الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيُّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97] يَقُولُ: «مَنْ كَفَرَ بِالْحَجِّ، فَلَمْ يَرَ حَجَّهُ بِرًّا، وَلَا تَرْكَهُ مَأْثَمًا» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَمَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيُّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97] " مَا هَذَا الْكُفْرُ؟ قَالَ: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ "
حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: 126] قَالَ «مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عَنِ
الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97] قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الْحَجِّ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ الْأَدْيَانِ كُلِّهِمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا» فَآمَنَتْ بِهِ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَهِيَ مَنْ صَدَّقَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآمَنَ بِهِ، وَكَفَرَتْ بِهِ خَمْسُ مِلَلٍ، قَالُوا: لَا نُؤْمِنُ بِهِ، وَلَا نُصَلِّي إِلَيْهِ، وَلَا نَسْتَقْبِلُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيُّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97]
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثنا أَبُو هَانِئٍ، قَالَ: سُئِلَ عَامِرٌ، عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: 126] قَالَ: «مَنْ كَفَرَ مِنَ الْخَلْقِ، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيُّ عَنْهُ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: 126] قَالَ: «مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [آل عمران: 85] " فَقَالَتِ الْمِلَلُ: نَحْنُ مُسْلِمُونَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيُّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97] «فَحَجَّ الْمُؤْمِنُونَ، وَقَعَدَ الْكُفَّارُ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَمَنْ كَفَرَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيُّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97] فَقَرَأَ ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: 96] فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ﴾ [آل عمران: 97] قَالَ: «مَنْ كَفَرَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ» ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيُّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97] " لَيْسَ كَمَا يَقُولُونَ: إِذَا لَمْ يَحُجَّ وَكَانَ غَنِيًّا وَكَانَتْ لَهُ قُوَّةٌ فَقَدْ كَفَرَ بِهَا.
وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ: فَإِنَّا نَكْفُرُ بِهَا وَلَا نَفْعَلُ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيُّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97]
وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو عُمَرَ الضَّرِيرُ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي بَقِيَّةَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيُّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97] قَالَ: «مَنْ كَفَرَ بِالْبَيْتِ» وَقَالَ آخَرُونَ: كُفْرُهُ بِهِ: تَرْكُهُ إِيَّاهُ حَتَّى يَمُوتَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثني أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ
السُّدِّيِّ «أَمَّا مَنْ كَفَرَ فَمَنْ وَجَدَ مَا يَحُجُّ بِهِ ثُمَّ لَا يَحُجُّ، فَهُوَ كَافِرٌ» وَأَوْلَى التَّأْوِيلَاتِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: 126] وَمَنْ جَحَدَ فَرْضَ ذَلِكَ وَأَنْكَرَ وُجُوبَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيُّ عَنْهُ وَعَنْ حَجِّهِ وَعَنِ الْعَالَمِينَ جَمِيعًا.
وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: 126] يَعْقُبُ قَوْلَهُ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: 97] بِأَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنِ الْكَافِرِ بِالْحَجِّ أَحَقُّ مِنْهُ بِأَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ غَيْرِهِ، مَعَ أَنَّ الْكَافِرَ بِفَرْضِ الْحَجِّ عَلَى مَنْ فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِاللَّهِ كَافِرٌ، وَإِنَّ الْكُفْرَ أَصْلُهُ الْجُحُودُ، وَمَنْ كَانَ لَهُ جَاحِدًا وَلِفَرْضِهِ مُنْكِرًا، فَلَا شَكَّ إِنْ حَجَّ لَمْ يَرْجُ بِحَجِّهِ بِرًّا، وَإِنْ تَرَكَهُ فَلَمْ يَحُجَّ لَمْ يَرَهُ مَأْثَمًا، فَهَذِهِ التَّأْوِيلَاتُ وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْعِبَارَاتُ بِهَا فَمُتَقَارِبَاتُ الْمَعَانِي
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: 98] يَعْنِي بِذَلِكَ: يَا مَعْشَرَ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ سَائِرِ مَنْ يَنْتَحِلِ الدِّيَانَةَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ كُتُبِهِ، مِمَّنْ كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَحَدَ نُبُوَّتَهُ؛ لِمَ تَجْحَدُونَ بِآيَاتِ
اللَّهِ؟ يَقُولُ: لِمَ تَجْحَدُونَ حُجَجَ اللَّهِ الَّتِي آتَاهَا مُحَمَّدًا فِي كُتُبِكُمْ وَغَيْرِهَا الَّتِي قَدْ ثَبَتَتْ عَلَيْكُمْ بِصِدْقِهِ وَنُبُوَّتِهِ وُحَجَّتِهِ، «وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ» يَقُولُ: لِمَ تَجْحَدُونَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ، وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ صِدْقَهُ، فَأَخْبَرَ جَلَّ ثناؤُهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ
مُعْتَمِدُونَ الْكُفْرَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، عَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ وَمَعْرِفَةٍ مِنْ كُفْرِهِمْ
وَقَدْ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 70] " أَمَّا آيَاتُ اللَّهِ: فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: ثنا عَبَّادٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: 98] قَالَ: «هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: 99] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: يَا مَعْشَرَ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يَنْتَحِلُ التَّصْدِيقَ بِكُتُبِ اللَّهِ، ﴿لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 99] يَقُولُ: لِمَ تَضِلُّونَ عَنْ طَرِيقِ
اللَّهِ وَمَحَجَّتِهِ الَّتِي شَرَّعَهَا لِأَنْبِيَائِهِ وَأَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ الْإِيمَانِ ﴿مَنْ آمَنَ﴾ [البقرة: 62] يَقُولُ: مَنْ صَدَّقَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [آل عمران: 99] يَعْنِي تَبْغُونَ لَهَا عِوَجًا، وَالْهَاءُ وَالْأَلِفُ اللَّتَانِ فِي قَوْلِهِ: ﴿تَبْغُونَهَا﴾ [آل عمران: 99] عَائِدَتَانِ عَلَى السَّبِيلِ، وَأَنَّثَهَا لِتَأْنِيثِ السَّبِيلِ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ: تَبْغُونَ لَهَا عِوَجًا، مِنْ قَوْلِ الشَّاعِرِ وَهُوَ سُحَيْمٌ عَبْدُ بَنِي الْحَسْحَاسِ:
[البحر الطويل]
بَغَاكَ وَمَا تَبْغِيهِ حَتَّى وَجَدْتَهُ ... كَأَنَّكَ قَدْ وَاعَدْتَهُ أَمْسِ مَوْعِدَا
يَعْنِي طَلَبَكَ وَمَا تَطْلُبُهُ، يُقَالُ: أَبْغِنِي كَذَا؛ يُرَادُ: ابْتَغِهِ لِي، فَإِذَا أَرَادُوا: أَعِنِّي عَلَى طَلَبِهِ، وَابْتَغِهِ مَعِي قَالُوا: أَبْغِنِي بِفَتْحِ الْأَلْفِ، وَكَذَلِكَ يُقَالُ: أَحْلِبْنِي، بِمَعْنَى: اكْفِنِي الْحَلْبَ وَأَحْلِبْنِي: أَعِنِّي عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا وَرَدَ مِنْ هَذَا النَّوْعِ فَعَلَى هَذَا.
وَأَمَّا الْعِوَجُ: فَهُوَ الْأَوَدُ وَالْمَيْلُ، وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ الضَّلَالَ عَنِ الْهُدَى يَقُولُ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿لِمَ تَصُدُّونَ﴾ [آل عمران: 99] عَنْ دِينِ اللَّهِ مَنْ صَدَقَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، تَبْغُونَ دِينَ اللَّهِ اعْوِجَاجًا عَنْ سُنَنِهِ وَاسْتِقَامَتِهِ وَخَرَجَ الْكَلَامُ عَلَى السَّبِيلِ، وَالْمَعْنَى لِأَهْلِهِ، كَأَنَّ الْمَعْنَى: تَبْغُونَ لِأَهْلِ دِينِ اللَّهِ، وَلِمَنْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْحَقِّ عِوَجًا، يَقُولُ: ضَلَالًا عَنِ الْحَقِّ وَزَيْغًا عَنِ الِاسْتِقَامَةِ عَلَى الْهُدَى وَالْمَحَجَّةِ، وَالْعِوَجُ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ: الْأَوَدُ فِي الدِّينِ وَالْكَلَامِ، وَالْعَوَجُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ: الْمَيْلُ فِي الْحَائِطِ وَالْقَنَاةِ وَكُلِّ شَيْءٍ مُنْتَصِبٍ قَائِمٍ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ﴾ [آل عمران: 99] فَإِنَّهُ يَعْنِي شُهَدَاءَ عَلَى أَنَّ الَّذِيَ تَصُدُّونَ عَنْهُ مِنَ السَّبِيلِ حَقٌّ تَعْلَمُونَهُ وَتَجِدُونَهُ فِي كُتُبِكُمْ ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 74] يَقُولُ: لَيْسَ اللَّهُ بِغَافِلٍ عَنْ أَعْمَالِكُمُ الَّتِي تَعْمَلُونَهَا مِمَّا لَا يَرْضَاهُ لِعِبَادِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ حَتَّى يُعَاجِلَكُمْ بِالْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا مُعَجَّلَةً، أَوْ يُؤَخِّرَ ذَلِكَ لَكُمْ، حَتَّى تَلْقَوْهُ، فَيُجَازِيكُمْ عَلَيْهَا.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ
اللَّهِ} [آل عمران: 70] وَالْآيَاتِ بَعْدَهُمَا إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105] نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ حَاوَلَ الْإِغْرَاءَ بَيْنَ الْحَيَّيْنِ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، لِيُرَاجِعُوا مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي جَاهِلِيَّتِهِمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ، فَعَنَّفَهُ اللَّهُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ وَقَبَّحَ لَهُ مَا فَعَلَ وَوَبَّخَهُ عَلَيْهِ، وَوَعَظَ أَيْضًا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَهَاهُمْ عَنِ الِافْتِرَاقِ وَالِاخْتِلَافِ، وَأَمَرَهُمْ بِالِاجْتِمَاعِ وَالِائْتِلَافِ
ذِكْرُ الرِّوَايَةِ بِذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثني الثِّقَةُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، قَالَ: مَرَّ شَاسُ بْنُ قَيْسٍ، وَكَانَ شَيْخًا قَدْ عَسَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، عَظِيمَ الْكُفْرِ، شَدِيدَ الضِّغْنِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ شَدِيدَ الْحَسَدِ لَهُمْ، عَلَى نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ فِي مَجْلِسٍ قَدْ جَمَعَهُمْ يَتَحَدَّثُونَ فِيهِ.
فَغَاظَهُ مَا رَأَى مِنْ جَمَاعَتِهِمْ وَأَلَقَتِهِمْ وَصَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ بَعْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: قَدِ اجْتَمَعَ مَلَأُ بَنِي قَيْلَةَ بِهَذِهِ الْبِلَادِ، وَاللَّهِ مَا لَنَا مَعَهُمْ إِذَا اجْتَمَعَ مَلَؤُهُمْ بِهَا مِنْ قَرَارِ فَأَمَرَ فَتًى شَابًّا مِنَ الْيَهُودِ وَكَانَ مَعَهُ، فَقَالَ: اعْمِدْ إِلَيْهِمْ، فَاجْلِسْ مَعَهُمْ وَذَكِّرْهُمْ يَوْمَ بُعَاثٍ وَمَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنْشِدْهُمْ بَعْضَ مَا كَانُوا تَقَاوَلُوا فِيهِ مِنَ الْأَشْعَارِ.
وَكَانَ يَوْمُ بُعَاثٍ يَوْمًا اقْتَتَلَتْ
فِيهِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، وَكَانَ الظُّفُرُ فِيهِ لِلْأَوْسِ عَلَى الْخَزْرَجِ، فَفَعَلَ، فَتَكَلَّمَ الْقَوْمُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَتَنَازَعُوا وَتَفَاخَرُوا حَتَّى تَوَاثَبَ رَجُلَانِ مِنَ الْحَيَّيْنِ عَلَى الرُّكَبِ أَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ مِنَ الْأَوْسِ، وَجَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ أَحَدُ بَنِي سَلِمَةَ مِنَ الْخَزْرَجِ، فَتَقَاوَلَا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: إِنْ شِئْتُمْ وَاللَّهِ رَدَدْنَاهَا الْآنَ جَذَعَةً، وَغَضِبَ الْفَرِيقَانِ، وَقَالُوا: قَدْ فَعَلْنَا، السِّلَاحَ السِّلَاحَ، مَوْعِدُكُمُ الظَّاهِرَةُ - وَالظَّاهِرَةُ: الْحَرَّةُ - فَخَرَجُوا إِلَيْهَا وَتَحَاوَرَ النَّاسُ، فَانْضَمَّتِ الْأَوْسُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ وَالْخَزْرَجُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ عَلَى دَعْوَاهُمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ فِيمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى جَاءَهُمْ، فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهَ اللَّهَ، أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ بَعْدَ إِذْ هَدَاكُمُ اللَّهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأْكَرَمُكُمْ بِهِ، وَقَطَعَ بِهِ عَنْكُمْ أَمْرَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَاسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِنَ الْكُفْرِ وَأَلَّفَ بِهِ بَيْنَكُمْ تَرْجِعُونَ إِلَى مَا كُنْتُمْ عَلَيْهِ كُفَّارًا» فَعَرَفَ الْقَوْمُ أَنَّهَا نَزْعَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَكَيْدٌ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَأَلْقَوُا السِّلَاحَ مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَبَكَوْا وَعَانَقَ الرِّجَالُ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَامِعِينَ مُطِيعِينَ، قَدْ أَطْفَأَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَيْدَ عَدُوِّ اللَّهِ شَاسِ بْنِ قَيْسٍ وَمَا صَنَعَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي شَاسِ بْنِ قَيْسٍ وَمَا صَنَعَ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ الْآيَةَ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَوْسِ بْنِ قَيْظِيٍّ وَجَبَّارِ بْنِ
صَخْرٍ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمَا مِنْ قَوْمِهِمَا الَّذِينَ صَنَعُوا مَا صَنَعُوا مِمَّا أَدْخَلَ عَلَيْهِمْ شَاسُ بْنُ 63 قَيْسٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 100] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105] وَقِيلَ: إِنَّهُ عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 99] جَمَاعَةُ يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَ أَظْهُرِ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ وَالنَّصَارَى، وَأَنَّ صَدَّهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ بِإِخْبَارِهِمْ مَنْ سَأَلَهُمْ عَنْ أَمْرِ نَبِيِّ اللَّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، هَلْ يَجِدُونَ ذِكْرَهُ فِي كُتُبِهِمْ أَنَّهُمْ لَا يَجِدُونَ نَعْتَهُ فِي كُتُبِهِمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [آل عمران: 99] " كَانُوا إِذَا سَأَلَهُمْ أَحَدٌ: هَلْ تَجِدُونَ مُحَمَّدًا؟ قَالُوا: لَا، فَصَدُّوا عَنْهُ النَّاسَ، وَبَغَوْا مُحَمَّدًا عِوَجًا: هَلَاكًا "
حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 99] يَقُولُ: «لِمَ تَصُدُّونَ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَعَنْ نَبِيِّ اللَّهِ وَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ؟ وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ فِيمَا تَقْرَءُونَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي لَا يَقْبَلُ غَيْرَهُ وَلَا يَجْزِي إِلَّا بِهِ تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، نَحْوَهُ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: ثنا عَبَّادٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 99] قَالَ: «هُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، نَهَاهُمْ أَنْ يَصُدُّوا الْمُسْلِمِينَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَيُرِيدُونَ أَنْ يَعْدِلُوا النَّاسَ إِلَى الضَّلَالَةِ» فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ مَا قَالَهُ السُّدِّيُّ: يَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَتَمْنَعُونَ مِنَ اتِّبَاعِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِكِتْمَانِكُمْ صِفَتَهُ الَّتِي تَجِدُونَهَا فِي كُتُبِكُمْ، وَمُحَمَّدٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: هُوَ السَّبِيلُ ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [آل عمران: 99] تَبْغُونَ مُحَمَّدًا هَلَاكًا، وَأَمَّا سَائِرُ الرِّوَايَاتِ غَيْرُهُ وَالْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ نَحْوُ التَّأْوِيلِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ
قَبْلُ، مِنْ أَنَّ مَعْنَى السَّبِيلِ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْإِسْلَامُ وَمَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ مِنَ الْحَقِّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 100] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عَنَى بذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَنَى بِقَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: 104] الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، وَبِالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ: شَاسُ بْنُ قَيْسٍ الْيَهُودِيُّ، عَلَى
مَا قَدْ ذَكَرْنَا قَبْلُ مِنْ خَبَرِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: فِيمَنْ عَنَى بِالَّذِينَ آمَنُوا، مِثْلَ قَوْلِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، غَيْرَ أَنَّهُمْ قَالُوا: الَّذِي جَرَى الْكَلَامُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْصَارِ حَتَّى هَمُّوا بِالْقِتَالِ وَوَجَدَ الْيَهُودِيُّ بِهِ مَغْمَزًا فِيهِمْ ثَعْلَبَةُ بْنُ عَنَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 100] قَالَ: «نَزَلَتْ فِي ثَعْلَبَةَ بْنِ عَنَمَةَ الْأَنْصَارِيِّ، كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ مِنَ الْأَنْصَارِ كَلَامٌ، فَمَشَى بَيْنَهُمْ يَهُودِيُّ مِنْ قَيْنُقَاعٍ، فَحَمَلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ حَتَّى هَمَّتِ الطَّائِفَتَانِ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ أَنْ يَحْمِلُوا السِّلَاحَ فَيُقَاتِلُوا» ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكِمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 100] يَقُولُ: «إِنْ حَمَلْتُمُ السِّلَاحَ فَاقْتَتَلْتُمْ كَفَرْتُمْ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: 100] قَالَ: " كَانَ جِمَاعُ قَبَائِلِ الْأَنْصَارِ بَطْنَيْنِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَرْبٌ وَدِمَاءٌ وَشَنَآنُ، حَتَّى مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالْإِسْلَامِ وَبِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَطْفَأَ اللَّهُ الْحَرْبَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ، وَأَلَّفَ بَيْنَهُمْ بِالْإِسْلَامِ قَالَ: فَبَيْنَا رَجُلٌ مِنَ الْأَوْسِ وَرَجُلٌ مِنَ الْخَزْرَجِ قَاعِدَانِ يَتَحَدَّثَانِ، وَمَعَهُمَا يَهُودِيُّ جَالِسٌ، فَلَمْ يَزَلْ يُذَكِّرُهُمَا أَيَّامَهُمَا وَالْعَدَاوَةَ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ، حَتَّى اسْتَبَّا، ثُمَّ اقْتَتَلَا، قَالَ: فَنَادَى هَذَا قَوْمَهُ، وَهَذَا قَوْمَهُ، فَخَرَجُوا بِالسِّلَاحِ، وَصُفَّ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَاهِدٌ يَوْمَئِذٍ بِالْمَدِينَةِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمْ يَزَلْ يَمْشِي بَيْنَهُمْ إِلَى هَؤُلَاءِ وَإِلَى هَؤُلَاءِ لِيُسَكِّنَهُمْ، حَتَّى رَجَعُوا وَوَضَعُوا السِّلَاحَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْقُرْآنَ فِي ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: 100] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 105] " فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَأَقَرُّوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، إِنْ تُطِيعُوا جَمَاعَةً مِمَّنْ يَنْتَحِلُ الْكِتَابَ مِنْ أَهْلِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، فَتَقْبَلُوا
مِنْهُمْ مَا يَأْمُرُونَكُمْ بِهِ، يُضِلُّوكُمْ فَيَرُدُّوكُمْ بَعْدَ تَصْدِيقِكُمْ رَسُولَ رَبِّكُمْ وَبَعْدَ إِقْرَارِكُمْ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّكُمْ كَافِرِينَ؛ يَقُولُ: جَاحِدِينَ لِمَا قَدْ آمَنْتُمْ بِهِ وَصَدَّقْتُمُوهُ مِنَ الْحَقِّ الَّذِي جَاءَكُمْ مِنْ عِنْدِ رَبِّكُمْ، فَنَهَاهُمْ جَلَّ ثناؤُهُ أَنْ يُنْتَصِحُوهُمْ، وَيَقْبَلُوا مِنْهُمْ رَأَيَا أَوْ مَشُورَةً، وَيُعَلِّمُهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُمْ لَهُمْ مُنْطَوُونَ عَلَى غِلٍّ وَغِشٍّ وَحَسَدٍ وَبُغْضٍ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُعَاذٍ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 100] : «قَدْ تَقَدَّمَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ فِيهِمْ كَمَا تَسْمَعُونَ، وَحَذَّرَكُمْ وَأَنْبَأَكُمْ بِضَلَالَتِهِمْ، فَلَا تَأْمَنُوهُمْ عَلَى دِينِكُمْ وَلَا تَنْتَصِحُوهُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّهُمُ الْأَعْدَاءُ الْحَسَدَةُ الضُّلَّالُ، كَيْفَ تَأَتَمِنُونَ قَوْمًا كَفَرُوا بِكِتَابِهِمْ، وَقَتَلُوا رُسُلَهُمْ، وَتَحَيَّرُوا فِي دِينِهِمْ، وَعَجَزُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ؟ أُولَئِكَ وَاللَّهِ هُمْ أَهْلُ التُّهْمَةِ وَالْعَدَاوَةِ» حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، مِثْلَهُ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: 101] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، فَتَرْتَدُّوا عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴿وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 101] يَعْنِي حُجَجَ
اللَّهِ عَلَيْكُمُ الَّتِي أَنْزَلَهَا فِي كِتَابِهِ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ [آل عمران: 101] حُجَّةٌ أُخْرَى عَلَيْكُمْ لِلَّهِ، مَعَ آيِ كِتَابِهِ، يَدْعُوكُمْ جَمِيعَ ذَلِكَ إِلَى الْحَقِّ، وَيُبَصِّرُكُمُ الْهُدَى وَالرَّشَادَ، وَيَنْهَاكُمْ عَنِ الْغَيِّ وَالضَّلَالِ، يَقُولُ لَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَمَا وَجْهُ عُذْرِكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ فِي جُحُودِكُمْ نُبُوَّةَ نَبِيِّكُمْ، وَارْتِدَادِكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ، وَرُجُوعِكُمْ إِلَى أَمْرِ جَاهِلِيَّتِكُمْ، إِنْ أَنْتُمْ رَاجَعْتُمْ ذَلِكَ وَكَفَرْتُمْ، وَفِيهِ هَذِهِ الْحُجَجُ الْوَاضِحَةُ، وَالْآيَاتُ الْبَيِّنَةُ، عَلَى خَطَأِ فِعْلِكُمْ ذَلِكَ إِنْ فَعَلْتُمُوهُ
كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 101] الْآيَةَ، " عِلْمَانِ بِيِّنَانِ: وُجْدَانُ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكِتَابُ اللَّهِ؛ فَأَمَّا نَبِيُّ اللَّهِ فَمَضَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وَأَمَّا كِتَابُ اللَّهِ، فَأَبْقَاهُ اللَّهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً فِيهِ حَلَالُهُ وَحَرَامُهُ، وَطَاعَتُهُ وَمَعْصِيَتُهُ " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: 101] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَمَنْ يَتَعَلَّقْ بِأَسْبَابِ اللَّهِ، وَيَتَمَسَّكْ بِدِينِهِ وَطَاعَتِهِ، ﴿فَقَدْ هُدِيَ﴾ [آل عمران: 101] يَقُولُ: فَقَدْ وُفِّقَ لِطَرِيقٍ وَاضِحٍ وَمَحَجَّةٍ مُسْتَقِيمَةٍ غَيْرِ مُعْوَجَّةٍ، فَيَسْتَقِيمُ بِهِ إِلَى رِضَا اللَّهِ وَإِلَى النَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَالْفَوْزِ بِجَنَّتِهِ
كَمَا: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ﴾ [آل عمران: 101] قَالَ: «يُؤْمِنْ بِاللَّهِ»
وَأَصْلُ الْعَصْمِ: الْمَنْعُ، فَكُلُّ مَانِعٍ شَيْئًا فَهُوَ عَاصِمُهُ، وَالْمُمْتَنِعُ بِهِ مُعْتَصِمٌ بِهِ وَمِنْهُ قَوْلُ الْفَرَزْدَقِ: [البحر الوافر] أَنَا ابْنُ الْعَاصِمِينَ بَنِي تَمِيمٍ ... إِذَا مَا أَعْظَمَ الْحَدَثَانِ نَابَا وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلْحَبْلِ: عِصَامٌ، وَلِلَّسَبِبِ الَّذِي يَتَسَبَّبُ بِهِ الرَّجُلُ إِلَى حَاجَتِهِ: عِصَامٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى: [البحر المتقارب] إِلَى الْمَرْءِ قَيْسٍ أُطِيلُ السُّرَى ... وَآخُذُ مِنْ كُلِّ حَيٍّ عُصُمْ يَعْنِي بِالْعُصُمِ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ الذِّمَّةِ وَالْأَمَانِ، يُقَالُ مِنْهُ: اعْتَصَمْتُ بِحَبْلٍ مِنْ فُلَانٍ، وَاعْتَصَمْتُ حَبْلًا مِنْهُ، وَاعْتَصَمْتُ بِهِ وَاعْتَصَمَهُ، وَأَفْصَحُ اللُّغَتَيْنِ إِدْخَالُ الْبَاءِ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: 103] ، وَقَدْ جَاءَ «اعْتَصَمْتُهُ» ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الطويل] إِذَا أَنْتَ جَازَيْتَ الْإِخَاءَ بِمِثْلِهِ ... وَآسَيْتَنِي ثُمَّ اعْتَصَمْتُ حِبَالِيَا فَقَالَ: «اعْتَصَمْتُ حِبَالِيَا» ، وَلَمْ يُدْخِلِ الْبَاءَ، وَذَلِكَ نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: تَنَاوَلْتُ الْخِطَامَ وَتَنَاوَلْتُ بِالْخِطَامِ، وَتَعَلَّقْتُ بِهِ وَتَعَلَّقْتُهُ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: تَعَلَّقْتَ هِنْدًا نَاشِئًا ذَاتَ مِئْزَرٍ ... وَأَنْتَ وَقَدْ فَارَقْتَ لَمْ تَدْرِ مَا الْحِلْمُ
وَقَدْ بَيَّنْتُ مَعْنَى الْهُدَى وَالصِّرَاطِ وَأَنَّهُ مَعْنِيُّ بِهِ الْإِسْلَامُ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِشَوَاهِدِهِ، فَكَرِهْنَا إِعَادَتَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ الَّذِيَ نَزَلَ فِي سَبَبِ تَحَاوُزِ الْقَبِيلَتَيْنِ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، كَانَ مِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 101]