تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 440-450

ذِكْرُ الْأَخْبَارِ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِالَّذِي كَانَ مِنْ فِعْلِ الْقَاتِلِ مِنَ ابْنَيْ آدَمَ بِأَخِيهِ الْمَقْتُولِ بَعْدَ قَتْلِهِ إِيَّاهُ:

صفحات 440-450
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , وَحَدَّثَنَا هَنَّادٌ , قَالَ: ثنا وَكِيعٌ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ مُغِيرَةَ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَالشَّعْبِيِّ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قَالَ: «إِنْ شَاءَ حَكَمَ , وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَحْكُمْ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي قَالَ: ثنا سُفْيَانُ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاءٍ , قَالَ: «إِنْ شَاءَ حَكَمَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَحْكُمْ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ , عَنِ الشَّعْبِيِّ , قَالَ:.
إِذَا أَتَاكَ أَهْلُ الْكِتَابِ بَيْنَهُمْ أَمْرٌ , فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ , أَوْ خَلِّ عَنْهُمْ وَأَهْلَ دِينِهِمْ يَحْكُمُونَ فِيهِمْ إِلَّا فِي سَرِقَةٍ أَوْ قَتْلٍ "

حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , قَالَ: قَالَ لِي عَطَاءٌ: نَحْنُ مُخَيَّرُونَ , إِنْ شِئْنَا حَكَمْنَا بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ , وَإِنْ شِئْنَا أَعْرَضْنَا فَلَمْ نَحْكُمْ بَيْنَهُمْ , وَإِنْ حَكَمْنَا بَيْنَهُمْ حَكَمْنَا بَيْنَنَا أَوْ نَتْرُكُهُمْ وَحُكْمَهُمْ بَيْنَهُمْ.
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ , وَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42]

حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ , قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ , وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ , عَنْ مُغِيرَةَ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَالشَّعْبِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قَالَا: إِذَا جَاءُوا إِلَى حَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ , فَإِنْ شَاءَ حِكَمَ بَيْنَهُمْ وَإِنْ شَاءَ أَعْرَضَ عَنْهُمْ , وَإِنْ حَكَمَ بَيْنَهُمْ حَكَمَ بَيْنَهُمْ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ "

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ يَقُولُ: «إِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ , أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ.
فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُ فِي ذَلِكَ رُخْصَةً , إِنْ شَاءَ حَكَمَ بَيْنَهُمْ , وَإِنْ شَاءَ أَعْرَضَ عَنْهُمْ»

حَدَّثَنَا هَنَّادٌ , قَالَ: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ مُغِيرَةَ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَالشَّعْبِيِّ , قَالَا: «إِذَا أَتَاكَ الْمُشْرِكُونَ فَحَكَّمُوكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ , فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَعْدُهُ إِلَى غَيْرِهِ , أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَخَلِّهِمْ وَأَهْلَ دِينِهِمْ»

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ التَّخْيِيرُ مَنْسُوخٌ , وَعَلَى الْحَاكِمِ إِذَا احْتَكَمَ إِلَيْهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ , وَلَيْسَ لَهُ تَرْكُ النَّظَرِ بَيْنَهُمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ , عَنْ يَزِيدَ النَّحْوِيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ , وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49]

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَانَ عَنِ السُّدِّيِّ , قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ , يَقُولُ: " نَسَخَتْهَا ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49]

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ , قَالَا: ثنا ابْنُ مَهْدِيٍّ , عَنْ سُفْيَانَ , عَنِ السُّدِّيِّ , قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ , يَقُولُ: نَسَخَتْهَا: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49]

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، ثنا مَسْرُوقُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ الْكِنْدِيُّ، ثنا الْمُسَيَّبُ بْنُ شَرِيكٍ الْعَامِرِيُّ، عَنْ عِيسَى بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَا: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا أَصْوَاتٌ كَدَوِيِّ النَّحْلِ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: «إِنَّ الْإِسْلَامَ يَشِيعُ، ثُمَّ تَكُونُ لَهُ فَتْرَةٌ، فَمَنْ كَانَتْ فَتْرَتُهُ إِلَى غُلُوٍّ وَبِدْعَةٍ فَأُولَئِكَ أَهْلُ النَّارِ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ , عَنْ مَنْصُورٍ , عَنِ الْحَكَمِ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: " نَسَخَتْهَا: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ , قَالَ: ثنا هَمَّامٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ يَعْنِي الْيَهُودَ.
فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ , وَرَخَّصَ لَهُ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُمْ إِنْ شَاءَ , ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى الْآيَةَ الَّتِي بَعْدَهَا: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [المائدة: 48] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 49] فَأَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ مَا رَخَّصَ لَهُ إِنْ شَاءَ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُمْ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ , كَتَبَ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيٍّ: «إِذَا جَاءَكَ أَهْلُ الْكِتَابِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ , عَنِ السُّدِّيِّ , عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ: " ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] "

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثنا أَبُو سُفْيَانَ , عَنْ مَعْمَرٍ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قَالَ: «مَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ يُرَدُّوا فِي حُقُوقِهِمْ وَمَوَارِيثِهِمْ إِلَى أَهْلِ دِينِهِمْ , إِلَّا أَنْ يَأْتُوا رَاغِبِينَ فِي حَدٍّ يُحْكَمُ بَيْنَهُمْ فِيهِ بِكِتَابِ اللَّهِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: " ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42] كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنْ شَاءَ حَكَمَ بَيْنَهُمْ , وَإِنْ شَاءَ أَعْرَضَ عَنْهُمْ.
ثُمَّ نَسَخَهَا فَقَالَ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 48] وَكَانَ مَجْبُورًا عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمَّارٍ , قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: ثنا عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ , عَنْ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ , عَنِ الْحَكَمِ , عَنْ مُجَاهِدٍ , قَالَ: " آيَتَانِ نُسِخَتَا مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ , يَعْنِي الْمَائِدَةَ , آيَةُ الْقَلَائِدِ , وَقَوْلُهُ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42] فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَيَّرًا , إِنْ شَاءَ حَكَمَ , وَإِنْ شَاءَ أَعْرَضَ عَنْهُمْ , فَرَدَّهُمْ إِلَى أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِمَا فِي كِتَابِنَا " وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْآيَةِ ثَابِتٌ لَمْ يُنْسَخْ , وَإِنَّ لِلْحُكَّامِ مِنَ الْخِيَارِ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ أَهْلِ الْعَهْدِ إِذَا ارْتَفِعُوا إِلَيْهِمْ فَاحْتَكَمُوا وَتَرْكِ الْحُكْمِ بَيْنَهُمْ وَالنَّظَرِ مِثْلَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ

فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَإِنَّمَا قُلْنَا: ذَلِكَ أَوْلَاهُمَا بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ الْقَائِلِينَ أَنَّ حُكْمَ هَذِهِ الْآيَةِ مَنْسُوخٌ زَعَمُوا أَنَّهُ نُسِخَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] وَقَدْ دَلَّلْنَا فِي كِتَابِنَا: كِتَابُ الْبَيَانِ عَنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ , أَنَّ النَّسْخَ لَا يَكُونُ نَسْخًا إِلَّا مَا كَانَ نَفْيًا لِحُكْمِ غَيْرِهِ بِكُلِّ مَعَانِيهِ , حَتَّى لَا يَجُوزَ اجْتِمَاعُ الْحُكْمُ بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا عَلَى صِحَّتِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ غَيْرَ مُسْتَحِيلٍ فِي الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ , وَمَعْنَاهُ: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِذْ حَكَمْتَ بَيْنَهُمْ بِاخْتِيَارِكَ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ إِذَا اخْتَرْتَ ذَلِكَ وَلَمْ تَخْتَرِ الإِعْرَاضَ عَنْهُمْ , إِذْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ إِعْلَامُ الْمَقُولِ لَهُ ذَلِكَ مِنْ قَائِلِهِ أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ فِي الْحُكْمِ وَتَرْكَ الْحُكْمِ؛ كَانَ مَعْلُومًا بِذَلِكَ أَنْ لَا دَلَالَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 49] أَنَّهُ نَاسِخٌ قَوْلَهُ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ لِمَا وَصَفْنَا مِنَ احْتِمَالِ ذَلِكَ مَا بَيَّنَّا , بَلْ هُوَ دَلِيلٌ عَلَى مِثْلِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ دَلِيلٌ عَلَى نَسْخِ إِحْدَى الْآيَتَيْنِ الْأُخْرَى , وَلَا نَفْيِ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ حُكْمَ الْآخَرِ , وَلَمْ يَكُنْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرٌ يَصِحُّ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا نَاسِخٌ صَاحِبَهُ , وَلَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى ذَلِكَ إِجْمَاعٌ؛ صَحَّ مَا قُلْنَا مِنْ أَنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ يُؤَيِّدُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَيُوَافِقُ حُكْمُهُ حُكْمَهُ وَلَا نَسْخَ فِي أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ , وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ [المائدة: 42] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: وَإِنْ تُعْرَضْ يَا مُحَمَّدُ عَنِ الْمُحْتَكِمِينَ إِلَيْكَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَتَدَعَ النَّظَرَ بَيْنَهُمْ فِيمَا

احْتَكَمُوا فِيهِ إِلَيْكَ , فَلَا تَحْكُمْ فِيهِ بَيْنَهُمْ , فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا , يَقُولُ: فَلَنْ يَقْدِرُوا لَكَ عَلَى ضُرٍّ فِي دِينٍ وَلَا دُنْيَا , فَدَعِ النَّظَرَ بَيْنَهُمْ إِذَا اخْتَرْتَ تَرْكَ النَّظَرِ بَيْنَهُمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: وَإِنِ اخْتَرْتَ الْحُكْمَ وَالنَّظَرَ يَا مُحَمَّدُ بَيْنَ أَهْلِ الْعَهْدِ إِذَا أَتَوْكَ , فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ , وَهُوَ الْعَدْلُ , وَذَلِكَ هُوَ الْحُكْمُ بِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ حُكْمًا فِي مِثْلِهِ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ مِنْ أُمَّةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ , وَالشَّعْبِيِّ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] قَالَا: «إِنْ حَكَمَ بَيْنَهُمْ حَكَمَ بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ»

حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] قَالَ: «أَمَرَ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ بِالرَّجْمِ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ , عَنِ الْعَوَّامِ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] قَالَ: «بِالرَّجْمِ»

حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ

مُجَاهِدٍ: ﴿بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] بِالْعَدْلِ "

حَدَّثَنَا هَنَّادٌ , قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ , عَنِ الْعَوَّامِ بْنِ حَوْشَبٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ , فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 42] قَالَ: «أَمَرَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِالرَّجْمِ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: 42] فَمَعْنَاهُ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعَامِلِينَ فِي حُكْمِهِ بَيْنَ النَّاسِ , الْقَاضِينَ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وَأَمَرَ أَنْبِيَاءَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ , يُقَالَ مِنْهُ: أَقْسَطَ الْحَاكِمُ فِي حُكْمِهِ إِذَا عَدَلَ وَقَضَى بِالْحَقِّ يُقْسِطَ إِقْسَاطًا بِهِ.
وَأَمَّا قَسَطَ فَمَعْنَاهُ: الْجَوْرُ , وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: 15] يَعْنِي بِذَلِكَ: الْجَائِرِينَ عَلَى الْحَقِّ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 43] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَكَيْفَ يُحَكِّمُكَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ يَا مُحَمَّدُ بَيْنَهُمْ , فَيَرْضَوْنَ بِكَ حَكَمًا بَيْنَهُمْ , وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ الَّتِي أَنْزَلْتُهَا عَلَى مُوسَى , الَّتِي يُقِرُّونَ بِهَا أَنَّهَا حَقٌّ

وَأَنَّهَا كِتَابِي الَّذِي أَنْزَلْتُهُ عَلَى نَبِيِّي , وَأَنَّ مَا فِيهِ مِنْ حُكْمٍ فَمِنْ حُكْمِي , يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لَا يَتَنَاكَرُونَهُ , وَلَا يَتَدَافَعُونَهُ , وَيَعْلَمُونَ أَنَّ حُكْمِي فِيهَا عَلَى الزَّانِي الْمُحْصَنِ الرَّجْمُ , وَهُمْ مَعَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ ﴿يَتَوَلَّوْنَ﴾ [المائدة: 43] يَقُولُ: " يَتْرُكُونَ الْحُكْمَ بِهِ بَعْدَ الْعِلْمِ بِحُكْمِي فِيهِ جَرَاءَةٌ عَلَيَّ وَعِصْيَانًا لِي.

وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ خِطَابًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَإِنَّهُ تَقْرِيعٌ مِنْهُ لِلْيَهُودِ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ , يَقُولُ لَهُمْ تَعَالَى: كَيْفَ تُقِرُّونَ أَيُّهَا الْيَهُودُ بِحُكْمِ نَبِيِّي مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ جُحُودِ نُبُوَّتِهِ وَتَكْذِيبِكُمْ إِيَّاهُ , وَأَنْتُمْ تَتْرُكُونَ حُكْمِي الَّذِي تُقِرُّونَ بِهِ أَنَّهُ حَقٌّ عَلَيْكُمْ وَاجِبٌ جَاءَكُمْ بِهِ مُوسَى مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ يَقُولُ: فَإِذَا كُنْتُمْ تَتْرُكُونَ حُكْمِي الَّذِي جَاءَكُمْ بِهِ مُوسَى , الَّذِي تُقِرُّونَ بِنُبُوَّتِهِ فِي كِتَابِي , فَأَنْتُمْ بِتَرْكِ حُكْمِي الَّذِي يُخْبِرُكُمْ بِهِ نَبِيِّي مُحَمَّدٌ أَنَّهُ حُكْمِي أَحْرَى , مَعَ جُحُودِكُمْ نُبُوَّتَهُ ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 43] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُخْبِرًا عَنْ حَالِ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عِنْدَهُ , وَحَالِ نُظَرَائِهِمْ مِنَ الْجَائِرِينَ عَنْ حُكْمِهِ الزَّائِلِينَ عَنْ مَحَجَّةِ الْحَقِّ: ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [المائدة: 43] يَقُولُ: " لَيْسَ مَنْ فَعَلَ هَذَا الْفِعْلَ: أَيْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ حُكْمِ اللَّهِ الَّذِي حَكَمَ بِهِ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيِّهِ فِي خَلْقِهِ بِالَّذِي صَدَّقَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَقَرَّ بِتَوْحِيدِهِ وَنُبُوَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْإِيمَانِ.
وَأَصْلُ التَّوَلِّي عَنِ الشَّيْءِ: الِانْصِرَافُ عَنْهُ؛ كَمَا:

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [المائدة: 43] قَالَ: «تَوَلِّيهِمْ مَا تَرَكُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ»

حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: 43] يَعْنِي: «حُدُودَ اللَّهِ , فَأَخْبَرَ اللَّهُ بِحُكْمِهِ فِي التَّوْرَاةِ»

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: 43] أَيْ " بَيَانُ اللَّهِ مَا تَشَاجَرُوا فِيهِ مِنْ شَأْنِ قَتِيلِهِمْ ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ [المائدة: 43] الْآيَةُ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , قَالَ: قَالَ , يَعْنِي الرَّبَّ تَعَالَى ذِكْرُهُ , يُعَيِّرُهُمْ: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ [المائدة: 43] يَقُولُ: «الرَّجْمُ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا بَيَانُ مَا سَأَلَكَ هَؤُلَاءِ الْيَهُودُ عَنْهُ مِنْ حُكْمِ الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ ﴿وَنُورٌ﴾ [المائدة: 44] يَقُولُ: وَفِيهَا جَلَاءُ مَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ وَضِيَاءُ مَا الْتَبَسَ مِنَ الْحُكْمِ ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: 44] يَقُولُ: " يَحْكُمُ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ فِي ذَلِكَ: أَيْ فِيمَا احْتَكَمُوا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ الزَّانِيَيْنِ النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا , وَهُمُ الَّذِينَ أَذْعَنُوا لِحُكْمِ اللَّهِ وَأَقَرُّوا بِهِ.
وَإِنَّمَا عَنَى اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُكْمِهِ عَلَى الزَّانِيَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ مِنَ الْيَهُودِ بِالرَّجْمِ , وَفِي تَسْوِيَتِهِ بَيْنَ دَمِ قَتْلَى النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ فِي الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ , وَمَنْ قَبْلَ مُحَمَّدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ يَحْكُمُ بِمَا فِيهَا مِنْ حُكْمِ اللَّهِ.
كَمَا:

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: 44] يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: «نَحْنُ نَحْكُمُ عَلَى الْيَهُودِ وَعَلَى مَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَدْيَانِ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , قَالَ: ثنا رَجُلٌ , مِنْ مُزَيْنَةَ وَنَحْنُ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , قَالَ: زَنَى رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ بِامْرَأَةٍ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيِّ فَإِنَّهُ نَبِيُّ بُعِثَ بِتَخْفِيفٍ , فَإِنْ أَفْتَانَا بِفُتْيَا دُونَ الرَّجْمِ قَبِلْنَاهَا وَاحْتَجَجْنَا بِهَا عِنْدَ اللَّهِ وَقُلْنَا: فُتْيَا نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِكَ.
قَالَ: فَأَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فِي أَصْحَابِهِ , فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ , مَا تَقُولُ فِي رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنْهُمْ زَنَيَا؟ فَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ كَلِمَةً , حَتَّى أَتَى بَيْتَ الْمِدْرَاسِ , فَقَامَ عَلَى الْبَابِ , فَقَالَ: «أَنْشُدُكُمْ بِاللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى , مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ؟» قَالُوا: يُحَمَّمُ وَيُجَبَّهُ وَيُجْلَدُ , وَالتَّجْبِيهُ: أَنْ يُحْمَلَ الزَّانِيَانِ عَلَى حِمَارٍ تُقَابَلُ أَقْفِيَتُهُمَا , وَيُطَافُ بِهِمَا , وَسَكَتَ شَابٌّ , فَلَمَّا رَآهُ سَكَتَ أَلَظَّ بِهِ النِّشْدَةَ , فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِذْ نَشَدْتَنَا , فَإِنَّا نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ الرَّجْمَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَمَا أَوَّلُ مَا ارْتُخِصَ أَمْرُ اللَّهِ؟» قَالَ: زَنَى رَجُلٌ ذُو قَرَابَةٍ مِنْ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِنَا فَأُخِّرَ عَنْهُ الرَّجْمُ , ثُمَّ زَنَى رَجُلٌ فِي

أُسْرَةٍ مِنَ النَّاسِ , فَأَرَادَ رَجْمَهُ , فَحَالَ قَوْمُهُ دُونَهُ , وَقَالُوا: لَا تَرْجُمْ صَاحِبَنَا حَتَّى تَجِيءَ بِصَاحِبِكَ فَتَرْجُمَهُ , فَاصْطَلَحُوا عَلَى هَذِهِ الْعُقُوبَةِ بَيْنَهُمْ.
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِنِّي أَحْكُمُ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ» فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَبَلَغَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: 44] فَكَانَ النَّبِيُّ مِنْهُمْ "

جارٍ التحميل