تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 44-57

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ [المائدة: 2] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ [المائدة: 2] وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ. كَمَا:

صفحات 44-57
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ , عَنْ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: 2] يَقُولُ: «لَا يَحْمِلَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: 2] أَيْ لَا يَحْمِلَنَّكُمْ " وَأَمَّا أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِاللُّغَةِ , فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهَا , فَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ [المائدة: 2] : لَا يَحِقَّنَّ لَكُمْ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ [النحل: 62] هُوَ حَقٌّ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ.
وَقَالَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: مَعْنَاهُ: لَا يَحْمِلَنَّكُمْ.
وَقَالَ: يُقَالَ: جَرَمَنِي فُلَانٌ عَلَى أَنْ صَنَعْتُ كَذَا وَكَذَا: أَيْ حَمَلَنِي عَلَيْهِ.

وَاحْتَجَّ جَمِيعُهُمْ بِبَيْتِ الشَّاعِرِ: [البحر الكامل] وَلَقَدْ طَعَنْتَ أَبَا عُيَيْنَةَ طَعْنَةً ... جَرَمَتْ فَزَارَةَ بَعْدَهَا أَنْ يَغْضَبُوا فَتَأَوَّلَ ذَلِكَ كُلُّ فَرِيقٍ مِنْهُمْ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي تَأَوَّلَهُ مِنَ الْقُرْآنِ , فَقَالَ الَّذِينَ قَالُوا: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ [هود: 89] لَا يَحِقَّنَّ لَكُمْ مَعْنَى قَوْلِ الشَّاعِرِ: جَرَمَتْ فَزَارَةَ: أَحَقَّتِ الطَّعْنَةُ لِفَزَارَةَ الْغَضَبَ.
وَقَالَ الَّذِينَ قَالُوا مَعْنَاهُ: لَا يَحْمِلَنَّكُمْ: مَعْنَاهُ فِي الْبَيْتِ: جَرَمَتْ فَزَارَةَ أَنْ يَغْضَبُوا: حَمَلَتْ فَزَارَةَ عَلَى أَنْ يَغْضَبُوا.
وَقَالَ آخَرُ مِنَ الْكُوفِيِّينَ: مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ [هود: 89] لَا يُكْسِبَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ.
وَتَأْوِيلُ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلَ الشَّاعِرِ فِي الْبَيْتِ: جَرَمَتْ فَزَارَةَ: كَسَبَتْ فَزَارَةَ أَنْ يَغْضَبُوا.
قَالَ: وَسَمِعْتُ الْعَرَبَ تَقُولُ: فُلَانٌ جَرِيمَةُ أَهْلِهِ , بِمَعْنَى: كَاسِبُهُمْ , وَخَرَجَ يُجْرِمُهُمْ: يُكْسِبُهُمْ.
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الَّتِي حَكَيْنَاهَا عَمَّنْ حَكَيْنَاهَا عَنْهُ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى؛ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ حَمَلَ رَجُلًا عَلَى بُغْضِ رَجُلٍ فَقَدْ أَكْسَبَهُ بُغْضَهُ , وَمَنْ أَكْسَبَهُ بُغْضَهُ فَقَدْ أَحَقَّهُ لَهُ "

فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَالَّذِي هُوَ أَحْسَنُ فِي الْإِبَانَةِ عَنْ مَعْنَى الْحَرْفِ , مَا قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ , وَذَلِكَ تَوْجِيهُهُمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: 2] وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى الْعُدْوَانِ " وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءَ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ [المائدة: 2] بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ جَرَمْتُهُ أَجْرِمُهُ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ , وَهُوَ يَحْيَى بْنُ وَثَّابٍ وَالْأَعْمَشُ , مَا:

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , وَابْنُ وَكِيعٍ , قَالَا: ثنا جَرِيرٌ , عَنِ الْأَعْمَشِ , أَنَّهُ قَرَأَ: «وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ» مُرْتَفِعَةَ الْيَاءِ مِنْ أَجْرَمْتُهُ أُجْرِمُهُ وَهُوَ يُجْرِمُنِي " وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنَ الْقِرَاءَتَيْنِ , قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ [المائدة: 2] بِفَتْحِ الْيَاءِ , لِاسْتِفَاضَةِ الْقِرَاءَةِ بِذَلِكَ فِي قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ وَشُذُوذِ مَا خَالَفَهَا , وَأَنَّهَا اللُّغَةُ الْمَعْرُوفَةُ السَّائِرَةُ فِي الْعَرَبِ , وَإِنْ كَانَ مَسْمُوعًا مِنْ بَعْضِهَا: أَجْرَمَ يُجْرِمُ , عَلَى شُذُوذِهِ , وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِأَفْصَحِ اللُّغَاتِ أَوْلَى وَأَحَقُّ مِنْهَا بِغَيْرِ ذَلِكَ وَمِنْ لُغَةِ مَنْ قَالَ: جَرَمْتُ , قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر البسيط] يَا أَيُّهَا الْمُشْتَكِي عُكْلًا وَمَا جَرَمَتْ ... إِلَى الْقَبَائِلِ مِنْ قَتْلٍ وَإِبْآسِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: 2] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءَ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ , فَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ: ﴿شَنَآنُ﴾ [المائدة: 2] بِتَحْرِيكِ الشِّينِ وَالنُّونِ إِلَى الْفَتْحِ , بِمَعْنَى: بُغْضُ قَوْمٍ تَوْجِيهًا مِنْهُمْ ذَلِكَ إِلَى الْمَصْدَرِ الَّذِي يَأْتِي عَلَى فَعَلَانِ نَظِيرَ الطَّيَرَانِ , وَالنَّسَلَانِ , وَالْعَسَلَانِ , وَالرَّمَلَانِ.
وَقَرَأَ ذَلِكَ آخَرُونَ: «شَنْآنُ قَوْمٍ» بِتَسْكِينِ النُّونِ وَفَتْحِ الشِّينِ , بِمَعْنَى الِاسْمِ؛ تَوْجِيهًا مِنْهُمْ مَعْنَاهُ إِلَى: لَا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضُ قَوْمٍ , فَيَخْرُجُ شَنْآنُ عَلَى تَقْدِيرِ فَعْلَانِ , لِأَنَّ فَعَلَ مِنْهُ عَلَى فَعِلَ , كَمَا يُقَالَ: سَكْرَانُ مِنْ سَكِرَ , وَعَطْشَانُ مِنْ عَطِشَ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْمَاءِ " وَالَّذِي هُوَ أَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: ﴿شَنَآنُ﴾ [المائدة: 2] بِفَتْحِ النُّونِ مُحَرَّكَةً , لِشَائِعِ تَأْوِيلِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: بُغْضُ قَوْمٍ ,

وَتَوْجِيهُهُمْ ذَلِكَ إِلَى مَعْنَى الْمَصْدَرِ دُونَ مَعْنَى الِاسْمِ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ مُوَجَّهًا إِلَى مَعْنَى الْمَصْدَرِ , فَالْفَصِيحُ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ فِيمَا جَاءَ مِنَ الْمَصَادِرِ عَلَى الْفَعَلَانِ بِفَتْحِ الْفَاءِ تَحْرِيكُ ثَانِيهِ دُونَ تَسْكِينِهِ , كَمَا وَصَفْتُ مِنْ قَوْلِهِمُ: الدَّرَجَانُ , وَالرَّمَلَانُ مِنْ دَرَجِ وَرَمَلَ , فَكَذَلِكَ الشَّنَآنُ مِنْ شَنَئْتُهُ أَشْنُؤُهُ شَنَآنًا.
وَمِنَ الْعَربِ مَنْ يَقُولُ: شَنَانٌ عَلَى تَقْدِيرِ فَعَالٍ , وَلَا أَعْلَمُ قَارِئًا قَرَأَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الطويل] وَمَا الْعَيْشُ إِلَّا مَا يَلَذُّ وَيُشْتَهَى ... وَإِنْ لَامَ فِيهِ ذُو الشَّنَانِ وَفَنَّدَا وَهَذَا فِي لُغَةِ مَنْ تَرَكَ الْهَمْزَ مِنَ الشَّنَآنِ , فَصَارَ عَلَى تَقْدِيرِ فَعَالٍ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ فَعَلَانٌ " ذِكْرُ مَنْ قَالَ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: 2] بُغْضُ قَوْمٍ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ﴾ [المائدة: 2] قَوْمٍ لَا يَحْمِلَنَّكُمُ بُغْضُ قَوْمٍ "

وَحَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى مَرَّةً أُخْرَى بِإِسْنَادِهِ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فَقَالَ: لَا يَحْمِلَنَّكُمْ عَدَاوَةُ قَوْمٍ أَنْ تَعْتَدُوا "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: 2] لَا يَجْرِمَنَّكُمْ بُغْضُ قَوْمٍ "

حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ [المائدة: 2] قَالَ: «بَغْضَاؤُهُمْ أَنْ تَعْتَدُوا»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 2] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءَ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ , فَقَرَأَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ الْكُوفِيِّينَ: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ [المائدة: 2] بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ أَنْ بِمَعْنَى: لَا يَجْرِمَنَّكُمْ بُغْضُ قَوْمٍ بِصَدَّهِمْ إِيَّاكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا.
وَكَانَ بَعْضُ قُرَّاءِ الْحِجَازِ

وَالْبَصْرَةِ يَقْرَأُ ذَلِكَ: «وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ إِنْ صَدُّوكُمْ» بِكَسْرِ الْأَلِفِ مِنْ إِنْ بِمَعْنَى: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ إِنْ هُمْ أَحْدَثُوا لَكُمْ صَدًّا عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ , أَنْ تَعْتَدُوا.
فزَعَمُوا أَنَّهَا فِي

قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: «إِنْ يَصُدَّكُمْ» فَقِرَاءَةُ ذَلِكَ كَذَلِكَ اعْتِبَارًا بِقِرَاءَتِهِ " وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي , أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ مَشْهُورَتَانِ فِي قِرَاءَةِ الْأَمْصَارِ , صَحِيحٌ مَعْنَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُدَّ عَنِ الْبَيْتِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ , وَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْمَائِدَةِ بَعْدَ ذَلِكَ.
فَمَنْ قَرَأَ: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ [المائدة: 2] بِفَتْحِ الْأَلِفِ مِنْ أَنْ فَمَعْنَاهُ: لَا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضُ قَوْمٍ أَيُّهَا النَّاسُ مِنْ أَجْلِ أَنْ صَدُّوكُمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ , أَنْ تَعْتَدُوا عَلَيْهِمْ.
وَمَنْ قَرَأَ: «إِنْ صَدُّوكُمْ» بِكَسْرِ الْأَلِفِ , فَمَعْنَاهُ: لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ إِنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِذَا أَرَدْتُمْ دُخُولَهُ , لِأَنَّ الَّذِينَ حَارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ مِنْ قُرَيْشٍ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ قَدْ حَاوَلُوا صَدَّهُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنَ الصَّادِّينِ.
غَيْرَ أَنَّ الْأَمْرَ وَإِنْ كَانَ كَمَا وَصَفْتُ , فَإِنَّ قِرَاءَةَ ذَلِكَ بِفَتْحِ الْأَلِفِ أَبْيَنُ مَعْنًى , لِأَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ لَا تَدَافُعَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي أَنَّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ يَوْمِ الْحُدَيْبِيَةِ.
وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَالصَّدُّ قَدْ كَانَ تَقَدَّمَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ , فَنَهَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الِاعْتِدَاءِ عَلَى الصَّادِّينَ مِنْ أَجْلِ صَدِّهِمْ إِيَّاهُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ , وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 2] فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَنْ تُجَاوِزُوا الْحَدَّ الَّذِي حَدُّهُ اللَّهُ لَكُمْ فِي

أَمْرِهِمْ.
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذَنْ: وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضُ قَوْمٍ لِأَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ تَعْتَدُوا حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ فَتُجَاوِزُوهُ إِلَى مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ , وَلَكِنِ الْزَمُوا طَاعَةَ اللَّهِ فِيمَا أَحْبَبْتُمْ وَكَرِهْتُمْ.
وَذَكَرَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي النَّهْيِ عَنِ الطَّلَبِ بِذُحُولِ الْجَاهِلِيَّةِ.

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 2] رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ حُلَفَاءِ مُحَمَّدٍ , قَتَلَ حَلِيفًا لِأَبِي سُفْيَانَ مِنْ هُذَيْلٍ يَوْمَ الْفَتْحِ بِعَرَفَةَ , لِأَنَّهُ كَانَ يَقْتُلُ حُلَفَاءَ مُحَمَّدٍ , فَقَالَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَعَنَ اللَّهُ مَنْ قَتَلَ بِذَحْلِ الْجَاهِلِيَّةِ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ , قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , مِثْلَهُ " وَقَالَ آخَرُونَ: هَذَا مَنْسُوخٌ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ قَالَ: " بَغْضَاؤُهُمْ , حَتَّى تَأْتُوا مَا لَا يَحِلُّ لَكُمْ.
وَقَرَأَ ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 2] وَتَعَاوَنُوا , قَالَ: هَذَا كُلُّهُ قَدْ نُسِخَ , نَسَخَهُ الْجِهَادُ "

وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مُجَاهِدٍ: إِنَّهُ غَيْرُ مَنْسُوخٍ لِاحْتِمَالِهِ أَنْ تَعْتَدُوا الْحَقَّ فِيمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ.
وَإِذَا احْتَمَلَ ذَلِكَ , لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: هُوَ مَنْسُوخٌ , إِلَّا بِحُجَّةٍ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] وَلْيُعِنْ بَعْضُكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بَعْضًا عَلَى الْبِرِّ , وَهُوَ الْعَمَلُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِالْعَمَلِ بِهِ ﴿وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] هُوَ اتِّقَاءُ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِاتِّقَائِهِ وَاجْتِنَابِهِ

مِنْ مَعَاصِيهِ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2] يَعْنِي: وَلَا يُعِنْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا عَلَى الْإِثْمِ , يَعْنِي: عَلَى تَرْكَ مَا أَمَرَكُمُ اللَّهُ بِفِعْلِهِ.
﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ [البقرة: 85] يَقُولُ: " وَلَا عَلَى أَنْ تَتَجَاوَزُوا مَا حَدِّ اللَّهِ لَكُمْ فِي دِينِكُمْ , وَفَرَضَ لَكُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ وَفِي غَيْرِكُمْ.
وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا , وَلَكِنْ لِيُعِنْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِالْأَمْرِ بِالِانْتِهَاءِ إِلَى مَا حَدَّهُ اللَّهُ لَكُمْ فِي الْقَوْمِ الَّذِينَ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَفِي غَيْرِهِمْ , وَالِانْتِهَاءِ عَمَّا نَهَاكُمُ اللَّهُ أَنْ تَأْتُوا فِيهِمْ وَفِي غَيْرِهِمْ وَفِي سَائِرِ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ , وَلَا يُعِنْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ.
وَبِمَا قُلْنَا فِي الْبِرِّ وَالتَّقْوَى قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ "

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَوْلُهُ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2]

الْبِرُّ: مَا أُمِرْتَ بِهِ , وَالتَّقْوَى: مَا نُهِيتَ عَنْهُ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ الرَّبِيعِ , عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: 2] قَالَ: " الْبِرُّ: مَا أُمِرْتَ بِهِ , وَالتَّقْوَى: مَا نُهِيتَ عَنْهُ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2] وَهَذَا وَعِيدٌ مِنَ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَتَهْدِيدٌ لِمَنِ اعْتَدَى حَدَّهُ وَتَجَاوَزَ أَمْرَهُ.
يَقُولُ عَزَّ ذِكْرُهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 189] يَعْنِي: وَاحْذَرُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ تَلْقَوْهُ فِي مَعَادِكُمْ وَقَدِ اعْتَدَيْتُمْ حَدَّهُ فِيمَا حَدَّ لَكُمْ وَخَالَفْتُمْ أَمْرَهُ فِيمَا أَمَرَكُمْ

بِهِ أَوْ نَهْيَهُ فِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ , فَتَسْتَوْجِبُوا عِقَابَهُ وَتَسْتَحِقُّوا أَلِيمَ عَذَابِهِ ثُمَّ وَصَفَ عِقَابَهُ بِالشِّدَّةِ , فَقَالَ عَزَّ ذِكْرُهُ: إِنَّ اللَّهَ شَدِيدٌ عِقَابُهُ لِمَنْ عَاقَبَهُ مِنْ خَلْقِهِ , لِأَنَّهَا نَارٌ لَا يُطْفَأُ حَرُّهَا , وَلَا يُخْمَدُ جَمْرُهَا , وَلَا يَسْكُنُ لَهَبُهَا.
نعُوذُ بِاللَّهَ مِنْهَا وَمِنْ عَمَلٍ يُقَرِّبُنَا مِنْهَا "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 3] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْمَيْتَةَ , وَالْمَيْتَةُ: كُلُّ مَا لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ مِنْ دَوَابِّ الْبَرِّ وَطَيْرِهِ , مِمَّا

أَبَاحَ اللَّهُ أَكْلُهَا , وَأَهْلِيهَا وَوَحْشِيهَا , فَارَقَتْهَا رُوحُهَا بِغَيْرِ تَذْكِيَةٍ " وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمُ: الْمَيْتَةُ: هُوَ كُلُّ مَا فَارَقَتْهُ الْحَيَاةُ مِنْ دَوَابِّ الْبَرِّ وَطَيْرِهِ بِغَيْرِ تَذْكِيَةٍ مِمَّا أَحَلَّ اللَّهُ أَكْلَهُ.
وَقَدْ بَيَّنَّا الْعِلَّةَ الْمُوجِبَةَ صِحَّةَ الْقَوْلِ بِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ فِي كِتَابِنَا: كِتَابٌ لَطِيفُ الْقَوْلِ فِي الْأَحْكَامِ " وَأَمَّا الدَّمُ: فَإِنَّهُ الدَّمُ الْمَسْفُوحُ دُونَ مَا كَانَ مِنْهُ غَيْرَ مَسْفُوحٍ , لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ فَأَمَّا مَا كَانَ قَدْ صَارَ فِي مَعْنَى اللَّحْمِ كَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ , وَمَا كَانَ فِي اللَّحْمِ غَيْرَ مُنْسَفِحٍ , فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ حَرَامٍ , لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى ذَلِكَ " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [البقرة: 173] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَحَرَّمَ عَلَيْكُمْ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ , أَهْلِيَّهُ وَبَرِّيَّهُ.
فَالْمَيْتَةُ وَالدَّمُ مَخْرَجُهُمَا فِي الظَّاهِرِ مَخْرَجَ عُمُومٍ , وَالْمُرَادُ مِنْهُمَا الْخُصُوصُ وَأَمَّا لَحْمُ الْخِنْزِيرِ , فَإِنَّ ظَاهِرَهُ كَبَاطِنِهِ وَبَاطِنَهُ كَظَاهِرِهِ , حَرَامٌ جَمِيعُهُ لَمْ يُخَصَّصْ مِنْهُ شَيْءٌ " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: 3] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَمَا ذُكِرَ عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ.
وَأَصْلُهُ مِنِ اسْتِهْلَالِ الصَّبِيِّ وَذَلِكَ إِذَا صَاحَ حِينَ يَسْقُطُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ , وَمِنْهُ إِهْلَالُ الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ إِذَا لَبَّى بِهِ , وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ أَحْمَرَ: [البحر السريع] يُهِلُّ بِالْفَرْقَدِ رُكْبَانُهَا كَمَا يُهِلُّ الرَّاكِبُ الْمُعْتَمِرْ

وَإِنَّمَا عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: 3] وَمَا ذُبِحَ لِلْآلِهَةِ وَلِلْأَوْثَانِ يُسَمَّى عَلَيْهِ غَيْرُ اسْمِ اللَّهِ.
وَبِالَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ , وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ عَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى فَكَرِهْنَا إِعَادَتَهُ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ [المائدة: 3] اخْتَلَفَتْ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي صِفَةِ الِانْخِنَاقِ الَّذِي عَنَى اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ [المائدة: 3] فَقَالَ بَعْضُهُمْ بِمَا:

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ [المائدة: 3] قَالَ: «الَّتِي تُدْخِلُ رَأْسَهَا بَيْنَ شُعْبَتَيْنِ مِنْ شَجَرَةٍ , فَتَخْتَنِقُ فَتَمُوتُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ , قَالَ: ثنا أَبُو خَالِدٍ الْأَحْمَرُ , عَنْ جُوَيْبِرٍ , عَنِ الضَّحَّاكِ , فِي: الْمُنْخَنِقَةِ , قَالَ: الَّتِي تَخْتَنِقُ فَتَمُوتُ "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ , فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ [المائدة: 3] الَّتِي تَمُوتُ فِي خِنَاقِهَا " وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ الَّتِي تُوثَقُ فَيَقْتُلُهَا بِالْخِنَاقِ وَثَاقُهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ , قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ , يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ , قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ , يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ [المائدة: 3] قَالَ: «الشَّاةُ تُوثَقُ , فَيَقْتُلُهَا خِنَاقُهَا , فَهِيَ حَرَامٌ»

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ الْبَهِيمَةُ مِنَ النَّعَمِ , كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَخْنُقُونَهَا حَتَّى تَمُوتَ , فَحَرَّمَ اللَّهُ أَكْلَهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ [المائدة: 3] الَّتِي تُخْنَقُ فَتَمُوتُ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ [المائدة: 3] كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَخْنُقُونَ الشَّاةَ , حَتَّى إِذَا مَاتَتْ أَكَلُوهَا " وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ , قَوْلُ مَنْ قَالَ: هِيَ الَّتِي تَخْتَنِقُ , إِمَّا فِي وَثَاقِهَا , وَإِمَّا بِإِدْخَالِ رَأْسِهَا فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا تَقْدِرُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُ فَتَخْتَنِقَ حَتَّى تَمُوتَ " وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِهِ , لِأَنَّ الْمُنْخَنِقَةَ: هِيَ الْمَوْصُوفَةُ بِالِانْخِنَاقِ دُونَ خَنْقِ غَيْرِهَا لَهَا , وَلَوْ كَانَ مَعْنِيًّا بِذَلِكَ أَنَّهَا مَفْعُولٌ بِهَا لَقِيلَ: وَالْمَخْنُوقَةُ , حَتَّى يَكُونَ مَعْنَى الْكَلَامِ مَا قَالُوا "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: 3]

يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: 3] وَالْمَيِّتَةُ وَقِيذًا , يُقَالَ مِنْهُ: وَقَذَهُ يَقِذُهُ وَقْذًا: إِذَا ضَرَبَهُ حَتَّى أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ , وَمِنْهُ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ: [البحر الكامل] شَغَّارَةً تَقِذُ الْفَصِيلَ بِرِجْلِهَا ... فَطَّارَةً لِقَوَادِمِ الْأَبْكَارِ وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ , قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ , عَنْ عَلِيٍّ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: 3] قَالَ: «الْمَوْقُوذَةُ الَّتِي تُضْرَبُ بِالْخَشَبِ حَتَّى يَقِذَهَا فَتَمُوتَ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: 3] كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَضْرِبُونَهَا بِالْعَصَا , حَتَّى إِذَا مَاتَتْ أَكَلُوهَا "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ , قَالَ: ثنا رَوْحٌ , قَالَ: ثنا شُعْبَةُ , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: 3] قَالَ: «كَانُوا يَضْرِبُونَهَا حَتَّى يَقِذُوهَا , ثُمَّ يَأْكُلُوهَا»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ [المائدة: 3] الَّتِي تُوقَذُ فَتَمُوتُ "

جارٍ التحميل