تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 574-588

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ

صفحات 574-588
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَبَّادٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] قَالَ: «مِنَ الْمَالِ» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 92] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: وَمَهْمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَتَتَصَدَّقُوا بِهِ مِنْ أَمْوَالِكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِمَا يَتَصَدَّقُ بِهِ الْمُتَصَدِّقُ مِنْكُمْ، فَيُنْفِقُهُ مِمَّا يُحِبُّ مِنْ مَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ عَلِيمٌ، يَقُولُ: هُوَ ذُو عِلْمٍ بِذَلِكَ كُلِّهِ، لَا يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ مِنْهُ حَتَّى يُجَازَى صَاحِبُهُ عَلَيْهِ جَزَاءَهُ فِي الْآخِرَةِ

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 92] يَقُولُ: «مَحْفُوظٌ لَكُمْ ذَلِكَ اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ شَاكِرٌ لَهُ» وَبِنَحْوِ التَّأْوِيلِ الَّذِي قُلْنَا تَأَوَّلَ هَذِهِ الْآيَةَ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] قَالَ: " كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنْ يَبْتَاعَ لَهُ جَارِيَةً مِنْ

جَلُولَاءَ يَوْمَ فُتِحَتْ مَدَائِنُ كِسْرَى فِي قِتَالِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَدَعَا بِهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] فَأَعْتَقَهَا عُمَرُ، وَهِيَ مِثْلُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: 8] ، ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9] " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ سَوَاءً

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] أَوْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: 245] ، قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَائِطِي الَّذِي بِكَذَا وَكَذَا صَدَقَةٌ، وَلَوِ اسْتَطَعْتُ أَنْ أَجْعَلَهُ سِرًّا لَمْ أَجْعَلْهُ عَلَانِيَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اجْعَلْهَا فِي فُقَرَاءِ أَهْلِكَ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحَجَّاجُ بْنُ الْمِنْهَالِ، قَالَ: ثنا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] قَالَ أَبُو طَلْحَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَسْأَلُنَا مِنْ أَمْوَالِنَا، اشْهَدْ أَنِّي قَدْ

جَعَلْتُ أَرْضِي بِأَرِيحَا لِلَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اجْعَلْهَا فِي قَرَابَتِكَ» فَجَعَلَهَا بَيْنَ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ وَأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ

حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: ثنا عَبْدُ الْوَارِثِ، قَالَ: ثنا لَيْثٌ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ أَبَا ذَرٍّ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «الصَّلَاةُ عِمَادُ الْإِسْلَامِ، وَالْجِهَادُ سَنَامُ الْعَمَلِ، وَالصَّدَقَةُ شَيْءٌ عَجِيبٌ» ، فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، لَقَدْ تَرَكْتَ شَيْئًا هُوَ أَوْثَقُ عَمَلِي فِي نَفْسِي لَا أَرَاكَ ذَكَرْتَهُ فَقَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: الصِّيَامُ، فَقَالَ: «قُرْبَةٌ، وَلَيْسَ هُنَاكَ» وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَكِّيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] جَاءْ زَيْدٌ بِفَرَسٍ لَهُ يُقَالُ لَهَا: «سُبُلُ» إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: تَصَدَّقْ بِهَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَأَعْطَاهَا

رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَةَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ قُبِلَتْ صَدَقَتُكَ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، وَغَيْرِهِ: أَنَّهَا حِينَ نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92] " جَاءَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بِفَرَسٍ لَهُ كَانَ يُحِبُّهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَحَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَكَأَنَّ زَيْدًا وَجَدَ فِي نَفْسِهِ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ مِنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَمَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَهَا»

﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 93] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حَرَّمَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَهُمْ وَلَدُ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ شَيْئًا مِنَ الْأَطْعِمَةِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ

التَّوْرَاةُ، بَلْ كَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ لَهُمْ حَلَالًا، إِلَّا مَا كَانَ يَعْقُوبُ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنَّ وَلَدَهُ حَرَّمُوهُ اسْتِنَانًا بِأَبِيهِمْ يَعْقُوبَ، مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمِ اللَّهِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فِي وَحْي وَلَا تَنْزِيلٍ وَلَا عَلَى لِسَانِ رَسُولٍ لَهُ إِلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِ نُزُولِ التَّوْرَاةِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، هَلْ نَزَلَ فِي التَّوْرَاةِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ التَّوْرَاةَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مَنْ ذَلِكَ مَا كَانُوا يُحَرِّمُونَهُ قَبْلَ نُزُولِهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 93] " قَالَتِ الْيَهُودُ: إِنَّمَا نُحَرِّمُ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ الْعُرُوقَ، كَانَ يَأْخُذُهُ عِرْقُ النَّسَا، كَانَ يَأْخُذُهُ بِاللَّيْلِ وَيَتْرُكُهُ بِالنَّهَارِ، فَحَلَفَ لَئِنِ اللَّهُ عَافَاهُ مِنْهُ لَا يَأْكُلُ عِرْقًا أَبَدًا، فَحَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ قَالَ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 93] مَا حَرَّمَ هَذَا عَلَيْكُمْ غَيْرِي بِبَغْيِكُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: 160] فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ، فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ إِسْرَائِيلُ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي التَّوْرَاةِ، بِبَغْيِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَظُلْمِهِمْ لَهَا، قُلْ يَا مُحَمَّدُ: فَأْتُوا أَيُّهَا الْيَهُودُ إِنْ أَنْكَرْتُمْ ذَلِكَ بِالتَّوْرَاةِ، فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُحَرِّمْ ذَلِكَ عَلَيْكُمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَأَنَّكُمْ إِنَّمَا تُحَرِّمُونَهُ لِتَحْرِيمِ

إِسْرَائِيلَ إِيَّاهُ عَلَى نَفْسِهِ " وَقَالَ آخَرُونَ: مَا كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَرَامًا، لَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ حَرَّمُوهُ عَلَى أَنْفُسِهِمُ اتِّبَاعًا لِأَبِيهِمْ، ثُمَّ أَضَافُوا تَحْرِيمَهُ إِلَى اللَّهِ، فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِضَافَتِهِمْ ذَلِكَ إِلَيْهِ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ لَهُمْ يَا مُحَمَّدُ: إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا، حَتَّى نَنْظُرَ هَلْ ذَلِكَ فِيهَا، أَمْ لَا؟ لِيَتَبَيَّنَ كَذِبُهُمْ لِمَنْ يَجْهَلُ أَمَرَهُمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْفَرَجِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: 93] إِسْرَائِيلُ: هُوَ يَعْقُوبُ، أَخَذَهُ عِرْقُ النَّسَا، فَكَانَ لَا يَثْبُتُ اللَّيْلَ مِنْ وَجَعِهِ، وَكَانَ لَا يُؤْذِيهِ بِالنَّهَارِ، فَحَلَفَ لَئِنْ شَفَاهُ اللَّهُ لَا يَأْكُلُ عِرْقًا أَبَدًا، وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ التَّوْرَاةِ عَلَى مُوسَى، فَسَأَلَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ مَا هَذَا الَّذِي حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ؟ فَقَالُوا: نَزَلَتِ التَّوْرَاةُ بِتَحْرِيمِ الَّذِي حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ فَقَالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 93] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: 229] وَكَذَّبُوا وَافْتَرَوْا، لَمْ تَنْزِلِ التَّوْرَاةُ بِذَلِكَ " وَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ قَبْلِ أَنْ

تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ وَبَعْدَ نُزُولِهَا، إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ، بِمَعْنَى: لَكِنَّ إِسْرَائِيلَ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ بَعْضَ ذَلِكَ، وَكَأَنَّ الضَّحَّاكَ وَجَّهَ قَوْلَهُ: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: 93] إِلَى الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي يُسَمِّيهِ النَّحْوِيُّونَ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْقَطِعَ.
وَقَالَ آخَرُونَ: تَأْوِيلُ ذَلِكَ: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ، إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ عَلَى وَلَدِهِ بِتَحْرِيمِ إِسْرَائِيلَ إِيَّاهُ عَلَى وَلَدِهِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ حَرَّمَهُ عَلَى إِسْرَائِيلَ وَلَا عَلَى وَلَدِهِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: 93] " فَإِنَّهُ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ الْعُرُوقَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَشْتَكِي عِرْقَ النَّسَا، فَكَانَ لَا يَنَامُ اللَّيْلَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَئِنْ عَافَانِي اللَّهُ مِنْهُ لَا يَأْكُلُهُ لِي وَلَدٌ، وَلَيْسَ مَكْتُوبًا فِي التَّوْرَاةِ وَسَأَلَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَرًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَقَالَ «مَا شَأْنُ هَذَا حَرَامًا؟» فَقَالُوا: هُوَ حَرَامٌ عَلَيْنَا مِنْ قِبَلِ الْكِتَابِ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: 93] إِلَى ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 23]

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَخَذَهُ يَعْنِي إِسْرَائِيلَ عِرْقُ النَّسَا، فَكَانَ لَا يَثْبُتُ بِاللَّيْلِ مِنْ شِدَّةِ

الْوَجَعِ، وَكَانَ لَا يُؤْذِيهِ بِالنَّهَارِ، فَحَلَفَ لَئِنْ شَفَاهُ اللَّهُ لَا يَأْكُلُ عِرْقًا أَبَدًا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ، فَقَالَ الْيَهُودُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَزَلَتِ التَّوْرَاةُ بِتَحْرِيمِ الَّذِي حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ.
قَالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 93] وَكَذَبُوا، لَيْسَ فِي التَّوْرَاةِ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَى ذَلِكَ: كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ، إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمِ اللَّهِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِمْ بِتَحْرِيمِ أَبِيهِمْ إِسْرَائِيلَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحَرِّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِي تَنْزِيلٍ وَلَا بِوَحْي قَبْلَ التَّوْرَاةِ، حَتَّى نَزَلَتِ التَّوْرَاةُ، فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيهَا مَا شَاءَ، وَأَحَلَّ لَهُمْ فِيهَا مَا أَحَبَّ.
وَهَذَا قَوْلٌ قَالَتْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ قَبْلُ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران: 93] " وَإِسْرَائِيلُ: هُوَ يَعْقُوبُ " ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 93] يَقُولُ: «كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ.
إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ التَّوْرَاةَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِيهَا مَا شَاءَ، وَأَحَلَّ لَهُمْ مَا شَاءَ» حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ بِنَحْوِهِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي الَّذِي كَانَ إِسْرَائِيلُ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَ الَّذِي حَرَّمَهُ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ الْعُرُوقَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكٍ، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ جَعَلَ امْرَأَتَهُ عَلَيْهِ حَرَامًا، قَالَ: «لَيْسَتْ عَلَيْكَ بِحَرَامٍ قَالَ» : فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: وَلِمَ؟ وَاللَّهُ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: 93] قَالَ: فَضَحِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَالَ: «وَمَا يُدْرِيكَ مَا كَانَ إِسْرَائِيلُ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ؟» قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ يُحَدِّثُهُمْ، فَقَالَ: «إِسْرَائِيلُ عَرَضَتْ لَهُ الْأُنْسَاءُ فَأَضْنَتْهُ، فَجَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ إِنْ شَفَاهُ اللَّهُ مِنْهَا لَا يَطْعَمُ عِرْقًا» قَالَ: «فَلِذَلِكَ الْيَهُودُ تَنْزِعُ الْعُرُوقَ مِنَ اللَّحْمِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ يُوسُفَ بْنَ مَاهَكٍ يُحَدِّثُ أَنَّ أَعْرَابِيًّا أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ، فَذَكَرَ رَجُلًا حَرَّمَ امْرَأَتَهُ، فَقَالَ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِحَرَامٍ، فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: 93] فَقَالَ: «إِنَّ إِسْرَائِيلَ كَانَ بِهِ عِرْقُ النَّسَا، فَحَلَفَ لَئِنْ عَافَاهُ اللَّهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ الْعُرُوقَ مِنَ اللَّحْمِ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَيْكَ بِحَرَامٍ»

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي مِجْلَزٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: 93] قَالَ: «إِنَّ يَعْقُوبَ أَخَذَهُ وَجَعُ عِرْقِ النَّسَا، فَجَعَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَوْ أَقْسَمَ» أَوْ قَالَ: «لَا يَأْكُلُهُ مِنَ الدَّوَابِّ» قَالَ: «وَالْعُرُوقُ كُلُّهَا تَبَعٌ لِذَلِكَ الْعِرْقِ»

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الَّذِيَ حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّ الْأُنْسَاءَ أَخَذَتْهُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَأَسْهَرَتْهُ، فَتَأَلَّى إِنِ اللَّهُ شَفَاهُ لَا يَطْعَمُ نَسًا أَبَدًا فَتَتَبَّعَتْ بَنَوْهُ الْعُرُوقَ بَعْدَ ذَلِكَ يُخْرِجُونَهَا مِنَ اللَّحْمِ» حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ قَتَادَةَ بِنَحْوِهِ، وَزَادَ فِيهِ: قَالَ: «فَتَأَلَّى لَئِنْ شَفَاهُ اللَّهُ لَا يَأْكُلُ عِرْقًا أَبَدًا، فَجَعَلَ بَنَوْهُ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَتَبَّعُونَ الْعُرُوقَ، فَيُخْرِجُونَهَا مِنَ اللَّحْمِ، وَكَانَ الَّذِي حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ الْعُرُوقَ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: 93] قَالَ: " اشْتَكَى إِسْرَائِيلُ عِرْقَ النَّسَا، فَقَالَ: إِنِ اللَّهُ شَفَانِي لَأُحَرِّمَنَّ الْعُرُوقَ، فَحَرَّمَهَا "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " كَانَ إِسْرَائِيلُ أَخَذَهُ عِرْقُ النَّسَا، فَكَانَ يَبِيتُ وَلَهُ زُقَاءُ، فَجَعَلَ لِلَّهِ عَلَيْهِ إِنْ شَفَاهُ أَنْ لَا يَأْكُلَ الْعُرُوقَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: 93] قَالَ سُفْيَانُ: لَهُ زُقَاءُ: يَعْنِي صِيَاحًا

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: 93] قَالَ: «كَانَ يَشْتَكِي عِرْقَ النَّسَا، فَحَرَّمَ الْعُرُوقَ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ﴾ [آل عمران: 93] قَالَ: «كَانَ إِسْرَائِيلُ يَأْخُذُهُ عِرْقُ النَّسَا، فَكَانَ يَبِيتُ وَلَهُ زُقَاءٌ، فَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَأْكُلَ عِرْقًا» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الَّذِي كَانَ إِسْرَائِيلُ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ لُحُومُ الْإِبِلِ وَأَلْبَانُهَا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، قَالَ: سَمِعْنَا أَنَّهُ، اشْتَكَى شَكْوَى، فَقَالُوا: إِنَّهُ عِرْقُ النَّسَا، فَقَالَ:

رَبِّ إِنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيَّ لُحُومُ الْإِبِلِ وَأَلْبَانُهَا، فَإِنْ شَفَيْتَنِي فَإِنِّي أُحَرِّمُهَا عَلَيَّ " قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: لُحُومُ الْإِبِلِ وَأَلْبَانُهَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: ثنا عَبَّادٌ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: 93] قَالَ: «كَانَ إِسْرَائِيلُ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ لُحُومَ الْإِبِلِ، وَكَانُوا يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ تَحْرِيمَ إِسْرَائِيلَ عَلَى نَفْسِهِ لُحُومَ الْإِبِلِ، وَإِنَّمَا كَانَ حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ لُحُومَ الْإِبِلِ قَبْلَ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ» ، فَقَالَ اللَّهُ: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 93] فَقَالَ: «لَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ تَحْرِيمَ إِسْرَائِيلَ عَلَى نَفْسِهِ إِلَّا لَحْمَ الْإِبِلِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، قَالَ: ثنا حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " أَنَّ إِسْرَائِيلَ، أَخَذَهُ عِرْقُ النَّسَا، فَكَانَ يَبِيتُ بِاللَّيْلِ لَهُ زُقَاءٌ يَعْنِي صِيَاحًا قَالَ: فَجَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ لَئِنْ شَفَاهُ اللَّهُ مِنْهُ لَا يَأْكُلُهُ يَعْنِي لُحُومَ الْإِبِلِ قَالَ: فَحَرَّمَهُ الْيَهُودُ، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 93] أَيْ أَنَّ هَذَا قَبْلَ التَّوْرَاةِ "

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ عِيسَى، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ

سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: 93] قَالَ: " حَرَّمَ الْعُرُوقَ وَلُحُومَ الْإِبِلِ، قَالَ: كَانَ بِهِ عِرْقُ النَّسَا، فَأَكَلَ مِنْ لُحُومِهَا فَبَاتَ بِلَيْلَةٍ يَزْقُو، فَحَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَهُ أَبَدًا "

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا وَكِيعٌ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ جَابِرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: 93] قَالَ: «حَرَّمَ لُحُومَ الْأَنْعَامِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَاهُ الْأَعْمَشُ، عَنْ حَبِيبٍ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ الْعُرُوقُ وَلُحُومُ الْإِبِلِ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ مُجْمِعَةٌ إِلَى الْيَوْمِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ تَحْرِيمِهَا، كَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ أَوَائِلُهَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ ذَلِكَ خَبَرٌ

وَهُوَ مَا: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ، عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ بَهْرَامَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عِصَابَةً، مِنَ الْيَهُودِ حَضَرَتْ رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ أَخْبِرْنَا أَيُّ الطَّعَامِ حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُنْشِدُكُمْ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ إِسْرَائِيلَ يَعْقُوبُ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا، فَطَالَ سَقَمُهُ مِنْهُ، فَنَذَرَ لِلَّهِ نَذْرًا لَئِنْ عَافَاهُ اللَّهُ مِنْ سَقَمِهِ لَيُحَرِّمَنَّ أَحَبَّ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَحَبَّ الطَّعَامِ إِلَيْهِ لُحْمَانُ الْإِبِلِ، وَأَحَبَّ الشَّرَابِ إِلَيْهِ أَلْبَانُهَا؟» فَقَالُوا: اللَّهُمَّ

نَعَمْ " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: 93] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلزَّاعِمِينَ مِنَ الْيَهُودِ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاةِ الْعُرُوقَ وَلُحُومَ الْإِبِلِ وَأَلْبَانَهَا: ائْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا، يَقُولُ: قُلْ لَهُمْ: جِيئُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا، حَتَّى يَتَبَيَّنَ لِمَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ كَذِبُهُمْ وَقِيلُهُمُ الْبَاطِلَ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَمْرِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا أَنْزَلْتُهُ فِي التَّوْرَاةِ ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: 23] يَقُولُ: إِنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ فِي دَعْوَاكُمْ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ فِي التَّوْرَاةِ، فَأْتُونَا بِهَا، فَاتْلُوا تَحْرِيمَ ذَلِكَ عَلَيْنَا مِنْهَا، وَإِنَّمَا ذَلِكَ خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَنْ كَذِبِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَجِيئونَ بِذَلِكَ أَبَدًا عَلَى صِحَّتِهِ، فَأَعْلَمَ اللَّهُ بِكَذِبِهِمْ عَلَيْهِ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَجَعَلَ إِعْلَامَهُ إِيَّاهُ ذَلِكَ حُجَّةً لَهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إِذَا كَانَ يَخْفَى عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِمْ فَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أُمِّيُّ مِنْ غَيْرِ مِلَّتِهِمْ، لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ أَعْلَمَهُ ذَلِكَ بِوَحْيٍ مِنْ عِنْدِهِ، كَانَ أَحْرَى أَنْ لَا يُعْلِمَهُ، فَكَانَ فِي ذَلِكَ لَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَعْظَمِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ أَخْبَارِ أَوَائِلِهِمْ كَانَ مِنْ خَفِيِّ عُلُومِهِمُ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُ خَاصَّةٍ مِنْهُمْ، إِلَّا مَنْ أَعْلَمَهُ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ مِنْ نَبِيٍّ أَوْ رَسُولٍ، أَوْ مَنْ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمِهِ مِمَّنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [آل عمران: 94]

جارٍ التحميل