَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَلَّمَانِ مِنْهُ.
فدَعَاهُمَا فَسَأَلَهُمَا , فَأَخْبَرَاهُ الْأَمْرَ كَيْفَ كَانَ حِينَ زَنَى الشَّرِيفُ وَزَنَى الْمِسْكِينُ , وَكَيْفَ غَيَّرُوهُ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: 44] يَعْنِي: " النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ: هُمَا ابْنَا صُورِيَا.
﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ [المائدة: 44] ثُمَّ ذَكَرَ ابْنَيْ صُورِيَا , فَقَالَ: ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: 44] وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي , أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّ التَّوْرَاةَ يَحْكُمُ بِهَا مُسْلِمُو الْأَنْبِيَاءِ لِلْيَهُودِ وَالرَّبَّانِيُّونَ مِنْ خَلْقِهِ وَالْأَحْبَارُ.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُنِيَ بِذَلِكَ ابْنَا صُورِيَا وَغَيْرُهُمَا , غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِي ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ مُسْلِمُو الْأَنْبِيَاءِ وَكُلُّ رَبَّانِيٍّ وَحَبْرٍ , وَلَا دَلَالَةَ فِي ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ عَلَى أَنَّهُ مَعْنِيٌّ بِهِ خَاصٌّ مِنَ الرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَارِ , وَلَا قَامَتْ بِذَلِكَ حُجَّةٌ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا , فَكُلُّ رَبَّانِيٍّ وَحَبْرٍ دَاخِلٌ فِي الْآيَةِ بِظَاهِرِ التَّنْزِيلِ.
وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ الْأَحْبَارِ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ سَلَمَةَ , عَنِ الضَّحَّاكِ: " الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ: قُرَّاؤُهُمْ وَفُقَهَاؤُهُمْ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا حَفْصٌ , عَنْ أَشْعَثَ , عَنِ الْحَسَنِ: " الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ: الْفُقَهَاءُ وَالْعُلَمَاءُ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا ابْنُ عُيَيْنَةَ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ: «الرَّبَّانِيُّونَ الْعُلَمَاءُ الْفُقَهَاءُ , وَهُمْ فَوْقَ الْأَحْبَارِ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: " الرَّبَّانِيُّونَ: فُقَهَاءُ الْيَهُودِ , وَالْأَحْبَارُ: عُلَمَاؤُهُمْ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا سُنَيْدُ بْنُ دَاوُدَ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿" وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾ [المائدة: 44] كُلُّهُمْ يَحْكُمُ بِمَا فِيهَا مِنَ الْحَقِّ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " الرَّبَّانِيُّونَ: الْوُلَاةُ , وَالْأَحْبَارُ: الْعُلَمَاءُ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾ [المائدة: 44] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: يَحْكُمُ النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ , وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ , يَعْنِي الْعُلَمَاءَ , بِمَا اسْتُودِعُوا عِلْمَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ التَّوْرَاةُ.
وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ [المائدة: 44] مِنْ صِلَةِ الْأَحْبَارِ " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: 44] فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّ الرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَارَ بِمَا اسْتُودِعُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ يَحْكُمُونَ بِالتَّوْرَاةِ مَعَ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا , وَكَانُوا عَلَى حُكْمِ النَّبِيِّينَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا شُهَدَاءَ أَنَّهُمْ قَضَوْا عَلَيْهِمْ بِكِتَابِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُوسَى وَقَضَائِهِ عَلَيْهِمْ.
كَمَا:

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي , قَالَ: ثني عَمِّي , قَالَ: ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة: 44] يَعْنِي الرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَارَ هُمُ الشُّهَدَاءُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا قَالَ أَنَّهُ حَقٌّ جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ , فَهُوَ نَبِيُّ اللَّهِ مُحَمَّدٍ , أَتَتْهُ الْيَهُودُ فَقَضَى بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: 44] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِعُلَمَاءِ الْيَهُودِ وَأَحْبَارِهِمْ: لَا تَخْشَوُا النَّاسَ فِي تَنْفِيذِ حُكْمِي الَّذِي حَكَمْتُ بِهِ عَلَى عِبَادِي وَإِمْضَائِهِ عَلَيْهِمْ عَلَى مَا أَمَرْتُ , فَإِنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ لَكُمْ عَلَى ضُرٍّ وَلَا نَفْعٍ إِلَّا بِإِذْنِي , وَلَا

تَكْتُمُوا الرَّجْمَ الَّذِي جَعَلْتُهُ حَكَمًا فِي التَّوْرَاةِ عَلَى الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ , وَلَكِنِ اخْشَوْنِي دُونَ كُلِّ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِي , فَإِنَّ النَّفْعَ وَالضُّرَّ بِيَدِي , وَخَافُوا عِقَابِي فِي كِتْمَانِكُمْ مَا اسْتُحْفِظْتُمْ مِنْ كِتَابِي.
كَمَا:

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: 44] يَقُولُ: «لَا تَخْشَوُا النَّاسَ فَتَكْتُمُوا مَا أَنْزَلْتُ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: 41] يَقُولُ: " وَلَا تَأْخُذُوا بِتَرْكِ الْحُكْمِ بِآيَاتِ كِتَابِي الَّذِي أَنْزَلْتُهُ عَلَى مُوسَى أَيُّهَا الْأَحْبَارُ عِوَضًا خَسِيسًا , وَذَلِكَ هُوَ الثَّمَنُ الْقَلِيلُ.
وَإِنَّمَا أَرَادَ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَهْيَهُمْ عَنْ أَكْلِ السُّحْتِ عَلَى تَحْرِيفِهِمْ كِتَابَ اللَّهِ وَتَغْيِيرِهِمْ حُكْمَهُ عَمَّا حَكَمَ بِهِ فِي الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ , وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي بَدَّلُوهَا , طَلَبًا مِنْهُمْ لِلرُّشَا؛ كَمَا:

حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: 41] قَالَ: «لَا تَأْكُلُوا السُّحْتَ عَلَى كِتَابِي»

وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا﴾ [البقرة: 41] قَالَ: «لَا تَأْخُذُوا بِهِ رِشْوَةً»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: 41] وَلَا تَأْخُذُوا طُعْمًا قَلِيلًا عَلَى أَنْ تَكْتُمُوا مَا أَنْزَلْتُ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنْ كَتَمَ حُكْمَ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ , وَجَعَلَهُ حَكَمًا بَيْنَ عِبَادِهِ فَأَخْفَاهُ , وَحَكَمَ بِغَيْرِهِ , كَحُكْمِ الْيَهُودِ فِي الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ بِالتَّجْبِيهِ وَالتَّحْمِيمِ , وَكِتْمَانِهِمُ الرَّجْمَ , وَكَقَضَائِهِمْ فِي

بَعْضِ قَتْلَاهُمْ بِدِيَةٍ كَامِلَةٍ وَفِي بَعْضٍ بِنِصْفِ الدِّيَةِ , وَفِي الْأَشْرَافِ بِالْقِصَاصِ وَفِي الْأَدْنِيَاءِ بِالدِّيَةِ , وَقَدْ سَوَّى اللَّهُ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] يَقُولُ: " هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَحْكُمُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ , وَلَكِنْ بَدَّلُوا وَغَيَّرُوا حُكْمَهُ وَكَتَمُوا الْحَقَّ الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ ﴿هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [النساء: 151] يَقُولُ: " هُمُ الَّذِينَ سَتَرُوا الْحَقَّ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِمْ كَشْفُهُ وَتَبْيِينُهُ وَغَطُّوهُ عَنِ النَّاسِ وَأَظْهَرُوا لَهُمْ غَيْرَهُ وَقَضَوْا بِهِ لِسُحْتٍ أَخَذُوهُ مِنْهُمْ عَلَيْهِ , وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ الْكُفْرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ , مِنْ أَنَّهُ عَنَى بِهِ الْيَهُودَ الَّذِينَ حَرَّفُوا كِتَابَ اللَّهِ وَبَدَّلُوا حُكْمَهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ , عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47] فِي الْكَافِرِينَ كُلُّهَا "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْقَاسِمِ , قَالَ: ثنا أَبُو حَيَّانَ , عَنْ أَبِي صَالِحٍ , قَالَ: الثَّلَاثُ الْآيَاتُ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 229] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 82] لَيْسَ فِي أَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنْهَا شَيْءٌ , هِيَ فِي الْكُفَّارِ "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ أَبِي حَيَّانَ , عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] وَ ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45] وَ ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47] قَالَ: «نَزَلَتْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُدَيْرٍ , قَالَ: أَتَى أَبَا مِجْلَزِ نَاسٌ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ سَدُوسٍ , فَقَالُوا: يَا أَبَا مِجْلَزٍ , أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] أَحَقٌّ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالُوا: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ

الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] أَحَقٌّ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالُوا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47] أَحَقٌّ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَقَالُوا: يَا أَبَا مِجْلَزٍ , فَيَحْكُمُ هَؤُلَاءِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ؟ قَالَ: هُوَ دِينُهُمُ الَّذِي يَدِينُونَ بِهِ , وَبِهِ يَقُولُونَ , وَإِلَيْهِ يَدْعُونَ , فَإِنْ هُمْ تَرَكُوا شَيْئًا مِنْهُ عَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَصَابُوا ذَنْبًا.
فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ , وَلَكِنَّكَ تَفْرَقُ.
قَالَ: أَنْتُمْ أَوْلَى بِهَذَا مِنِّي لَا أَرَى وَإِنَّكُمْ تَرَوْنَ هَذَا وَلَا تَحَرَّجُونَ , وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَأَهْلِ الشِّرْكِ , أَوْ نَحْوًا مِنْ هَذَا "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا حَجَّاجٌ , قَالَ: ثنا حَمَّادٌ , عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُدَيْرٍ , قَالَ: قَعَدَ إِلَى أَبِي مِجْلَزٍ نَفَرٌ مِنَ الْإِبَاضِيَّةِ , قَالَ: فَقَالُوا لَهُ: يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] , ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 229] , ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 82] قَالَ أَبُو مِجْلَزٍ: إِنَّهُمْ يَعْمَلُونَ مَا يَعْمَلُونَ , يَعْنِي الْأَمَرَاءَ , وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ ذَنْبٌ.
قَالَ: وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
قَالُوا: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ مِثْلَ مَا نَعْلَمُ , وَلَكِنَّكَ تَخْشَاهُمْ.
قَالَ: أَنْتُمْ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنَّا , أَمَّا نَحْنُ فَلَا نَعْرِفُ مَا تَعْرِفُونَ وَلَكِنَّكُمْ تَعْرِفُونَهُ , وَلَكِنْ يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُمْضُوا أَمْرَكُمْ مِنْ خَشْيَتِهِمْ "

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، ثنا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُعَتِّبٍ، أَنَّ أَبَا حَسَنٍ مَوْلَى بَنِي نَوْفَلٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ اسْتَفْتَى ابْنَ عَبَّاسٍ فِي مَمْلُوكٍ كَانَتْ تَحْتَهُ مَمْلُوكَةٌ، فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَتَيْنِ، ثُمَّ إِنَّهُمَا أُعْتِقَا بَعْدَ ذَلِكَ، هَلْ يَصْلُحُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْطُبَهَا؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: نَعَمْ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِذَلِكَ

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ أَبِي حَيَّانَ , عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] وَ ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45] وَ ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47] قَالَ: «نَزَلَتْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ»

حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ , قَالَ: ثنا وَكِيعٌ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ , عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ , قَالَ: قِيلَ لِحُذَيْفَةَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ بَشَّارٍ , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ , عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ , عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ , قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ حُذَيْفَةَ , عَنْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] , ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 229] , ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 82] قَالَ: " فَقِيلَ: ذَلِكَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نِعْمَ الْإِخْوَةُ لَكُمْ بَنُو إِسْرَائِيلَ , إِنْ كَانَتْ لَهُمْ كُلُّ مُرَّةٍ , وَلَكُمْ كُلُّ حُلْوَةٍ , كَلَّا وَاللَّهِ لَتَسْلُكُنَّ طَرِيقَهُمْ قَدْرَ الشِّرَاكِ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ , عَنْ رَجُلٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , قَالَ: «هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ»

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] ذُكِرَ لَنَا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ أُنْزِلَتْ فِي قَتِيلِ الْيَهُودِ الَّذِي كَانَ مِنْهُمْ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] وَ ﴿الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45] وَ ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47] , لِأَهْلِ الْكِتَابِ كُلِّهِمْ لِمَا تَرَكُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني أَبُو مُعَاوِيَةَ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ , عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ , قَالَ: مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمٍ مَجْلُودٍ , فَدَعَاهُمْ فَقَالَ: «هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ مَنْ زَنَى؟» قَالُوا: نَعَمْ.
فَدَعَا رَجُلًا مِنْ عُلَمَائِهِمْ , فَقَالَ: «أَنْشُدُكَ اللَّهَ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى , هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي فِي كِتَابِكُمْ؟» قَالَ: لَا , وَلَوْلَا أَنَّكَ أَنْشَدْتَنِي بِهَذَا لَمْ أُخْبِرْكَ , نَجِدُ حَدَّهُ فِي كِتَابِنَا الرَّجْمَ , وَلَكِنَّهُ كَثُرَ فِي أَشْرَافِنَا , فَكُنَّا إِذَا أَخَذْنَا الشَّرِيفَ تَرَكْنَاهُ وَإِذَا أَخَذْنَا الْوَضِيعَ أَقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ , فَقُلْنَا تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ جَمِيعًا عَلَى التَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ مَكَانَ الرَّجْمِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمْرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ» فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ , فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: 41] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] يَعْنِي الْيَهُودَ ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 229] يَعْنِي الْيَهُودَ , ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: 82] لِلْكُفَّارِ كُلِّهَا "

حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] قَالَ: «مَنْ حَكَمَ بِكِتَابِهِ الَّذِي كَتَبَ بِيَدِهِ وَتَرَكَ كِتَابَ اللَّهِ وَزَعَمَ أَنَّ كِتَابَهُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ , فَقَدْ كَفَرَ» حَدَّثَنَا هَنَّادٌ , قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ , عَنِ الْأَعْمَشِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ , عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , نَحْوَ حَدِيثِ الْقَاسِمِ , عَنِ الْحَسَنِ.
غَيْرَ أَنَّ هَنَّادًا قَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَقُلْنَا: تَعَالَوْا فَلْنَجْتَمِعْ فِي شَيْءٍ نُقِيمُهُ عَلَى الشَّرِيفِ وَالضَّعِيفِ , فَاجْتَمَعْنَا عَلَى التَّحْمِيمِ وَالْجَلْدِ مَكَانَ الرَّجْمِ.
وَسَائِرُ الْحَدِيثِ نَحْوَ حَدِيثِ الْقَاسِمِ

حَدَّثَنَا الرَّبِيعٌ , قَالَ: ثنا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ:.
كُنَّا عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ , فَذَكَرَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45] ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47] فَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَمَا وَاللَّهِ إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَتَأَوَّلُونَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ عَلَى مَا لَمْ يَنْزِلْنَ عَلَيْهِ , وَمَا أُنْزِلْنَ إِلَّا فِي حَيَّيْنِ مِنْ يَهُودَ.
ثُمَّ قَالَ: هِيَ قُرَيْظَةُ وَالنَّضِيرُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ كَانَتْ قَدْ غَزَتِ الْأُخْرَى وَقَهَرَتْهَا قَبْلَ قَدُومِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ , حَتَّى ارْتَضَوْا وَاصْطَلَحُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ الْعَزِيزَةُ مِنَ الذَّلِيلَةِ فَدِيَتُهُ خَمْسُونَ وَسَقًا , وَكُلُّ قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ الذَّلِيلَةُ مِنَ الْعَزِيزَةِ فَدِيَتُهُ مِئَةُ وَسَقٍ.
فَأَعْطَوْهُمْ فَرَقًا وَضَيْمًا.
فقَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ , فَذَلَّتِ الطَّائِفَتَانِ بِمَقْدِمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمَا.
فَبَيْنَمَا هُمَا عَلَى ذَلِكَ أَصَابَتِ الذَّلِيلَةُ مِنَ الْعَزِيزَةِ قَتِيلًا , فَقَالَتِ الْعَزِيزَةُ: أَعْطُونَا مِائَةَ وَسَقٍ.
فَقَالَتِ الذَّلِيلَةُ: وَهَلْ كَانَ هَذَا قَطُّ

فِي حَيَّيْنِ دِينُهُمَا وَاحِدٌ وَبَلَدُهُمَا وَاحِدٌ دِيَةُ بَعْضِهِمْ ضِعْفُ دِيَةِ بَعْضٍ؟ إِنَّمَا أَعْطَيْنَاكُمْ هَذَا فَرَقًا مِنْكُمْ وَضَيْمًا , فَاجْعَلُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فتَرَاضَيَا عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ.
ثُمَّ إِنَّ الْعَزِيزَةَ تَذَاكَرَتْ بَيْنَهَا , فَخَشِيَتْ أَنْ لَا يُعْطِيَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَصْحَابِهَا ضِعْفَ مَا تُعْطَى أَصْحَابُهَا مِنْهَا , فَدَسُّوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِخْوَانَهُمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ , فَقَالُوا لَهُمْ: أَخْبِرُوا لَنَا رَأْيَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنْ أَعْطَانَا مَا نُرِيدُ حَكَّمْنَاهُ , وَإِنْ لَمْ يُعْطِنَا حَذَرْنَاهُ وَلَمْ نُحَكِّمْهُ.
فَذَهَبَ الْمُنَافِقُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَأَعْلَمَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَرَادُوا مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ كُلِّهِ.
قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِيهِمْ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ [المائدة: 41] هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ كُلِّهِنَّ , حَتَّى بَلَغَ: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: 47] إِلَى ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 47] قَرَأَ عُبَيْدُ اللَّهِ ذَلِكَ آيَةً آيَةً وَفَسَّرَهَا عَلَى مَا أَنْزَلَ , حَتَّى فَرَغَ مِنْ تَفْسِيرِ ذَلِكَ لَهُمْ فِي الْآيَاتِ , ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ يَهُودَ , وَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ " وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِالْكَافِرِينَ أَهْلَ الْإِسْلَامِ , وَبِالظَّالِمِينَ: الْيَهُودَ , وَبِالْفَاسِقِينَ: النَّصَارَى

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ زَكَرِيَّا , عَنْ عَامِرٍ , قَالَ: «نَزَلَتِ الْكَافِرُونَ فِي الْمُسْلِمِينَ , وَالظَّالِمُونَ فِي الْيَهُودِ , وَالْفَاسِقُونَ فِي النَّصَارَى»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا ابْنُ يَمَانٍ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنِ ابْنِ أَبِي السَّفَرِ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: الْكَافِرُونَ فِي الْمُسْلِمِينَ , وَالظَّالِمُونَ فِي الْيَهُودِ , وَالْفَاسِقُونَ فِي النَّصَارَى "

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , وَأَبُو السَّائِبِ , وَوَاصِلُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , قَالُوا: ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ , عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ: آيَةٌ فِينَا , وَآيَتَانِ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] فِينَا، وَفِيهِمْ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45] وَالْفَاسِقُونَ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ " حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ جَابِرٍ , عَنْ عَامِرٍ , مِثْلَ حَدِيثِ زَكَرِيَّا عَنهُ

جارٍ التحميل