الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: 135] قَالَ: " هَذَانِ ذَنْبَانِ: الْفَاحِشَةُ ذَنْبٌ، وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَنْبُ "
وَأَمَّا الْفَاحِشَةُ فَهِيَ صِفَةٌ لِمَتْرُوكٍ، وَمَعْنَى الْكَلَامِ: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فِعْلَةً فَاحِشَةً، وَمَعْنَى الْفَاحِشَةِ: الْفِعْلَةُ الْقَبِيحَةُ الْخَارِجَةُ عَمَّا أَذِنَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ، وَأَصْلُ الْفُحْشِ الْقُبْحُ وَالْخُرُوجُ عَنِ الْحَدِّ وَالْمِقْدَارِ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلطَّوِيلِ الْمُفْرِطِ الطُّولِ: إِنَّهُ لَفَاحِشُ الطُّولِ، يُرَادُ بِهِ: قَبِيحُ الطُّولِ، خَارِجٌ عَنِ الْمِقْدَارِ الْمُسْتَحْسَنِ؛ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْكَلَامِ الْقَبِيحِ غَيْرِ الْقَصْدِ: كَلَامٌ فَاحِشٌ، وَقِيلَ لِلْمُتَكَلِّمِ بِهِ: أَفْحَشَ فِي كَلَامِهِ: إِذَا نَطَقَ بِفُحْشٍ، وَقِيلَ: إِنَّ الْفَاحِشَةَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مَعْنِيُّ بِهَا الزِّنَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، قَالَ: ثنا حِبَّانُ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ جَابِرٍ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ [آل عمران: 135] قَالَ: «زَنَى الْقَوْمُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ [آل عمران: 135] " أَمَّا الْفَاحِشَةُ: فَالزِّنَا " وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: 135] يَعْنِي بِهِ: فَعَلُوا بِأَنْفُسِهِمْ غَيْرَ الَّذِي كَانَ
يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَفْعَلُوا بِهَا.
وَالَّذِي فَعَلُوا مِنْ ذَلِكَ رُكُوبُهُمْ مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ مَا أَوْجَبُوا لَهَا بِهِ عُقُوبَتَهُ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: 135] قَالَ: «الظُّلْمُ مِنَ الْفَاحِشَةِ، وَالْفَاحِشَةُ مِنَ الظُّلْمِ» وَقَوْلُهُ: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران: 135] يَعْنِي بِذَلِكَ ذَكَرُوا وَعِيدَ اللَّهِ عَلَى مَا أَتَوْا مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ إِيَّاهُ ﴿فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 135] يَقُولُ: فَسَأَلُوا رَبَّهُمْ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِمْ ذُنُوبَهُمْ بِصَفْحِهِ لَهُمْ عَنِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 135] يَقُولُ: وَهَلْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ: أَيْ يَعْفُو عَنْ رَاكِبِهَا فَيَسْتُرَهَا عَلَيْهِ إِلَّا اللَّهُ؟ ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ [آل عمران: 135] يَقُولُ: وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَى ذُنُوبِهِمُ الَّتِي أَتَوْهَا، وَمَعْصِيَتِهِمُ الَّتِي رَكِبُوهَا ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135] يَقُولُ: لَمْ يُقِيمُوا عَلَى ذُنُوبِهِمْ عَامِدِينَ لِلْمُقَامِ عَلَيْهَا، وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ تَقَدَّمَ بِالنَّهْيِ عَنْهَا، وَأَوْعَدَ عَلَيْهَا الْعُقُوبَةَ، مَنْ رَكِبَهَا، وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَنْزَلَتْ خُصُوصًا بِتَخْفِيفِهَا وَيُسْرِهَا أُمَّتَنَا مِمَّا كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ مُمْتَحَنَةً بِهِ مِنْ عَظِيمِ الْبَلَاءِ فِي ذُنُوبِهَا
حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبَى رَبَاحٍ: أَنَّهُمْ قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، بَنُو إِسْرَائِيلَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنَّا، كَانُوا إِذَا أَذْنَبَ أَحَدُهُمْ أَصْبَحَتْ كَفَّارَةُ ذَنْبِهِ مَكْتُوبَةً فِي عَتَبَةِ بَابِهِ: اجْدَعْ أُذُنَكَ، اجْدَعْ أَنْفَكَ، افْعَلْ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 135] ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكَ؟» فَقَرَأَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني عُمَرُ بْنُ خَلِيفَةَ الْعَبْدِيُّ، قَالَ: ثنا عَلِيُّ بْنُ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ، قَالَ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ إِذَا أَذْنَبُوا، أَصْبَحَ مَكْتُوبًا عَلَى بَابِهِ الذَّنْبُ وَكَفَّارَتُهُ، فَأُعْطِينَا خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ هَذِهِ الْآيَةِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ، قَالَ: ثنا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: 110] «بَكَى إِبْلِيسُ فَزَعًا مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، قَالَ: " بَلَغَنِي أَنَّ إِبْلِيسَ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: 135] بَكَى "
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ، مَوْلَى آلِ أَبِي عَقِيلٍ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ رَبِيعَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ فَزَارَةَ يُقَالُ لَهُ أَسْمَاءُ أَوِ ابْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: " كُنْتُ إِذَا
سَمِعْتُ مِنَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي، فَحَدَّثني أَبُو بَكْرٍ وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ» قَالَ شُعْبَةُ: وَأَحْسَبُهُ قَالَ «مُسْلِمٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَتَوَضَّأُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِذَلِكَ الذَّنْبِ» وَقَالَ شُعْبَةُ: وَقَرَأَ إِحْدَى هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: 123] ، ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: 135]
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، وَحَدَّثنا الْفَضْلُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ مِسْعَرٍ وَسُفْيَانَ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الثَّقَفِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ الْوَالِبِيِّ، عَنْ أَسْمَاءِ بْنِ الْحَكَمِ الْفَزَارِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُ، وَإِذَا حَدَّثَنِي عَنْهُ غَيْرُهُ، اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، وَحَدَّثني أَبُو بَكْرٍ وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَتَوَضَّأُ، ثُمَّ يُصَلِّي» ، قَالَ أَحَدُهُمَا: «رَكْعَتَيْنِ» وَقَالَ الْآخَرُ: «ثُمَّ يُصَلِّي وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ»
حَدَّثَنَا الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: ثني سَعْدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا حَدَّثَنِي أَحَدٌ
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا سَأَلْتُهُ أَنْ يُقْسِمَ لِي بِاللَّهِ لَهُوَ سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَكْذِبُ، قَالَ عَلِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: فَحَدَّثني أَبُو بَكْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَقُومُ عِنْدَ ذِكْرِ ذَنْبِهِ فَيَتَوَضَّأُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِنْ ذَنْبَهُ ذَلِكَ إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 135] فَإِنَّهُ كَمَا بَيَّنَّا تَأْوِيلَهُ، وَبِنَحْوِ ذَلِكَ كَانَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ يَقُولُونَ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: ثنا ابْنُ إِسْحَاقَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ [آل عمران: 135] «أَيْ إِنْ أَتَوْا فَاحِشَةً» ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران: 135] «بِمَعْصِيَةٍ ذَكَرُوا نَهْيَ اللَّهِ عَنْهَا، وَمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَنْهَا، فَاسْتَغْفَرُوا لَهَا، وَعَرَفُوا أَنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا هُوَ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 135] فَإِنَّ اسْمَ اللَّهِ مَرْفُوعٌ، وَلَا جَحْدَ قَبْلَهُ، وَإِنَّمَا يُرْفَعُ مَا بَعْدَ إِلَّا بِإِتْبَاعِهِ مَا قَبْلَهُ إِذَا كَانَ نَكِرَةً وَمَعَهُ جَحْدٌ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ: مَا فِي الدَّارِ أَحَدٌ إِلَّا أَخُوكَ؛ فَأَمَّا إِذَا قِيلَ: قَامَ الْقَوْمُ إِلَّا أَبَاكَ، فَإِنَّ وَجْهَ الْكَلَامِ فِي الْأَبِ النَّصَبُ.
وَ «مَنْ» بِصِلَتِهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 135] مَعْرِفَةٌ فَإِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا جَاءَ رَفْعًا؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: وَهَلْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ أَحَدٌ؟ أَوْ مَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ، فَرُفِعَ مَا بَعْدَ إِلَّا مِنَ اللَّهِ عَلَى تَأْوِيلِ الْكَلَامِ، لَا عَلَى لَفْظِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135] فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ الْإِصْرَارِ وَمَعْنَى الْكَلِمَةِ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَمْ يَثْبُتُوا عَلَى مَا أَتَوْا مِنَ الذُّنُوبِ، وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُمْ تَابُوا وَاسْتَغْفَرُوا، كَمَا وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135] «فَإِيَّاكُمْ وَالْإِصْرَارَ، فَإِنَّمَا هَلَكَ الْمُصِرُّونَ الْمَاضُونَ قُدُمًا، لَا يَنْهَاهُمْ مَخَافَةُ اللَّهِ عَنْ حَرَامٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَتُوبُونَ مِنْ ذَنْبٍ أَصَابُوهُ، حَتَّى أَتَاهُمُ الْمَوْتُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135] قَالَ: «قُدُمًا قُدُمًا فِي مَعَاصِي اللَّهِ، لَا يَنْهَاهُمْ مَخَافَةُ اللَّهِ حَتَّى جَاءَهُمْ أَمْرُ اللَّهِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿لَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135] «أَيْ لَمْ يُقِيمُوا عَلَى مَعْصِيَتِي، كَفِعْلِ مَنْ أَشْرَكَ بِي فِيمَا عَمِلُوا بِهِ مِنْ كُفْرٍ بِي» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: لَمْ يُوَاقِعُوا الذَّنْبَ إِذَا هَمُّوا بِهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ [آل عمران: 135] قَالَ: «إِتْيَانُ الْعَبْدِ ذَنْبًا إِصْرَارًا حَتَّى يَتُوبَ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ [آل عمران: 135] قَالُوا: «لَمْ يُوَاقِعُوا» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى الْإِصْرَارِ السُّكُوتُ عَلَى الذَّنْبِ، وَتَرْكُ الِاسْتِغْفَارِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135] " أَمَّا يُصِرُّوا: فَيَسْكُتُوا وَلَا يَسْتَغْفِرُوا " وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدَنَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: الْإِصْرَارُ الْإِقَامَةُ عَلَى الذَّنْبِ عَامِدًا، أَوْ تَرْكُ التَّوْبَةِ مِنْهُ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: الْإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ: هُوَ مُوَاقِعَتُهُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ
مَدَحَ بِتَرْكِ الْإِصْرَارِ عَلَى الذَّنْبِ مُوَاقِعَ الذَّنْبِ، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135] وَلَوْ كَانَ الْمُوَاقِعُ الذَّنْبَ مُصِرًّا بِمُوَاقَعَتِهِ إِيَّاهُ، لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِغْفَارِ وَجْهٌ مَفْهُومٌ؛ لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ مِنَ الذَّنْبِ إِنَّمَا هُوَ التَّوْبَةُ مِنْهُ وَالنَّدَمُ، وَلَا يُعْرَفُ لِلِاسْتِغْفَارِ مِنْ ذَنْبٍ لَمْ يُوَاقِعْهُ صَاحِبُهُ وَجْهٌ
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْحُسَيْنُ بْنُ يَزِيدَ السَّبِيعِيُّ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ، عَنْ أَبِي نُصَيْرَةَ، عَنْ مَوْلًى لِأَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَلَوْ كَانَ مُوَاقِعُ الذَّنْبِ مُصِرًّا، لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ «مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وَإِنْ عَادَ فِي الْيَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً» مَعْنًى، لِأَنَّ مُوَاقَعَةَ الذَّنْبِ، إِذَا كَانَتْ هِيَ الْإِصْرَارَ، فَلَا يُزِيلُ الِاسْمُ الَّذِي لَزِمَهُ مَعْنَى غَيْرِهِ، كَمَا لَا يُزِيلُ عَنِ الزَّانِي اسْمَ زَانٍ، وَعَنِ الْقَاتِلِ اسْمَ قَاتِلٍ تَوْبَتُهُ مِنْهُ، وَلَا مَعْنَى غَيْرِهَا، وَقَدْ أَبَانَ هَذَا الْخَبَرُ أَنَّ الْمُسْتَغْفِرَ مِنْ ذَنْبِهِ غَيْرُ مُصِرٍّ عَلَيْهِ، فَمَعْلُومٌ بِذَلِكَ أَنَّ الْإِصْرَارَ غَيْرُ الْمُوَاقَعَةِ، وَأَنَّهُ الْمُقَامُ عَلَيْهِ عَلَى مَا قُلْنَا قَبْلُ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِمْ: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ قَدْ أَذْنَبُوا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: أَمَا ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135] «فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ قَدْ أَذْنَبُوا، ثُمَّ أَقَامُوا فَلَمْ يَسْتَغْفِرُوا» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ الَّذِيَ أَتَوْا مَعْصِيَةُ اللَّهِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135] قَالَ: «يَعْلَمُونَ مَا حَرَّمْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ عُبَادَةِ غَيْرِي» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُنَا أَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: 136] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ الَّذِينَ ذَكَرَ أَنَّهُ أَعَدَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ الَّتِي عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ مِنَ الْمُتَّقِينَ، وَوَصَفَهُمْ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ هَذِهِ صِفَتُهُمْ
﴿جَزَاؤُهُمْ﴾ [آل عمران: 87] يَعْنِي ثَوَابَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الَّتِي وَصَفَهُمْ تَعَالَى ذِكْرُهُ أَنَّهُمْ عَمِلُوهَا، ﴿مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [آل عمران: 136] يَقُولُ: عَفْوٌ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ عَنْ عُقُوبَتِهِمْ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَلَهُمْ عَلَى مَا أَطَاعُوا اللَّهَ فِيهِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ بِالْحَسَنِ مِنْهَا جَنَّاتٌ، وَهِيَ الْبَسَاتِينُ {تَجْرِي مِنْ
تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} [البقرة: 25] يَقُولُ: تَجْرِي خِلَالَ أَشْجَارِهَا الْأَنْهَارُ، وَفِي أَسَافِلِهَا جَزَاءً لَهُمْ عَلَى صَالِحِ أَعْمَالِهِمْ، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [البقرة: 162] يَعْنِي دَائِمِي الْمُقَامِ فِي هَذِهِ الْجَنَّاتِ الَّتِي وَصَفَهَا، ﴿وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: 136] يَعْنِي وَنِعْمَ جَزَاءُ الْعَامِلِينَ لِلَّهِ الْجَنَّاتُ الَّتِي وَصَفَهَا
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: 136] «أَيْ ثَوَابُ الْمُطِيعِينَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137] يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران: 137] مَضَتْ وَسَلَفَتْ مِنِّي فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ وَأَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ، مِنْ نَحْوِ قَوْمِ عَادٍ وَثَمُودَ، وَقَوْمِ هُودٍ، وَقَوْمِ لُوطٍ وَغَيْرِهِمْ
مِنْ سُلَّافِ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ سُنَنٌ، يَعْنِي ثَلَاثَ سِيَرٍ بِهَا فِيهِمْ وَفِيمَنْ كَذَّبُوا بِهِ مِنْ أَنْبِيَائِهِمُ الَّذِينَ أَرْسِلُوا إِلَيْهِمْ، بِإِمْهَالِي أَهْلَ التَّكْذِيبِ بِهِمْ، وَاسْتِدْرَاجِي إِيَّاهُمْ، حَتَّى بَلَغَ الْكِتَابُ فِيهِمْ أَجَلَهُ الَّذِي أَجَّلْتُهُ لِإِدَالَةِ أَنْبِيَائِهِمْ وَأَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِمْ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ أَحْلَلْتُ بِهِمْ عُقُوبَتِي، وَنَزَلَتْ بِسَاحَتِهِمْ نِقْمَتِي، فَتَرَكْتُهُمْ لِمَنْ بَعْدَهُمْ أَمْثَالًا وَعِبَرًا {فَسِيرُوا
فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [آل عمران: 137] يَقُولُ: فَسِيرُوا أَيُّهَا الظَّانُّونَ أَنَّ إِدَالَتِي مَنْ أَدَلْتُ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ يَوْمَ أُحُدٍ عَلَى مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ لِغَيْرِ اسْتِدْرَاجٍ مِنِّي لِمَنْ أَشْرَكَ بِي، وَكَفَرَ بِرُسُلِي، وَخَالَفَ أَمْرِي فِي دِيَارِ الْأُمَمِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَكُمْ، مِمَّنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ الَّذِي عَلَيْهِ هَؤُلَاءِ الْمُكَذِّبُونَ بِرَسُولِي، وَالْجَاحِدُونَ وَحْدَانِيَّتِي، فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ تَكْذِيبِهِمْ أَنْبِيَائِي، وَمَا الَّذِي آلَ إِلَيْهِ عَنْ خِلَافِهِمْ أَمْرِي، وَإِنْكَارِهِمْ وَحْدَانِيَّتِي، فَتَعْلَمُوا عِنْدَ ذَلِكَ أَنَّ إِدَالَتِي مَنْ أَدَلْتُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى نَبِيِّي مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ بِأُحُدٍ، إِنَّمَا هِيَ اسْتِدْرَاجٌ وَإِمْهَالٌ، لِيَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ الَّذِي أَجَّلْتُ لَهُمْ، ثُمَّ إِمَّا أَنْ يَئُولَ حَالُهُمْ إِلَى مِثْلِ مَا آلَ إِلَيْهِ حَالُ الْأُمَمِ الَّذِينَ سَلَفُوا قَبْلَهُمْ مِنْ تَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ عَلَيْهِمْ، أَوْ يُنِيبُوا إِلَى طَاعَتِي وَاتِّبَاعِ رَسُولِي.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: ثنا عَبَّادٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137] فَقَالَ: «أَلَمْ تَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ، فَتَنْظُرُوا كَيْفَ عَذَّبَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ، وَقَوْمَ لُوطٍ، وَقَوْمَ صَالِحٍ، وَالْأُمَمَ الَّتِي عَذَّبَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ؟»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ
أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران: 137] يَقُولُ: «فِي الْكُفَّارِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾ [آل عمران: 137] «فِي الْمُؤْمِنِينَ وَالْكُفَّارِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: " اسْتَقْبَلَ ذِكْرَ الْمُصِيبَةِ الَّتِي نَزَلَتْ بِهِمْ - يَعْنِي بِالْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ - وَالْبَلَاءَ الَّذِي أَصَابَهُمْ، وَالتَّمْحِيصَ لِمَا كَانَ فِيهِمْ، وَاتِّخَاذَهُ الشُّهَدَاءَ مِنْهُمْ، فَقَالَ تَعْزِيَةً لَهُمْ، وَتَعْرِيفًا لَهُمْ فِيمَا صَنَعُوا وَمَا هُوَ صَانِعٌ بِهِمْ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [آل عمران: 137] أَيْ قَدْ مَضَتْ مِنِّي وَقَائِعُ نِقْمَةً فِي أَهْلِ التَّكْذِيبِ لِرُسُلِي وَالشِّرْكِ بِي: عَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ لُوطٍ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ، فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ تَرَوْا مَثُلَاتٍ قَدْ مَضَتْ فِيهِمْ، وَلِمَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مِنِّي، وَإِنْ أَمْكَنْتُ لَهُمْ: أَيْ لِئَلَّا يَظُنُّوا أَنَّ نِقْمَتِي انْقَطَعَتْ عَنْ عَدُوِّهِمْ وَعَدُّوِي لِلدَّوْلَةِ الَّتِي أَدَلْتُهَا عَلَيْكُمْ بِهَا؛ لِأَبْتَلِيَكُمْ بِذَلِكَ، لِأَعْلَمَ مَا عِنْدَكُمْ "
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ﴾ [آل عمران: 137] الْمُكَذِّبِينَ يَقُولُ: «مَتَّعَهُمْ فِي الدُّنْيَا قَلِيلًا، ثُمَّ صَيَّرَهُمْ إِلَى النَّارِ»
وَأَمَّا السُّنَنُ، فَإِنَّهَا جَمْعُ سُنَّةٍ، وَالسُّنَّةُ، هِيَ الْمِثَالُ الْمُتَّبَعُ، وَالْإِمَامُ الْمُؤْتَمُّ بِهِ، يُقَالُ مِنْهُ: سَنَّ فُلَانٌ فِينَا سُنَّةً حَسَنَةً، وَسَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً: إِذَا عَمِلَ عَمَلًا اتُّبِعَ عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ، وَمِنْهُ قَوْلُ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ: [البحر الكامل] مِنْ مَعْشَرٍ سَنَّتْ لَهُمْ آبَاؤُهُمْ ... وَلِكُلِّ قَوْمٍ سُنَّةٌ وَإِمَامُهَا وَقَوْلُ سُلَيْمَانَ بْنِ قَتَّةَ: [البحر الطويل]
وَإِنَّ الْأُلَى بِالطَّفِّ مِنْ آلِ هَاشِمٍ ... تَآسَوْا فَسَنُّوا لِلْكِرَامِ التَّآسِيَا وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي ذَلِكَ مَا: