تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 589-600

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾

صفحات 589-600
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

[البقرة: 135]

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: 135] وَقَالَتِ الْيَهُودُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ: كُونُوا هُودًا تَهْتَدُوا، وَقَالَتِ النَّصَارَى لَهُمْ: كُونُوا نَصَارَى تَهْتَدُوا.
تَعْنِي بِقَوْلِهَا تَهْتَدُوا: أَيْ تُصِيبُوا طَرِيقَ الْحَقِّ

كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، وَحَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، جَمِيعًا، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَا الْأَعْوَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا الْهُدَى إِلَّا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فَاتَّبِعْنَا يَا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ.
وَقَالَتِ النَّصَارَى مِثْلَ ذَلِكَ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: 135] " احْتَجَّ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْلَغَ حُجَّةٍ وَأَوْجَزَهَا وَأَكْمَلَهَا، وَعَلَّمَهَا مُحَمَّدًا نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْ لِلْقَائِلِينَ لَكَ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَلِأَصْحَابِكَ: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا، بَلْ تَعَالَوْا نَتَّبِعُ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ الَّتِي تَجْمَعُ جَمِيعَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ لَهَا بِأَنَّهَا دِينُ اللَّهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ وَاجْتَبَاهُ وَأَمَرَ بِهِ، فَإِنَّ دِينَهُ كَانَ الْحَنِيفِيَّةَ الْمُسْلِمَةَ، وَنَدَعُ سَائِرَ الْمِلَلِ الَّتِي نَخْتَلِفُ فِيهَا فَيُنْكِرُهَا بَعْضُنَا وَيَقِرُّ بِهَا بَعْضُنَا، فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِهِ لَا سَبِيلَ لَنَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ عَلَيْهِ كَمَا لَنَا السَّبِيلُ إِلَّا الِاجْتِمَاعُ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ.
وَفِي نَصْبِ قَوْلِهِ: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: 135] أَوْجُهٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا أَنْ يُوَجَّهَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: 135] إِلَى مَعْنَى: وَقَالُوا اتَّبِعُوا الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ، لِأَنَّهُمْ إِذْ قَالُوا: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى إِلَى الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ دَعُوهُمْ، ثُمَّ يُعْطَفُ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى بِالْمِلَّةِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْكَلَامِ حِينَئِذٍ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لَا نَتَّبِعُ الْيَهُودِيَّةَ وَالنَّصْرَانِيَّةَ، وَلَا نَتَّخِذُهَا مِلَّةً، بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، ثُمَّ يَحْذِفُ نَتَّبِعُ الثَّانِيَةَ، وَيَعْطِفُ بِالْمِلَّةِ عَلَى أَعْرَابِ الْيَهُودِيَّةِ وَالنَّصْرَانِيَّةِ.
وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ نَصَبَهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ بِمَعْنَى نَتَّبِعُ.
وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ أُرِيدَ: بَلْ نَكُونُ أَصْحَابَ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ، أَوْ أَهْلَ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ؛ ثُمَّ حَذَفَ الْأَهْلَ وَالْأَصْحَابَ، وَأُقِيمَتْ الْمِلَّةُ مَقَامَهُمْ، إِذْ كَانَتْ مُؤَدِّيَةً عَنْ

مَعْنَى الْكَلَامِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الوافر] حَسِبْتُ بُغامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا ... وَمَا هِيَ وَيْبَ غَيْرِكَ بِالْعَنَاقِ يَعْنِي صَوْتَ عَنَاقٍ، فَتَكُونُ الْمِلَّةُ حِينَئِذٍ مَنْصُوبَةً عَطْفًا فِي الْإِعْرَابِ عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى.
وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا عَلَى وَجْهِ الْإِغْرَاءِ، بِاتِّبَاعِ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ.
وَقَرَأَ بَعْضُ الْقُرَّاءِ ذَلِكَ رَفْعًا، فَتَأْوِيلُهُ عَلَى قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ رَفْعًا: بَلِ الْهُدَى مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: 135] الْمِلَّةُ: الدِّينُ.
وَأَمَّا الْحَنِيفُ: فَإِنَّهُ الْمُسْتَقِيمُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي تُقْبِلُ إِحْدَى قَدَمَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى إِنَّمَا قِيلَ لَهُ أَحْنَفُ نَظَرًا لَهُ إِلَى السَّلَامَةِ، كَمَا قِيلَ لِلْمَهْلَكَةِ مِنَ الْبِلَادِ: الْمَفَازَةُ، بِمَعْنَى الْفَوْزِ بِالنَّجَاةِ

مِنْهَا وَالسَّلَامَةِ؛ وَكَمَا قِيلَ لِلَّدِيغِ: السَّلِيمُ، تَفَاؤُلًا لَهُ بِالسَّلَامَةِ مِنَ الْهَلَاكِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا: قُلْ يَا مُحَمَّدُ بَلْ نَتَّبِعُ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ مُسْتَقِيمًا.
فَيَكُونُ الْحَنِيفُ حِينَئِذٍ حَالًا مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَأَمَّا أَهْلُ التَّأْوِيلِ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْحَنِيفُ: الْحَاجُّ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا سُمِّيَ دِينُ إِبْرَاهِيمَ الْإِسْلَامَ الْحَنِيفِيَّةَ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ إِمَامٍ لَزِمَ الْعِبَادَ الَّذِينَ كَانُوا فِي عَصْرِهِ وَالَّذِينَ جَاءُوا بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ اتِّبَاعُهُ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ، وَالِائْتِمَامُ بِهِ فِيهِ.
قَالُوا: فَكُلُّ مَنْ حَجَّ الْبَيْتَ فَنَسَكَ مَنَاسِكَ إِبْرَاهِيمَ عَلَى مِلَّتِهِ، فَهُوَ حُنَيْفٌ مُسْلِمٌ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: ثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ، عَنْ كَثِيرِ أَبِي سَهْلٍ، قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ عَنِ الْحَنِيفِيَّةِ، قَالَ: «حَجُّ الْبَيْتِ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَادَةَ الْأَسَدِيُّ، قَالَ: ثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا فُضَيْلٌ، عَنْ عَطِيَّةَ: " فِي قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ [البقرة: 135] ، قَالَ: الْحَنِيفُ: الْحَاجُّ " حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ الصُّدَائِيُّ، قَالَ: ثَنَا أَبِي، عَنِ الْفُضَيْلِ، عَنْ عَطِيَّةَ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا حَكَّامُ بْنُ سَلْمٍ، عَنْ عَنْبَسَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " الْحَنِيفُ: الْحَاجُّ "

حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ التَّيْمِيِّ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ زِيَادٍ، قَالَ: سَأَلْتُ الْحَسَنَ عَنِ الْحَنِيفِيَّةِ، قَالَ: «هُوَ حَجُّ هَذَا الْبَيْتِ» قَالَ ابْنُ التَّيْمِيِّ: وَأَخْبَرَنِي جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ مَهْدِيُّ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ السُّدِّيِّ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿حُنَفَاءَ﴾ [الحج: 31] ، قَالَ: حُجَّاجًا "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " قَوْلَهُ: ﴿حَنِيفًا﴾ [البقرة: 135] ، قَالَ: حَاجًّا "

حَدَّثَنَا عَنْ وَكِيعٍ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ، قَالَ: " كَانَ النَّاسُ مِنْ مُضَرٍ يَحُجُّونَ الْبَيْتَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُسَمَّوْنَ حُنَفَاءَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: 31] " وَقَالَ آخَرُونَ: الْحَنِيفُ: الْمُتَّبِعُ، كَمَا وَصَفْنَا قَبْلُ مِنْ قَوْلِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ مَعْنَاهُ الِاسْتِقَامَةُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: " ﴿حُنَفَاءَ﴾ [الحج: 31] ، قَالَ: مُتَّبِعِينَ " وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا سُمِّيَ دِينُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنِيفِيَّةَ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ إِمَامٍ سَنَّ لِلْعِبَادِ الْخِتَانَ، فَاتَّبَعَهُ مَنْ بَعْدَهُ عَلَيْهِ.
قَالُوا: فَكُلُّ مَنِ اخْتُتِنَ عَلَى سَبِيلِ اخْتِتَانِ إِبْرَاهِيمَ، فَهُوَ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَهُوَ حُنَيْفٌ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ.

وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا، بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ مُخْلِصًا، فَالْحَنَيِفَةُ عَلَى قَوْلِهِمُ: الْمُخْلِصُ دِينَهُ لِلَّهِ وَحْدَهُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿وَاتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: 125] يَقُولُ: مُخْلِصًا " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْحَنِيفِيَّةُ الْإِسْلَامُ، فَكُلُّ مَنِ ائْتَمَّ بِإِبْرَاهِيمَ فِي مِلَّتِهِ فَاسْتَقَامَ عَلَيْهَا فَهُوَ حُنَيْفٌ.
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: الْحَنِيفُ عِنْدِي هُوَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ وَاتِّبَاعُهُ عَلَى مِلَّتِهِ.
وَذَلِكَ أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ لَوْ كَانَتْ حَجَّ الْبَيْتِ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ كَانُوا يَحُجُّونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَانُوا حُنَفَاءَ، وَقَدْ نَفَى اللَّهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ تَحَنُّفًا بِقَوْلِهِ: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: 67] فَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْخِتَانِ؛ لِأَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ لَوْ كَانَتْ هِيَ الْخِتَانُ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْيَهُودُ حُنَفَاءَ، وَقَدْ أَخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: 67] . فَقَدْ صَحَّ إِذًا أَنَّ الْحَنِيفِيَّةَ لَيْسَتِ الْخِتَانَ وَحْدَهُ، وَلَا حَجَّ الْبَيْتِ وَحْدَهُ، وَلَكِنَّهُ هُوَ مَا وَصَفْنَا مِنَ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَاتِّبَاعِهِ عَلَيْهَا وَالِائْتِمَامِ بِهِ فِيهَا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ أُضِيفَ الْحَنِيفِيَّةُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَتْبَاعِهِ عَلَى مِلَّتِهِ خَاصَّةً دُونَ

سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ وَأَتْبَاعِهِمْ؟ قِيلَ: إِنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ قَبْلَ إِبْرَاهِيمَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ كَانَ حَنِيفًا مُتَّبِعًا طَاعَةَ اللَّهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ لَمْ يَجْعَلْ أَحَدًا مِنْهُمْ إِمَامًا لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ عِبَادِهِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، كَالَّذِي فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ بِإِبْرَاهِيمَ، فَجَعَلَهُ إِمَامًا فِيمَا بَيَّنَهُ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَالْخِتَانِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، تَعَبُّدًا بِهِ أَبَدًا إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، وَجَعَلَ مَا سَنَّ مِنْ ذَلِكَ عِلْمًا مُمَيِّزًا بَيْنَ مُؤْمِنِي عِبَادِهِ وَكُفَّارِهِمْ وَالْمُطِيعِ مِنْهُمْ لَهُ وَالْعَاصِي، فَسُمِّيَ الْحَنِيفُ مِنَ النَّاسِ حَنِيفًا بِاتِّبَاعِهِ مِلَّتَهُ وَاسْتِقَامَتِهِ عَلَى هَدْيِهِ وَمِنْهَاجِهِ، وَسُمِّيَ الضَّالُّ عَنْ مِلَّتِهِ بِسَائِرِ أَسْمَاءِ الْمِلَلِ، فَقِيلَ: يَهُودِيٌّ وَنَصْرَانِيٌّ وَمَجُوسِيٌّ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ صُنُوفِ الْمِلَلِ

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: 135] يَقُولُ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَدِينُ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ.
وَلَا كَانَ مِنَ الْيَهُودِ.
وَلَا مِنَ النَّصَارَى، بَلْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: قُولُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لِهَؤُلَاءِ الْيَهُودِ

وَالنَّصَارَى الَّذِينَ قَالُوا لَكُمْ: كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا: آمَنَّا، أَيْ صَدَّقْنَا بِاللَّهِ.
وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّ مَعْنَى الْإِيمَانِ التَّصْدِيقَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ

﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: 136] يَقُولُ أَيْضًا: صَدَّقْنَا بِالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَأَضَافَ الْخِطَابُ بِالتَّنْزِيلِ إِلَيْهِمْ إِذْ كَانُوا مُتَّبِعِيهِ وَمَأْمُورِينَ مَنْهِيِّينَ بِهِ، فَكَانَ وَإِنْ كَانَ تَنْزِيلًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَعْنَى التَّنْزِيلِ إِلَيْهِمْ لِلَّذِي لَهُمْ فِيهِ مِنَ

الْمَعَانِي الَّتِي وَصَفْتُ

وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: 136] صَدَّقْنَا أَيْضًا وَآمَنَّا بِمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ، وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ وَلَدِ يَعْقُوبَ

وَقَوْلُهُ، ﴿وَمَا أُوتِي مُوسَى وَعِيسَى﴾ [البقرة: 136] يَعْنِي: وَآمَنَّا أَيْضًا بِالتَّوْرَاةِ الَّتِي آتَاهَا اللَّهُ مُوسَى، وَبِالْإِنْجِيلِ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ عِيسَى، وَالْكُتُبِ الَّتِي آتَى النَّبِيِّينَ كُلَّهُمْ، وَأَقْرَرْنَا وَصَدَّقْنَا أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حَقٌّ وَهُدًى وَنُورٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
وَأَنَّ جَمِيعَ مَنْ ذَكَرَ اللَّهَ مِنْ أَنْبِيَائِهِ كَانُوا عَلَى حَقٍّ وَهُدًى يُصَدِّقُ بَعْضُهُمْ

بَعْضًا عَلَى مِنْهَاجٍ وَاحِدٍ فِي الدُّعَاءِ إِلَى تَوْحِيدِ اللَّهِ وَالْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ

﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 136] يَقُولُ: لَا نُؤْمِنُ بِبَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ، وَنَتَبَرَّأُ مِنْ بَعْضٍ، وَنَتَوَلَّى بَعْضًا، كَمَا تَبَرَّأَتِ الْيَهُودُ مِنْ عِيسَى وَمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَأُقِرَّتْ بِغَيْرِهِمَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، وَكَمَا تَبَرَّأَتِ النَّصَارَى مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُقِرَّتْ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ؛ بَلْ نَشْهَدُ لِجَمِيعِهِمْ

أَنَّهُمْ كَانُوا رُسُلَ اللَّهِ وَأَنْبِيَاءَهُ، بُعِثُوا بِالْحَقِّ وَالْهُدَى

وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 133] فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَنَحْنُ لَهُ خَاضِعُونَ بِالطَّاعَةِ، مُذْعِنُونَ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ.
فَذَكَرَ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ لِلْيَهُودِ، فَكَفَرُوا بِعِيسَى وَبِمَنْ يُؤْمِنُ بِهِ

كَمَا حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَرٌ مِنَ الْيَهُودِ فِيهِمْ أَبُو يَاسِرِ بْنُ أَخْطَبَ وَرَافِعُ بْنُ أَبِي رَافِعٍ وَعَازِرٌ وَخَالِدٌ وَزَيْدٌ وَأَزَارُ بْنُ أَبِي أَزَارٍ وَأَشْيَعُ، فَسَأَلُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ، فَقَالَ: أُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا، وَمَا أُنْزِلَ إِلَى

إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ، وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى، وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ.
فَلَمَّا ذَكَرَ عِيسَى جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ وَقَالُوا: لَا نُؤْمِنُ بِعِيسَى، وَلَا نُؤْمِنُ بِمَنْ آمَنَ بِهِ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة: 59] " حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: أَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ، إِلَّا أَنَّهُ، قَالَ: وَنَافِعُ بْنُ أَبِي نَافِعٍ، مَكَانُ رَافِعِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ وَقَالَ قَتَادَةُ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَمْرًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِتَصْدِيقِ رُسُلِهِ كُلِّهِمْ

حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: " ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [البقرة: 136] إِلَى قَوْلِهِ، ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 133] أَمَرَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُؤْمِنُوا وَيُصَدِّقُوا بِأَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ كُلِّهِمْ، وَلَا يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ " وَأَمَّا الْأَسْبَاطُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ فَهُمُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنْ وَلَدِ يَعْقُوبَ بْنِ

إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، وَلَدَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ، فَسُمُّوا أَسْبَاطًا

كَمَا حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثَنَا يَزِيدُ، قَالَ: ثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: " الْأَسْبَاطُ: يُوسُفُ وَإِخْوَتُهُ بَنُو يَعْقُوبَ، وَلَدَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَوَلَدَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ، فَسُمُّوا أَسْبَاطًا "

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثَنَا عَمْرٌو، قَالَ: ثَنَا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " أَمَّا الْأَسْبَاطُ فَهُمْ بَنُو يَعْقُوبَ: يُوسُفُ، وَبِنْيَامِينُ، وَرُوبِيلُ، وَيَهُوذَا، وَشِمْعُونَ، وَلَاوِي، وَدَانُ، وَقِهَاثُ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثَنَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: " الْأَسْبَاطُ: يُوسُفُ وَإِخْوَتُهُ بَنُو يَعْقُوبَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَوُلِدَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مِنَ النَّاسِ، فَسُمُّوا الْأَسْبَاطَ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثَنَا سَلَمَةُ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: " نَكَحَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ وَهُوَ إِسْرَائِيلُ ابْنَةَ خَالِهِ لِيَا ابْنَةَ لِيَانَ بْنِ تُوبِيلَ بْنِ إِلْيَاسَ، فَوَلَدَتْ لَهُ رُوبِيلَ بْنَ يَعْقُوبَ، وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِهِ، وَشِمْعُونَ بْنَ يَعْقُوبَ، وَلَاوِي بْنَ يَعْقُوبَ، وَيَهُوذَا بْنَ يَعْقُوبَ، وَرِيَالُونَ بْنَ يَعْقُوبَ، وَيَشْجَرَ بْنَ يَعْقُوبَ وَدِينَةَ بِنْتَ يَعْقُوبَ.
ثُمَّ تُوُفِّيَتْ لِيَا بِنْتُ لِيَانَ، فَخَلَّفَ يَعْقُوبُ عَلَى أُخْتِهَا رَاحِيلَ بِنْتِ لِيَانَ بْنِ

تُوبِيلَ بْنِ إِلْيَاسَ، فَوَلَدَتْ لَهُ يُوسُفَ بْنَ يَعْقُوبَ وَبِنْيَامِينَ، وَهُوَ بِالْعَرَبِيَّةِ أَسَدٌ، وَوُلِدَ لَهُ مِنْ سَرِيَّتَيْنِ لَهُ اسْمُ إِحْدَاهُمَا زُلْفَةَ، وَاسْمُ الْأُخْرَى بَلْهِيَّةَ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ: دَانُ بْنُ يَعْقُوبَ، وَنَفْثَالِي بْنُ يَعْقُوبَ، وَجَادُ بْنُ يَعْقُوبَ، وَإِشْرَبُ بْنُ يَعْقُوبَ.
فَكَانَ بَنُو يَعْقُوبَ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، نَشَرَ اللَّهُ مِنْهُ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا لَا يُحْصَى عَدَدُهُمْ وَلَا يَعْلَمُ أَنْسَابَهُمْ إِلَّا اللَّهُ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا﴾ [الأعراف: 160] "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾

[البقرة: 137]

يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: 137] فَإِنْ صَدَّقَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ، وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى، وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ، وَأَقَرُّوا بِذَلِكَ مِثْلَ مَا صَدَّقْتُمْ أَنْتُمْ بِهِ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ وَأَقْرَرْتُمْ،

فَقَدْ وُفِّقُوا وَرَشَدُوا وَلَزِمُوا طَرِيقَ الْحَقِّ وَاهْتَدَوْا، وَهُمْ حِينَئِذٍ مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنْهُمْ بِدُخُولِهِمْ فِي مِلَّتِكُمْ بِإِقْرَارِهِمْ بِذَلِكَ.
فَدُلَّ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْ أَحَدٍ عَمَلًا إِلَّا بِالْإِيمَانِ بِهَذِهِ

الْمَعَانِي الَّتِي عَدَّهَا قَبْلَهَا

كَمَا حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا أَبُو صَالِحٍ، قَالَ: ثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " قَوْلَهُ: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: 137] وَنَحْوَ هَذَا، قَالَ: أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْعُرْوَةُ الْوثْقَى، وَأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ عَمَلًا إِلَّا بِهِ، وَلَا تُحَرَّمُ الْجَنَّةُ إِلَّا عَلَى مَنْ تَرَكَهُ " وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ قِرَاءَةٌ جَاءَتْ مَصَاحِفُ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِهَا، وَأَجْمَعَتْ قُرَّاءُ الْقُرْآنِ عَلَى تَرْكِهَا

وَذَلِكَ مَا حَدَّثَنَا بِهِ، مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " لَا تَقُولُوا: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ [البقرة: 137] فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ مِثْلٌ، وَلَكِنْ قُولُوا: فَإِنْ آمَنُوا بِالَّذِينَ آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا، أَوْ، قَالَ: فَإِنْ آمَنُوا بِمَا آمَنْتُمْ بِهِ " فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِنْ كَانَتْ صَحِيحَةً عَنْهُ يُوَجِّهُ تَأْوِيلَ قِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: 137] فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ اللَّهِ، وَبِمِثْلِ مَا أَنْزَلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ؛ وَذَلِكَ إِذَا صَرَفَ إِلَى هَذَا الْوَجْهِ شِرْكٌ لَا شَكَّ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، لِأَنَّهُ لَا مِثْلَ لِلَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ، فَنُؤْمِنُ أَوْ نَكْفُرُ بِهِ.
وَلَكِنْ تَأْوِيلُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْمَعْنَى الَّذِي وَجَّهَ إِلَيْهِ تَأْوِيلَهُ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ مَا وَصَفْنَا، وَهُوَ: فَإِنْ صَدَّقُوا مِثْلَ تَصْدِيقِكُمْ بِمَا صَدَّقْتُمْ بِهِ مِنْ جَمِيعِ مَا عَدَدْنَا عَلَيْكُمْ مِنْ كُتُبِ اللَّهِ وَأَنْبِيَائِهِ، فَقَدِ اهْتَدَوْا.
فَالتَّشْبِيهُ إِنَّمَا وَقَعَ

بَيْنَ التَّصْدِيقَيْنِ وَالْإِقْرَارَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا إِيمَانُ هَؤُلَاءِ وَإِيمَانُ هَؤُلَاءِ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: مَرَّ عَمْرٌو بِأَخِيكَ مِثْلَ مَا مَرَرْتَ بِهِ، يَعْنِي بِذَلِكَ مَرَّ عَمْرٌو بِأَخِيكَ مِثْلَ مُرُورِي بِهِ، وَالتَّمْثِيلُ إِنَّمَا دَخَلَ تَمْثِيلًا بَيْنَ الْمُرُورَيْنِ، لَا بَيْنَ عَمْرٍو وَبَيْنَ الْمُتَكَلِّمِ؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [البقرة: 137] إِنَّمَا وَقَعَ التَّمْثِيلُ بَيْنَ الْإِيمَانَيْنِ لَا بَيْنَ الْمُؤْمَنِ بِهِ

جارٍ التحميل