الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: 36] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمَ الْعَسْقَلَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: 36] قَالَ: هُوَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: 22] "
وَحُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ،
عَنِ الرَّبِيعِ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: 36] قَالَ: هُوَ قَوْلُهُ: ﴿جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا﴾ [غافر: 64] " وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ قَرَارٌ فِي الْقُبُورِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: 36] يَعْنِي الْقُبُورَ "
وَحَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: " ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: 36] قَالَ: الْقُبُورُ "
وَحَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ [البقرة: 36] قَالَ: مَقَامُهُمْ فِيهَا " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالْمُسْتَقَرُّ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ هُوَ مَوْضِعُ الِاسْتِقْرَارِ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَحَيْثُ كَانَ مَنْ فِي الْأَرْضِ مَوْجُودًا حَالًّا، فَذَلِكَ الْمَكَانُ مِنَ الْأَرْضِ مُسْتَقَرُّهُ.
إِنَّمَا عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ: أَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرًّا وَمَنْزِلًا بِأَمَاكِنِهِمْ
وَمُسْتَقَرِّهِمْ مِنَ الْجَنَّةِ وَالسَّمَاءِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿وَمَتَاعٌ﴾ [البقرة: 36] يَعْنِي بِهِ أَنَّ لَهُمْ فِيهَا مَتَاعًا بِمَتَاعِهِمْ فِي الْجَنَّةِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: 36] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَكُمْ فِيهَا بَلَاغٌ إِلَى الْمَوْتِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: 36] قَالَ يَقُولُ: بَلَاغٌ إِلَى الْمَوْتِ "
وَحَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ: " ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: 36] قَالَ: الْحَيَاةُ " وَقَالَ آخَرُونَ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: 36] إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: 36] قَالَ: إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَى انْقِطَاعِ الدُّنْيَا " وَقَالَ آخَرُونَ إِلَى حِينٍ، قَالَ: إِلَى أَجَلٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارِ بْنِ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: " ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: 36] قَالَ: إِلَى أَجَلٍ " وَالْمَتَاعُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: كُلُّ مَا اسْتُمْتِعَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ مِنْ مَعَاشٍ اسْتُمْتِعَ بِهِ أَوْ رِيَاشٍ أَوْ زِينَةٍ أَوْ لَذَّةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ جَعَلَ حَيَاةَ كُلِّ حَيٍّ مَتَاعًا لَهُ يَسْتَمْتِعُ بِهَا أَيَّامَ حَيَاتِهِ، وَجَعَلَ الْأَرْضَ لِلْإِنْسَانِ مَتَاعًا أَيَّامَ حَيَاتِهِ بِقَرَارِهِ عَلَيْهَا، وَاغْتِذَائِهِ بِمَا أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْهَا مِنَ الْأَقْوَاتِ وَالثِّمَارِ، وَالْتِذَاذِهِ بِمَا خُلِقَ فِيهَا مِنَ الْمَلَاذِ وَجَعَلَهَا مِنْ بَعْدِ وَفَاتِهِ لِجُثَّتِهِ كِفَاتًا، وَلِجِسْمِهِ مَنْزِلًا وَقَرَارًا، وَكَانَ اسْمُ الْمَتَاعِ يَشْمَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ؛ كَانَ أَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِالْآيَةِ، إِذْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَضَعَ دَلَالَةً دَالَّةً عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: 36] بَعْضًا دُونَ بَعْضٍ، وَخَاصًّا دُونَ عَامٍّ فِي عَقْلٍ وَلَا خَبَرٍ؛ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي
مَعْنَى الْعَامِّ، وَأَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ أَيْضًا كَذَلِكَ إِلَى وَقْتٍ يَطُولُ اسْتِمْتَاعُ بَنِي آدَمَ وَبَنِي إِبْلِيسَ بِهَا، وَذَلِكَ إِلَى أَنْ تُبَدَّلَ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ.
فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ أَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِالْآيَةِ لِمَا وَصَفْنَا، فَالْوَاجِبُ إِذًا أَنْ يَكُونَ تَأْوِيلُ الْآيَةِ: وَلَكِنْ فِي الْأَرْضِ مَنَازِلُ وَمَسَاكِنُ، تَسْتَقِرُّونَ فِيهَا اسْتِقْرَارَكُمْ كَانَ فِي السَّمَوَاتِ، وَفِي الْجَنَّاتِ فِي مَنَازِلِكُمْ مِنْهَا، وَاسْتِمْتَاعٌ مِنْكُمْ بِهَا وَبِمَا أَخْرَجَتْ لَكُمْ مِنْهَا، وَبِمَا جَعَلْتُ لَكُمْ فِيهَا مِنَ الْمَعَاشِ وَالرِّيَاشِ وَالزَّيْنِ وَالْمَلَاذِ، وَبِمَا أَعْطَيْتُكُمْ عَلَى ظَهْرِهَا أَيَّامَ حَيَاتِكُمْ وَمِنْ بَعْدِ وَفَاتِكُمْ لِأَرْمَاسِكُمْ وَأَجْدَاثِكُمْ، تُدْفَنُونَ فِيهَا وَتَبْلُغُونَ بِاسْتِمْتَاعِكُمْ بِهَا إِلَى أَنْ أُبْدِلَكُمْ بِهَا غَيْرَهَا
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى.
﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 38] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ:
أَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ﴾ [البقرة: 37] فَقِيلَ إِنَّهُ أَخَذَ وَقَبِلَ، وَأَصْلُهُ التَّفَعُّلَ مِنَ اللِّقَاءِ كَمَا يَتَلَقَّى الرَّجُلُ الرَّجُلَ يَسْتَقْبِلُهُ عِنْدَ قُدُومِهِ مِنْ غِيبَةٍ أَوْ سَفَرٍ، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَلَقَّى﴾ [البقرة: 37] كَأَنَّهُ اسْتَقْبَلَهُ فَتَلَقَّاهُ بِالْقَبُولِ، حِينَ أَوْحَى إِلَيْهِ، أَوْ أَخْبَرَ بِهِ.
فَمَعْنَى ذَلِكَ إِذًا: فَلَقَّى اللَّهُ آدَمَ كَلِمَاتِ تَوْبَةٍ
فَتَلَقَّاهَا آدَمُ مِنْ رَبِّهِ وَأَخَذَهَا عَنْهُ تَائِبًا فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِقِيلِهِ إِيَّاهَا وَقَبُولِهِ إِيَّاهَا مِنْ رَبِّهِ
كَمَا حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 37] الْآيَةُ.
قَالَ: لَقَّاهُمَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23] " وَقَدْ قَرَأَ بَعْضُهُمْ: (فَتَلَقَّى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٌ) فَجَعَلَ الْكَلِمَاتِ هِيَ الْمُتَلَقِيَّةُ آدَمَ.
وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مِنْ وِجْهَةِ الْعَرَبِيَّةِ جَائِزًا إِذْ كَانَ كُلُّ مَا تَلَقَّاهُ الرَّجُلُ فَهُوَ لَهُ مُتَلَقٍّ وَمَا لَقِيَهُ فَقَدْ لَقِيَهُ، فَصَارَ لِلْمُتَكَلِّمِ أَنْ يُوَجِّهَ الْفِعْلَ إِلَى أَيِّهِمَا شَاءَ وَيُخْرِجُ مِنَ الْفِعْلِ أَيَّهُمَا أَحَبَّ، فَغَيْرُ جَائِزٍ عِنْدِي فِي الْقِرَاءَةِ إِلَّا رَفْعَ آدَمَ عَلَى أَنَّهُ الْمُتَلَقِّي الْكَلِمَاتِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ وَأَهْلِ التَّأْوِيلِ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى تَوْجِيهِ التَّلَقِّي إِلَى آدَمَ دُونَ الْكَلِمَاتِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهَا فِيمَا كَانَتْ عَلَيْهِ مُجْمِعَةً بِقَوْلِ مَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ السَّهْوُ وَالْخَطَأُ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي أَعْيَانِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي تَلَقَّاهَا آدَمُ مِنْ رَبِّهِ
فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا حَدَّثَنَا بِهِ أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " ﴿فَتَلَقَّى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 37] قَالَ: أَيْ رَبِّ.
أَلَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَيْ رَبِّ.
أَلَمْ تَنْفُخْ فِيَّ مِنْ رُوحِكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَيْ رَبِّ.
أَلَمْ تُسْكِنِّي جَنَّتَكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَيْ رَبِّ.
أَلَمْ تَسْبِقْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ أَنَا تُبْتُ وَأَصْلَحْتُ أَرَاجِعِي أَنْتَ إِلَى الْجَنَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: فَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 37] " وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنِي عَمِّي، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " قَوْلُهُ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 37] قَالَ: إِنَّ آدَمَ قَالَ لِرَبِّهِ إِذْ عَصَاهُ: رَبِّ أَرَأَيْتَ إِنْ أَنَا تُبْتُ وَأَصْلَحْتُ؟ فَقَالَ لَهُ رَبُّهُ: إِنِّي رَاجِعُكَ إِلَى الْجَنَّةِ "
وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ: " قَوْلُهُ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمَ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 37] ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ قَالَ: يَا رَبِّ أَرَأَيْتَ إِنْ أَنا تُبْتُ وَأَصْلَحْتُ؟ قَالَ: إِنِّي إِذًا رَاجِعُكَ إِلَى الْجَنَّةِ.
قَالَ: وَقَالَ
الْحَسَنُ إِنَّهُمَا قَالَا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23] "
وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا آدَمَ الْعَسْقَلَانِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 37] قَالَ: إِنَّ آدَمَ لَمَّا أَصَابَ الْخَطِيئَةَ، قَالَ: يَا رَبِّ أَرَأَيْتَ إِنْ تُبْتُ وَأَصْلَحْتُ؟ فَقَالَ اللَّهُ: إِذًا أُرْجِعُكَ إِلَى الْجَنَّةِ فَهِيَ مِنَ الْكَلِمَاتِ.
وَمِنَ الْكَلِمَاتِ أَيْضًا: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23] "
وَحَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 37] قَالَ: رَبِّ أَلَمْ تَخْلُقْنِي بِيَدِكَ؟ قِيلَ لَهُ: بَلَى، قَالَ: وَنَفَخْتَ فِيَّ مِنْ رُوحِكَ؟ قِيلَ لَهُ: بَلَى، قَالَ: وَسَبَقَتْ رَحْمَتُكَ غَضَبَكَ؟ قِيلَ لَهُ: بَلَى، قَالَ: رَبِّ هَلْ كُنْتَ كَتَبْتَ هَذَا عَلَيَّ؟ قِيلَ لَهُ: نَعَمْ، قَالَ: رَبِّ إِنْ تُبْتُ وَأَصْلَحْتُ هَلْ أَنْتَ رَاجِعِي إِلَى الْجَنَّةِ؟ قِيلَ لَهُ: نَعَمْ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: 122] "
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا حَدَّثَنَا بِهِ، مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ، سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ، يَقُولُ: " قَالَ آدَمُ: يَا رَبِّ خَطِيئَتِي الَّتِي أَخْطَأْتُهَا أَشَيْءٌ كَتَبْتَهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ تَخْلُقَنِي، أَوْ شَيْءٌ ابْتَدَعْتُهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي؟ قَالَ: بَلَى شَيْءٌ كَتَبْتُهُ عَلَيْكَ قَبْلَ أَنْ أَخْلُقَكَ.
قَالَ: فَكَمَا كَتَبْتَهُ عَلَيَّ فَاغْفِرْهُ لِي.
قَالَ: فَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 37] " وَحَدَّثَنَا ابْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ بِمِثْلِهِ وَحَدَّثَنَا ابْنُ سِنَانٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا وَكِيعُ بْنُ الْجَرَّاحِ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَمَّنْ سَمِعَ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ: قَالَ آدَمُ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَحَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَيْرٍ بِنَحْوِهِ وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنْ
عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ بِمِثْلِهِ
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ، أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ حَكِيمٍ الْأَوْدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَرِيكٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَبْهَانٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَالَ: " قَوْلُهُ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 37] قَالَ آدَمُ: اللَّهُمَّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ، تُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ "
وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ، قَالَ: أَنْبَأَنَا أَبُو زُهَيْرٍ، وَحَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْأَهْوَازِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو أَحْمَدَ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، وَقَيْسٌ، جَمِيعًا عَنْ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 37] قَالَ قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾ [الأعراف: 23] حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا "
وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " كَانَ يَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 37] الْكَلِمَاتُ: اللَّهُمَّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي إِنَّكَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ.
اللَّهُمَّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، رَبِّي إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَارْحَمْنِي إِنَّكَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَتُبْ عَلَيَّ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ "
وَحَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، عَنِ النَّضْرِ بْنِ عَرَبِيٍّ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 37] قَالَ: هُوَ قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا﴾ [الأعراف: 23] الْآيَةُ "
وَحَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ، قَالَ: حَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 37] قَالَ: أَيْ رَبِّ أَتَتُوبُ عَلَيَّ إِنْ تُبْتُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
فَتَابَ آدَمُ، فَتَابَ عَلَيْهِ رَبُّهُ "
وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 37] قَالَ: هُوَ قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23] "
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: " هُوَ قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23] " وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الَّتِي حَكَيْنَاهَا عَمَّنْ حَكَيْنَاهَا عَنْهُ وَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةَ الْأَلْفَاظِ، فَإِنَّ مَعَانِيهَا مُتَّفِقَةٌ فِي أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَقَّى آدَمَ كَلِمَاتٍ، فَتَلَقَّاهُنَّ آدَمُ مِنْ رَبِّهِ فَقَبِلَهُنَّ وَعَمِلَ بِهِنَّ وَتَابَ بِقِيلِهِ إِيَّاهُنَّ وَعَمَلِهِ بِهِنَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ خَطِيئَتِهِ، مُعْتَرِفًا بِذَنَبِهِ مُتَنَصِّلًا إِلَى رَبِّهِ مِنْ خَطِيئَتِهِ، نَادِمََا عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُ مِنْ خِلَافِ أَمْرِهِ.
فَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِقَبُولِهِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي تَلَقَّاهُنَّ مِنْهُ وَنَدَمِهِ عَلَى سَالِفِ الذَّنْبِ مِنْهُ.
وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ أَنَّ الْكَلِمَاتِ الَّتِي تَلَقَّاهُنَّ آدَمُ مِنْ رَبِّهِ هُنَّ الْكَلِمَاتُ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَهَا مُتَنَصِّلًا بِقِيلِهَا إِلَى رَبِّهِ مُعْتَرِفًا بِذَنَبِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: 23] وَلَيْسَ مَا قَالَهُ مَنْ خَالَفَ قَوْلَنَا هَذَا مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا بِمَدْفُوعٍ قَوْلُهُ، وَلَكِنَّهُ قَوْلٌ لَا شَاهِدَ عَلَيْهِ مِنْ حُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا فَيَجُوزُ لَنَا إِضَافَتُهُ إِلَى آدَمَ، وَأَنَّهُ مِمَّا تَلَقَّاهُ مِنْ رَبِّهِ عِنْدَ إِنَابَتِهِ إِلَيْهِ مِنْ ذَنْبِهِ.
وَهَذَا الْخَبَرُ الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ آدَمَ مِنْ قِيلِهِ الَّذِي لَقَّاهُ إِيَّاهُ فَقَالَهُ تَائِبًا إِلَيْهِ مِنْ خَطِيئَتِهِ، تَعْرِيفٌ مِنْهُ جَلَّ ذِكْرُهُ جَمِيعَ الْمُخَاطَبِينَ بِكِتَابِهِ كَيْفِيَّةَ التَّوْبَةِ إِلَيْهِ مِنَ
الذُّنُوبِ، وَتَنْبِيهٌ لِلْمُخَاطَبِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: 28] عَلَى مَوْضِعِ التَّوْبَةِ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْكُفْرِ بِاللَّهِ، وَأَنَّ خَلَاصَهُمْ مِمَّا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنَ الضَّلَالَةِ نَظِيرُ خَلَاصِ أَبِيهِمْ آدَمَ مِنْ خَطِيئَتِهِ مَعَ تَذْكِيرِهِ إِيَّاهُمْ مِنَ السَّالِفِ إِلَيْهِمْ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي خَصَّ بِهَا أَبَاهُمْ آدَمَ وَغَيْرَهُ مِنْ آبَائِهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 37] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 37] يَعْنِي عَلَى آدَمَ، وَالْهَاءُ الَّتِي فِي عَلَيْهِ عَائِدَةٌ عَلَى آدَمَ، وَقَوْلُهُ: ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 37] يَعْنِي رَزَقَهُ التَّوْبَةَ مِنْ خَطِيئَتِهِ.
وَالتَّوْبَةُ مَعْنَاهَا الْإِنَابَةُ إِلَى اللَّهِ وَالْأَوْبَةُ إِلَى طَاعَتِهِ مِمَّا يَكْرَهُ مِنْ مَعْصِيَتِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: 38] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 37] أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ هُوَ التَّوَّابُ عَلَى مَنْ تَابَ إِلَيْهِ مِنْ عِبَادِهِ الْمُذْنِبِينَ مِنْ ذُنُوبِهِ التَّارِكُ مُجَازَاتِهِ بِإِنَابَتِهِ إِلَى طَاعَتِهِ بَعْدَ مَعْصِيَتِهِ بِمَا سَلَفَ مِنْ ذَنْبِهِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَعْنَى التَّوْبَةِ مِنَ الْعَبْدِ إِلَى رَبِّهِ: إِنَابَتُهُ إِلَى طَاعَتِهِ، وَأَوْبَتُهُ إِلَى مَا يُرْضِيهِ بِتَرْكِهِ مَا يُسْخِطُهُ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا مُقِيمًا مِمَّا يَكْرَهُهُ رَبُّهُ، فَكَذَلِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ هُوَ أَنْ يَرْزُقَهُ ذَلِكَ، وَيَتُوبَ مِنْ غَضَبِهِ عَلَيْهِ إِلَى الرِّضَا عَنْهُ، وَمِنَ الْعُقُوبَةِ إِلَى الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ عَنْهُ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [الفاتحة: 1] فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ الْمُتَفَضِّلُ عَلَيْهِ مَعَ التَّوْبَةِ بِالرَّحْمَةِ، وَرَحْمَتُهُ إِيَّاهُ إِقَالَةُ عَثْرَتِهِ وَصَفْحُهُ عَنْ عُقُوبَةِ جُرْمِهِ
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْقَوْلَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: 38] فِيمَا مَضَى فَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى إِعَادَتِهِ إِذْ كَانَ مَعْنَاهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ هُوَ مَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ
وَقَدْ حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: 38] قَالَ: آدَمُ، وَحَوَّاءُ، وَالْحَيَّةُ، وَإِبْلِيسُ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ [البقرة: 38] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [البقرة: 38] فَإِنْ يَأْتِكُمْ، وَمَا الَّتِي مَعَ إِنْ تَوْكِيدٌ لِلْكَلَامِ، وَلِدُخُولِهَا مَعَ إِنْ أُدْخِلَتِ النُّونُ الْمُشَدَّدَةُ فِي يَأْتِيَنَّكُمْ تَفْرِقَةً بِدُخُولِهَا بَيْنَ مَا الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنَى تَوْكِيدِ الْكَلَامِ الَّتِي تُسَمِّيهَا أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ
صِلَةً وَحَشْوًا، وَبَيْنَ مَا الَّتِي تَأْتِي بِمَعْنَى الَّذِي، فَتُؤْذِنُ بِدُخُولِهَا فِي الْفِعْلِ، أَنَّ مَا الَّتِي مَعَ إِنَّ الَّتِي بِمَعْنَى الْجَزَاءِ تَوْكِيدٌ، وَلَيْسَتْ مَا الَّتِي بِمَعْنَى الَّذِي.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرِيِّينَ: إِنَّ إِمَّا إِنْ زِيدَتْ مَعَهَا مَا، وَصَارَ الْفِعْلُ الَّذِي بَعْدَهُ بِالنُّونِ الْخَفِيفَةِ أَوِ الثَّقِيلَةِ، وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ نُونٍ.
وَإِنَّمَا حَسُنَتْ فِيهِ النُّونُ لَمَّا دَخَلَتْهُ مَا، لِأَنَّ مَا نَفْيٌ، فَهِيَ مِمَّا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَهِيَ الْحَرْفُ الَّذِي يَنْفِي الْوَاجِبَ، فَحَسُنَتْ فِيهِ النُّونُ، نَحْوَ قَوْلِهِمْ: بِعَيْنٍ مَا أَرَيَنَّكَ.
حِينَ أُدْخِلَتْ فِيهَا مَا حَسُنَتِ النُّونُ فِيمَا هُنَا.
وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ دَعْوَى قَائِلِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَنَّ مَا الَّتِي مَعَ: