ذِكْرُ الْأَخْبَارِ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِالَّذِي كَانَ مِنْ فِعْلِ الْقَاتِلِ مِنَ ابْنَيْ آدَمَ بِأَخِيهِ الْمَقْتُولِ بَعْدَ قَتْلِهِ إِيَّاهُ:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , قَالَ: " مَنْ خَرَجَ فِي الْإِسْلَامِ مُحَارِبًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَقَتَلَ وَأَصَابَ مَالًا , فَإِنَّهُ يُقْتَلُ وَيُصْلَبُ؛ وَمَنْ قَتَلَ وَلَمْ يُصِبْ مَالًا , فَإِنَّهُ يُقْتَلُ كَمَا قَتَلَ؛ وَمَنْ أَصَابَ مَالًا وَلَمْ يَقْتُلْ , فَإِنَّهُ يُقْطَعُ مِنْ خِلَافٍ؛ وَإِنْ أَخَافَ سَبِيلَ الْمُسْلِمِينَ نُفِيَ مِنْ بَلَدِهِ إِلَى غَيْرِهِ , لِقَوْلِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33]
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ الرَّبِيعِ , فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] قَالَ: «كَانَ نَاسٌ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَقَتَلُوا وَقَطَعُوا السَّبِيلَ , فَصَلَبَ أُولَئِكَ.
وَكَانَ آخَرُونَ حَارَبُوا وَاسْتَحَلُّوا الْمَالَ وَلَمْ يَعْدُوا ذَلِكَ , فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ.
وَآخَرُونَ حَارَبُوا وَاعْتَزَلُوا وَلَمْ يَعْدُوا ذَلِكَ , فَأُولَئِكَ أُخْرِجُوا مِنَ الْأَرْضِ»
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ , قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ , عَنْ أَبِي هِلَالٍ , قَالَ: ثنا قَتَادَةُ , عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيِّ , فِي الْمُحَارِبِ , قَالَ: " إِنْ كَانَ خَرَجَ فَقَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ: صُلِبَ؛ وَإِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ: قُتِلَ؛ وَإِنْ كَانَ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ: قُطِعَ؛ وَإِنْ كَانَ خَرَجَ مُشَاقًّا لِلْمُسْلِمِينَ: نُفِيَ "
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ , قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ , عَنْ حَجَّاجٍ , عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: " إِذَا خَرَجَ الْمُحَارِبُ وَأَخَافَ الطَّرِيقَ وَأَخَذَ الْمَالَ: قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ؛ فَإِنْ هُوَ خَرَجَ فَقَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ: قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ صُلِبَ؛
وَإِنْ خَرَجَ فَقَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالَ: قُتِلَ؛ وَإِنْ أَخَافَ السَّبِيلَ وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذِ الْمَالِ: نُفِيَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ الْبَرْقِيِّ , قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ , قَالَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ , قَالَ: ثني أَبُو صَخْرٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ , وَعَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: 33] قَالَا: إِنْ أَخَافَ الْمُسْلِمِينَ , فَاقْتَطَعَ الْمَالَ , وَلَمْ يَسْفِكْ: قُطِعَ؛ وَإِذَا سَفَكَ دَمًا: قُتِلَ وَصُلِبَ؛ وَإِنْ جَمَعَهُمَا فَاقْتَطَعَ مَالًا وَسَفَكَ دَمًا: قُطِعَ ثُمَّ قُتِلَ ثُمَّ صُلِبَ.
كَأَنَّ الصَّلْبَ مُثْلَةٌ , وَكَأَنَّ الْقَطْعَ ﴿السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38] , وَكَأَنَّ الْقَتْلَ.
النَّفْسُ بِالنَّفْسِ.
وَإِنِ امْتَنَعَ فَإِنَّ مِنَ الْحَقِّ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَطْلُبُوهُ حَتَّى يَأْخُذُوهُ فَيُقِيمُوا عَلَيْهِ حُكْمَ كِتَابِ اللَّهِ , أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ إِلَى أَرْضِ الْكُفْرِ " وَاعْتَلَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ لِقَوْلِهِمْ هَذَا , بِأَنْ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ عَلَى الْقَاتِلِ الْقَوَدَ , وَعَلَى السَّارِقِ الْقَطْعَ؛ وَقَالُوا: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثِ خِلَالٍ: رَجُلٌ قَتَلَ فَقُتِلَ , وَرَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ فَرُجِمَ , وَرَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ "
قَالُوا: فَحَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتْلَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى هَذِهِ الْخِلَالِ الثَّلَاثِ , فَإِمَّا أَنْ يُقْتَلَ مِنْ أَجْلِ إِخَافَتِهِ السَّبِيلَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْتُلَ أَوْ يَأْخُذَ مَالًا , فَذَلِكَ تَقَدُّمٌ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ بِالْخِلَافِ عَلَيْهِمَا فِي الْحُكْمِ.
قَالُوا: وَمَعْنَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: الْإِمَامُ فِيهِ بِالْخِيَارِ إِذَا قَتَلَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ وَأَخَذَ الْمَالَ؛ فَهُنَالِكَ خِيَارُ الْإِمَامِ فِي قَوْلِهِمْ بَيْنَ الْقَتْلِ أَوِ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ , أَوْ قَطْعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ.
وَأَمَّا صَلْبُهُ بِاسْمِ الْمُحَارَبَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ قَتْلٍ أَوْ أَخْذِ مَالٍ , فَذَلِكَ مَا لَمْ يَقُلْهُ عَالِمٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْإِمَامُ فِيهِ بِالْخِيَارِ أَنْ يَفْعَلَ أَيَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ فِي كِتَابِهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ , قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ , قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ , عَنْ عَطَاءٍ , وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي الْمُحَارِبِ: «أَنَّ الْإِمَامَ , مُخَيَّرٌ فِيهِ أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ»
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ , عَنْ عُبَيْدَةَ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ: " الْإِمَامُ
مُخَيَّرٌ فِي الْمُحَارِبِ , أَيَّ ذَلِكَ شَاءَ فَعَلَ: إِنْ شَاءَ قَتَلَ , وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ , وَإِنْ شَاءَ نَفَى , وَإِنْ شَاءَ صَلَبَ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا جَرِيرٌ , عَنْ عَاصِمٍ , عَنِ الْحَسَنِ , فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] قَالَ: «يَأْخُذُ الْإِمَامُ بِأَيِّهِمَا أَحَبَّ»
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَانَ , عَنْ عَاصِمٍ , عَنِ الْحَسَنِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] قَالَ: «الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِيهَا» حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَانَ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاءٍ , مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ , قَالَ: قَالَ عَطَاءٌ: يَصْنَعُ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ مَا شَاءَ: إِنْ شَاءَ قَتَلَ , أَوْ قَطَعَ , أَوْ نَفَى , لِقَوْلِ اللَّهِ: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] فَذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ الْحَاكِمِ يَصْنَعُ فِيهِ مَا شَاءَ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] الْآيَةُ , قَالَ: مَنْ شَهَرَ السِّلَاحَ
فِي فِئَةِ الْإِسْلَامِ , وَأَخَافَ السَّبِيلَ , ثُمَّ ظُفِرَ بِهِ وَقُدِرَ عَلَيْهِ , فَإِمَامُ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ بِالْخِيَارِ , إِنْ شَاءَ قَتَلَهُ وَإِنْ شَاءَ صَلَبَهُ وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ "
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ , قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ , قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو هِلَالٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا قَتَادَةُ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ , أَنَّهُ قَالَ فِي الْمُحَارِبِ: ذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ , إِذَا أَخَذَهُ يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ "
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ , قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ , عَنْ أَبِي هِلَالٍ , قَالَ: ثنا هَارُونُ , عَنِ الْحَسَنِ فِي الْمُحَارِبِ , قَالَ: ذَاكَ إِلَى الْإِمَامِ يَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ "
حَدَّثَنَا هَنَّادٌ , قَالَ: ثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ , عَنْ عَاصِمٍ , عَنِ الْحَسَنِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] قَالَ: «ذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ» وَاعْتَلَّ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَةِ بِأَنْ قَالُوا: وَجَدْنَا الْعُطُوفَ الَّتِي بِأَوْ فِي الْقُرْآنِ بِمَعْنَى التَّخْيِيرِ فِي كُلِّ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ بِهِ فَرْضًا مِنْهَا , وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: 89] وَكَقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196] وَكَقَوْلِهِ: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] قَالُوا: فَإِذَا كَانَتِ الْعُطُوفُ الَّتِي بِأَوْ فِي
الْقُرْآنِ فِي كُلِّ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ بِهِ فَرْضًا مِنْهَا فِي سَائِرِ الْقُرْآنِ بِمَعْنَى التَّخْيِيرِ , فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي آيَةِ الْمُحَارِبِينَ الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِيمَا رَأَى الْحُكْمَ بِهِ عَلَى الْمُحَارِبِ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ.
وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا تَأْوِيلُ مَنْ أَوْجَبَ عَلَى الْمُحَارِبِ مِنَ الْعُقُوبَةِ عَلَى قَدْرِ اسْتِحْقَاقِهِ وَجَعَلَ الْحُكْمَ عَلَى الْمُحَارِبِينَ مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِ أَفْعَالِهِمْ , فَأَوْجَبَ عَلَى مُخِيفِ السَّبِيلِ مِنْهُمْ إِذَا قُدِرَ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّوْبَةِ وَقَبْلَ أَخْذِ مَالٍ أَوْ قَتْلٍ: النَّفْيَ مِنَ الْأَرْضِ؛ وَإِذَا قُدِرَ عَلَيْهِ بَعْدَ أَخْذِ الْمَالِ وَقَتْلِ النَّفْسِ الْمُحَرَّمُ قَتْلُهَا: الصَّلْبُ؛ لِمَا ذَكَرْتُ مِنَ الْعِلَّةِ قَبْلُ لِقَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ.
فَأَمَّا مَا اعْتَلَّ بِهِ الْقَائِلُونَ: إِنَّ الْإِمَامَ فِيهِ بِالْخِيَارِ مِنْ أَنَّ أَوْ فِي الْعَطْفِ تَأْتِي بِمَعْنَى التَّخْيِيرِ فِي الْفَرْضِ , فَنَقُولُ: لَا مَعْنَى لَهُ , لِأَنَّ أَوْ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ قَدْ تَأْتِي بِضُرُوبٍ مِنَ الْمَعَانِي لَوْلَا كَرَاهَةُ إِطَالَةِ الْكِتَابِ بِذِكْرِهَا لَذَكَرْتُهَا , وَقَدْ بَيَّنْتُ كَثِيرًا مِنْ مَعَانِيهَا فِيمَا مَضَى وَسَنَأْتِي عَلَى بَاقِيهَا فِيمَا يُسْتَقْبَلُ فِي أَمَاكِنِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَأَمَّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّ مَعْنَاهَا: التَّعْقِيبُ , وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِ الْقَائِلِ: إِنَّ جَزَاءَ الْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يُدْخِلَهُمُ الْجَنَّةَ , أَوْ يَرْفَعَ مَنَازِلَهُمْ فِي عِلِّيِّينَ , أَوْ يُسْكِنَهُمْ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ وَالصِّدِّيقِينَ.
فَمَعْلُومٌ أَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ غَيْرُ قَاصِدٍ بِقِيلِهِ إِلَى أَنَّ جَزَاءَ كُلِّ مُؤْمِنٍ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ , فَهُوَ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ وَمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَنَازِلِ بِإِيمَانِهِ , بَلِ الْمَعْقُولُ عَنْهُ أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّ جَزَاءَ الْمُؤْمِنِ لَمْ يَخْلُو عِنْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْضِ هَذِهِ الْمَنَازِلِ , فَالْمُقْتَصِدُ مَنْزِلَتُهُ دُونَ مَنْزِلَةِ السَّابِقِ بِالْخَيْرَاتِ , وَالسَّابِقُ بِالْخَيْرَاتِ أَعْلَى مِنْهُ مَنْزِلَةً , وَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ دُونَهُمَا , وَكُلٌّ فِي الْجَنَّةِ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ
: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ [الرعد: 23] فَكَذَلِكَ مَعْنَى الْمَعْطُوفِ بِأَوْ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: 33] الْآيَةُ , إِنَّمَا هُوَ التَّعْقِيبُ.
فَتَأْوِيلُهُ: إِنَّ الَّذِي يُحَارِبُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ , وَيَسْعَى فِي الْأَرْضِ فَسَادًا , لَنْ يَخْلُوَ مِنْ أَنْ يَسْتَحِقَّ الْجَزَاءَ بِإِحْدَى هَذِهِ الْخِلَالِ الْأَرْبَعِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ , لَا أَنُّ الْإِمَامَ مُحَكَّمٌ فِيهِ , وَمُخَيَّرٌ فِي أَمْرِهِ كَائِنَةً مَا كَانَتْ حَالَتُهُ , عَظُمَتْ جَرِيرَتُهُ أَوْ خَفَّتْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ لِلْإِمَامِ قَتْلُ مَنْ شَهَرَ السِّلَاحَ مُخِيفًا السَّبِيلَ وَصَلْبُهُ , وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ مَالًا وَلَا قَتَلَ أَحَدًا , وَكَانَ لَهُ نَفْي مَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ.
وَذَلِكَ قَوْلٌ إِنْ قَالَهُ قَائِلٌ خِلَافُ مَا صَحَّتْ بِهِ الْآثَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: " لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ: رَجُلٌ قَتَلَ رَجُلًا فَقُتِلَ , أَوْ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ فَرُجِمَ , أَوِ ارْتَدَّ عَنْ دِينِهِ " وَخِلَافُ قَوْلِهِ: «الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» وَغَيْرُ الْمَعْرُوفِ مِنْ أَحْكَامِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ هَذِهِ الْأَحْكَامَ الَّتِي ذَكَرْتَ كَانَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ الْمُحَارِبِ , وَلِلْمُحَارِبِ حُكْمٌ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْفَرِدٌ بِهِ؟ قِيلَ لَهُ: فَمَا الْحُكْمُ الَّذِي انْفَرَدَ بِهِ الْمُحَارِبُ فِي سُنَنِهِ , فَإِنِ ادَّعَى عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُكْمًا خِلَافَ الَّذِي ذَكَرْنَا , أَكْذَبَهُ جَمِيعُ أَهْلِ الْعِلْمِ , لِأَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ بِنَقْلِ وَاحِدٍ وَلَا جَمَاعَةٍ , وَإِنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ هُوَ مَا فِي ظَاهِرِ الْكِتَابِ.
قِيلَ لَهُ: فَإِنَّ أَحْسَنَ حَالَاتِكَ أَنْ يُسَلَّمَ لَكَ أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ قَدْ يَحْتَمِلُ مَا قُلْتَ , وَمَا قَالَهُ مَنْ خَالَفَكَ فَمَا بُرْهَانُكَ عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَكَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ مِنْ تَأْوِيلِهِ.
وَبَعْدُ: فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ مُخَيَّرًا فِي الْحُكْمِ عَلَى الْمُحَارِبِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَوْ بِمَعْنَى التَّخْيِيرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عِنْدَكَ , أَفَلَهُ أَنْ يَصْلُبَهُ حَيًّا وَيَتْرُكَهُ عَلَى الْخَشَبَةِ مَصْلُوبًا حَتَّى يَمُوتَ مِنْ غَيْرِ قَتْلِهِ؟ فَإِنْ قَالَ: ذَلِكَ لَهُ , خَالَفَ فِي ذَلِكَ الْأُمَّةَ.
وَإِنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ , وَإِنَّمَا لَهُ قَتْلُهُ ثُمَّ صَلْبُهُ أَوْ صَلْبُهُ ثُمَّ قَتْلُهُ , تَرَكَ عِلَّتَهُ مِنْ أَنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْمُحَارِبِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ أَوْ تَأْتِي بِمَعْنَى التَّخْيِيرِ , وَقِيلَ لَهُ: فَكَيْفَ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ فِي الْقَتْلِ أَوِ النَّفْيِ أَوِ الْقَطْعِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْخِيَارُ فِي الصَّلْبِ وَحْدَهُ , حَتَّى تُجْمَعَ إِلَيْهِ عُقُوبَةٌ أُخْرَى؟ وَقِيلَ لَهُ: هَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَ مَنْ جَعَلَ الْخِيَارَ حَيْثُ أَبَيْتَ وَأَبَى ذَلِكَ حَيْثُ جَعَلْتَهُ لَهُ , فَرْقٌ مِنْ أَصْلٍ أَوْ قِيَاسٍ؟ فَلَنْ يَقُولَ فِي أَحَدِهِمَا قَوْلًا إِلَّا أُلْزِمَ فِي الْآخَرِ مِثْلَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَصْحِيحِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ بِمَا فِي إِسْنَادِهِ نَظَرٌ.
وَذَلِكَ مَا:
حَدَّثَنَا بِهِ , عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ: أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ , كَتَبَ إِلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَسْأَلُهُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ , فَكَتَبَ إِلَيْهِ أَنَسٌ يُخْبِرُهُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي أُولَئِكَ النَّفْرِ الْعُرَنِيِّينَ , وَهُمْ مِنْ بَجِيلَةَ.
قَالَ أَنَسٌ: فَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ , وَقَتَلُوا الرَّاعِي , وَسَاقُوا الْإِبِلَ , وَأَخَافُوا السَّبِيلَ , وَأَصَابُوا الْفَرْجَ الْحَرَامَ.
قَالَ أَنَسٌ: فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنِ الْقَضَاءِ فِيمَنْ حَارَبَ , فَقَالَ: «مَنْ سَرَقَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ فَاقْطَعْ يَدَهُ بِسَرِقَتِهِ وَرِجْلِهِ بِإِخَافَتِهِ.
وَمَنْ قَتَلَ فَاقْتُلْهُ.
وَمَنْ قَتَلَ وَأَخَافَ السَّبِيلَ وَاسْتَحَلَّ الْفَرْجَ الْحَرَامَ فَاصْلُبْهُ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: 33] فَإِنَّهُ يَعْنِي
جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَنَّهُ تُقَطَّعُ أَيْدِيهِمْ مُخَالِفًا فِي قَطْعِهَا قَطْعَ أَرْجُلِهِمْ , وَذَلِكَ أَنْ تُقْطَعَ أَيْمَنُ أَيْدِيهِمْ وَأَشْمَلُ أَرْجُلِهِمْ , فَذَلِكَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي الْقَطْعِ.
وَلَوْ كَانَ مَكَانَ مِنْ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى أَوِ الْبَاءِ , فَقِيلَ: أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ خِلَافٌ أَوْ بِخِلَافٍ , لَأَدَّيَا عَمَّا أَدَّتْ عَنْهُ مِنْ مِنَ الْمَعْنَى وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى النَّفْيِ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ أَنْ يُطْلَبَ حَتَّى يُقْدَرَ عَلَيْهِ , أَوْ يَهْرُبَ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , قَوْلُهُ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] قَالَ: «يَطْلُبُهُمُ الْإِمَامُ بِالْخَيْلِ وَالرِّجَالِ حَتَّى يَأْخُذَهُمْ , فَيُقِيمَ فِيهِمُ الْحُكْمَ , أَوْ يُنْفَوْا مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: ثني أَبِي , قَالَ: ثني عَمِّي , قَالَ: ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: " نَفْيُهُ: أَنْ يُطْلَبَ "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] يَقُولُ: «أَوْ يَهْرُبُوا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ»
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ , عَنْ كِتَابِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ , إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ:
أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ: " وَنَفْيُهُ: أَنْ يَطْلُبَهُ الْإِمَامُ حَتَّى يَأْخُذَهُ , فَإِذَا أَخَذَهُ أَقَامَ عَلَيْهِ إِحْدَى هَذِهِ الْمَنَازِلِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ بِمَا اسْتَحَلَّ " حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ , قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ , فَقَالَ: نَفْيُهُ: طَلَبُهُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ حَتَّى يُؤْخَذَ , أَوْ يُخْرِجَهُ طَلَبُهُ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إِلَى دَارِ الشِّرْكِ وَالْحَرْبِ , إِذَا كَانَ مُحَارِبًا مُرْتَدًّا عَنِ الْإِسْلَامِ.
قَالَ الْوَلِيدُ: وَسَأَلْتُ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ , فَقَالَ مِثْلَهُ
حَدَّثَنِي عَلِيٌّ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ , قَالَ: قُلْتُ لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ: وَكَذَلِكَ يُطْلَبُ الْمُحَارِبُ الْمُقِيمُ عَلَى إِسْلَامِهِ , يَضْطَرُّهُ بِطَلَبِهِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ حَقٌّ يَصِيرُ إِلَى ثَغْرٍ مِنْ ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ , أَوْ أَقْصَى جِوَارِ الْمُسْلِمِينَ , فَإِنْ هُمْ طَلَبُوهُ دَخَلَ دَارَ الشِّرْكِ؟ قَالَا: لَا يُضْطَرُّ مُسْلِمٌ إِلَى ذَلِكَ "
حَدَّثَنَا هَنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ , قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ , عَنْ جُوَيْبِرٍ , عَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] قَالَ: «أَنْ يَطْلُبُوهُ حَتَّى يَعْجَزُوا» حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ يَقُولُ: ثني عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ , قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ , فَذَكَرَ نَحْوَهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ , عَنْ عَاصِمٍ , عَنِ الْحَسَنِ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] قَالَ: «يُنْفَى حَتَّى لَا يُقْدَرَ عَلَيْهِ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] قَالَ: «أُخْرِجُوا مِنَ الْأَرْضِ أَيْنَمَا أُدْرِكُوا , أُخْرِجُوا حَتَّى يَلْحَقُوا بِأَرْضِ الْعَدُوِّ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: ثنا مَعْمَرٌ , عَنِ الزُّهْرِيِّ , فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] قَالَ: " نَفْيُهُ: أَنْ يُطْلَبَ فَلَا يُقْدَرَ عَلَيْهِ , كُلَّمَا سُمِعَ بِهِ فِي أَرْضٍ طُلِبَ "
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ , قَالَ: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] قَالَ: «إِذَا لَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا , طُلِبَ حَتَّى يُعْجِزَ»
حَدَّثَنِي ابْنُ الْبَرْقِيِّ , قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ , قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ , قَالَ: ثني أَبُو صَخْرٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ , وَعَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] مِنْ أَرْضِ الْإِسْلَامِ إِلَى أَرْضِ الْكُفْرِ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى النَّفْيِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ نَفَاهُ مِنْ بَلْدَتِهِ إِلَى بَلْدَةٍ أُخْرَى غَيْرِهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] قَالَ: " مَنْ أَخَافَ سَبِيلَ الْمُسْلِمِينَ نُفِيَ مِنْ بَلَدِهِ إِلَى غَيْرِهِ , لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] "
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ , قَالَ: ثني اللَّيْثُ , قَالَ: ثني يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ وَغَيْرُهُ , عَنْ حَبَّانَ بْنِ شُرَيْحٍ , أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي اللُّصُوصِ , وَوَصَفَ لَهُ لُصُوصِيَّتَهُمْ وَحَبَسَهُمْ فِي السُّجُونِ , قَالَ: قَالَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: 33] , وَتَرَكَ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَمَّا بَعْدُ , فَإِنَّكَ كَتَبْتَ إِلَيَّ تَذْكُرُ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: 33] وَتَرَكْتَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] , فَنَبِيُّ أَنْتَ يَا حَبَّانُ ابْنَ أُمِّ حَبَّانَ , لَا تُحَرِّكِ الْأَشْيَاءَ عَنْ مَوَاضِعِهَا , أَتَجَرَّدْتَ لِلْقَتْلِ وَالصَّلْبِ كَأَنَّكَ عَبْدُ بَنِي عَقِيلٍ مِنْ غَيْرِ مَا أُشَبِّهُكَ بِهِ؟ إِذَا أَتَاكَ كِتَابِي هَذَا فَانْفِهِمْ إِلَى شَغْبٍ "
حَدَّثَنَا يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: ثني اللَّيْثُ , عَنْ يَزِيدَ وَغَيْرِهِ بِنَحْوِ هَذَا الْحَدِيثِ , غَيْرَ أَنَّ يُونُسَ قَالَ فِي حَدِيثِهِ: كَأَنَّكَ عَبْدُ بَنِي أَبِي عِقَالٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُشَبِّهَكَ بِهِ
حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ لَهِيعَةَ , عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ , أَنَّ الصَّلْتَ كَاتِبَ حِبَّانَ بْنِ شُرَيْحٍ , أَخْبَرَهُمْ أَنَّ حِبَّانَ كَتَبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: أَنَّ نَاسًا مِنَ الْقِبْطِ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّهُمْ حَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَسَعَوْا فِي الْأَرْضِ فَسَادًا , وَأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾ [المائدة: 33] وَسَكَتَ عَنِ النَّفْيِ , وَكَتَبَ إِلَيْهِ: فَإِنْ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُمْضِيَ قَضَاءَ اللَّهِ فِيهِمْ , فَلْيَكْتُبْ بِذَلِكَ.
فَلَمَّا قَرَأَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كِتَابَهُ , قَالَ: لَقَدِ اجْتَزَأَ حَبَّانُ.
ثُمَّ كَتَبَ إِلَيْهِ: إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي كِتَابُكَ وَفَهِمْتُهُ , وَلَقَدِ اجْتَزَأْتَ كَأَنَّمَا كَتَبْتَ بِكِتَابِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مُسْلِمٍ أَوْ عِلْجٍ صَاحِبِ الْعِرَاقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُشَبِّهَكَ بِهِمَا , فَكَتَبْتَ بِأَوَّلِ الْآيَةِ ثُمَّ سَكَتَّ عَنْ آخِرِهَا , وَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33] فَإِنْ كَانَتْ قَامَتْ عَلَيْهِمُ الْبَيِّنَةُ بِمَا كَتَبْتَ بِهِ , فَاعْقِدْ فِي أَعْنَاقِهِمْ حَدِيدًا , ثُمَّ غَيِّبْهُمْ إِلَى شَغْبٍ وَبَدَا " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: شَغْبٌ وَبَدَا: مَوْضِعَانِ , وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى النَّفْيِ مِنَ الْأَرْضِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ: الْحَبْسُ , وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ ,