الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: 119] «إِذَا لَقُوا الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا آمَنَّا لَيْسَ بِهِمْ إِلَّا مَخَافَةً عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَصَانَعُوهُمْ بِذَلِكَ» ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: 119] يَقُولُ: «مِمَّا يَجِدُونَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الْغَيْظِ وَالْكَرَاهَةِ لِمَا هُمْ عَلَيْهِ لَوْ يَجِدُونَ رِيحًا لَكَانُوا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، فَهُمْ كَمَا نَعَتَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، بِمِثْلِهِ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «مِنَ الْغَيْظِ لِكَرَاهَتِهِمُ الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ» وَلَمْ يَقُلْ: " لَوْ يَجِدُونَ رِيحًا وَمَا بَعْدَهُ
حَدَّثَنَا عَبَّاسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا مُسْلِمٌ، قَالَ: ثني يَحْيَى بْنُ عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ الْنُكْرِيُّ، قَالَ: ثنا أَبِي، قَالَ: كَانَ أَبُو الْجَوْزَاءِ إِذَا تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: 119] قَالَ: «هُمُ الْإِبَاضِيَّةُ»
وَالْأَنَامِلُ: جَمْعُ أُنْمُلَةٍ، وَيُقَالُ أَنْمُلَةٌ، وَرُبَّمَا جُمِعَتْ أَنْمُلًا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] أَوَدُّكُمَا مَا بَلَّ حَلْقِيَ رِيقَتِي ... وَمَا حَمَلَتْ كَفَّايَ أَنْمُلِيَ الْعَشْرَا وَهِيَ أَطْرَافُ الْأَصَابِعِ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، " الْأَنَامِلُ: أَطْرَافُ الْأَصَابِعِ " حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، بِمِثْلِهِ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ «الْأَصَابِعَ»
حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، قَوْلُهُ: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [آل عمران: 119] قَالَ: «عَضُّوا عَلَى أَصَابِعِهِمْ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران: 119] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ وَصَفْتُ لَكَ صِفَتَهُمْ، وَأَخْبَرْتُكَ أَنَّهُمْ إِذَا لَقُوا أَصْحَابَكَ، قَالُوا آمَنَّا، وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ: مُوتُوا بِغَيْظِكُمُ الَّذِي بِكُمْ عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ، لِاجْتِمَاعِ كَلِمَتِهِمْ، وَائْتِلَافِ جَمَاعَتِهِمْ.
وَخَرَجَ هَذَا الْكَلَامُ مَخْرَجَ الْأَمْرِ، وَهُوَ دُعَاءٌ مِنَ اللَّهِ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِمْ بِأَنْ يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ كَمَدًا مِمَّا بِهِمْ مِنَ الْغَيْظِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، قَبْلَ أَنْ يَرَوْا فِيهِمْ مَا يَتَمَنَّوْنَ لَهُمْ مِنَ الْعَنَتِ فِي دِينِهِمْ، وَالضَّلَالَةِ بَعْدَ هَدَاهُمْ، فَقَالَ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ: اهْلَكُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٍ بِذَاتِ الصُّدُورِ، يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ ذُو عِلْمٍ بِالَّذِي فِي صُدُورِ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ إِذَا لَقُوا الْمُؤْمِنِينَ، قَالُوا: آمَنَّا، وَمَا يَنْطَوُونَ لَهُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْغِلِّ وَالْغَمِّ، وَيَعْتَقِدُونَ لَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ، وَبِمَا فِي صُدُورِ جَمِيعِ خَلْقِهِ، حَافِظٌ عَلَى جَمِيعِهِمْ مَا هُوَ عَلَيْهِ مُنْطَوٍ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، حَتَّى يُجَازَى جَمِيعُهُمْ عَلَى مَا قَدَّمَ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَاعْتَقَدَ مِنْ إِيمَانٍ وَكُفْرٍ، وَانْطَوَى عَلَيْهِ لِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ نَصِيحَةٍ أَوْ غِلٍّ وَغَمْرٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: 120] يَعْنِي بِقَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [آل عمران: 120] إِنْ تَنَالُوا أَيُّهَا
الْمُؤْمِنُونَ سُرُورًا بِظُهُورِكُمْ عَلَى عَدُوِّكُمْ، وَتَتَابُعِ النَّاسِ فِي الدُّخُولِ فِي دِينِكُمْ، وَتَصْدِيقِ نَبِيِّكُمْ، وَمُعَاوَنَتِكُمْ عَلَى أَعْدَائِكُمْ، يَسُؤْهُمْ.
وَإِنْ تَنَلْكُمْ مَسَاءَةٌ بِإِخْفَاقِ سَرِيَّةٍ لَكُمْ، أَوْ بِإِصَابَةِ عَدُوٍّ لَكُمْ مِنْكُمْ، أَوِ اخْتِلَافٍ يَكُونُ بَيْنَ جَمَاعَتِكُمْ يَفْرَحُوا بِهَا
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: 120] ، «فَإِذَا رَأَوْا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أُلْفَةً وَجَمَاعَةً وَظُهُورًا عَلَى عَدُوِّهِمْ، غَاظَهُمْ ذَلِكَ وَسَاءَهُمْ، وَإِذَا رَأَوْا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فُرْقَةً وَاخْتِلَافًا أَوْ أُصِيبَ طَرَفٌ مِنْ أَطْرَافِ الْمُسْلِمِينَ سَرَّهُمْ ذَلِكَ وَأُعْجِبُوا بِهِ وَابْتَهَجُوا بِهِ، فَهُمْ كُلَّمَا خَرَجَ مِنْهُمْ قَرْنٌ أَكْذَبَ اللَّهُ أُحْدُوثَتَهُ وَأَوْطَأَ مَحِلَّتَهُ، وَأَبْطَلَ حُجَّتَهُ، وَأَظْهَرَ عَوْرَتَهُ، فَذَاكَ قَضَاءُ اللَّهِ فِيمَنْ مَضَى مِنْهُمْ وَفِيمَنْ بَقِيَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ [آل عمران: 120] قَالَ: «هُمُ الْمُنَافِقُونَ إِذَا رَأَوْا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ جَمَاعَةٌ وَظُهُورًا عَلَى عَدُوِّهِمْ، غَاظَهُمْ ذَلِكَ غَيْظًا شَدِيدًا وَسَاءَهُمْ، وَإِذَا رَأَوْا مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فُرْقَةً وَاخْتِلَافًا، أَوْ أُصِيبَ طَرَفٌ مِنْ أَطْرَافِ الْمُسْلِمِينَ، سَرَّهُمْ ذَلِكَ وَأُعْجِبُوا بِهِ» قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: 120]
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [آل عمران: 120] قَالَ: إِذَا رَأَوْا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ جَمَاعَةً وَأُلْفَةً سَاءَهُمْ ذَلِكَ، وَإِذَا رَأَوْا مِنْهُمْ فُرْقَةً وَاخْتِلَافًا فَرِحُوا " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 120] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَإِنْ تَصْبِرُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَاتِّبَاعِ أَمْرِهِ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَاجْتِنَابِ مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ، مِنَ اتِّخَاذِ بِطَانَةٍ لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُودِ الَّذِينَ وَصَفَ اللَّهُ صِفَتَهُمْ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ مَا نَهَاكُمْ، وَتَتَّقُوا رَبَّكُمْ، فَتَخَافُوا التَّقَدُّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ فِيمَا أَلْزَمَكُمْ، وَأَوْجَبَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَقِّهِ وَحَقِّ رَسُولِهِ، لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا: أَيْ كَيَدُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ وَصَفَ صِفَتَهُمْ.
وَيَعْنِي بِكَيْدِهِمْ غَوَائِلَهُمُ الَّتِي يَبْتَغُونَهَا لِلْمُسْلِمِينَ وَمَكْرَهُمْ بِهِمْ لِيَصُدُّوهُمْ عَنِ الْهُدَى وَسَبِيلِ الْحَقِّ.
وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ [آل عمران: 120] فَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَبَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: (لَا يَضِرْكُمْ) مُخَفَّفَةً بِكَسْرِ الضَّادِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: ضَارَنِي فُلَانٌ فَهُوَ يُضِيرُنِي ضَيْرًا، وَقَدْ حُكِيَ سَمَاعًا مِنَ الْعَرَبِ: مَا يَنْفَعُنِي وَلَا يَضُورُنِي، فَلَوْ كَانَتْ قُرِئَتْ عَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ لَقِيلَ: لَا يَضِرْكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا، وَلَكِنِّي لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَرَأَ بِهِ،
وَقَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْكُوفَةِ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 120] بِضَمِّ الضَّادِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: ضَرَّنِي فُلَانٌ فَهُوَ يَضُرُّنِي ضَرًّا.
وَأَمَّا الرَّفْعُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ [آل عمران: 120] فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا عَلَى اتِّبَاعُ الرَّاءِ فِي حَرَكَتِهَا، إِذْ كَانَ الْأَصْلُ فِيهَا الْجَزْمُ، وَلَمْ يُمْكِنْ جَزْمُهَا لِتَشْدِيدِهَا أَقْرَبَ حَرَكَاتِ الْحُرُوفِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَذَلِكَ حَرَكَةُ الضَّادِ، وَهِيَ الضَّمَّةُ، فَأُلْحِقَتْ بِهَا حَرَكَةُ الرَّاءِ لِقُرْبِهَا مِنْهَا، كَمَا قَالُوا: مُدَّ يَا هَذَا، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ مِنْ وَجْهَيِ الرَّفْعِ فِي ذَلِكَ: أَنْ تَكُونَ مَرْفُوعَةً عَلَى صِحَّةٍ، وَتَكُونُ «لَا» بِمَعْنَى «لَيْسَ» ، وَتَكُونُ الْفَاءُ الَّتِي هِيَ جَوَّابُ الْجَزَاءِ مَتْرُوكَةً لَعِلْمِ السَّامِعِ بِمَوْضِعِهَا، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ، كَانَ تَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَلَيْسَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا، ثُمَّ تُرِكَتِ الْفَاءُ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾ [آل عمران: 120] وَوُجِّهَتْ «لَا» إِلَى مَعْنَى «لَيْسَ» ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
فَإِنْ كَانَ لَا يُرْضِيكَ حَتَّى تَرُدَّنِي ... إِلَى قَطَرِيٍّ لَا إِخَالُكَ رَاضِيَا
وَلَوْ كَانَتِ الرَّاءُ مُحَرَّكَةً إِلَى النَّصَبِ وَالْخَفْضِ كَانَ جَائِزًا، كَمَا قِيلَ: مُدَّ يَا هَذَا، وَمَدِّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: 120] يَقُولُ جَلَّ ثناؤُهُ: إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارُ فِي عِبَادِهِ وَبِلَادِهِ مِنَ الْفَسَادِ وَالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِهِ
وَالْعَدَاوَةِ لِأَهْلِ دِينِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ مُحِيطٌ بِجَمِيعِهِ، حَافِظٌ لَهُ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْهُ، حَتَّى يُوَفِّيَهُمْ جَزَاءَهُمْ عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ وَيُذِيقَهُمْ عُقُوبَتَهُ عَلَيْهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتُ مِنْ أَهْلِكِ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 121] يَعْنِي جَلَّ ثناؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 121] وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ كَيَدُ هَؤُلَاءِ الْكُفَّارِ مِنَ الْيَهُودِ شَيْئًا، وَلَكِنَّ اللَّهَ يَنْصُرُكُمْ عَلَيْهِمْ إِنْ صَبَرْتُمْ عَلَى
طَاعَتِي، وَاتِّبَاعِ أَمْرِ رَسُولِي، كَمَا نَصَرْتُكُمْ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ، وَإِنْ أَنْتُمْ خَالَفْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَمْرِي، وَلَمْ تَصْبِرُوا عَلَى مَا كَلَّفْتُكُمْ مِنْ فَرَائِضِي، وَلَمْ تَتَّقُوا مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ، وَخَالَفْتُمْ أَمْرِي، وَأَمْرَ رَسُولِي، فَإِنَّهُ نَازِلٌ بِكُمْ مَا نَزَلَ بِكُمْ بِأُحُدٍ، وَاذْكُرُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ إِذْ غَدَا نَبِيُّكُمْ يُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ؛ فَتُرِكَ ذِكْرُ الْخَبَرِ عَنْ أَمْرِ الْقَوْمِ إِنْ لَمْ يَصْبِرُوا عَلَى أَمْرِ رَبِّهِمْ وَلَمْ يَتَّقُوهُ اكْتِفَاءً بِدَلَالَةُ مَا ظَهَرَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى مَعْنَاهُ، إِذْ ذَكَرَ مَا هُوَ فَاعِلٌ بِهِمْ مِنْ صَرْفِ كَيَدِ أَعْدَائِهِمْ عَنْهُمْ، إِنْ صَبَرُوا عَلَى أَمْرِهِ، وَاتَّقُوا مَحَارِمَهُ، وَتَعْقِيبُهُ ذَلِكَ بِتَذْكِيرِهِمْ مَا حَلَّ بِهِمْ مِنَ الْبَلَاءِ بِأُحُدٍ، إِذْ خَالَفَ بَعْضُهُمْ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتَنَازَعُوا الرَّأْيَ بَيْنَهُمْ.
وَأُخْرِجَ الْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكِ﴾ [آل عمران: 121] عَلَى وَجْهِ الْخِطَابِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْمُرَادُ بِمَعْنَاهُ الَّذِينَ نَهَاهُمْ أَنْ يَتَّخِذَ الْكُفَّارَ مِنَ الْيَهُودِ بِطَانَةً مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ بَيَّنَ إِذًا أَنَّ قَوْلَهُ: «وَإِذْ» إِنَّمَا جَرَّهَا فِي مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنْتُ وَأَوْضَحْتُ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي عَنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: 121] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: 121] قَالَ: «مَشَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ عَلَى رِجْلَيْهِ يُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: 121] «ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ، غَدَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِهِ إِلَى أُحُدٍ يُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ»
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: 121] «فَغَدَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِهِ إِلَى أُحُدٍ يُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: 121] «فَهُوَ يَوْمُ أُحُدٍ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 121] قَالَ: «هُنَا يَوْمَ أُحُدٍ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: «مِمَّا نَزَلَ فِي يَوْمِ أُحُدٍ» : ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 121] وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِذَلِكَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ الْقَزَّازُ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: ثنا عَبَّادٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ [آل عمران: 121] قَالَ: يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَدَا يُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ يَوْمَ الْأَحْزَابِ " وَأَوْلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: 122] وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ التَّأْوِيلِ أَنَّهُ عَنَى بِالطَّائِفَتَيْنِ بَنِي سَلَمَةَ وَبَنِي حَارِثَةَ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ السِّيَرِ وَالْمَعْرِفَةِ بِمَغَازِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الَّذِيَ ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ أَمْرِهِمَا إِنَّمَا كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ دُونَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: وَكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا رَاحَ إِلَى أُحُدٍ مِنْ أَهْلِهِ لِلْقِتَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ مَا صَلَّى الْجُمُعَةَ فِي أَهْلِهِ بِالْمَدِينَةِ بِالنَّاسِ
كَالَّذِي: حَدَّثَكُمُ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَالْحُصَيْنِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَائِنَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَاحَ حِينَ صَلَّى الْجُمُعَةَ إِلَى أُحُدٍ، دَخَلَ فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ، وَقَدْ مَاتَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: «مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ» قِيلَ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ خُرُوجُهُ لِلْقَوْمِ كَانَ رَواحًا فَلَمْ يَكُنْ تَبْوِئَتُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَهُمْ لِلْقِتَالِ عِنْدَ خُرُوجِهِ، بَلْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ خُرُوجِهِ لِقِتَالِ عَدُوِّهِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ نَزَلُوا مَنْزِلَهُمْ مِنْ أُحُدٍ فِيمَا بَلَغَنَا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، فَأَقَامُوا بِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ، حَتَّى رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ مَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ الْجُمُعَةَ، فَأَصْبَحَ بِالشِّعْبِ مِنْ أُحُدٍ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالٍ حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَالْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُمْ.
فَإِنْ قَالَ: وَكَيْفَ كَانَتْ تَبْوِئَتُهُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ غَدَوْا قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ التَّبْوِئَةَ اتِّخَاذُ الْمَوْضِعِ؟ قِيلَ: كَانَتْ تَبْوِئَتُهُ إِيَّاهُمْ ذَلِكَ قَبْلَ مُنَاهَضَتِهِ عَدُوَّهُ عِنْدَ مَشُورَتِهِ عَلَى أَصْحَابِهِ بِالرَّأْي الَّذِي رَآهُ لَهُمْ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سَمِعَ بِنُزُولِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهَا أُحُدًا
قَالَ فِيمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، لِأَصْحَابِهِ: «أَشِيرُوا عَلَيَّ مَا أَصْنَعُ؟» فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ اخْرُجْ إِلَى هَذِهِ الْأَكْلُبِ، فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا غَلَبَنَا عَدُوٌّ لَنَا أَتَانَا فِي دِيَارِنَا، فَكَيْفَ وَأَنْتَ فِينَا؟ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، وَلَمْ يَدْعُهُ قَطُّ قَبْلَهَا، فَاسْتَشَارَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اخْرُجْ بِنَا إِلَى هَذِهِ الْأَكْلُبِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْجِبُهُ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْهِ الْمَدِينَةَ، فَيُقَاتَلُوا فِي الْأَزِقَّةِ، فَأَتَاهُ النُّعْمَانُ بْنُ مَالِكٍ الْأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَا تَحْرِمْنِي الْجَنَّةَ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَأَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ فَقَالَ لَهُ: «بِمَ؟» قَالَ: بِأَنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنِّي لَا أَفِرُّ مِنَ الزَّحْفِ، قَالَ: «صَدَقْتَ» فَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا بِدِرْعِهِ فَلَبِسَهَا، فَلَمَّا رَأَوْهُ وَقَدْ لَبِسَ السِّلَاحَ، نَدِمُوا، وَقَالُوا: بِئْسَمَا صَنَعْنَا نُشِيرُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْوَحْي يَأْتِيِهِ، فَقَامُوا وَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ، وَقَالُوا: اصْنَعْ مَا رَأَيْتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَلْبَسَ لَأْمَتَهُ فَيَضَعَهَا حَتَّى يُقَاتِلَ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثني ابْنُ
شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَالْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَائِنَا قَالُوا: " لَمَّا سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ بِالْمُشْرِكِينَ قَدْ نَزَلُوا مَنْزِلَهُمْ مِنْ أُحُدٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ بَقَرًا فَأَوَّلْتُهَا خَيْرًا، وَرَأَيْتُ فِيَ ذُبَابِ سَيْفِي ثَلْمًا، وَرَأَيْتُ أَنِّي أَدْخَلْتُ يَدِي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ فَإِنْ رَأَيْتُمْ إِذْ تُقِيمُوا بِالْمَدِينَةِ وَتَدَعُوهُمْ حَيْثُ نَزَلُوا، فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرِّ مُقَامٍ، وَإِنْ هُمْ دَخَلُوا عَلَيْنَا قَاتَلْنَاهُمْ فِيهَا» ، وَكَانَ رَأْي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ مَعَ رَأْي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَرَى رَأْيَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَخْرُجَ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكْرَهُ الْخُرُوجَ مِنَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ أَكْرَمَ اللَّهُ بِالشَّهَادَةِ يَوْمَ أُحُدٍ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ كَانَ فَاتَهُ بَدْرٌ وَحَضَرُوهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اخْرُجْ بِنَا إِلَى أَعْدَائِنَا لَا يَرَوْنَ أَنَّا جَبُنَّا عَنْهُمْ وَضَعُفْنَا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِمْ بِالْمَدِينَةِ لَا تَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَوَاللَّهِ مَا خَرَجْنَا مِنْهَا إِلَى عَدُوٍّ لَنَا قَطُّ إِلَّا أَصَابَ مِنَّا، وَلَا دَخَلَهَا عَلَيْنَا قَطُّ إِلَّا أَصَبْنَا مِنْهُ فَدَعْهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرِّ مَحْبِسٍ، وَإِنْ دَخَلُوا قَاتَلهُمُ الرِّجَالُ فِي وُجُوهِهِمْ، وَرَمَاهُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ بِالْحِجَارَةِ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَإِنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خَائِبِينَ كَمَا جَاءُوا، فَلَمْ يَزَلِ النَّاسُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ حُبُّ لِقَاءِ الْقَوْمِ حَتَّى دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَبِسَ لَأْمَتِهِ " فَكَانَتْ تَبْوِئَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ، مَا ذَكَرْنَا مِنْ
مَشُورَتِهِ عَلَى أَصْحَابِهِ بِالرَّأْيِ الَّذِي ذَكَرْنَا عَلَى مَا وَصَفَهُ الَّذِينَ حَكَيْنَا قَوْلَهُمْ؛ يُقَالُ مِنْهُ: بَوَّأْتُ الْقَوْمَ مَنْزِلًا وَبَوَّأْتُهُ لَهُمْ فَأَنَا أُبَوِّئُهُمُ الْمَنْزِلَ تَبْوِئَةً، وَأُبَوِّئُ لَهُمْ مَنْزِلًا تَبْوِئَةً، وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ فِيَ قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ» وَذَلِكَ جَائِزٌ، كَمَا يُقَالُ: رَدِفَكَ وَرَدِفَ لَكَ، ونَقَدْتُ لَهَا صَدَاقَهَا وَنَقَدْتُهَا، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر البسيط]
أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَهُ ... رَبَّ الْعِبَادِ إِلَيْهِ الْوَجْهُ وَالْعَمَلُ
وَالْكَلَامُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِذَنْبٍ، وَقَدْ حُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا: أَبَأْتُ الْقَوْمَ مَنْزِلًا فَأَنَا أُبِيئُهُمْ إِبَاءَةً، وَيُقَالُ مِنْهُ: أَبَأْتُ الْإِبِلَ: إِذَا رَدَدْتُهَا إِلَى الْمَبَاءَةِ، وَالْمَبَاءَةُ: الْمُرَاحُ الَّذِي تَبِيتُ فِيهِ، وَالْمَقَاعِدُ جَمْعُ مَقْعَدٍ وَهُوَ الْمَجْلِسُ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَاذْكُرْ إِذْ غَدَوْتَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ أَهْلِكَ تَتَّخِذُ لِلْمُؤْمِنِينَ مُعَسْكَرًا وَمَوْضِعًا لِقِتَالِ عَدُوِّهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 121] يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ سَمِيعٌ لِمَا يَقُولُ الْمُؤْمِنُونَ لَكَ، فِيمَا شَاوَرْتَهُمْ فِيهِ مِنْ مَوْضِعِ لِقَائِكَ وَلِقَائِهِمْ عَدُوَّكَ وَعَدُوَّهُمْ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ: اخْرُجْ بِنَا إِلَيْهِمْ حَتَّى نَلْقَاهُمْ خَارِجَ الْمَدِينَةِ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ لَكَ: لَا تَخْرُجْ إِلَيْهِمْ وَأَقِمْ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى يَدْخُلُوهَا عَلَيْنَا، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ، وَمِمَّا تُشِيرَ بِهِ عَلَيْهِمْ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ، عَلِيمٌ بِأَصْلَحِ تِلْكَ الْآرَاءِ لَكَ وَلَهُمْ، وَبِمَا تُخْفِيهِ صُدُورُ
الْمُشِيرِينَ عَلَيْكَ بِالْخُرُوجِ إِلَى عَدُوِّكَ، وَصُدُورُ الْمُشِيرِينَ عَلَيْكَ بِالْمُقَامِ فِي الْمَدِينَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِكَ وَأُمُورِهِمْ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 224] «أَيْ سَمِيعٌ لِمَا يَقُولُونَ، عَلِيمٌ بِمَا يُخْفُونَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: 122] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ حِينَ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا، وَالطَّائِفَتَانِ اللَّتَانِ هَمَّتَا بِالْفَشَلِ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُمْ بَنُو سَلَمَةَ وَبَنُو حَارِثَةَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: 122] قَالَ: «بَنُو حَارِثَةَ كَانُوا نَحْوَ أُحُدٍ، وَبَنُو سَلَمَةَ نَحْوَ سَلْعٍ، وَذَلِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ فِيمَا مَضَى بِمَا فِيهِ الْكِفَايَةُ عَنْ إِعَادَتِهِ
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: 122] الْآيَةَ، وَذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَالطَّائِفَتَانِ: بَنُو سَلَمَةَ، وَبَنُو
حَارِثَةَ، حَيَّانِ مِنَ الْأَنْصَارِ، هَمُّوا بِأَمْرٍ، فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ " قَالَ قَتَادَةُ: وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالُوا: مَا يَسُرُّنَا أَنَّا لَمْ نَهُمَّ بِالَّذِي هَمَمْنَا بِهِ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا اللَّهُ أَنَّهُ وَلِيُّنَا
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: 122] الْآيَةَ " وَذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَالطَّائِفَتَانِ: بَنُو سَلَمَةَ، وَبَنُو حَارِثَةَ، حَيَّانِ مِنَ الْأَنْصَارِ " فَذَكَرَ مِثْلَ قَوْلِ قَتَادَةَ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنْ السُّدِّيِّ، قَالَ: " خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أُحُدٍ فِي أَلْفِ رَجُلٍ، وَقَدْ وَعَدَهُمُ الْفَتْحَ إِنْ صَبَرُوا؛ فَلَمَّا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ فِي ثَلاَثِمِائَةٍ، فَتَبِعَهُمْ أَبُو جَابِرٍ السَّلِمِيُّ يَدْعُوهُمْ، فَلَمَّا غَلَبُوهُ وَقَالُوا لَهُ: مَا نَعْلَمُ قِتَالًا، وَلَئِنْ أَطَعْتَنَا لَتَرْجِعَنَّ مَعَنَا "، وَقَالَ: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: 122] «وَهُمْ بَنُو سَلَمَةَ، وَبَنُو حَارِثَةَ، هَمُّوا بِالرُّجُوعِ حِينَ رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، فَعَصَمَهُمُ اللَّهُ، وَبَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبْعِمِائَةٍ»