الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ، قَالَ: «اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَالْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِنِينَ آلِ يُوسُفَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: 128] الْآيَةَ
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمَا سَمِعَا أَبَا هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ حِينَ يَفْرُغُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنَ الْقِرَاءَةِ، وَيُكَبِّرُ وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ» ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ: «اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ كَسِنِي يُوسُفَ، اللَّهُمَّ الْعَنْ لِحْيَانَ وَرِعْلًا وَذَكْوَانَ، وَعُصَيَّةَ عَصَتِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ [آل عمران: 128]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: لَيْسَ لَكَ يَا مُحَمَّدَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ، وَلِلَّهِ جَمِيعُ مَا بَيْنَ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ مُشْرِقِ الشَّمْسِ إِلَى مَغْرِبِهَا دُونَكَ وَدُونَهُمْ، يَحْكُمُ فِيهِمْ بِمَا شَاءَ،
وَيَقْضِي فِيهِمْ مَا أَحَبَّ، فَيَتُوبُ عَلَى مَنْ أَحَبَّ مِنْ خَلْقِهِ الْعَاصِينَ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، ثُمَّ يَغْفِرُ لَهُ وَيُعَاقِبُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ عَلَى جُرْمِهِ، فَيَنْتَقِمُ مِنْهُ، وَهُوَ الْغَفُورُ الَّذِي يَسْتُرُ ذُنُوبَ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْتُرَ عَلَيْهِ ذُنُوبَهُ مِنْ خَلْقِهِ بِفَضْلِهِ عَلَيْهِمْ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ، وَالرَّحِيمُ بِهِمْ فِي تَرْكِهِ عُقُوبَتَهُمْ عَاجِلًا عَلَى عَظِيمِ مَا يَأْتُونَ مِنَ الْمَآثِمِ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 218] «أَيْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ، وَيَرْحَمُ الْعِبَادَ عَلَى مَا فِيهِمْ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 130] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا فِي إِسْلَامِكُمْ، بَعْدَ إِذْ هَدَاكُمْ لَهُ، كَمَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَهُ فِي جَاهِلِيَّتِكُمْ، وَكَانَ أَكْلُهُمْ ذَلِكَ فِي
جَاهِلِيَّتِهِمْ أَنَّ الرَّجُلَ مِنْهُمْ كَانَ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ مَالٌ إِلَى أَجَلٍ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ طَلَبَهُ مِنْ صَاحِبِهِ، فَيَقُولُ لَهُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمَالُ: أَخِّرْ عَنَى دَيْنَكَ وَأَزِيدُكَ عَلَى مَالِكَ فَيَفْعَلَانِ ذَلِكَ، فَذَلِكَ هُوَ الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً، فَنَهَاهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي إِسْلَامِهِمْ عَنْهُ
كَمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: " كَانَتْ ثَقِيفٌ تُدَايِنُ فِي بَنِي الْمُغِيرَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ، قَالُوا: نَزِيدُكُمْ وَتُؤَخِّرُونَ فَنَزَلَتْ: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: 130] "
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: 130] «أَيْ لَا تَأْكُلُوا فِي الْإِسْلَامِ إِذْ هَدَاكُمْ لَهُ، مَا كُنْتُمْ تَأْكُلُونَ إِذْ أَنْتُمْ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّا لَا يَحِلُّ لَكُمْ فِي دِينِكُمْ»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: 130] قَالَ: «رِبَا الْجَاهِلِيَّةِ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ زَيْدٍ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: 130] قَالَ: " كَانَ أَبِي يَقُولُ: إِنَّمَا كَانَ الرِّبَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي التَّضْعِيفِ وَفِي السِّنِّ يَكُونُ لِلرَّجُلِ فَضْلُ دَيْنٍ، فَيَأْتِيهُ إِذَا جَلَّ الْأَجَلُ، فَيَقُولُ لَهُ: تَقْضِينِي أَوْ تَزِيدُنِي؟ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ يَقْضِيَهُ قَضَى، وَإِلَّا حَوَّلَهُ إِلَى السِّنِّ الَّتِي فَوْقَ ذَلِكَ، إِنْ كَانَتِ ابْنَةَ مَخَاضٍ يَجْعَلُهَا ابْنَةَ لَبُونٍ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ حِقَّةً، ثُمَّ جَذَعَةً ثُمَّ رَبَاعِيًا، ثُمَّ هَكَذَا إِلَى فَوْقَ، وَفِي الْعَيْنِ يَأْتِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أَضْعَفَهُ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ أَضْعَفَهُ أَيْضًا، فَتَكُونُ مِائَةٌ
فَيَجْعَلُهَا إِلَى قَابِلٍ مِائَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ جَعَلَهَا أَرْبَعَمِائَةٍ، يُضْعِفُهَا لَهُ كُلَّ سَنَةٍ، أَوْ يَقْضِيهِ، قَالَ: فَهَذَا قَوْلُهُ: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: 130] " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 189] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَاتَّقُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِي أَمْرِ الرِّبَا فَلَا تَأْكُلُوهُ، وَفِي غَيْرِهِ مِمَّا أَمَرَكُمْ بِهِ، أَوْ نَهَاكُمْ عَنْهُ، وَأَطِيعُوهُ فِيهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، يَقُولُ: لِتَنْجَحُوا فَتَنْجُوا مِنْ عِقَابِهِ، وَتُدْرِكُوا مَا رَغَّبَكُمْ فِيهِ مِنْ ثَوَابِهِ، وَالْخُلُودِ فِي جِنَانِهِ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: 189] «أَيْ فَأَطِيعُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ أَنْ تَنْجُوا مِمَّا حَذَّرَكُمْ مِنْ عَذَابِهِ، وَتُدْرِكُوا مَا رَغَّبَكُمْ فِيهِ مِنْ ثَوَابِهِ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 131] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ: وَاتَّقُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ النَّارَ أَنْ تَصْلَوْهَا بِأَكْلِكُمُ الرِّبَا بَعْدَ نَهْيِي إِيَّاكُمْ عَنْهُ الَّتِي أَعْدَدْتُهَا لِمَنْ كَفَرَ بِي، فَتَدْخُلُوا مَدَاخِلَهُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ بِي بِخِلَافِكُمْ أَمْرِي، وَتَرْكِكُمْ طَاعَتِي
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: 131] «الَّتِي جُعِلَتْ دَارًا لِمَنْ كَفَرَ بِي»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: 132] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَأَطِيعُوا اللَّهَ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ فِيمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ مِنْ أَكْلِ الرِّبَا
وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ، وَفِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ الرَّسُولُ يَقُولُ: أَطِيعُوا الرَّسُولَ أَيْضًا كَذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ، يَقُولُ: لِتُرْحَمُوا فَلَا تُعَذَّبُوا.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ مُعَاتَبَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ خَالَفُوا أَمْرَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَأَخَلُّوا بِمَرَاكِزِهِمُ الَّتِي أُمِرُوا بِالثَّبَاتِ عَلَيْهَا
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: 132] «مُعَاتَبَةٌ لِلَّذِينَ عَصَوْا رَسُولَهُ حِينَ أَمَرَهُمْ بِالَّذِي أَمَرَهُمْ بِهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفِي غَيْرِهِ، يَعْنِي فِي يَوْمِ أُحُدٍ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَسَارِعُوا﴾ [آل عمران: 133] وَبَادِرُوا وَسَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، يَعْنِي: إِلَى مَا يَسْتُرُ عَلَيْكُمْ ذُنُوبَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ، وَمَا يُغَطِّيهَا عَلَيْكُمْ مِنْ عَفْوِهِ عَنْ عُقُوبَتِكُمْ عَلَيْهَا ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ يَعْنِي سَارِعُوا أَيْضًا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، ذُكِرَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ وَجَنَّةٌ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ، وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ، إِذَا ضُمَّ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ
السُّدِّيِّ: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «تُقْرَنُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرَضُونَ السَّبْعُ، كَمَا تُقْرَنُ الثِّيَابُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ، فَذَاكَ عَرْضُ الْجَنَّةِ» وَإِنَّمَا قِيلَ: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فَوُصِفَ عَرْضُهَا بِالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ، وَالْمَعْنَى مَا وَصَفْنَا مِنْ وَصْفِ عَرْضِهَا بِعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، تَشْبِيهًا بِهِ فِي السَّعَةِ وَالْعِظَمِ، كَمَا قِيلَ: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [لقمان: 28] يَعْنِي إِلَّا كَبَعْثِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ، وَكَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: [البحر الوافر] كَأَنَّ عَذِيرَهُمْ بِجَنُوبِ سِلَّى ... نَعَامٌ قَاقَ فِي بَلَدٍ قِفَارِ أَيْ عَذِيرُ نَعَامٍ وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ: [البحر الوافر] حَسِبْتُ بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا ... وَمَا هِيَ وَيْبَ غَيْرِكَ بِالْعَنَاقِ يُرِيدُ صَوْتَ عَنَاقٍ.
وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ: هَذِهِ الْجَنَّةُ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ: «هَذَا النَّهَارُ إِذَا جَاءَ، أَيْنَ اللَّيْلُ؟»
ذِكْرُ الْأَخْبَارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِ.
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: لَقِيتُ التَّنُوخِيَّ رَسُولَ هِرَقْلٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحِمْصَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ أُقْعِدَ، قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكِتَابِ هِرَقْلٍ، فَنَاوَلَ الصَّحِيفَةَ رَجُلًا عَنْ يَسَارِهِ، قَالَ: قُلْتُ مَنْ صَاحِبُكُمُ الَّذِي يَقْرَأُ؟ قَالُوا: مُعَاوِيَةُ، فَإِذَا هُوَ: إِنَّكَ كَتَبْتَ تَدْعُونِي إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَسُبْحَانَ اللَّهِ، فَأَيْنَ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ؟»
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، قَالَ: ثنا سُفْيَانُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، أَنَّ نَاسًا مِنَ الْيَهُودِ سَأَلُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَنْ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، أَيْنَ النَّارُ؟ قَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ أَيْنَ يَكُونُ النَّهَارُ؟ " فَقَالُوا: اللَّهُمَّ نَزَعْتَ مَثَلَهُ مِنَ التَّوْرَاةِ "
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ أَنَّ عُمَرَ أَتَاهُ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، فَسَأَلُوهُ وَعِنْدَهُ أَصْحَابُهُ، فَقَالُوا: أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَأَحْجَمَ النَّاسُ، فَقَالَ عُمَرُ: «أَرَأَيْتُمْ إِذَا جَاءَ اللَّيْلُ، أَيْنَ يَكُونُ النَّهَارُ؟ وَإِذَا جَاءَ النَّهَارُ أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ؟» فَقَالُوا: نَزَعْتَ مَثَلَهَا مِنَ التَّوْرَاةِ " حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُمَرَ، بِنَحْوِهِ فِي الثَّلَاثَةِ الرَّهْطِ الَّذِينَ أَتَوْا عُمَرَ، فَسَأَلُوهُ عَنْ جَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، بِمِثْلِ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ
حَدَّثَنَا مُجَاهِدُ بْنُ مُوسَى، قَالَ: ثنا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ، أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى عُمَرَ، فَقَالَ: تَقُولُونَ: جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أَيْنَ تَكُونُ النَّارُ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: «أَرَأَيْتَ النَّهَارَ إِذَا جَاءَ أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ؟ أَرَأَيْتَ اللَّيْلَ إِذَا جَاءَ، أَيْنَ يَكُونُ النَّهَارُ؟» فَقَالَ: إِنَّهُ
لَمَثَلُهَا فِي التَّوْرَاةِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: لِمَ أَخْبَرْتَهُ؟ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: دَعْهُ إِنَّهُ بِكُلٍّ مُوقِنٌ
حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَازِمٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ: ثنا جَعْفَرُ بْنُ بُرْقَانَ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ، أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَتَى ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: تَقُولُونَ جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، فَأَيْنَ النَّارُ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «أَرَأَيْتَ اللَّيْلَ إِذَا جَاءَ، أَيْنَ يَكُونُ النَّهَارُ؟ وَإِذَا جَاءَ النَّهَارُ، أَيْنَ يَكُونُ اللَّيْلُ؟» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: 133] فَإِنَّهُ يَعْنِي أَنَّ الْجَنَّةَ الَّتِي عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرَضِينَ السَّبْعِ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ اتَّقَوُا اللَّهَ، فَأَطَاعُوهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ، فَلَمْ يَتَعَدَّوْا حُدُودَهُ، وَلَمْ يُقَصِّرُوا فِي وَاجِبِ حَقِّهِ عَلَيْهِمْ فَيُضَيِّعُوهُ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ «أَيْ ذَلِكَ لِمَنْ أَطَاعَنِي وَأَطَاعَ رَسُولِي»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]
يَعْنِي جَلَّ ثناؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: 134] أُعِدَّتِ الْجَنَّةُ الَّتِي عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ لِلْمُتَّقِينَ، وَهُمُ الْمُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِمَّا فِي صَرْفِهِ عَلَى مُحْتَاجٍ، وَإِمَّا فِي تَقْوِيَةِ مُضْعَفٍ عَلَى النُّهُوضِ لِلْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿فِي السَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: 134] فَإِنَّهُ يَعْنِي: فِي حَالِ السُّرُورِ بِكَثْرَةِ الْمَالِ، وَرَخَاءِ الْعَيْشِ، وَالسَّرَّاءُ: مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ سَرَّنِي هَذَا الْأَمْرُ مَسَرَّةً وَسُرُورًا؛ وَالضَّرَّاءُ: مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِهِمْ: قَدْ ضُرَّ فُلَانٌ فَهُوَ يُضَرُّ إِذَا أَصَابَهُ الضُّرُّ، وَذَلِكَ إِذَا أَصَابَهُ الضِّيقُ وَالْجَهْدُ فِي عَيْشِهِ
كَمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: 134] وَالضَّرَّاءِ يَقُولُ: «فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، فَأُخْبِرَ جَلَّ ثناؤُهُ أَنَّ الْجَنَّةَ الَّتِي وَصَفَ صِفَتَهَا لِمَنِ اتَّقَاهُ وَأَنْفَقَ مَالَهُ فِي حَالِ الرَّخَاءِ وَالسَّعَةِ وَفِي حَالِ الضِّيقِ وَالشِّدَّةِ فِي سَبِيلِهِ» وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: 134] يَعْنِي: وَالْجَارِعِينَ الْغَيْظَ عِنْدَ امْتِلَاءِ نُفُوسِهِمْ مِنْهُ، يُقَالُ مِنْهُ: كَظَمَ فُلَانٌ غَيْظَهُ: إِذَا تَجَرَّعَهُ فَحَفِظَ نَفْسَهُ مِنْ أَنَّ تُمْضِيَ مَا هِيَ قَادِرَةٌ عَلَى إِمْضَائِهِ بِاسْتِمْكَانِهَا مِمَّنْ غَاظَهَا وَانْتَصَارَهَا مِمَّنْ ظَلَمَهَا،
وَأَصْلُ ذَلِكَ مِنْ كَظْمِ الْقِرْبَةِ، يُقَالُ مِنْهُ: كَظَمْتُ الْقِرْبَةَ: إِذَا مَلَأْتُهَا مَاءً، وَفُلَانٌ كَظِيمٌ وَمَكْظُومٌ إِذَا كَانَ مُمْتَلِئًا غَمًّا وَحُزْنًا، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ [يوسف: 84] يَعْنِي مُمْتَلِئًا مِنَ الْحُزْنِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِمَجَارِي الْمِيَاهِ الْكَظَائِمُ لِامْتِلَائِهَا بِالْمَاءِ، وَمِنْهُ قِيلَ: أَخَذْتُ بِكَظْمِهِ يَعْنِي بِمَجَارِي نَفْسِهِ وَالْغَيْظُ: مَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: غَاظَنِي فُلَانٌ فَهُوَ يَغِيظُنِي غَيْظًا، وَذَلِكَ إِذَا أَحْفَظَهُ وَأَغْضَبَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 134] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَالصَّافِحِينَ عَنِ النَّاسِ عُقُوبَةَ ذُنُوبِهِمْ إِلَيْهِمْ، وَهُمْ عَلَى الِانْتِقَامِ مِنْهُمْ قَادِرُونَ، فَتَارِكُوهَا لَهُمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134] فَإِنَّهُ يَعْنِي: فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ مَنْ عَمِلَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي وَصَفَ أَنَّهُ أَعَدَّ لِلْعَامِلِينَ بِهَا الْجَنَّةَ الَّتِي عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَالْعَامِلُونَ بِهَا هُمُ الْمُحْسِنُونَ، وَإِحْسَانُهُمْ هُوَ عَمَلُهُمْ بِهَا
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: 134] الْآيَةَ: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134] «أَيْ وَذَلِكَ الْإِحْسَانُ، وَأَنَا أُحِبُّ مَنْ عَمِلَ بِهِ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134] «قَوْمٌ أَنْفَقُوا فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ، وَالْجَهْدِ وَالرَّخَاءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَغْلِبَ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ فَلْيَفْعَلْ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَنِعْمَتْ وَاللَّهِ يَا ابْنَ آدَمَ الْجَرَعَةُ تَجْتَرِعُهَا مِنْ صَبْرٍ وَأَنْتَ مَغِيظٌ وَأَنْتَ مَظْلُومٌ»
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، قَالَ: ثنا مُحْرِزٌ أَبُو رَجَاءٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: " يُقَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: لِيَقُمْ مَنْ كَانَ لَهُ عَلَى اللَّهِ أَجْرٌ، فَمَا يَقُومُ إِلَّا إِنْسَانٌ عَفَا "، ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ قَيْسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الْجَلِيلِ، عَنْ عَمٍّ لَهُ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: 134] أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِنْفَاذِهِ مَلَأَهُ اللَّهُ أَمْنًا وَإِيمَانًا»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: " ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ [آل عمران: 134] إِلَى الْآيَةِ: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134] ، فَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: 37] يَغْضَبُونَ فِي الْأَمْرِ لَوْ وَقَعُوا بِهِ كَانَ حَرَامًا فَيَغْفِرُونَ وَيَعْفُونَ، يَلْتَمِسُونَ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 134] كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ إِلَى: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: 22]
يَقُولُ: لَا تُقْسِمُوا عَلَى أَنْ لَا تُعْطُوهُمْ مِنَ النَّفَقَةِ شَيْئًا وَاعْفُوا وَاصْفَحُوا "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: 135] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ [آل عمران: 135] أَنَّ الْجَنَّةَ الَّتِي وَصَفَ صِفَتَهَا أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الْمُنْفِقِينَ فِي
السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ، وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً، وَجَمِيعُ هَذِهِ النُّعُوتِ مِنْ صِفَةِ الْمُتَّقِينَ الَّذِينَ قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾
كَمَا: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134] ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 135] إِلَى ﴿أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: 136] فَقَالَ: «إِنَّ هَذَيْنِ النَّعْتَيْنِ لِنَعْتِ رَجُلٍ وَاحِدٍ»