الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء: 36] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَعْنِيِّ بِذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ رَفِيقُ الرَّجُلِ فِي سَفَرِهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: 37] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُخْتَالَ الْفَخُورَ , الَّذِي يَبْخَلُ وَيَأْمُرُ النَّاسَ بِالْبُخْلِ.
فَالَّذِينَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ رَدًّا عَلَى مَا فِي
قَوْلِهِ ﴿فَخُورًا﴾ [النساء: 36] مِنْ ذَمٍّ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى النَّعْتِ لِمِنْ.
وَالْبُخْلُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مَنْعُ الرَّجُلِ سَائِلَهُ مَا لَدَيْهِ وَعِنْدَهُ مِنْ فَضْلٍ عَنْهُ.
كَمَا:
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ , قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ , قَالَ: ثني حَجَّاجٌ , عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ , عَنْ أَبِيهِ , فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: 37] قَالَ: " الْبُخْلُ: أَنْ يَبْخَلَ الْأَنْسَانُ بِمَا فِي يَدَيْهِ , وَالشُّحُّ: أَنْ يَشِحَّ عَلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ.
قَالَ: يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ بِالْحِلِّ وَالْحَرَامِ لَا يَقْنَعُ " وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءَ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: 37] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: (بِالْبَخَلِ) , بِفَتْحِ الْبَاءِ وَالْخَاءِ.
وَقَرَأتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ
وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ بِضَمِّ الْبَاءِ: ﴿بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: 37] وَهُمَا لُغَتَانِ فَصِيحَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ , وَقِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ غَيْرُ مُخْتَلِفَتَيِ الْمَعْنَى , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَهُوَ مُصِيبٌ فِي قِرَاءَتِهِ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: 37] الَّذِينَ كَتَمُوا اسْمَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصِفَتَهُ مِنَ الْيَهُودِ , وَلَمْ يُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسٍ , وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى , قَالَ: ثنا الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ الْحَضْرَمِيِّ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 37] قَالَ: «هُمُ الْيَهُودُ بَخِلُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَكَتَمُوا ذَلِكَ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا عِيسَى , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: 37] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ [النساء: 39] مَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي يَهُودَ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ قَالَ: ثنا شِبْلٌ , عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ , عَنْ مُجَاهِدٍ , مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَوْلُهُ: الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَهُمْ أَعْدَاءُ اللَّهِ أَهْلُ الْكِتَابِ , بَخِلُوا بِحَقِّ اللَّهِ
عَلَيْهِمْ , وَكَتَمُوا الْإِسْلَامَ وَمُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ , قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ مُفَضَّلٍ , قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ , عَنِ السُّدِّيِّ , أَمَّا: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: 37] فَهُمُ الْيَهُودُ ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 37] اسْمَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
اوْ ﴿يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: 37] يَبْخَلُونَ بِاسْمِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَيَأْمُرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِكِتْمَانِهِ "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الرَّازِيُّ قَالَ: ثني أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيُّ قَالَ: ثنا يَحْيَى , عَنْ عَارِمٍ , عَنْ أَشْعَثَ , عَنْ جَعْفَرٍ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: 37] قَالَ: «هَذَا لِلْعِلْمِ , لَيْسَ لِلدُّنْيَا مِنْهُ شَيْءٌ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ , قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ , قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: 37] قَالَ: " هَؤُلَاءِ يَهُودُ , وَقَرَأَ: ﴿وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 37] قَالَ: " يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الرِّزْقِ , وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْكُتُبِ , إِذَا سُئِلُوا عَنِ الشَّيْءِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ كَتَمُوهُ.
وَقَرَأَ: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: 53]
مِنْ بُخْلِهِمْ "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ , قَالَ: ثنا سَلَمَةُ , عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , أَوْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , قَالَ: كَانَ كَرْدَمُ بْنُ زَيْدٍ حَلِيفَ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ , وَأُسَامَةَ بْنِ حَبِيبٍ , وَنَافِعِ بْنِ أَبِي نَافِعٍ , وَبْحِرِي بْنِ عَمْرٍو , وَحُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ , وَرِفَاعَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ التَّابُوتِ , يَأْتُونَ رِجَالًا مِنَ الْأَنْصَارِ , وَكَانُوا يُخَالِطُونَهُمْ , يَتَنَصَّحُونَ لَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَيَقُولُونَ لَهُمْ: لَا تُنْفِقُوا أَمْوَالَكُمْ فَإِنَّا نَخْشَى عَلَيْكُمُ الْفَقْرَ فِي ذَهَابِهَا , وَلَا تُسَارِعُوا فِي النَّفَقَةِ فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَا يَكُونُ.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 37] أَيْ مِنَ النُّبُوَّةِ الَّتِي فِيهَا تَصْدِيقُ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: 37] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ [النساء: 39] " فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ ذَوِي الْخُيَلَاءِ وَالْفَخْرِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِتَبْيِينِ مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِتَبْيِينِهِ لِلنَّاسِ مِنِ اسْمِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَعْتِهِ وَصِفَتِهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا فِي كُتُبِهِ عَلَى أَنْبِيَائِهِ , وَهُمْ بِهِ عَالِمُونَ , وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ , مِثْلَ عِلْمِهِمْ بِكِتْمَانِ مَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِتَبْيِينِهِ لَهُ , وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ وَمَعْرِفَتِهِ مَنْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ كِتْمَانَهُ إِيَّاهُ وَأَمَّا عَلَى تَأْوِيلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ زَيْدٍ: إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ,
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ عَلَى النَّاسِ بِفَضْلِ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ.
ثُمَّ سَائِرِ تَأْوِيلِهِمَا وَتَأْوِيلِ غَيْرِهِمَا سَوَاءٌ.
وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ مَا قَالَهُ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ اللَّهَ وَصَفَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِالْبُخْلِ , بِتَعْرِيفِ مَنْ جَهَلَ أَمْرَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ حَقٌّ , وَأَنَّ مُحَمَّدًا لِلَّهِ نَبِيُّ مَبْعُوثٌ , وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي كَانَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَدْ بَيَّنَهُ فِيمَا أَوْحَى إِلَى أَنْبِيَائِهِ مِنْ كُتُبِهِ , فَبَخِلَ بِتَبْيِينِهِ لِلنَّاسِ هَؤُلَاءِ , وَأُمِرُوا مَنْ كَانَتْ حَالُهُ حَالَهُمْ فِي مَعْرِفَتِهِمْ بِهِ أَنْ يَكْتُمُوهُ مَنْ جَهِلَ ذَلِكَ , وَلَا يُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسِ.
وَإِنَّمَا قُلْنَا: هَذَا الْقَوْلُ أَوْلَى بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ , لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ , وَلَمْ يَبْلُغْنَا عَنْ أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ أَنَّهَا كَانَتْ تَأْمُرُ النَّاسَ بِالْبُخْلِ دِيَانَةً وَلَا تَخَلُّقًا , بَلْ تَرَى ذَلِكَ قَبِيحًا وَيُذَمُّ فَاعِلُهُ وَلَا يُمْتَدَحُ , وَإِنْ هِيَ تَخَلَّقَتْ بِالْبُخْلِ وَاسْتَعْمَلَتْهُ فِي أَنْفُسِهَا فَالسَّخَاءُ وَالْجُودُ تَعُدُّهُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَفْعَالِ وَتَحُثُّ عَلَيْهِ.
وَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّ بُخْلَهُمُ الَّذِي وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ إِنَّمَا كَانَ بُخْلًا بِالْعِلْمِ الَّذِي كَانَ اللَّهُ آتَاهُمُوهُ , فَبَخِلُوا بِتَبْيِينِهِ لِلنَّاسِ , وَكَتَمُوهُ دُونَ الْبُخْلِ بِالْأَمْوَالِ.
إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى ذَلِكَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِأَمْوَالِهِمُ الَّتِي يُنْفِقُونَهَا فِي حُقُوقِ اللَّهِ وَسُبُلِهِ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِتَرْكِ النَّفَقَةِ فِي ذَلِكَ , فَيَكُونُ بُخْلُهُمْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَمْرُهُمُ النَّاسَ بِالْبُخْلِ.
فَهَذَا الْمَعْنَى عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فَيَكُونُ لِذَلِكَ وَجْهٌ مَفْهُومٌ فِي وَصْفِهِمْ بِالْبُخْلِ وَأَمْرِهِمْ بِهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: 37] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ﴿وَأَعْتَدْنَا﴾ [النساء: 37] وَجَعَلْنَا لِلْجَاحِدِينَ نِعْمَةَ اللَّهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , الْمُكَذِّبِينَ بِهِ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِهِ , الْكَاتِمِينَ نَعْتَهُ
وَصِفَتَهُ مَنْ أَمَرَهُمُ اللَّهُ بِبَيَانِهِ لَهُ مِنَ النَّاسِ ﴿عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: 37] يَعْنِي: " الْعِقَابَ الْمُذِلَّ مَنْ عُذِّبَ بِخُلُودِهِ فِيهِ عَتَادًا لَهُ فِي آخِرَتِهِ , إِذَا قَدِمَ عَلَى رَبِّهِ وَجَدَهُ بِمَا سَلَفَ مِنْهُ مِنْ جُحُودِهِ فَرْضَ اللَّهِ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء: 38] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ بِاللَّهِ مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّهُ صِفَتَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ﴾
[النساء: 38] وَالَّذِينَ فِي مَوْضِعِ خَفْضٍ عَطْفًا عَلَى الْكَافِرِينَ وَقَوْلُهُ: ﴿رِئَاءَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 264] يَعْنِي: " يُنْفِقُهُ مُرَاءَاةَ النَّاسِ فِي غَيْرِ طَاعَةِ اللَّهِ أَوْ غَيْرِ سَبِيلِهِ , وَلَكِنْ فِي سَبِيلِ الشَّيْطَانِ.
﴿وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: 38] يَقُولُ: " وَلَا يُصَدِّقُونَ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَلَا بِالْمِيعَادِ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةَ , الَّذِي فِيهِ جَزَاءُ الْأَعْمَالِ أَنَّهُ كَائِنٌ.
وَقَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ: إِنَّ هَذَا مِنْ صِفَةِ الْيَهُودِ , وَهُوَ صِفَةُ أَهْلِ النِّفَاقِ الَّذِينَ كَانُوا أَهْلَ شِرْكٍ فَأَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ تُقْيَةً مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ , وَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ مُقِيمُونَ أَشْبَهَ مِنْهُمْ بِصِفَةِ الْيَهُودِ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ كَانَتْ تُوَحِّدُ اللَّهَ وَتُصَدِّقُ بِالْبَعْثِ وَالْمَعَادِ , وَإِنَّمَا كَانَ كُفْرُهَا تَكْذِيبَهَا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَبَعْدُ فَفِي فَصْلِ اللَّهِ بَيْنَ صِفَةِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ , وَصِفَةِ الْفَرِيقِ الْآخَرِ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ فِي الْآيَةِ قَبْلَهَا , وَأَخْبَرَ أَنَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا , بِالْوَاوِ الْفَاصِلَةِ بَيْنَهُمْ مَا يُنْبِئُ عَنْ أَنَّهُمَا صِفَتَانِ مِنْ نَوْعَيْنِ مِنَ النَّاسِ مُخْتَلِفِي الْمَعَانِي , وَإِنْ كَانَ
جَمِيعُهُمْ أَهْلَ كُفْرٍ بِاللَّهِ.
وَلَوْ كَانَتِ الصِّفَتَانِ كِلْتَاهُمَا صِفَةَ نَوْعٍ مِنَ النَّاسِ لَقِيلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ: وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا , الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ.
وَلَكِنْ فَصَلَ بَيْنَهُمْ بِالْوَاوِ لِمَا وَصَفْنَا.
فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ دُخُولَ الْوَاوِ غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ فِي عَطْفِ صِفَةٍ عَلَى صِفَةٍ لَمَوْصُوفٍ وَاحِدٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ؟ قِيلَ: ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَإِنَّ الْأَفْصَحَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ إِذَا أُرِيدَ ذَلِكَ تَرْكُ إِدْخَالِ الْوَاوِ , وَإِذَا أُرِيدَ بِالثَّانِي وَصْفٌ آخَرُ غَيْرَ الْأَوَّلِ أَدْخَلَ الْوَاوَ.
وَتَوْجِيهُ كَلَامِ اللَّهِ إِلَى الْأَفْصَحِ الْأَشْهَرِ مِنْ كَلَامِ مَنْ نَزَلَ بِلِسَانِهِ كِتَابُهُ أَوْلَى بِنَا مِنْ تَوْجِيهِهِ إِلَى الْأَنْكَرِ مِنْ كَلَامِهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء: 38] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ خَلِيلًا وَصَاحِبًا يَعْمَلُ بِطَاعَتِهِ وَيَتْبَعُ أَمْرَهُ وَيَتْرُكُ أَمْرَ اللَّهِ فِي إِنْفَاقِهِ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ فِي غَيْرِ طَاعَتِهِ , وَجُحُودِهِ وَحْدَانِيَّةَ اللَّهِ وَالْبَعْثَ بَعْدَ الْمَمَاتِ ﴿فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء: 38] يَقُولُ: "
فَسَاءَ الشَّيْطَانُ قَرِينًا.
وَإِنَّمَا نَصَبَ الْقَرِينِ , لِأَنَّ فِي سَاءَ ذِكْرًا مِنَ الشَّيْطَانِ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: 50] وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي سَاءَ ونَظَائِرِهَا , وَمِنْهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
[البحر الطويل]
عَنِ الْمَرْءِ لَا تَسْأَلْ وَسَلْ عَنْ قَرِينِهِ ... فَكُلُّ قَرِينٍ بِالْمُقَارِنِ يَقْتَدِي
يُرِيدُ بِالْقَرِينِ: الصَّاحِبَ وَالصَّدِيقَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا﴾ [النساء: 39] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: أَيُّ شَيْءٍ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ , وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ , لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ , لَوْ
صَدَّقُوا بِأَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ لَا شَرِيكَ لَهُ , وَأَخْلَصُوا لَهُ التَّوْحِيدَ , وَأَيْقَنُوا بِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَمَاتِ , وَصَدَّقُوا بِأَنَّ اللَّهَ مُجَازِيهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ﴾ [النساء: 39] يَقُولُ وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمُ الَّتِي رَزَقَهُمُ اللَّهُ , وَأَعْطَاهُمُوهَا طَيِّبَةً بِهَا أَنْفُسُهُمْ , وَلَمْ يُنْفِقُوهَا رِئَاءَ النَّاسِ الْتِمَاسَ الذِّكْرِ وَالْفَخْرِ عِنْدَ أَهْلِ الْكُفْرِ بِاللَّهِ , وَالْمَحْمَدَةِ بِالْبَاطِلِ عِنْدَ النَّاسِ , وَكَانَ اللَّهُ بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ أَنَّهُمْ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ نِفَاقًا , وَهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ مُكَذِّبُونَ , عَلِيمًا , يَقُولُ: ذَا عِلْمٍ بِهِمْ وَبِأَعْمَالِهِمْ وَمَا يَقْصُدُونَ وَيُرِيدُونَ بِإِنْفَاقِهِمْ , وَمَا يُنْفِقُونَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ , وَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ الرِّيَاءَ وَالسُّمْعَةَ وَالْمَحْمَدَةَ فِي النَّاسِ , وَهُوَ حَافِظٌ عَلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمُ , لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا حَتَّى يُجَازِيَهُمْ بِهَا جَزَاءَهُمْ عِنْدَ مَعَادِهِمْ إِلَيْهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ , وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ , فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَبْخَسُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ أَنْفَقَ فِي سَبِيلِهِ
مِمَّا رَزَقَهُ مِنْ ثَوَابِ نَفَقَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَلَا مِنْ أَجْرِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40] أَيْ مَا يَزِنُهَا وَيَكُونُ عَلَى قَدْرِ ثِقَلِهَا فِي الْوَزْنِ , وَلَكِنَّهُ يُجَازِيهِ بِهِ , وَيُثِيبُهُ عَلَيْهِ.
كَمَا:
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى , قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ , قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ , عَنْ قَتَادَةَ , أَنَّهُ تَلَا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: 40] قَالَ: «لِأَنْ تَفْضُلْ حَسَنَاتِي مَا يَزِنُ ذَرَّةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ , قَالَ: ثنا سَعِيدٌ , عَنْ قَتَادَةَ , قَالَ: كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: «لِأَنْ تَفْضُلْ حَسَنَاتِي عَلَى سَيِّئَاتِي مَا يَزِنُ ذَرَّةً أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لِيَ الدُّنْيَا جَمِيعًا» :
وَأَمَّا الذَّرَّةُ , فَإِنَّهُ ذُكِرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ أَنَّهُ قَالَ فِيهَا , كَمَا حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ الْوَاسِطِيُّ , قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ , قَالَ: ثنا شَبِيبُ بْنُ بِشْرٍ , عَنْ عِكْرِمَةَ , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ , فِي قَوْلِهِ: ﴿مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40] قَالَ: «رَأْسُ نَمْلَةٍ حَمْرَاءَ»
قَالَ لِي إِسْحَاقُ بْنُ وَهْبٍ: قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: «زَعَمُوا أَنَّ هَذِهِ الدُّودَةَ الْحَمْرَاءَ لَيْسَ لَهَا وَزْنٌ» وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ صَحَّتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى , وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ , قَالَا: ثنا أَبُو دَاوُدَ , قَالَ: ثنا عِمْرَانُ , عَنْ قَتَادَةَ , عَنْ أَنَسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ الْمُؤْمِنَ حَسَنَةً , يُثَابُ عَلَيْهَا الرِّزْقَ فِي الدُّنْيَا ويُجْزَى بِهَا فِي الْآخِرَةِ؛ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِهَا فِي الدُّنْيَا , فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَةً»
حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَسْرُوقِيُّ , قَالَ: ثنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ , قَالَ: ثنا هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ , قَالَ: أَخْبَرَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَحَدُكُمْ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً فِي الْحَقِّ يَرَاهُ مُصِيبًا لَهُ , مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِخْوَانِهِمْ إِذَا رَأَوْا أَنْ قَدْ خَلَصُوا مِنَ النَّارِ يَقُولُونَ: أَيْ رَبَّنَا إِخْوَانُنَا كَانُوا يُصَلُّونَ مَعَنَا وَيَصُومُونَ مَعَنَا وَيَحُجُّونَ مَعَنَا وَيُجَاهِدُونَ مَعَنَا , قَدْ أَخَذَتْهُمُ النَّارُ.
فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُمُ: اذْهَبُوا فَمَنْ عَرَفْتُمْ صُورَتَهُ فَأَخْرِجُوهُ.
وَيُحَرِّمْ صُورَتَهُمْ
عَلَى النَّارِ , فَيَجِدُونَ الرَّجُلَ قَدْ أَخَذَتْهُ النَّارُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ وَإِلَى حَقْوَيْهِ , فَيُخْرِجُونَ مِنْهَا بَشَرًا كَثِيرًا , ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَتَكَلَّمُونَ , فَيَقُولُ: اذْهَبُوا لِمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ قِيرَاطِ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ.
فَيُخْرِجُونَ مِنْهَا بَشَرًا كَثِيرًا , ثُمَّ يَعُودُونَ فَيَتَكَلَّمُونَ , فَلَا يَزَالُ يَقُولُ لَهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يَقُولَ: اذْهَبُوا , فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فَأَخْرِجُوهُ " فَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ إِذَا حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ: إِنْ لَمْ تُصَدِّقُوا فَاقْرَءُوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40] فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا
وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ: ثني ابْنُ اللَّيْثِ , عَنِ اللَّيْثِ عَنْ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ , عَنِ ابْنِ أَبِي هِلَالٍ , عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ , عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ , عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا:
حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى , قَالَ: ثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ , قَالَ: ثنا صَدَقَةُ بْنُ أَبِي سَهْلٍ , قَالَ: ثنا أَبُو عَمْرٍو , عَنْ زَاذَانَ , قَالَ: أَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ , فَقَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ , ثُمَّ نَادَى مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: «أَلَا مَنْ كَانَ يَطْلُبُ مَظْلَمَةً , فَلْيَجِئْ إِلَى حَقِّهِ فَلْيَأْخُذْهُ» قَالَ: فَيَفْرَحُ وَاللَّهِ الصَّبِيُّ أَنْ يَذُوبَ لَهُ الْحَقُّ عَلَى وَالِدِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ زَوْجَتِهِ , فَيَأْخُذَهُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا.
ومِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: 101] فَيُقَالَ لَهُ: آتِ هَؤُلَاءِ حُقُوقَهُمْ.
ايْ أَعْطِهِمْ حُقُوقَهُمْ.
فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ مِنْ أَيْنَ وَقَدْ ذَهَبَتِ الدُّنْيَا؟ فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: أَيْ مَلَائِكَتِي انْظُرُوا فِي أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ , وَأَعْطُوهُمْ مِنْهَا.
فَإِنْ بَقِيَ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَةٍ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْهَا: يَا رَبَّنَا أَعْطَيْنَا كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ , وَبَقِيَ لَهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ حَسَنَةٍ.
فَيَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ: ضَعِّفُوهَا لِعَبْدِي , وَأَدْخِلُوهُ بِفَضْلِ رَحْمَتِي الْجَنَّةَ.
ومِصْدَاقُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40] أَيِ الْجَنَّةَ
يُعْطِيهَا , وَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ وَبَقِيَتْ سَيِّئَاتُهُ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ: إِلَهَنَا فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ وَبَقِيَ سَيِّئَاتُهُ , وَبَقِيَ طَالِبُونَ كَثِيرٌ.
فَيَقُولُ اللَّهُ: ضَعُوا عَلَيْهَا مِنْ أَوْزَارِهِمْ وَاكْتُبُوا لَهُ كِتَابًا إِلَى النَّارِ.
قَالَ صَدَقَةُ: «أَوْ صَكًّا إِلَى جَهَنَّمَ» شَكَّ صَدَقَةُ أَيَّتَهُمَا قَالَ "
وَحُدِّثْتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدٍ , عَنْ هَارُونَ بْنِ عَنْتَرَةَ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ , قَالَ: سَمِعْتُ زَاذَانَ , يَقُولُ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: " يُؤْخَذُ بِيَدِ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ , فَيُنَادِي مُنَادٍ عَلَى رُءُوسِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ: هَذَا فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ , مَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ فَلْيَأْتِ إِلَى حَقِّهِ.
فتَفْرَحُ الْمَرْأَةُ أَنْ يَذُوبَ لَهَا الْحَقُّ عَلَى أَبِيهَا , أَوْ عَلَى ابْنِهَا , أَوْ عَلَى أَخِيهَا , أَوْ عَلَى زَوْجِهَا , ثُمَّ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: 101] فَيَغْفِرُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ حَقِّهِ مَا شَاءَ , وَلَا يَغْفِرُ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ شَيْئًا , فَيَنْصِبُ لِلنَّاسِ فَيَقُولُ: آتُوا إِلَى النَّاسِ حُقُوقَهُمْ.
فَيَقُولُ: رَبِّ فَنِيَتِ الدُّنْيَا مِنْ أَيْنَ أُوتِيهِمْ حُقُوقَهُمْ؟ فَيَقُولُ: خُذُوا مِنْ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ , فَأَعْطُوا كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ , فَإِنْ كَانَ وَلِيًّا لِلَّهِ , فَفَضَلَ لَهُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ضَاعَفَهَا لَهُ حَتَّى يُدْخِلَهُ بِهَا الْجَنَّةَ.
ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا: ﴿
إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء: 40] وَإِنْ كَانَ عَبْدًا شَقِيًّا قَالَ الْمَلَكُ: رَبِّ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ , وَبَقِيَ طَالِبُونَ كَثِيرٌ.
فَيَقُولُ: خُذُوا مِنْ سَيِّئَاتِهِمْ , فَأَضِيفُوهَا إِلَى سَيِّئَاتِهِ , ثُمَّ صُكُّوا لَهُ صَكًّا إِلَى النَّارِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى تَأْوِيلِ عَبْدِ اللَّهِ هَذَا: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ عَبْدًا وَجَبَ لَهُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ قَبْلَ عَبْدٍ لَهُ آخَرَ فِي مَعَادِهِ وَيَوْمَ لِقَائِهِ فَمَا فَوْقَهُ فَيَتْرُكُهُ عَلَيْهِ فَلَا يَأْخُذُهُ لِلْمَظْلُومِ مِنْ ظَالِمِهِ , وَلَكِنَّهُ يَأْخُذُهُ مِنْهُ لَهُ , وَيَأْخُذُ مِنْ كُلِّ ظَالِمٍ لِكُلِّ مَظْلُومِ تَبِعْتَهُ قَبْلَهُ.
﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: 40] يَقُولُ: " وَإِنْ تُوجَدْ لَهُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا , بِمَعْنَى: يُضَاعَفُ لَهُ ثَوَابَهَا وَأَجْرَهَا.
﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40] يَقُولُ: " وَيُعْطِهِ مِنْ عِنْدِهِ أَجْرًا عَظِيمًا.
وَالْأَجْرُ الْعَظِيمُ: الْجَنَّةُ عَلَى مَا قَالَهُ عَبْدُ اللَّهِ وَلِكِلَا التَّأْوِيلَيْنِ وَجْهٌ مَفْهُومٌ , أَعْنِي التَّأْوِيلَ الَّذِي قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَالَّذِي قَالَهُ قَتَادَةُ.
وَإِنَّمَا اخْتَرْنَا التَّأْوِيلَ الْأَوَّلَ لِمُوَافَقَتِهِ الْآثَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ دَلَالَةِ ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ عَلَى صِحَّتِهِ , إِذْ كَانَ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا , الَّتِي حَثَّ اللَّهُ فِيهَا عَلَى النَّفَقَةِ فِي طَاعَتِهِ , وَذَمَّ النَّفَقَةَ فِي طَاعَةِ الشَّيْطَانِ , ثُمَّ وَصَلَ ذَلِكَ بِمَا وَعَدَ الْمُنَافِقِينَ فِي طَاعَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً
يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40] وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءَ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ [النساء: 40] فَقَرَأَتْ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْعِرَاقِ: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً﴾ [النساء: 40] بِنَصْبِ الْحَسَنَةِ , بِمَعْنَى: وَإِنْ تَكُ زِنَةُ الذَّرَّةِ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا.
وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْمَدِينَةِ: (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةٌ) بِرَفْعِ الْحَسَنَةِ , بِمَعْنَى: وَإِنْ تُوجَدْ حَسَنَةً عَلَى مَا ذَكَرْتُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مِنْ تَأْوِيلِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿يُضَاعِفْهَا﴾ [النساء: 40] فَإِنَّهُ جَاءَ بِالْأَلِفِ , وَلَمْ يَقُلْ: يُضَعِّفْهَا؛ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ فِي قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: يُضَاعِفْهَا أَضْعَافًا كَثِيرَةً؛ وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ فِي قَوْلِهِ يُضَعِّفُ ذَلِكَ ضِعْفَيْنِ لَقِيلَ: يُضَعِّفْهَا بِالتَّشْدِيدِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِينَ وَعَدَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ مَا وَعَدَهُمْ فِيهَا , فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُمْ جَمِيعُ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا:
حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ الصَّبَّاحِ , قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ , عَنْ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ , عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ , عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ , قَالَ: لَقِيتُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ تَقُولُ: إِنَّ الْحَسَنَةَ لَتُضَاعَفُ أَلْفَ أَلْفَ حَسَنَةٍ.
قَالَ: وَمَا أَعْجَبَكَ مِنْ ذَلِكَ؟ فَوَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُهُ , يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لَيُضَاعِفُ الْحَسَنَةَ أَلْفَيْ أَلْفَ حَسَنَةٍ» . وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ ذَلِكَ الْمُهَاجِرُونَ خَاصَّةً دُونَ أَهْلِ الْبَوَادِي وَالْأَعْرَابِ.
وَاعْتَلُّوا فِي ذَلِكَ بِمَا:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ هَارُونَ أَبُو نَشِيطٍ , قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْرٍ , قَالَ: ثنا فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ , عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ , قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَعْرَابِ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] قَالَ: " فَقَالَ رَجُلٌ: فَمَا لِلْمُهَاجِرِينَ؟ قَالَ: " مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40] وَإِذَا قَالَ اللَّهُ لِشَيْءٍ عَظِيمٌ فَهُوَ عَظِيمٌ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِهَذِهِ الْآيَةِ الْمُهَاجِرِينَ دُونَ الْأَعْرَابِ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ فِي أَخْبَارِ اللَّهِ أَوْ أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْءٌ يَدْفَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا , فَإِذَا كَانَ صَحِيحًا وَعَدَ اللَّهُ مَنْ جَاءَ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحَسَنَةِ مِنَ الْجَزَاءِ عَشْرَ أَمْثَالِهَا , وَمَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ مِنْهُمْ أَنْ يُضَاعِفَهَا لَهُ , وَكَانَ الْخَبَرَانِ اللَّذَانِ ذَكَرْنَاهُمَا عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَحِيحَيْنِ , كَانَ غَيْرَ جَائِزٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُجْمَلًا وَالْآخَرُ مُفَسَّرًا , إِذْ كَانَتْ أَخْبَارُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ صَحَّ أَنَّ خَبَرَ أَبِي هُرَيْرَةَ مَعْنَاهُ: إِنَّ الْحَسَنَةَ لَتُضَاعَفُ لِلْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ أَلْفَيْ أَلْفَ حَسَنَةٍ , وَلِلْأَعْرَابِ مِنْهُمْ عَشْرُ أَمْثَالِهَا , عَلَى
مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160] يَعْنِي: " مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ مِنْ أَعْرَابِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا , وَمَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ مِنْ مُهَاجِرِيهِمْ يُضَاعَفْ لَهُ , وَيُؤْتِهِ اللَّهُ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا , يَعْنِي: يُعْطِهِ مِنْ عِنْدِهِ أَجْرًا عَظِيمًا , يَعْنِي: عِوَضًا مِنْ حَسَنَتِهِ عَظِيمًا.
وَذَلِكَ الْعِوَضُ الْعَظِيمُ: الْجَنَّةُ؛ كَمَا: