الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾ [البقرة: 15] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﴿وَيَمُدُّهُمْ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، قَالَ: " ثُمَّ قَالَ، يَعْنِي قَالَ اللَّهُ، فِي أَسْمَاعِهِمْ يَعْنِي أَسْمَاعَ الْمُنَافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمُ الَّتِي عَاشُوا بِهَا فِي النَّاسِ: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: 20] " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: 20] لَأَذْهَبَ سَمْعَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ، وَلَكِنَّ الْعَرَبَ إِذَا أَدْخَلُوا الْبَاءَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ قَالُوا: ذَهَبْتُ بِبَصَرِهِ، وَإِذَا حَذَفُوا الْبَاءَ قَالُوا: أَذْهَبْتُ بَصَرَهُ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: 62] وَلَوْ أُدْخِلَتِ الْبَاءُ فِي الْغَدَاءِ لَقِيلَ: ائْتِنَا بِغَدَائِنَا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ قِيلَ: ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: 20] فَوَحَّدَ، وَقَالَ: ﴿وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة: 20] فَجَمَعَ؟ وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الْخَبَرَ فِي السَّمْعِ خَبَرٌ عَنْ سَمْعِ جَمَاعَةٍ، كَمَا الْخَبَرُ فِي الْأَبْصَارِ خَبَرٌ عَنْ أَبْصَارِ جَمَاعَةٍ؟ قِيلَ: قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: وَحَّدَ السَّمْعَ لِأَنَّهُ عَنَى بِهِ الْمَصْدَرَ وَقَصَدَ بِهِ الْخَرْقَ، وَجَمَعَ الْأَبْصَارَ لِأَنَّهُ عَنَى بِهِ الْأَعْيُنَ.
وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَزْعُمُ أَنَّ السَّمْعَ وَإِنْ كَانَ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ بِمَعْنَى جَمَاعَةٍ، وَيَحْتَجُّ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: 43] يُرِيدُ لَا تَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ أَطْرَافُهُمْ، وَبِقَوْلِهِ: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: 45] يُرَادُ بِهِ أَدْبَارَهُمْ.
وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ عِنْدِي لِأَنَّ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ الْجَمْعُ، فَكَانَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْمُرَادِ مِنْهُ، وَأَدَاءُ مَعْنَى الْوَاحِدِ مِنَ السَّمْعِ عَنْ مَعْنَى جَمَاعَةٍ مُغْنِيًا عَنْ جَمَاعَةٍ، وَلَوْ فَعَلَ بِالْبَصَرِ نَظِيرَ الَّذِي فَعَلَ بِالسَّمْعِ، أَوْ فَعَلَ بِالسَّمْعِ نَظِيرَ الَّذِي فَعَلَ بِالْأَبْصَارِ مِنَ الْجَمْعِ وَالتَّوْحِيدِ، كَانَ فَصِيحًا صَحِيحًا لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْعِلَّةِ؛ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
كُلُوا فِي بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعِفُّوا ... فَإِنَّ زَمَانَنَا زَمَنٌ خَمِيصُ
فَوَحَّدَ الْبَطْنَ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ الْبُطُونُ لِمَا وَصَفْنَا مِنَ الْعِلَّةِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 20] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِنَّمَا وَصَفَ اللَّهُ نَفْسَهُ جَلَّ ذِكْرُهُ بِالْقُدْرَةِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، لِأَنَّهُ حَذَّرَ الْمُنَافِقِينَ بَأْسَهُ وَسَطْوَتَهُ وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ بِهِمْ مُحِيطٌ وَعَلَى إِذْهَابِ أَسْمَاعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ قَدِيرٌ، ثُمَّ قَالَ: فَاتَّقُونِي أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ
وَاحْذَرُوا خِدَاعِي وَخِدَاعَ رَسُولِي وَأَهْلَ الْإِيمَانِ بِي لَا أُحِلُّ بِكُمْ نِقْمَتِي فَإِنِّي عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ قَدِيرٌ.
وَمَعْنَى قَدِيرٍ: قَادِرٌ، كَمَا مَعْنَى عَلِيمٌ: عَالِمٌ، عَلَى مَا وَصَفْتُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ نَظَائِرِهِ مِنْ زِيَادَةِ مَعْنَى فَعِيلٍ عَلَى فَاعِلٍ فِي الْمَدْحِ وَالذَّمِّ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَأَمَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْفَرِيقَيْنِ اللَّذَيْنِ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ أَحَدِهِمَا أَنَّهُ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأُنْذِرُوا أَمْ لَمْ يُنْذَرُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، لِطَبْعِهِ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ،
وَعَنِ الْآخَرِ أَنَّهُ يُخَادِعُ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِمَا يُبْدِي بِلِسَانِهِ مِنْ قَلْبِهِ: آمَنَّا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، مَعَ اسْتِبْطَانِهِ خِلَافَ ذَلِكَ، وَمَرَضِ قَلْبِهِ، وَشَكِّهِ فِي حَقِيقَةِ مَا يُبْدِي مِنْ ذَلِكَ؛ وَغَيْرَهُمْ مِنْ سَائِرِ خَلْقِهِ الْمُكَلَّفِينَ، بِالِاسْتِكَانَةِ وَالْخُضُوعِ لَهُ بِالطَّاعَةِ، وَإِفْرَادِ الرُّبُوبِيَّةِ لَهُ، وَالْعِبَادَةِ دُونَ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ وَالْآلِهَةِ؛ لِأَنَّ جَلَّ ذِكْرُهُ هُوَ خَالِقُهُمْ وَخَالِقُ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ
آبَائِهِمْ وَأَجْدَادِهِمْ، وَخَالِقُ أَصْنَامِهِمْ وَأَوْثَانِهِمْ وَآلِهَتِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ جَلَّ ذِكْرُهُ: فَالَّذِي خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ آبَاءَكُمْ وَأَجْدَادَكُمْ وَسَائِرَ الْخَلْقِ غَيْرَكُمْ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى ضَرِّكُمْ وَنَفْعِكُمْ أَوْلَى بِالطَّاعَةِ مِمَّنْ لَا يَقْدِرُ لَكُمْ عَلَى نَفْعٍ وَلَا ضَرٍّ.
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِيمَا رُوِيَ لَنَا عَنْهُ يَقُولُ فِي ذَلِكَ نَظِيرَ مَا قُلْنَا فِيهِ، غَيْرَ أَنَّهُ ذُكِرَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي مَعْنَى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: 21] وَحِّدُوا رَبَّكُمْ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابِنَا هَذَا عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ الْخُضُوعُ لِلَّهِ بِالطَّاعَةِ وَالتَّذَلُّلُ لَهُ بِالِاسْتِكَانَةِ.
وَالَّذِي أَرَادَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: 21] وَحِّدُوهُ: أَيْ أَفْرِدُوا الطَّاعَةَ وَالْعِبَادَةَ لِرَبِّكُمْ دُونَ سَائِرِ خَلْقِهِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " قَالَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: 21] لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، أَيْ وَحِّدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ "
وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، عَنْ أَسْبَاطٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 21] يَقُولُ: خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَى فَسَادِ قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنْ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ إِلَّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ غَيْرُ جَائِزٍ إِلَّا بَعْدَ إِعْطَاءِ اللَّهِ الْمُكَلَّفَ الْمَعُونَةَ عَلَى مَا كَلَّفَهُ.
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ مَنْ وَصَفْنَا بِعِبَادَتِهِ وَالتَّوْبَةِ مِنْ كُفْرِهِ، بَعْدَ إِخْبَارِهِ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ وَأَنَّهُمْ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ لَا يَرْجِعُونَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَتَأْوِيلُ ذَلِكَ: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ بِعِبَادَتِكُمْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ، وَطَاعَتِكُمْ إِيَّاهُ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ، وَإِفْرَادِكُمْ لَهُ الْعِبَادَةَ، لِتَتَّقُوا سَخَطَهُ وَغَضَبَهُ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ، وَتَكُونُوا مِنَ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ رَضِيَ عَنْهُمْ رَبُّهُمْ.
وَكَانَ مُجَاهِدٌ
يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21] تُطِيعُونَ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21] قَالَ: لَعَلَّكُمْ تُطِيعُونَ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالَّذِي أَظُنُّ أَنَّ مُجَاهِدًا أَرَادَ بِقَوْلِهِ هَذَا: لَعَلَّكُمْ أَنْ تَتَّقُوا رَبَّكُمْ بِطَاعَتِكُمْ إِيَّاهُ
وَإِقْلَاعِكُمْ عَنْ ضَلَالَتِكُمْ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَكَيْفَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21] أَوَلَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِمَا يَصِيرُ إِلَيْهِ أَمْرُهُمْ إِذَا هُمْ عَبَدُوهُ وَأَطَاعُوهُ، حَتَّى قَالَ لَهُمْ: لَعَلَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ أَنْ تَتَّقُوا، فَأَخْرَجَ الْخَبَرَ عَنْ عَاقِبَةِ عِبَادَتِهِمْ إِيَّاهُ مَخْرَجَ الشَّكِّ؟ قِيلَ لَهُ: ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي تَوَهَّمْتَ، وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: 21] ، لِتَتَّقُوهُ بِطَاعَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَإِفْرَادِهِ بِالرُّبُوبِيَّةِ وَالْعِبَادَةِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الْحُرُوبَ لَعَلَّنَا ... نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ مُوثِقِ
فَلَمَّا كَفَفْنَا الْحَرْبَ كَانَتْ عُهُودُكُمْ ... كَلَمْحِ سَرَابٍ فِي الْفَلَا مُتَأَلِّقِ
يُرِيدُ بِذَلِكَ: قُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا لِنَكُفَّ.
وَذَلِكَ أَنَّ لَعَلَّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَوْ كَانَ شَكًّا لَمْ يَكُونُوا وَثَّقُوا لَهُمْ كُلَّ مُوثِقِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: 22]
وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: 22] مَرْدُودٌ عَلَى الَّذِي الْأُولَى فِي قَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ [البقرة: 21] وَهُمَا جَمِيعًا مِنْ نَعْتِ ﴿رَبَّكُمْ﴾ [البقرة: 21] فَكَأَنَّهُ قَالَ: اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الْخَالِقَكُمْ، وَالْخَالِقَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ، الْجَاعِلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا.
يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مِهَادًا وَمَوْطِئًا وَقَرَارًا يُسْتَقَرُّ
عَلَيْهَا.
يَذْكُرُ رَبُّنَا جَلَّ ذِكْرُهُ بِذَلِكَ مِنْ قِيلِهِ زِيَادَةَ نِعَمِهِ عِنْدَهُمْ وَآلَائِهِ لَدَيْهِمْ،
لِيَذْكُرُوا أَيَادِيهِ عِنْدَهُمْ فَيُنِيبُوا إِلَى طَاعَتِهِ، تَعَطُّفًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وَرَأْفَةً مِنْهُ بِهِمْ، وَرَحْمَةً لَهُمْ، مِنْ غَيْرِ مَا حَاجَةٍ مِنْهُ إِلَى عِبَادَتِهِمْ، وَلَكِنْ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
كَمَا حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: 22] فَهِيَ فِرَاشٌ يَمْشِي عَلَيْهَا، وَهِيَ الْمِهَادُ وَالْقَرَارُ "
وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: 22] قَالَ: مِهَادًا لَكُمْ "
وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ: " ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: 22] أَيْ مِهَادًا "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة: 22] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَإِنَّمَا سُمِّيَتِ السَّمَاءُ سَمَاءً لِعُلُوِّهَا عَلَى الْأَرْضِ وَعَلَى سُكَّانِهَا مِنْ خَلْقِهِ، وَكُلُّ شَيْءٍ كَانَ فَوْقَ شَيْءٍ آخَرَ فَهُوَ لِمَا تَحْتَهُ سَمَاءٌ.
وَلِذَلِكَ قِيلَ لِسَقْفِ
الْبَيْتِ سَمَاؤُهُ، لِأَنَّهُ فَوْقَهُ مُرْتَفِعٌ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ قِيلَ: سَمَا فُلَانٌ لِفُلَانٍ: إِذَا أَشْرَفَ لَهُ وَقَصَدَ نَحْوَهُ عَالِيًا عَلَيْهِ، كَمَا قَالَ الْفَرَزْدَقُ: [البحر الطويل] سَمَوْنَا لِنَجْرَانَ الْيَمَانِي وَأَهْلِهِ ... وَنَجْرَانُ أَرْضٌ لَمْ تُدَيَّثْ مَقَاوِلُهُ وَكَمَا قَالَ نَابِغَةُ بَنِي ذُبْيَانَ: [البحر الوافر] سَمَتْ لِي نَظْرَةٌ فَرَأَيْتُ مِنْهَا ... تُحَيْتَ الْخِدْرِ وَاضِعَةَ الْقِرَامِ يُرِيدُ بِذَلِكَ: أَشْرَفَتْ لِي نَظْرَةٌ وَبَدَتْ، فَكَذَلِكَ السَّمَاءُ: سُمِّيَتْ لِلْأَرْضِ سَمَاءً لِعُلُوِّهَا وَإِشْرَافِهَا عَلَيْهَا
كَمَا حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ، عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة: 22] ، فَبِنَاءُ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ كَهَيْئَةِ الْقُبَّةِ، وَهِيَ سَقْفٌ عَلَى الْأَرْضِ "
وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ [البقرة: 22] قَالَ: جَعَلَ السَّمَاءَ سَقْفًا لَكَ " وَإِنَّمَا ذَكَرَ السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيمَا عَدَّدَ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعَمِهِ الَّتِي أَنْعَمَهَا عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ مِنْهُمَا أَقْوَاتَهُمْ وَأَرْزَاقَهُمْ وَمَعَايِشَهُمْ، وَبِهِمَا قِوَامُ دُنْيَاهُمْ، فَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ الَّذِيَ خَلَقَهُمَا وَخَلَقَ جَمِيعَ مَا فِيهِمَا وَمَا هُمْ فِيهِ مِنَ النِّعَمِ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ عَلَيْهِمُ الطَّاعَةَ وَالْمُسْتَوْجِبُ مِنْهُمُ الشُّكْرَ وَالْعِبَادَةَ دُونَ الْأَصْنَامِ وَالْأَوْثَانِ الَّتِي لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: 22] يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَطَرًا، فَأَخْرَجَ بِذَلِكَ الْمَطَرِ مِمَّا أَنْبَتُوهُ فِي الْأَرْضِ مِنْ زَرْعِهِمْ وَغَرْسِهِمْ ثَمَرَاتٍ رِزْقًا لَهُمْ غِذَاءً وَأَقْوَاتًا.
فَنَبَّهَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى قُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَذَكَّرَهُمْ بِهِ آلَاءَهُ لَدَيْهِمْ،
وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي خَلَقَهُمْ وَهُوَ الَّذِي يَرْزُقُهُمْ وَيَكْفُلُهُمْ دُونَ مَنْ جَعَلُوهُ لَهُ نِدًّا وَعَدْلًا مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْآلِهَةِ، ثُمَّ زَجَرَهُمْ عَنْ أَنْ يَجْعَلُوا لَهُ نِدًّا مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَهُمْ، وَأَنَّهُ لَا نِدَّ لَهُ وَلَا عَدْلَ، وَلَا لَهُمْ نَافِعٌ وَلَا ضَارٌّ وَلَا خَالِقٌ وَلَا رَازِقٌ سِوَاهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: 22] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْأَنْدَادُ، جَمْعُ نِدٍّ، وَالنِّدُّ: الْعَدْلُ وَالْمِثْلُ، كَمَا قَالَ حَسَّانُ بْنُ
ثَابِتٍ:
[البحر الوافر]
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ ... فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: وَلَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ: لَسْتَ لَهُ بِمِثْلٍ وَلَا عَدْلٍ.
وَكُلُّ شَيْءٍ كَانَ نَظِيرَ الشَّيْءِ وَشَبِيهًا فَهُوَ لَهُ نِدٌّ
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: 22] أَيْ عُدَلَاءَ "
وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: 22] أَيْ عُدَلَاءَ "
وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: 22] قَالَ: أَكْفَاءَ مِنَ الرِّجَالِ تُطِيعُونَهُمْ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ "
وَحَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ " فِي
قَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: 22] قَالَ: الْأَنْدَادُ: الْآلِهَةُ الَّتِي جَعَلُوهَا مَعَهُ وَجَعَلُوا لَهَا مِثْلَ مَا جَعَلُوا لَهُ "
وَحُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ، قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: 22] قَالَ: أَشْبَاهًا "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ شَبِيبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: " ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ [البقرة: 22] أَيْ تَقُولُوا: لَوْلَا كَلْبُنَا لَدَخَلَ عَلَيْنَا اللِّصُّ الدَّارَ، لَوْلَا كَلْبُنَا صَاحَ فِي الدَّارِ وَنَحْوَ ذَلِكَ " فَنَهَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَنَ يَعْبُدُوا غَيْرَهُ، أَوْ يَتَّخِذُوا لَهُ نِدًّا وَعَدْلًا فِي الطَّاعَةِ، فَقَالَ: كَمَا لَا شَرِيكَ لِي فِي خَلْقِكُمْ وَفِي رِزْقِكُمُ الَّذِي أَرْزُقُكُمْ، وَمُلْكِي إِيَّاكُمْ، وَنِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُهَا عَلَيْكُمْ، فَكَذَلِكَ فَأَفْرِدُوا لِيَ الطَّاعَةَ، وَأَخْلِصُوا لِيَ الْعِبَادَةَ، وَلَا تَجْعَلُوا لِي شَرِيكًا وَنِدًّا مِنْ خَلْقِي، فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ كُلَّ نِعْمَةٍ عَلَيْكُمْ مِنِّي
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 22] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ عُنُوا بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهَا جَمِيعُ الْمُشْرِكِينَ، مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ: التَّوْرَاةِ، وَالْإِنْجِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِهَا جَمِيعُ عَبْدَةِ الْأَوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ وَكُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ، مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " نَزَلَ ذَلِكَ فِي الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ.
وَإِنَّمَا عُنِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 22] أَيْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ غَيْرَهُ مِنَ الْأَنْدَادِ الَّتِي لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا رَبَّ لَكُمْ يَرْزُقُكُمْ غَيْرَهُ، وَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الَّذِيَ يَدْعُوكُمْ إِلَيْهِ الرَّسُولُ مِنْ تَوْحِيدِهِ هُوَ الْحَقُّ لَا شَكَّ فِيهِ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 22] أَيْ تَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ، ثُمَّ تَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا "
ذِكْرُ مَنْ قَالَ: عُنِيَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 22] أَنَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ "
وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ
وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 22] ، يَقُولُ: وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ لَا نِدَّ لَهُ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَحْسِبُ أَنَّ الَّذِيَ دَعَا مُجَاهِدًا إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، وَإِضَافَةِ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ خِطَابٌ لِأَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ دُونَ غَيْرِهِمْ، الظَّنُّ مِنْهُ بِالْعَرَبِ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُهَا وَرَازِقُهَا بِجُحُودِهَا وَحْدَانِيَّةَ رَبِّهَا، وَإِشْرَاكِهَا مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ غَيْرَهُ.
وَإِنَّ ذَلِكَ لَقَوْلٌ، وَلَكِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تُقِرُّ بِوَحْدَانِيَّةٍ، غَيْرَ أَنَّهَا كَانَتْ تُشْرِكُ فِي عِبَادَتِهِ مَا كَانَتْ تُشْرِكُ فِيهَا، فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: 87] ، وَقَالَ: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: 31] . فَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 22] إِذْ كَانَ مَا كَانَ عِنْدَ الْعَرَبِ مِنَ الْعِلْمِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ مُبْدِعُ الْخَلْقِ وَخَالِقُهُمْ وَرَازِقُهُمْ، نَظِيرَ الَّذِي كَانَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ.
وَلَمْ يَكُنْ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 22] أَحَدَ الْحِزْبَيْنِ، بَلْ مَخْرَجُ الْخِطَابِ بِذَلِكَ عَامٌ لِلنَّاسِ كَافَّةً لَهُمْ، لِأَنَّهُ تَحَدَّى النَّاسَ كُلَّهُمْ بِقَوْلِهِ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} [البقرة: 21] أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ، مِنْ أَنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ كُلَّ مُكَلَّفٍ عَالِمٍ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا شَرِيكَ لَهُ فِي خَلْقِهِ يُشْرِكُ مَعَهُ فِي عِبَادَتِهِ غَيْرَهُ، كَائِنًا مَنْ كَانَ مِنَ النَّاسِ، عَرَبِيًّا كَانَ أَوْ أَعْجَمِيًّا، كَاتِبًا أَوْ أُمِّيًّا، وَإِنْ كَانَ الْخِطَابُ لِكُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَانُوا حَوَالَيْ دَارِ هِجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَهْلِ النِّفَاقِ مِنْهُمْ وَمِمَّنْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ مِمَّنْ كَانَ مُشْرِكًا فَانْتَقَلَ إِلَى النِّفَاقِ بِمَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 23] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ احْتِجَاجٌ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُشْرِكِي قَوْمِهِ مِنَ الْعَرَبِ وَمُنَافِقِيهِمْ وَكُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابِ
وَضُلَّالِهِمُ الَّذِينَ افْتَتَحَ بِقَصَصِهِمْ قَوْلَهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: 6] وَإِيَّاهُمْ يُخَاطِبُ بِهَذِهِ الْآيَاتِ، وَضُرَبَاءَهُمْ يَعْنِي بِهَا، قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَإِنْ كُنْتُمْ أَيُّهَا الْمُشْرِكُونَ مِنَ الْعَرَبِ وَالْكُفَّارِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ فِي شَكٍّ، وَهُوَ الرَّيْبُ، مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النُّورِ وَالْبُرْهَانِ وَآيَاتِ الْفُرْقَانِ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِي، وَأَنِّي الَّذِي أَنْزَلْتُهُ إِلَيْهِ، فَلَمْ تُؤْمِنُوا بِهِ وَلَمْ تُصَدِّقُوهُ فِيمَا يَقُولُ، فَأْتُوا بِحُجَّةٍ تَدْفَعُ حُجَّتَهُ؛ لِأَنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ حُجَّةَ كُلِّ ذِي نُبُوَّةٍ عَلَى صِدْقِهِ فِي دَعْوَاهُ النُّبُوَّةَ أَنْ يَأْتِيَ بِبُرْهَانٍ يَعْجِزُ عَنْ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ جَمِيعُ الْخَلْقِ، وَمِنْ حُجَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ