تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 462-474

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ

صفحات 462-474
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 59] فَاسْمَعْ ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، الْحَقُّ مِنْ رَبِّكِ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: 60] " فَإِنْ قَالُوا: خُلِقَ عِيسَى مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ، فَقَدْ خَلَقْتُ آدَمَ مِنْ تُرَابٍ بِتِلْكَ الْقُدْرَةِ، مِنْ غَيْرِ أُنْثًى وَلَا ذَكَرٍ فَكَانَ كَمَا كَانَ عِيسَى لَحْمًا وَدَمًا وَشَعْرًا وَبَشَرًا، فَلَيْسَ خَلْقُ عِيسَى مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ بِأَعْجَبَ مِنْ هَذَا "

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59] قَالَ: " أَتَى نَجْرَانِيَّانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَا لَهُ: هَلْ عَلِمْتَ أَنَّ أَحَدًا وُلِدَ مِنْ غَيْرِ ذَكَرٍ فَيَكُونُ عِيسَى كَذَلِكَ؟ قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59] أَكَانَ لِآدَمَ أَبٌ أَوْ أُمٌّ، كَمَا خَلَقْتُ هَذَا فِي

بَطْنِ هَذِهِ؟ " فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ قَالَ: «كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ» ، وَآدَمُ مَعْرِفَةٌ، وَالْمَعَارِفُ لَا تُوصَلُ؟ قِيلَ: إِنَّ قَوْلَهُ: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: 59] غَيْرُ صِلَةٍ لِآدَمَ، وَإِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ عَنْ أَمْرِهِ عَلَى وَجْهِ التَّفْسِيرِ عَنِ الْمَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ وَكَيْفَ كَانَ؟ . وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59] فَإِنَّمَا قَالَ: «فَيَكُونُ» ، وَقَدِ ابْتَدَأَ الْخَبَرَ عَنْ خَلْقِ آدَمَ، وَذَلِكَ خَبَرٌ عَنْ أَمْرٍ قَدْ تَقَضَّى، وَقَدْ أَخْرَجَ الْخَبَرَ عَنْهُ مَخْرَجَ الْخَبَرِ عَمَّا قَدْ مَضَى، فَقَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ [آل عمران: 59] لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْإِعْلَامِ مِنَ اللَّهِ نَبِيَّهُ أَنَّ تَكْوِينَهُ الْأَشْيَاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿كُنْ﴾ [آل عمران: 59] ثُمَّ قَالَ: «فَيَكُونُ» خَبَرًا مُبْتَدَأً، وَقَدْ تَنَاهَى الْخَبَرُ عَنْ أَمْرِ آدَمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: «كُنْ» . فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ، خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ؛ وَاعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ مَا قَالَ لَهُ رَبُّكَ: كُنْ، فَهُوَ كَائِنٌ، فَلَمَّا كَانَ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ [آل عمران: 59] دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ يُرَادُ بِهِ إِعْلَامُ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَائِرِ خَلْقِهِ أَنَّهُ كَائِنٌ مَا كَوْنُهُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ وَلَا أَوَّلٍ وَلَا عُنْصُرٍ اسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ الْكَلَامِ عَلَى الْمَعْنَى، وَقِيلَ: فَيَكُونُ، فَعَطَفَ بِالْمُسْتَقْبَلِ عَلَى الْمَاضِي عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ: فَيَكُونُ رُفِعَ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَمَعْنَاهُ: كُنْ فَكَانَ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: فَإِذَا هُوَ كَائِنٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: 60]

يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: الَّذِي أَنْبَأْتُكَ بِهِ مِنْ خَبَرِ عِيسَى، وَأَنَّ مَثَلَهُ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَبُّهُ: كُنْ، هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ، يَقُولُ: هُوَ الْخَبَرُ الَّذِي هُوَ مِنْ عِنْدِ رَبِّكَ؛ ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: 60] يَعْنِي: فَلَا تَكُنْ مِنَ الشَّاكِّينَ فِي أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: 60] «يَعْنِي فَلَا تَكُنْ فِي شَكٍّ مِنْ عِيسَى أَنَّهُ كَمَثَلِ آدَمَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، وَكَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحُهُ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: 60] يَقُولُ: «فَلَا تَكُنْ فِي شَكٍّ مِمَّا قَصَصْنَا عَلَيْكَ أَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَةٌ مِنْهُ وَرُوحٌ، وَأَنَّ مَثَلَهُ عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: 147] «مَا جَاءَكَ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ عِيسَى» ، ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: 60] «أَيْ قَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَمْتَرِ فِيهِ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: 60] قَالَ: " وَالْمُمْتَرُونَ: الشَّاكُّونَ " وَالْمِرْيَةُ وَالشَّكُّ وَالرَّيْبُ وَاحِدٌ سَوَاءٌ كَهَيْئَةِ مَا تَقُولُ: أَعْطِنِي وَنَاوِلْنِي

وَهَلُمَّ، فَهَذَا مُخْتَلِفٌ فِي الْكَلَامِ وَهُوَ وَاحِدٌ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ﴾ [آل عمران: 61] فَمَنْ جَادَلَكَ يَا مُحَمَّدُ فِي الْمَسِيحِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَالْهَاءُ

فِي قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ﴾ [البقرة: 2] عَائِدَةٌ عَلَى ذِكْرِ عِيسَى، وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ عَائِدَةً عَلَى الْحَقِّ الَّذِي قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [البقرة: 147] وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [البقرة: 145] مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي قَدْ بَيَّنْتُهُ لَكَ فِي عِيسَى أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: 61] هَلُمُّوا فَلْنَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ، وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ، وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ، ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ﴾ [آل عمران: 61] يَقُولُ: ثُمَّ نَلْتَعِنْ، يُقَالُ فِي الْكَلَامِ: مَا لَهُ بَهَلَهُ اللَّهُ، أَيْ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَمَا لَهُ عَلَيْهِ بَهْلَةُ اللَّهِ، يُرِيدُ اللَّعْنَ، وَقَالَ لَبِيدٌ، وَذَكَرَ قَوْمًا هَلَكُوا، فَقَالَ: [البحر الرمل] نَظَرَ الدَّهْرُ إِلَيْهِمْ فَابْتَهَلَ يَعْنِي دَعَا عَلَيْهِمْ بِالْهَلَاكِ ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61] مِنَّا وَمِنْكُمْ فِي آيَةِ عِيسَى

كَمَا: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 61] «أَيْ فِي عِيسَى أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ مِنْ كَلِمَةِ اللَّهِ وَرُوحِهِ» ، ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: 61] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61]

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 61] «أَيْ مِنْ بَعْدِ مَا قَصَصْتُ عَلَيْكَ مِنْ خَبَرِهِ، وَكَيْفَ كَانَ أَمْرُهُ» ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: 61] الْآيَةَ

حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 61] يَقُولُ: «مَنْ حَاجَّكَ فِي عِيسَى مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ فِيهِ مِنَ الْعِلْمِ»

حَدَّثَنَا يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: 61] قَالَ: «مِنَّا وَمِنْكُمْ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: وَثني ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ زِيَادٍ الْحَضْرَمِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ الزُّبَيْدِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَهْلِ نَجْرَانَ حِجَابًا فَلَا أَرَاهُمْ وَلَا يَرَوْنِي» مِنْ شِدَّةِ مَا كَانُوا يُمَارُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّا اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ﴾ [آل عمران: 63] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: إِنَّ هَذَا الَّذِي أَنْبَأْتُكَ بِهِ يَا مُحَمَّدُ مِنْ أَمْرِ عِيسَى، فَقَصَصْتُهُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهِ وَأَنَّهُ عَبْدِي وَرَسُولِي، وَكَلِمَتِي أَلْقَيْتُهَا

إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنِّي، ﴿لَهُوَ الْقَصَصُ﴾ [آل عمران: 62] وَالنَّبَأُ ﴿الْحَقُّ﴾ [البقرة: 26] فَاعْلَمْ ذَلِكَ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْخَلْقِ مَعْبُودٌ يَسْتَوْجِبُ عَلَيْهِمُ الْعِبَادَةَ بِمُلْكِهِ إِيَّاهُمْ إِلَّا مَعْبُودَكَ الَّذِي تَعْبُدَهُ، وَهُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ.
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ ﴿الْعَزِيزُ﴾ [البقرة: 129] الْعَزِيزُ فِي انْتِقَامِهِ مِمَّنْ عَصَاهُ، وَخَالَفَ أَمْرَهُ، وَادَّعَى مَعَهُ إِلَهًا غَيْرَهُ، أَوْ عَبَدَ رَبًّا سِوَاهُ، ﴿الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: 32] فِي تَدْبِيرِهِ، لَا يَدْخُلُ مَا دَبَّرَهُ وَهْنٌ وَلَا يَلْحَقُهُ خَلَلٌ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: 62] «أَيْ إِنَّ هَذَا الَّذِي جِئْتُ بِهِ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ عِيسَى، لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ مِنْ أَمْرِهِ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ﴾ [آل عمران: 62] «إِنَّ هَذَا الَّذِي قُلْنَا فِي عِيسَى لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: 62] قَالَ: «إِنَّ هَذَا الْقَصَصُ الْحَقُّ فِي عِيسَى، مَا يَنْبَغِي لِعِيسَى أَنْ يَتَعَدَّى هَذَا، وَلَا يُجَاوِزَ أَنْ يَتَعَدَّى أَنْ يَكُونَ كَلِمَةَ اللَّهِ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحًا مِنْهُ وَعَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: 62] «إِنَّ هَذَا الَّذِي قُلْنَا فِي عِيسَى هُوَ الْحَقُّ» ﴿وَمَا مِنْ إِلَهِ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 62] الْآيَةَ فَلَمَّا فَصَلَ جَلَّ ثناؤُهُ بَيْنَ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْوَفْدِ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ بِالْقَضَاءِ الْفَاصِلِ وَالْحُكْمِ الْعَادِلِ أَمَرَهُ إِنْ هُمْ تَوَلَّوْا عَمَّا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْإِقْرَارِ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا صَاحِبَةً، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَبَوْا إِلَّا الْجَدَلَ وَالْخُصُومَةَ أَنْ يَدْعُوَهُمَ إِلَى الْمُلَاعَنَةِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا

فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْخَذَلُوا، فَامْتَنَعُوا مِنَ الْمُلَاعَنَةِ وَدَعَوْا إِلَى الْمُصَالَحَةِ

كَالَّذِي: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: فَأَمَرَ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُلَاعَنَتِهِمْ يَعْنِي بِمُلَاعَنَةِ أَهْلِ نَجْرَانَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 61] الْآيَةَ، فَتَوَاعَدُوا أَنْ يُلَاعِنُوهُ، وَوَاعَدُوهُ الْغَدَ، فَانْطَلَقُوا إِلَى السَّيِّدِ وَالْعَاقِبِ وَكَانَا أَعْقَلَهُمْ فَتَابَعَاهُمْ، فَانْطَلَقُوا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ عَاقِلٍ، فَذَكَرُوا لَهُ مَا فَارَقُوا عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: مَا صَنَعْتُمْ؟ وَنَدَّمَهُمْ، وَقَالَ لَهُمْ: إِنْ كَانَ نَبِيًّا ثُمَّ دَعَا عَلَيْكُمْ لَا يُغْضِبُهُ اللَّهُ فِيكُمْ أَبَدًا، وَلَئِنْ كَانَ مَلِكًا فَظَهَرَ عَلَيْكُمْ لَا يَسْتَبْقِيكُمْ أَبَدًا، قَالُوا: فَكَيْفَ لَنَا وَقَدْ وَاعَدَنَا؟ فَقَالَ لَهُمْ: إِذَا غَدَوْتُمْ إِلَيْهِ فَعَرَضَ عَلَيْكُمُ الَّذِي فَارَقْتُمُوهُ عَلَيْهِ، فَقُولُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ فَإِنْ دَعَاكُمْ أَيْضًا، فَقُولُوا لَهُ: نَعُوذُ بِاللَّهِ وَلَعَلَّهُ أَنْ يُعْفِيَكُمْ مِنْ ذَلِكَ، فَلَمَّا غَدَوْا غَدَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْتَضِنًا حَسَنًا آخِذًا بِيَدِ الْحُسَيْنِ وَفَاطِمَةُ تَمْشِي خَلْفَهُ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الَّذِي فَارَقُوهُ عَلَيْهِ بِالْأَمْسِ، فَقَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ ثُمَّ دَعَاهُمْ، فَقَالُوا: نَعُوذُ بِاللَّهِ مِرَارًا، قَالَ: «فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَأَسْلِمُوا وَلَكُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْكُمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَأَعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَأَنْتُمْ صَاغِرُونَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» ، قَالُوا: مَا نَمْلِكُ إِلَّا أَنْفُسَنَا، قَالَ: «فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَإِنِّي أَنْبِذُ إِلَيْكُمْ عَلَى سَوَاءٍ، كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ» ، قَالُوا: مَا لَنَا طَاقَةٌ بِحَرْبِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ نُؤَدِّي الْجِزْيَةَ، قَالَ: فَجَعَلَ عَلَيْهِمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ أَلْفَيْ حُلَّةٍ، أَلْفًا فِي رَجَبٍ وَأَلْفًا فِي صَفَرٍ.
فَقَالَ

النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ أَتَانِي الْبَشِيرُ بِهَلَكَةِ أَهْلِ نَجْرَانَ حَتَّى الطَّيْرُ عَلَى الشَّجَرِ أَوِ الْعَصَافِيرُ عَلَى الشَّجَرِ، لَوْ تَمُّوا عَلَى الْمُلَاعَنَةِ» حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرٌ، قَالَ: فَقُلْتُ لِلْمُغِيرَةِ: إِنَّ النَّاسَ يَرَوْنَ فِي حَدِيثِ أَهْلِ نَجْرَانَ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ مَعَهُمْ، فَقَالَ: أَمَّا الشَّعْبِيُّ فَلَمْ يَذْكُرْهُ، فَلَا أَدْرِي لِسُوءِ رَأْيِ بَنِي أُمَيَّةَ فِي عَلِيٍّ، أَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَدِيثِ؟

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ [آل عمران: 62] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64] " فَدَعَاهُمْ إِلَى النُّصْفِ وَقَطَعَ عَنْهُمُ الْحُجَّةَ، فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَبَرُ مِنَ اللَّهِ عَنْهُ، وَالْفَصْلُ مِنَ الْقَضَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَأَمَرَهُ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ مِنْ مُلَاعَنَتِهِمْ، إِنْ رَدُّوا عَلَيْهِ؛ دَعَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ دَعْنَا نَنْظُرْ فِي أَمْرِنَا، ثُمَّ نَأْتِيكَ بِمَا نُرِيدُ أَنْ نَفْعَلَ فِيمَا دَعَوْتَنَا إِلَيْهِ.
فَانْصَرَفُوا عَنْهُ، ثُمَّ خَلُوا بِالْعَاقِبِ، وَكَانَ ذَا رَأْيهِمْ، فَقَالُوا: يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ مَا تَرَى؟ قَالَ: وَاللَّهِ يَا مَعْشَرَ النَّصَارَى، لَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا نَبِيُّ مُرْسَلٌ، وَلَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْفَصْلِ مِنْ خَبَرِ صَاحِبِكُمْ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا لَاعَنَ قَوْمٌ نَبِيًّا قَطُّ فَبَقِيَ كَبِيرُهُمْ وَلَا نَبَتَ صُغِيرُهُمْ، وَإِنَّهُ لَلِاسْتِئْصَالُ مِنْكُمْ إِنْ فَعَلْتُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ قَدْ أَبَيْتُمْ إِلَّا إِلْفَ دِينِكُمْ، وَالْإِقَامَةَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْقَوْلِ فِي صَاحِبِكُمْ، فَوَادِعُوا الرَّجُلَ ثُمَّ انْصَرِفُوا إِلَى بِلَادِكُمْ حَتَّى يُرِيَكُمْ زَمَنٌ رَأْيَهُ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ، قَدْ رَأَيْنَا أَنْ لَا نُلَاعِنَكَ، وَأَنْ نَتْرُكَكَ عَلَى

دِينِكَ، وَنَرْجِعَ عَلَى دِينِنَا وَلَكِنِ ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِكَ تَرْضَاهُ لَنَا يَحْكُمُ بَيْنَنَا فِي أَشْيَاءَ قَدِ اخْتَلَفْنَا فِيهَا مِنْ أَمْوَالِنَا، فَإِنَّكُمْ عِنْدَنَا رِضًا "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى بْنُ فَرْقَدٍ، عَنْ أَبِي الْجَارُودِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: 61] الْآيَةَ، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلِيٌّ فَاطِمَةُ وَالْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 61] الْآيَةَ، " فَأَخَذَ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ وَفَاطِمَةَ، وَقَالَ لِعَلِيٍّ: «اتْبَعْنَا» فَخَرَجَ مَعَهُمْ، فَلَمْ يَخْرُجْ يَوْمَئِذٍ النَّصَارَى، وَقَالُوا: إِنَّا نَخَافُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَيْسَ دَعْوَةُ النَّبِيِّ كَغَيْرِهَا فَتَخَلَّفُوا عَنْهُ يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَوْ خَرَجُوا لَاحْتَرَقُوا» . فَصَالَحُوهُ عَلَى صُلْحٍ عَلَى أَنَّ لَهُ عَلَيْهِمْ ثَمَانِينَ أَلْفًا فَمَا عَجَزْتِ الدَّرَاهِمُ فَفِي الْعُرُوضِ الْحُلَّةُ بِأَرْبَعِينَ، وَعَلَى أَنَّ لَهُ عَلَيْهِمْ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ دِرْعًا، وَثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا، وَأَرْبَعَةً وَثَلَاثِينَ فَرَسًا غَازِيَةً كُلَّ سَنَةٍ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَامِنٌ لَهَا حَتَّى نُؤَدِّيَهَا إِلَيْهِمْ "

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا وَفْدًا مِنْ وَفْدِ نَجْرَانَ مِنَ النَّصَارَى، وَهُمُ الَّذِينَ حَاجُّوهُ فِي عِيسَى، فَنَكَصُوا عَنْ ذَلِكَ وَخَافُوا.
وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنْ كَانَ الْعَذَابُ لَقَدْ تَدَلَّى عَلَى أَهْلِ نَجْرَانَ، وَلَوْ فَعَلُوا لَاسْتُؤْصِلُوا عَنْ جَدِيدِ الْأَرْضِ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: 61] قَالَ: " بَلَغَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ لَيْلًا عَنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، فَلَمَّا رَأَوْهُ خَرَجَ، هَابُوا وَفَرِقُوا، فَرَجَعُوا، قَالَ مَعْمَرٌ، قَالَ قَتَادَةُ: لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ نَجْرَانَ أَخَذَ بِيَدِ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ وَقَالَ لِفَاطِمَةَ: «اتْبَعِينَا» ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَعْدَاءُ اللَّهِ رَجَعُوا "

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «لَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُبَاهِلُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَرَجَعُوا لَا يَجِدُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا» حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا زَكَرِيَّا بْنُ عَدِيٍّ قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَاعَنُونِي مَا حَالَ الْحَوْلُ وَبِحَضْرَتِهِمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا أَهْلَكَ اللَّهُ الْكَاذِبِينَ»

حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ زَيْدٍ، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَوْ لَاعَنْتَ الْقَوْمَ بِمَنْ كُنْتَ تَأْتِي حِينَ قُلْتَ ﴿أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: 61] ؟ قَالَ: «حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، قَالَ: ثنا الْمُنْذِرُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، قَالَ: ثنا عِلْبَاءُ بْنُ أَحْمَرَ الْيَشْكُرِيُّ، قَالَ: " لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ﴾ [آل عمران: 61] الْآيَةَ، أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ وَابْنَيْهِمَا الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وَدَعَا الْيَهُودَ لِيُلَاعِنَهُمْ فَقَالَ شَابٌّ مِنَ الْيَهُودِ: وَيْحَكُمْ أَلَيْسَ عُهْدُكُمْ بِالْأَمْسِ إِخْوَانُكُمُ الَّذِينَ مُسِخُوا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ؟ لَا تُلَاعِنُوا، فَانْتَهَوْا "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِأَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمْ أَهْلُ التَّوْرَاةِ

وَالْإِنْجِيلِ: ﴿تَعَالَوْا﴾ [آل عمران: 61] هَلُمُّوا ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ [آل عمران: 64] يَعْنِي إِلَى كَلِمَةٍ عَدْلٍ

﴿بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64] وَالْكَلِمَةُ الْعَدْلُ: هِيَ أَنْ نُوَحِّدَ اللَّهَ فَلَا نَعْبُدَ غَيْرَهُ، وَنَبْرَأَ مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ سِوَاهُ فَلَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: 64] يَقُولُ: وَلَا يَدِينُ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ بِالطَّاعَةِ فِيمَا أَمَرَ بِهِ مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ، وَيُعَظِّمُهُ بِالسُّجُودِ لَهُ، كَمَا يَسْجُدُ لِرَبِّهِ.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ [آل عمران: 32] يَقُولُ: فَإِنْ أَعْرَضُوا عَمَّا دَعْوَتَهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْكَلِمَةِ السَّوَاءِ الَّتِي أَمَرْتُكَ بِدُعَائِهِمْ إِلَيْهَا، فَلَمْ يُجِيبُوكَ إِلَيْهَا، فَقُولُوا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لِلْمُتَوَلِّينَ عَنْ ذَلِكَ: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَزَلَتْ فِي يَهُودِ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا حَوَالَيْ مَدِينَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا يَهُودَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إِلَى الْكَلِمَةِ السَّوَاءِ، وَهُمُ الَّذِينَ حَاجُّوا فِي إِبْرَاهِيمَ»

جارٍ التحميل