ذِكْرُ أَقْوَالِ الْقَائِلِينَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
لَمْ يُسْرِفُوا، وَلَمْ يَقْتُرُوا فِي الْحَقِّ "
قَالَ: وَقَالَ مُجَاهِدٌ «الْعَفْوُ صَدَقَةٌ عَنْ ظَهْرِ غِنًى»
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: ثنا عَوْفٌ، عَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: " ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219] قَالَ: هُوَ أَنْ لَا تُجْهِدَ مَالَكَ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219] خُذْ مِنْهُمْ مَا أَتَوْكَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219] يَقُولُ: مَا أَتَوْكَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ قَلِيلٍ، أَوْ كَثِيرٍ، فَاقْبَلْهُ مِنْهُمْ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ مَا طَابِ مِنْ أَمْوَالِكُمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلَهُ: " ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219] قَالَ: يَقُولُ الطِّيبُ مِنْهُ، يَقُولُ: أَفْضَلُ مَالِكَ، وَأَطْيَبُهُ "
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: كَانَ يَقُولُ: " الْعَفْوُ: الْفَضْلُ.
يَقُولُ: أَفْضَلُ مَالِكَ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ
ذِكْرُ ذَلِكَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ أَوْ عِيسَى عَنْ قَيْسٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، شَكَّ أَبُو عَاصِمٍ قَوْلَ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ: " ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219] قَالَ: الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ " وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى الْعَفْوِ: الْفَضْلُ مِنْ مَالِ الرَّجُلِ عَنْ نَفْسِهِ، وَأَهْلِهِ فِي مَئُونَتِهِمْ وَمَا لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْهُ.
وَذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الَّذِي تَظَاهَرْتُ بِهِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِذْنِ فِي الصَّدَقَةِ، وَصَدَقَتُهُ فِي وَجْهِ الْبِرِّ.
ذِكْرُ بَعْضِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ، عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: " قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي دِينَارٌ قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى نَفْسِكَ؟» قَالَ: عِنْدِي آخَرُ قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى أَهْلِكَ» قَالَ: عِنْدِي آخَرُ قَالَ: «أَنْفِقْهُ عَلَى وَلَدِكَ» قَالَ: عِنْدِي آخَرُ قَالَ: «فَأَنْتَ أَبْصَرُ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَعْمَرٍ الْبَحْرَانِيُّ، قَالَ: ثنا رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ قَالَ: ثنا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ، أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، يَقُولُ: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فَقِيرًا فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ فَضْلَ فَلْيَبْدَأْ مَعَ نَفْسِهِ بِمَنْ يَعُولُ، ثُمَّ إِنْ وَجَدَ فَضْلًا بَعْدَ ذَلِكَ فَلْيَتَصَدَّقْ عَلَى غَيْرِهِمْ»
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: " أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ بِبَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَصَابَهَا فِي بَعْضِ الْمَعَادِنِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، خُذْ هَذِهِ مِنِّي صَدَقَةً، فَوَاللَّهِ مَا أَصْبَحْتُ أَمْلِكُ غَيْرَهَا فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَأَتَاهُ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ.
ثُمَّ قَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ.
ثُمَّ قَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقَالَ: «هَاتِهَا» مُغْضَبًا، فَأَخَذَهَا فَحَذَفَهُ بِهَا حَذْفَةً لَوْ أَصَابَهُ شَجَّهُ، أَوْ عَقَرَهُ، ثُمَّ قَالَ: «يَجِيءُ أَحَدُكُمْ بِمَالِهِ كُلِّهِ يَتَصَدَّقُ بِهِ وَيَجْلِسُ يَتَكَفَّفُ النَّاسَ إِنَّمَا الصَّدَقَةُ عَنْ ظَهْرِ غِنًى»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْهَجَرِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْأَحْوَصِ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: « ارْضَخْ مِنَ الْفَضْلِ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، وَلَا تُلَامُ عَلَى كَفَافٍ» وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي يَطُولُ بِاسْتِقْصَاءِ ذِكْرِهَا الْكِتَابُ.
فَإِذَا كَانَ الَّذِي أَذِنَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ الصَّدَقَةَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِالْفَضْلِ عَنْ حَاجَةِ الْمُتَصَدِّقِ الْفَضْلَ مِنْ ذَلِكَ، هُوَ الْعَفْوُ مِنْ مَالِ الرَّجُلِ؛ إِذْ كَانَ الْعَفْوُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فِي الْمَالِ وَفِي كُلِّ شَيْءٍ هُوَ الزِّيَادَةُ وَالْكَثْرَةُ، وَمَنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ [الأعراف: 95] بِمَعْنَى: زَادُوا عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ الْعَدَدِ وَكَثُرُوا، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ:
[البحر الوافر]
وَلَكِنَّا يَعَضُّ السَّيْفُ مِنَّا ... بِأَسْوُقِ عَافِيَاتِ الشَّحْمِ كُومِ
يَعْنِي بِهِ كَثِيرَاتِ الشُّحُومِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قِيلَ لِلرَّجُلِ: خُذْ مَا عَفَا لَكَ مِنْ فُلَانٍ، يُرَادُ بِهِ: مَا فَضَلَ فَصَفَا لَكَ عَنْ جَهْدِهِ بِمَا لَمْ تَجْهَدْهُ.
كَانَ بَيِّنًا أَنَّ الَّذِيَ أَذِنَ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219] لِعِبَادِهِ مِنَ النَّفَقَةِ، فَأَذِنَهُمْ بِإِنْفَاقِهِ إِذَا أَرَادُوا إِنْفَاقَهُ هُوَ الَّذِي بَيَّنَ لِأُمَّتِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا أَنْفَقْتَ عَنْ غِنًى» وَأَذِنَهُمْ بِهِ فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَمَا تُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْعَفْوُ هُوَ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ؟ قِيلَ: أَنْكَرْنَا ذَلِكَ لَقِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَى أَنَّ مَنَ حَلَّتْ فِي مَالِهِ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ،
فَهَلَكَ جَمِيعُ مَالِهِ إِلَّا قَدْرَ الَّذِي لَزِمَ مَالَهُ لِأَهْلِ سَهْمَانِ الصَّدَقَةُ، أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُسَلِّمَهُ إِلَيْهِمْ، إِذَا كَانَ هَلَاكُ مَالِهِ بَعْدَ تَفْرِيطِهِ فِي أَدَاءِ الْوَاجِبِ كَانَ لَهُمْ فِي مَالِهِ إِلَيْهِمْ، وَذَلِكَ لَا شَكَّ أَنَّهُ جَهَدُهُ إِذَا سَلَّمَهُ إِلَيْهِمْ لَا عَفْوُهُ، وَفِي تَسْمِيَةِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مَا عَلِمَ عِبَادُهُ وَجْهَ إِنْفَاقِهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ عَفْوًا، مَا يَبْطُلُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَحِقًّا اسْمَ جَهْدٍ فِي حَالَةٍ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَبَيْنَ فَسَادِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَعْنَى الْعَفْوِ هُوَ مَا أَخْرَجَهُ رَبُّ الْمَالِ إِلَى إِمَامِهِ، فَأَعْطَاهُ كَائِنًا مَا كَانَ مِنْ قَلِيلِ مَالِهِ، وَكَثِيرِهِ، وَقَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا لَا وَجْهَ لِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ مَعْنَاهُ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ فِي أَمْوَالِكُمْ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا قَالَ لَهُ أَبُو لُبَابَةَ: «إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنْ مَالِي صَدَقَةً» ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَكْفِيكَ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ» وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ.
وَالثُّلُثُ لَا شَكَّ أَنَّهُ بَيَّنٌ فَقْدُهُ مِنْ مَالِ ذِي الْمَالِ، وَلَكِنَّهُ عِنْدِي كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67] وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: 29] وَذَلِكَ هُوَ مَا حَدَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا دُونَ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ، وَاحْتِمَالِهِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هَلْ هِيَ مَنْسُوخَةٌ، أَمْ ثَابِتَةُ الْحُكْمِ عَلَى
الْعِبَادِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ مَنْسُوخَةٌ نَسَخَتْهَا الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلَهُ: " ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219] قَالَ: كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّدَقَةُ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219] قَالَ: لَمْ تُفْرَضْ فِيهِ فَرِيضَةٌ مَعْلُومَةٌ، ثُمَّ قَالَ: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: 199] ثُمَّ نَزَلَتِ الْفَرَائِضُ بَعْدَ ذَلِكَ مُسَمَّاةً "
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلَهُ: " ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219] هَذِهِ نَسَخَتْهَا الزَّكَاةُ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مُثْبَتَةُ الْحُكْمِ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ أَوْ عِيسَى، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ،؛ - شَكَّ أَبُو عَاصِمٍ
قَالَ: قَالَ: " الْعَفْوُ: الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ " وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْهُ عَطِيَّةُ مِنْ أَنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: 219] لَيْسَ بِإِيجَابِ فَرْضٍ فُرِضَ مِنَ اللَّهِ حَقًّا فِي مَالِهِ.
وَلَكِنَّهُ إِعْلَامٌ مِنْهُ مَا يُرْضِيَهُ مِنَ النَّفَقَةِ مِمَّا يُسْخِطُهُ جَوَابًا مَعَهُ لِمَنْ سَأَلَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا فِيهِ لَهُ رِضًا، فَهُوَ أَدَبٌ مِنَ اللَّهِ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ عَلَى مَا أَدَّبَهُمْ بِهِ فِي الصَّدَقَةِ غَيْرِ الْمَفْرُوضَاتِ ثَابِتُ الْحُكْمِ غَيْرُ نَاسِخٍ لِحُكْمٍ كَانَ قَبْلَهُ بِخِلَافِهِ، وَلَا مَنْسُوخٌ بِحُكْمٍ حَدَثَ بَعْدَهُ، فَلَا يَنْبَغِي لِذِي وَرَعٍ وَدِينٍ أَنْ يَتَجَاوَزَ فِي صَدَقَاتِ التَّطَوُّعِ وَهِبَاتِهِ وَعَطَايَا النَّفْلِ وَصَدَقَتِهِ مَا أَدَّبَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ: «إِذَا كَانَ عِنْدَ أَحَدِكُمْ فَضْلٌ فَلْيَبْدَأْ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ بِأَهْلِهِ، ثُمَّ بِوَلَدِهِ» ، ثُمَّ يَسْلُكُ حِينَئِذٍ فِي الْفَضْلِ مَسَالِكَهُ الَّتِي تُرْضِي اللَّهَ وَيُحِبُّهَا.
وَذَلِكَ هُوَ الْقَوَامُ بَيْنَ الْإِسْرَافِ، وَالْإِقْتَارِ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَيُقَالُ لِمَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ: مَا الدَّلَالَةُ عَلَى نَسْخِهِ؟ وَقَدْ أَجْمَعَ الْجَمِيعُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ عَلَى أَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُنْفِقَ مِنْ مَالِهِ صَدَقَةً، وَهِبَةً، وَوَصِيَّةَ الثُّلُثِ.
فَمَا الَّذِي دَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ؟ فَإِنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْنِي بِقَوْلِهِ: إِنَّهُ مَنْسُوخٌ أَنَّ إِخْرَاجَ الْعَفْوِ مِنَ الْمَالِ غَيْرُ لَازِمٍ فَرْضًا، وَأَنَّ فَرْضَ ذَلِكَ سَاقِطٌ بِوُجُودِ الزَّكَاةِ فِي الْمَالِ؛ قِيلَ لَهُ: وَمَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ إِخْرَاجَ الْعَفْوِ كَانَ فَرْضًا، فَأَسْقَطَهُ فَرْضُ الزَّكَاةِ؟ وَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فَرْضًا، إِذْ لَمْ يَكُنْ أَمْرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ، بَلْ فِيهَا الدَّلَالَةُ
عَلَى أَنَّهَا جَوَّابُ مَا سَأَلَ عَنْهُ الْقَوْمُ عَلَى وَجْهِ التَّعَرُّفِ لِمَا فِيهِ لِلَّهِ الرِّضَا مِنَ الصَّدَقَاتِ، وَلَا سَبِيلَ لِمُدَّعِي ذَلِكَ إِلَى دَلَالَةٍ تُوجِبُ صِحَّةَ مَا ادَّعَى.
وَأَمَّا الْقُرَّاءُ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي قِرَاءَةِ الْعَفْوِ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ، وَقُرَّاءُ الْحَرَمَيْنِ وَعُظْمُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: (قُلِ الْعَفْوَ) نَصْبًا، وَقَرَأَهُ بَعْضُ قُرَّاءِ الْبَصْرِيِّينَ: «قُلِ الْعَفْوَ» رَفْعًا.
فَمَنْ قَرَأَهُ نَصْبًا جَعَلَ «مَاذَا» حَرْفًا وَاحِدًا، وَنَصَبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: 3] عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْتُ قَبْلُ، ثُمَّ نَصَبَ الْعَفْوَ عَلَى ذَلِكَ؛ فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: وَيَسْأَلُونَكَ أَيَّ شَيْءٍ يُنْفِقُونَ؟ وَمَنْ قَرَأَه رَفْعًا جَعَلَ «مَا» مِنْ صِلَةِ «ذَا» وَرَفَعُوا الْعَفْوَ؛ فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: مَا الَّذِي يُنْفِقُونَ، قُلِ الَّذِي يُنْفِقُونَ الْعَفْوَ.
وَلَوْ نَصَبَ الْعَفْوَ، ثُمَّ جَعَلَ «مَاذَا» حَرْفَيْنِ بِمَعْنَى يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ؟ قُلْ يُنْفِقُونَ الْعَفْوَ، وَرَفْعُ الَّذِينَ جَعَلُوا «مَاذَا» حَرْفًا وَاحِدًا بِمَعْنَى مَا يُنْفِقُونَ؟ قُلِ الَّذِي يُنْفِقُونَ؛ خَبَرًا كَانَ صَوَابًا صَحِيحًا فِي الْعَرَبِيَّةِ.
وَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ قُرِئَ ذَلِكَ عِنْدِي صَوَابٌ لِتَقَارُبِ مَعْنَيَيْهِمَا مَعَ اسْتِفَاضَةِ الْقِرَاءَةِ بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
غَيْرَ أَنَّ أَعْجَبَ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَيَّ وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَهُ بِالنَّصْبِ، لِأَنَّ مَنْ قَرَأَ بِهِ مِنَ الْقُرَّاءِ أَكْثَرُ وَهُوَ أَعْرَفُ وَأَشْهَرُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ، فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [البقرة: 220] يَعْنِي بِقَوْلِ عَزَّ ذِكْرُهُ: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ [البقرة: 219] هَكَذَا يُبَيِّنُ
أَيْ مَا بَيَّنْتُ لَكُمْ أَعْلَامِي، وَحُجَجِي، وَهِيَ آيَاتُهُ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، وَعَرَّفْتُكُمْ فِيهَا مَا فِيهِ خَلَاصُكُمْ مِنْ عِقَابِي، وَبَيَّنْتُ لَكُمْ حُدُودِي، وَفَرَائِضِي، وَنَبَّهْتُكُمْ فِيهَا عَلَى الْأَدِلَّةِ عَلَى وَحْدَانِيَّتِي، ثُمَّ عَلَى حُجَجِ رَسُولِي إِلَيْكُمْ، فَأَرْشَدْتُكُمْ إِلَى ظُهُورِ الْهُدَى، فَكَذَلِكَ أُبَيِّنُ لَكُمْ فِي سَائِرِ كِتَابِي الَّذِي أَنْزَلْتُهُ عَلَى نَبِيِّيَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَاتِي وَحُجَجِي، وَأُوَضِّحُهَا لَكُمْ لِتَتَفَكَّرُوا فِي وَعْدِي، وَوَعِيدِي، وَثَوَابِي، وَعِقَابِي، فَتَجَاوزُا طَاعَتِي الَّتِي تَنَالُونَ بِهَا ثَوَابِي فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ، وَالْفَوْزَ بِنَعِيمِ الْأَبَدِ عَلَى الْقَلِيلِ مِنَ اللَّذَّاتِ، وَالْيَسِيرِ مِنَ الشَّهَوَاتِ، بِرُكُوبِ مَعْصِيَتِي فِي الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ الَّتِي مَنْ رَكِبَهَا، كَانَ مَعَادُهُ إِلَيَّ، وَمَصِيرُهُ إِلَى مَا لَا قِبَلَ لَهُ بِهِ مِنْ عِقَابِي، وَعَذَابِي.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ ثنا أَبُو صَالِحٍ قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: 220] قَالَ: يَعْنِي فِي زَوَالِ الدُّنْيَا وَفَنَائِهَا، وَإِقْبَالِ الْآخِرَةِ، وَبَقَائِهَا "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: 220] يَقُولُ: لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، فَتَعْرِفُونَ فَضْلَ الْآخِرَةِ عَلَى الدُّنْيَا "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَوْلَهُ: " ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: 220] قَالَ: أَمَا الدُّنْيَا فَتَعْلَمُونَ أَنَّهَا دَارُ بَلَاءٍ ثُمَّ فَنَاءٍ، وَالْآخِرَةُ دَارُ جَزَاءٍ ثُمَّ بَقَاءٍ، فَتَتَفَكَّرُونَ، فَتَعْمَلُونَ لِلْبَاقِيَةِ مِنْهُمَا " قَالَ: وَسَمِعْتُ أَبَا عَاصِمٍ يَذْكُرُ نَحْوَ هَذَا أَيْضًا
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: " ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [البقرة: 220] وَأَنَّهُ مَنْ تَفَكَّرَ فِيهِمَا عَرَفَ فَضْلَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، وَعَرَفَ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلَاءٍ ثُمَّ دَارُ فَنَاءٍ، وَأَنَّ الْآخِرَةَ دَارُ جَزَاءٍ ثُمَّ دَارُ بَقَاءٍ، فَكُونُوا مِمَّنْ يَصْرِمُ حَاجَةَ الدُّنْيَا لِحَاجَةِ الْآخِرَةِ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ، وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: 220] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ عَزَلُوا أَمْوَالَ الْيَتَامَى حِينَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
[الأنعام: 152]
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152] عَزَلُوا أَمْوَالَ الْيَتَامَى، فَذَكَرُوا ذَلِكَ
لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: 220] ، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: 220] فَخَالِطُوهُمْ "
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152] وَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10] انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يَفْضُلُ الشَّيْءُ مِنْ طَعَامِهِ، فَيُحْبَسُ لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسُدَ.
فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: 220] فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِمْ، وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِهِمْ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ، قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152] قَالَ: كُنَّا نَصْنَعُ لِلْيَتِيمِ طَعَامًا فَيَفْضُلُ مِنْهُ الشَّيْءُ، فَيَتْرُكُونَهُ حَتَّى يَفْسُدَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: 220] "
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ دَاوُدَ الْوَاسِطِيُّ، قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْحَكَمِ، قَالَ: سُئِلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ مَالِ الْيَتِيمِ، فَقَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152] اجْتَنَبْتُ مُخَالَطَتَهُمْ، وَاتَّقُوا كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى اتَّقَوُا الْمَاءَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: 220] قَالَ: فَخَالِطُوهُمْ "
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلَهُ: " ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: 220] الْآيَةَ كُلَّهَا، قَالَ: كَانَ اللَّهُ أَنْزَلَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152] فَكَبُرَتْ عَلَيْهِمْ، فَكَانُوا لَا يُخَالِطُونَهُمْ فِي مَأْكَلٍ وَلَا فِي غَيْرِهِ.
فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الرُّخْصَةَ، فَقَالَ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: 220] "
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: 152] اعْتَزَلَ النَّاسُ الْيَتَامَى فَلَمْ يُخَالِطُوهُمْ فِي مَأْكَلٍ، وَلَا مَشْرَبٍ، وَلَا مَالٍ، قَالَ: فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: 220] "
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى، قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ.
.﴾ [البقرة: 220] الْآيَةَ، قَالَ: فَذَكَرَ لَنَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ أَنْزَلَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشَدَّهُ﴾ [الأنعام: 152] فَكَبُرَتْ عَلَيْهِمْ، فَكَانُوا لَا يُخَالِطُونَهُمْ فِي طَعَامٍ وَلَا
شَرَابٍ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ.
فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الرُّخْصَةَ فَقَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: 220] يَقُولُ: مُخَالَطَتُهُمْ فِي رُكُوبِ الدَّابَّةِ، وَشُرْبِ اللَّبَنِ، وَخِدْمَةِ الْخَادِمِ.
يَقُولُ لِلْوَلِيٍّ الَّذِي يَلِي أَمْرَهُمْ: فَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْكَبَ الدَّابَّةَ، أَوْ يَشْرَبَ اللَّبَنَ، أَوْ يَخْدُمَهُ الْخَادِمُ " وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ
بِمَا حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ قَالَ: ثنا عِمْرَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: ثنا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ [النساء: 10] الْآيَةَ، قَالَ: كَانَ يَكُونُ فِي حِجْرِ الرَّجُلِ الْيَتِيمِ، فَيَعْزِلُ طَعَامَهُ، وَشَرَابَهُ، وَآنِيَتَهُ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: 220] فَأَحَلَّ خَلْطَهُمْ "
حَدَّثَنِي أَبُو السَّائِبِ، قَالَ: ثنا حفص بن غياث، قَالَ: ثنا أشعث، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: " ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10] قَالَ: فَاجْتَنِبَ النَّاسُ الْأَيْتَامَ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَعْزِلُ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ وَمَالَهُ مِنْ مَالِهِ، وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: 220] قَالَ الشَّعْبِيُّ: فَمَنْ خَالَطَ يَتِيمًا فَلْيَتَوَسَّعْ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَالَطَهُ لِيَأْكُلَ مِنْ مَالِهِ فَلَا يَفْعَلُ "
حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ دَاوُدَ، قَالَ: ثنا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلِهِ: " ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ [البقرة: 220] وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَنْزَلَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: 10] كَرِهَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَضُمُّوا الْيَتَامَى، وَتَحَرَّجُوا أَنْ يُخَالِطُوهُمُ فِي شَيْءٍ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: 220] "