الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرَغِّبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
[البقرة: 130]
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يُرَغِّبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: 130] وَأَيُّ النَّاسِ يَزْهَدُ فِي مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَيَتْرُكُهَا رَغْبَةً عَنْهَا إِلَى غَيْرَهَا.
وَإِنَّمَا عَنَى اللَّهُ بِذَلِكَ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لِاخْتِيَارِهِمْ مَا اخْتَارُوا مِنَ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ عَلَى الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ هِيَ الْحَنِيفِيَّةُ الْمُسْلِمَةُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى
ذِكْرُهُ: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: 67] فَقَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَهُمْ: وَمَنْ يَزْهَدُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِيَّةَ الْمُسْلِمَةَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ
كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " قَوْلَهُ: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ، إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130] رَغِبَ عَنْ مِلَّتِهِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، وَاتَّخَذُوا الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ بِدْعَةً لَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ، وَتَرَكُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ يَعْنِي الْإِسْلَامَ حَنِيفًا، كَذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ "
حَدَّثَنَا عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ، إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130] ، قَالَ: رَغِبَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَابْتَدَعُوا الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ وَلَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ، وَتَرَكُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْلَامَ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130] إِلَّا مَنْ سَفِهَتْ نَفْسُهُ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى أَنَّ مَعْنَى السَّفَهَ: الْجَهْلَ.
فَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَمَا يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِيَّةِ إِلَّا سَفِيهٌ جَاهِلٌ بِمَوْضِعِ حَظِّ نَفْسِهِ فِيمَا يَنْفَعُهَا وَيَضُرُّهَا فِي مَعَادِهَا
كَمَا حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130] ، قَالَ: إِلَّا مِنْ أَخْطَأَ حَظَّهُ " وَإِنَّمَا نَصَبَ النَّفْسَ عَلَى مَعْنَى الْمُفَسِّرِ؛ ذَلِكَ أَنَّ السَّفَهَ فِي الْأَصْلِ لِلنَّفَسٍ، فَلَمَّا نَقَلَ إِلَى مَنْ نُصِبَتِ النَّفْسُ بِمَعْنَى التَّفْسِيرِ، كَمَا يُقَالُ: هُوَ أَوْسَعُكُمْ دَارًا، فَتَدْخُلُ الدَّارُ فِي الْكَلَامِ عَلَى أَنَّ السَّعَةَ فِيهِ لَا فِي الرَّجُلِ.
فَكَذَلِكَ النَّفْسُ أُدْخِلَتْ، لِأَنَّ السَّفَهَ لِلنَّفَسِ لَا لِمَنْ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ سَفِهَ أَخُوكَ، وَإِنَّمَا جَازَ أَنْ يُفَسَّرَ بِالنَّفْسِ وَهِيَ مُضَافَةٌ إِلَى مَعْرِفَةٍ لِأَنَّهَا فِي تَأْوِيلِ نَكِرَةٍ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: إِنَّ قَوْلَهُ: ﴿سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ [البقرة: 130] جَرَتْ مَجْرَى سَفِهَ إِذَا كَانَ الْفِعْلُ غَيْرَ مُتَعَدٍّ.
وَإِنَّمَا عَدَاهُ إِلَى نَفْسِهِ وَرَأْيِهِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ فِي الْمَعْنَى نَحْوَ سَفِهَ، إِذَا هُوَ لَمْ يَتَعَدَّ.
فَأَمَّا غُبِنَ وَخَسِرَ فَقَدْ يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ، يُقَالُ: غُبِنَ خَمْسِينَ، وَخَسِرَ خَمْسِينَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [البقرة: 130] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [البقرة: 130] وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَا إِبْرَاهِيمَ، وَالْهَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: ﴿اصْطَفَيْنَاهُ﴾ [البقرة: 130] مِنْ ذِكْرِ إِبْرَاهِيمَ وَالِاصْطِفَاءُ: الِافْتِعَالُ مِنَ الصَّفْوَةِ، وَكَذَلِكَ اصْطَفَيْنَا افْتَعَلْنَا مِنْهُ، صُيِّرَتْ تَاؤُهَا طَاءً لِقُرْبِ
مَخْرَجِهَا مِنْ مَخْرَجِ الصَّادِ وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿اصْطَفَيْنَاهُ﴾ [البقرة: 130] اخْتَرْنَاهُ وَاجْتَبَيْنَاهُ لِلْخُلَّةِ، وَنُصَيِّرُهُ فِي الدُّنْيَا لِمَنْ بَعْدَهُ إِمَامًا.
وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ أَنَّ مَنْ خَالَفَ إِبْرَاهِيمَ فِيمَا سَنَّ لِمَنْ بَعْدَهُ فَهُوَ لِلَّهِ مُخَالِفٌ، وَإِعْلَامٌ مِنْهُ خَلْقَهُ أَنَّ مَنْ خَالَفَ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ لِإِبْرَاهِيمَ مُخَالِفٌ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ اصْطَفَاهُ لِخُلَّتِهِ، وَجَعَلَهُ لِلنَّاسِ إِمَامًا، وَأَخْبَرَ أَنَّ دِينَهُ كَانَ الْحَنِيفِيَّةَ الْمُسْلِمَةَ.
فَفِي ذَلِكَ أَوْضَحُ الْبَيَانِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ أَنَّ مَنْ خَالَفَهُ فَهُوَ لِلَّهِ عَدُوٌّ لِمُخَالَفَتِهِ الْإِمَامَ الَّذِي نَصَّبَهُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: 130] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة: 130] وَإِنَّ إِبْرَاهِيمَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ.
وَالصَّالِحُ مِنْ بَنِي آدَمَ هُوَ الْمُؤَدِّي حُقُوقَ اللَّهِ عَلَيْهِ.
فَأَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِهِ أَنَّهُ فِي الدُّنْيَا لَهُ صَفِيٌّ،
وَفِي الْآخِرَةِ وَلِيٌّ، وَإِنَّهُ وَارِدٌ مَوَارِدَ أَوْلِيَائِهِ الْمُوفِينَ بِعَهْدِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 131]
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ [البقرة: 131] إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ: أَخْلِصْ لِي الْعِبَادَةَ، وَاخْضَعْ لِي بِالطَّاعَةِ، وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى عَلَى مَعْنَى الْإِسْلَامِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، فَأَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 131] فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ مُجِيبًا لِرَبِّهِ: خَضَعْتُ بِالطَّاعَةِ، وَأَخْلَصْتُ بِالْعِبَادَةِ لِمَالِكِ جَمِيعِ الْخَلَائِقِ وَمُدَبِّرِهَا دُونَ غَيْرِهِ.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ إِذْ وَقْتٌ فَمَا الَّذِي وُقِّتَ بِهِ، وَمَا الَّذِي صِلَتُهُ؟ قِيلَ: هُوَ صِلَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ [البقرة: 130] . وَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حِينَ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ، قَالَ: أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.
فَأَظْهَرَ اسْمُ اللَّهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ [البقرة: 131] عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنْ غَائِبٍ، وَقَدْ جَرَى ذِكْرُهُ قِيلَ عَلَى وَجْهِ الْخَبَرِ عَنْ نَفْسِهِ، كَمَا قَالَ خُفَافُ بْنُ نُدْبَةَ:
[البحر الطويل]
أَقُولُ لَهُ وَالرُّمْحُ يَأْطُرُ مَتْنَهُ ... تَأَمَّلْ خُفَافًا إِنَّنِي أَنَا ذَالِكَا
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَهَلْ دَعَا اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى الْإِسْلَامِ؟ قِيلَ لَهُ:
نَعَمْ، قَدْ دَعَاهُ إِلَيْهِ.
فَإِنْ قَالَ: وَفِي أَيِّ حَالٍ دَعَاهُ إِلَيْهِ؟ قِيلَ: حِينَ قَالَ: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ وَذَلِكَ هُوَ الْوَقْتُ الَّذِي قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ مِنْ بَعْدِ مَا امْتَحَنَهُ بِالْكَوَاكِبِ وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ