الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: 51] يَعْنِي بِذَلِكَ: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ، تَعْلَمُونَ بِهَا يَقِينًا صِدْقِي فِيمَا أَقُولُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا مَعْشَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِيمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ فِي كِتَابِهِ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُوسَى فَأَوْفُوا بِعَهْدِهِ الَّذِي عَاهَدْتُمُوهُ فِيهِ، وَأَطِيعُونِ فِيمَا دَعَوْتُكُمْ إِلَيْهِ مِنْ تَصْدِيقِي فِيمَا أَرْسَلَنِي بِهِ إِلَيْكُمْ، رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ، فَإِنَّهُ بِذَلِكَ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ، وَبِإِحْلَالِ بَعْضِ مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْكُمْ فِي كِتَابِكُمْ، وَذَلِكَ هُوَ الطَّرِيقُ الْقَوِيمُ، وَالْهُدَى الْمَتِينُ الَّذِي لَا اعْوِجَاجَ فِيهِ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ [آل عمران: 51] «تَبَرِّيًا مِنَ الَّذِي يَقُولُونَ فِيهِ، يَعْنِي مَا يَقُولُ فِيهِ النَّصَارَى وَاحْتِجَاجًا لِرَبِّهِ عَلَيْهِمْ» ، فَاعْبُدُوهُ وَ ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [آل عمران: 51] «أَيِ الَّذِي هَذَا قَدْ حَمَلْتُكُمْ عَلَيْهِ وَجِئْتُكُمْ بِهِ» وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [آل عمران: 51] فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ الْأَمْصَارِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ﴾ [آل عمران: 51] بِكَسْرِ أَلْفِ «إِنَّ» عَلَى ابْتِدَاءِ الْخَبَرِ، وَقَرَأَهُ بَعْضُهُمْ: «أَنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ» بِفَتْحِ أَلْفِ «أَنَّ» بِتَأْوِيلِ: وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ، عَلَى رَدِّ أَنَّ عَلَى الْآيَةِ، وَالْإِبْدَالِ مِنْهَا.
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقِرَاءَةِ عِنْدَنَا مَا عَلَيْهِ قُرَّاءُ الْأَمْصَارِ، وَذَلِكَ كَسْرُ أَلْفِ «إِنَّ» عَلَى الِابْتِدَاءِ، لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنَ الْقُرَّاءِ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ، وَمَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ فَحُجَّةٌ، وَمَا انْفَرَدَ بِهِ الْمُنْفَرِدُ عَنْهَا فَرَأْي، وَلَا يُعْتَرَضُ بِالرَّأْيِ عَلَى الْحُجَّةِ، وَهَذِهِ الْآيَةُ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا خَبَرًا، فَفِيهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْوَفْدِ الَّذِينَ حَاجُّوهُ مِن أَهْلِ نَجْرَانَ بِإِخْبَارِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ أَنَّ عِيسَى كَانَ بَرِيئًا مِمَّا نَسَبَهُ إِلَيْهِ مَنْ نَسَبَهُ، غَيْرَ الَّذِي وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، مِنْ أَنَّهُ لِلَّهِ عَبْدٌ كَسَائِرِ عَبِيدِهِ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ إِلَّا مَا كَانَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ خَصَّهُ بِهِ مِنَ النُّبُوَّةِ وَالْحُجَجِ الَّتِي آتَاهُ دَلِيلًا عَلَى صِدْقِهِ، كَمَا آتَى سَائِرَ الْمُرْسَلِينَ غَيْرَهُ مِنَ الْأَعْلَامِ وَالْأَدِلَّةِ عَلَى صِدْقِهِمْ، وَالْحُجَّةِ عَلَى نُبُوَّتِهِمْ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 52] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ [آل عمران: 52] فَلَمَّا وَجَدَ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ، وَالْإِحْسَاسُ: هُوَ الْوُجُودُ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ:
﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: 98] فَأَمَّا الْحِسُّ بِغَيْرِ أَلْفٍ، فَهُوَ الْإِفْنَاءُ وَالْقَتْلُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران: 152] وَالْحِسُّ أَيْضًا: الْعَطْفُ وَالرِّقَّةُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْكُمَيْتِ: [البحر البسيط]
هَلْ مَنْ بَكَى الدَّارَ رَاجٍ أَنْ تُحِسَّ لَهُ ... أَوْ يَبْكِيَ الدَّارَ مَاءُ الْعَبْرَةِ الْخَضِلُ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: أَنْ تُحِسَّ لَهُ: أَنْ تَرِقَّ لَهُ.
فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: فَلَمَّا وَجَدَ عِيسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِينَ أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ جُحُودًا لِنُبُوَّتِهِ، وَتَكْذِيبًا لِقَوْلِهِ، وَصَدًّا عَمَّا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، قَالَ: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 52] يَعْنِي بِذَلِكَ: قَالَ عِيسَى: مَنْ أَعْوَانِي عَلَى الْمُكَذِّبِينَ بِحُجَّةِ اللَّهِ، وَالْمُوَلِّينَ عَنْ دِينِهِ، وَالْجَاحِدِينَ نُبُوَّةَ نَبِيِّهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: 275] مَعَ اللَّهِ، وَإِنَّمَا حَسُنَ أَنْ يُقَالَ إِلَى اللَّهِ، بِمَعْنَى: مَعَ اللَّهِ؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ إِذَا ضَمُّوا الشَّيْءَ إِلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ أَرَادُوا الْخَبَرَ عَنْهُمَا بِضَمِّ أَحَدِهِمَا مَعَ الْآخَرِ إِذَا ضُمَّ إِلَيْهِ جَعَلُوا مَكَانَ مَعَ إِلَى أَحْيَانًا، وَأَحْيَانًا تُخْبِرُ عَنْهُمَا بِ «مَعَ» فَتَقُولُ: الذُّودُ إِلَى الذُّودِ إِبِلٌ، بِمَعْنَى: إِذَا ضَمَمْتَ الذُّودَ إِلَى الذُّودِ صَارَتْ إِبِلًا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ الشَّيْءُ مَعَ الشَّيْءِ لَمْ يَقُولُوهُ بِ «إِلَى» وَلَمْ يَجْعَلُوا مَكَانَ مَعَ إِلَى غَيْرَ جَائِزٍ أَنْ يُقَالَ: قَدِمَ فُلَانٌ وَإِلَيْهِ مَالٌ، بِمَعْنَى: وَمَعَهُ مَالٌ.
وَبِمِثْلِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 52] قَالَ جَمَاعَةٌ
مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَوْلُهُ: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 52] يَقُولُ: «مَعَ اللَّهِ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 52] يَقُولُ: «مَعَ اللَّهِ» وَأَمَّا سَبَبُ اسْتِنْصَارِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَنِ اسْتَنْصَرَ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ فَإِنَّ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيهِ اخْتِلَافًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ
كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ مَا: حَدَّثَنِي بِهِ مُوسَى بْنُ هَارُونَ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ " لَمَّا بَعَثَ اللَّهُ عِيسَى، فَأَمَرَهُ بِالدَّعْوَةِ نَفَتْهُ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَخْرَجُوهُ، فَخَرَجَ هُوَ وَأُمُّهُ يَسِيحُونَ فِي الْأَرْضِ، فَنَزَلَ فِي قَرْيَةٍ عَلَى رَجُلٍ، فَضَافَهُمْ وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ، وَكَانَ لِتِلْكَ الْمَدِينَةِ مَلِكٌ جَبَّارٌ مُعْتَدٍ، فَجَاءَ ذَلِكَ الرَّجُلُ يَوْمًا وَقَدْ وَقَعَ عَلَيْهِ هَمٌّ وَحُزْنٌ، فَدَخَلَ مَنْزِلَهُ وَمَرْيَمُ عِنْدَ امْرَأَتِهِ، فَقَالَتْ مَرْيَمُ لَهَا: مَا شَأْنُ زَوْجِكِ أَرَاهُ حَزِينًا؟ قَالَتْ: لَا تَسْأَلِي، قَالَتْ: أَخْبِرِينِي لَعَلَّ اللَّهَ يُفَرِّجُ كُرْبَتَهُ، قَالَتْ: فَإِنَّ لَنَا مَلِكًا يَجْعَلُ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا يَوْمًا يُطْعِمُهُ هُوَ وَجُنُودَهَ، وَيَسْقِيهِمْ مِنَ الْخَمْرِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ عَاقَبَهُ، وَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَتْ نَوْبَتُهُ الْيَوْمَ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ نَصْنَعَ لَهُ فِيهِ، وَلَيْسَ لِذَلِكَ عِنْدَنَا سَعَةٌ، قَالَتْ: فَقُولِي لَهُ: لَا يَهْتَمُّ، فَإِنِّي آمُرُ ابْنِي فَيَدْعُو لَهُ، فَيَكْفِي ذَلِكَ، قَالَتْ مَرْيَمُ لِعِيسَى فِي ذَلِكَ، قَالَ عِيسَى: يَا أُمَّهْ إِنِّي إِنْ فَعَلْتُ كَانَ فِي ذَلِكَ شَرٌّ، قَالَتْ: فَلَا تُبَالِ، فَإِنَّهُ قَدْ أَحْسَنَ إِلَيْنَا وَأَكْرَمَنَا، قَالَ عِيسَى: فَقُولِي لَهُ: إِذَا اقْتَرَبَ ذَلِكَ
فَامْلَأْ قُدُورَكَ وَخَوَابِيكَ مَاءً ثُمَّ أَعْلِمْنِي، قَالَ: فَلَمَّا مَلَأَهُنَّ أَعْلَمَهُ، فَدَعَا اللَّهَ، فَتَحَوَّلَ مَا فِي الْقُدُورِ لَحْمًا وَمَرَقًا وَخُبْزًا، وَمَا فِي الْخَوَابِي خَمْرًا لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهُ قَطُّ وَإِيَّاهُ طَعَامًا؛ فَلَمَّا جَاءَ الْمَلِكُ أَكَلَ، فَلَمَّا شَرِبَ الْخَمْرَ سَأَلَ مِنْ أَيْنَ هَذِهِ الْخَمْرُ؟ قَالَ لَهُ: هِيَ مِنْ أَرْضِ كَذَا وَكَذَا، قَالَ الْمَلِكُ: فَإِنَّ خَمْرِي أُوتِيَ بِهَا مِنْ تِلْكَ الْأَرْضِ فَلَيْسَ هِيَ مِثْلُ هَذِهِ، قَالَ: هِيَ مِنْ أَرْضٍ أُخْرَى؛ فَلَمَّا خَلَطَ عَلَى الْمَلِكِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ، قَالَ: فَأَنَا أُخْبِرُكَ عِنْدِي غُلَامٌ لَا يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَإِنَّهُ دَعَا اللَّهَ، فَجَعَلَ الْمَاءَ خَمْرًا، قَالَ الْمَلِكُ، وَكَانَ لَهُ ابْنٌ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَخْلِفَهُ، فَمَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ، وَكَانَ أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَيْهِ، فَقَالَ: إِنَّ رَجُلًا دَعَا اللَّهَ حَتَّى جَعَلَ الْمَاءَ خَمْرًا، لَيُسْتَجَابَنَّ لَهُ حَتَّى يُحْيِيَ ابْنِي، فَدَعَا عِيسَى فَكَلَّمَهُ، فَسَأَلَهُ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ فَيُحْيِيَ ابْنَهُ، فَقَالَ عِيسَى: لَا تَفْعَلْ؛ فَإِنَّهُ إِنْ عَاشَ كَانَ شَرًّا، فَقَالَ الْمَلِكُ: لَا أُبَالِي، أَلَيْسَ أَرَاهُ؟، فَلَا أُبَالِي مَا كَانَ فَقَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَإِنْ أَحْيَيْتُهُ تَتْرُكُونِي أَنَا وَأُمِّي نَذْهَبُ أَيْنَمَا شِئْنَا؟، قَالَ الْمَلِكُ: نَعَمْ، فَدَعَا اللَّهَ، فَعَاشَ الْغُلَامُ؛ فَلَمَّا رَآهُ أَهْلُ مَمْلَكَتِهِ قَدْ عَاشَ تَنَادَوْا بِالسِّلَاحِ، وَقَالُوا: أَكَلَنَا هَذَا حَتَّى إِذَا دَنَا مَوْتُهُ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ ابْنَهُ فَيَأْكُلَنَا كَمَا أَكَلَنَا أَبُوهُ، فَاقْتَتَلُوا، وَذَهَبَ عِيسَى وَأُمُّهُ، وَصَحِبَهُمَا يَهُودِيُّ، وَكَانَ مَعَ الْيَهُودِيِّ رَغِيفَانِ، وَمَعَ عِيسَى رَغِيفٌ، فَقَالَ لَهُ عِيسَى: شَارِكْنِي، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: نَعَمْ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ
لَيْسَ مَعَ عِيسَى إِلَّا رَغِيفٌ نَدِمَ؛ فَلَمَّا نَامَا جَعَلَ الْيَهُودِيُّ يُرِيدُ أَنْ يَأْكُلَ الرَّغِيفَ، فَلَمَّا أَكَلَ لُقْمَةً قَالَ لَهُ عِيسَى: لَهُ مَا تَصْنَعُ؟ فَيَقُولُ: لَا شَيْءَ، فَيَطْرَحُهَا، حَتَّى فَرَغَ مِنَ الرَّغِيفِ كُلِّهِ؛ فَلَمَّا أَصْبَحَا قَالَ لَهُ عِيسَى: هَلُمَّ طَعَامَكَ، فَجَاءَ بِرَغِيفٍ، فَقَالَ لَهُ عِيسَى: أَيْنَ الرَّغِيفُ الْآخَرُ؟ قَالَ: مَا كَانَ مَعِي إِلَّا وَاحِدٌ، فَسَكَتَ عَنْهُ عِيسَى، فَانْطَلَقُوا، فَمَرُّوا بِرَاعِي غَنَمٍ، فَنَادَى عِيسَى، يَا صَاحِبَ الْغَنَمِ أَجْزِرْنَا شَاةً مِنْ غَنَمِكَ، قَالَ: نَعَمْ، أَرْسِلْ صَاحِبَكَ يَأْخُذُهَا، فَأَرْسَلَ عِيسَى الْيَهُودِيَّ، فَجَاءَ بِالشَّاةِ، فَذَبَحُوهَا وَشَوَوْهَا، ثُمَّ قَالَ لِلْيَهُودِيِّ: كُلْ وَلَا تَكْسِرَنَّ عَظْمًا فَأَكَلَا، فَلَمَّا شَبِعُوا قَذَفَ عِيسَى الْعِظَامَ فِي الْجِلْدِ، ثُمَّ ضَرَبَهَا بِعَصَاهُ وَقَالَ: قَوْمِي بِإِذْنِ اللَّهِ، فَقَامَتِ الشَّاةُ تَثْغُو، فَقَالَ: يَا صَاحِبَ الْغَنَمِ خُذْ شَاتَكَ، فَقَالَ لَهُ الرَّاعِي: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، قَالَ: أَنْتَ السَّاحِرُ، وَفَرَّ مِنْهُ، قَالَ عِيسَى لِلْيَهُودِيِّ: بِالَّذِي أَحْيَا هَذِهِ الشَّاةَ بَعْدَمَا أَكَلْنَاهَا كَمْ كَانَ مَعَكَ رَغِيفًا؟ فَحَلَفَ مَا كَانَ مَعَهُ إِلَّا رَغِيفٌ وَاحِدٌ، فَمَرُّوا بِصَاحِبِ بَقَرٍ، فَنَادَى عِيسَى، فَقَالَ: يَا صَاحِبَ الْبَقَرِ أَجْزِرْنَا مِنْ بَقَرِكَ هَذِهِ عِجْلًا قَالَ: ابْعَثْ صَاحِبَكَ يَأْخُذُهُ، قَالَ: انْطَلِقْ يَا يَهُودِيُّ فَجِئْ بِهِ، فَانْطَلَقَ فَجَاءَ بِهِ، فَذَبَحَهُ وَشَوَاهُ، وَصَاحِبُ الْبَقَرِ يَنْظُرُ، فَقَالَ لَهُ عِيسَى: كُلْ وَلَا تَكْسِرَنَّ عَظْمًا، فَلَمَّا فَرَغُوا قَذَفَ الْعِظَامَ فِي الْجِلْدِ، ثُمَّ ضَرَبَهُ بِعَصَاهُ، وَقَالَ: قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَقَامَ وَلَهُ خُوَارٌ، قَالَ: خُذْ عِجْلَكَ، قَالَ: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عِيسَى، قَالَ: أَنْتَ السَّحَّارُ، ثُمَّ فَرَّ مِنْهُ، قَالَ الْيَهُودِيُّ: يَا عِيسَى أَحْيَيْتَهُ بَعْدَ مَا أَكَلْنَاهُ، قَالَ عِيسَى: فَبِالَّذِي أَحْيَا الشَّاةَ بَعْدَ مَا أَكَلْنَاهَا، وَالْعِجْلَ بَعْدَ مَا أَكَلْنَاهُ، كَمْ كَانَ مَعَكَ رَغِيفًا؟ فَحَلَفَ
بِاللَّهِ مَا كَانَ مَعَهُ إِلَّا رَغِيفٌ وَاحِدٌ؛ فَانْطَلَقَا حَتَّى نَزَلَا قَرْيَةً، فَنَزَلَ الْيَهُودِيُّ أَعْلَاهَا، وَعِيسَى فِي أَسْفَلِهَا، وَأَخَذَ الْيَهُودِيُّ عَصًا مِثْلَ عَصَا عِيسَى، وَقَالَ: أَنَا الْآنَ أُحْيِي الْمَوْتَى وَكَانَ مَلِكُ تِلْكَ الْمَدِينَةِ مَرِيضًا شَدِيدَ الْمَرَضِ، فَانْطَلَقَ الْيَهُودِيُّ يُنَادِي: مَنْ يَبْتَغِي طَبِيبًا؟ حَتَّى أَتَى مَلِكَ تِلْكَ الْقَرْيَةِ، فَأُخْبِرَ بِوَجَعِهِ، فَقَالَ: أَدْخِلُونِي عَلَيْهِ فَأَنَا أُبْرِئُهُ، وَإِنْ رَأَيْتُمُوهُ قَدْ مَاتَ فَأَنَا أُحْيِيهِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ وَجَعَ الْمَلِكِ قَدْ أَعْيَا الْأَطِبَّاءَ قَبْلَكَ، لَيْسَ مِنْ طَبِيبٍ يُدَاوِيهِ، وَلَا يُفِيءُ دَوَاؤُهُ شَيْئًا إِلَّا أَمَرَ بِهِ فَصُلِبَ، قَالَ: أَدْخِلُونِي عَلَيْهِ فَإِنِّي سَأُبْرِئُهُ، فَأُدْخِلَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ بِرِجْلِ الْمَلِكِ فَضَرَبَهُ بِعَصَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ بِعَصَاهُ وَهُوَ مَيِّتٌ، وَيَقُولُ: قُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَأُخِذَ لِيُصْلَبَ، فَبَلَغَ عِيسَى، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ وَقَدْ رُفِعَ عَلَى الْخَشَبَةِ، فَقَالَ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَحْيَيْتُ لَكُمْ صَاحِبَكُمْ أَتَتَرْكُونَ لِي صَاحِبِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، فَأَحْيَا اللَّهُ الْمَلِكَ لِعِيسَى، فَقَامَ وَأَنْزَلَ الْيَهُودِيَّ، فَقَالَ: يَا عِيسَى أَنْتَ أَعْظَمُ النَّاسِ عَلِيَّ مِنَّةً، وَاللَّهِ لَا أُفَارِقُكَ أَبَدًا، قَالَ عِيسَى " فِيمَا حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ قَالَ أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ " لِلْيَهُودِيِّ: أُنْشِدُكَ بِالَّذِي أَحْيَا الشَّاةَ وَالْعِجْلَ بَعْدَ مَا أَكَلْنَاهُمَا، وَأَحْيَا هَذَا بَعْدَ مَا مَاتَ، وَأَنْزَلَكَ مِنَ الْجِذْعِ بَعْدَ مَا رُفِعْتَ عَلَيْهِ لِتُصْلَبَ كَمْ كَانَ مَعَكَ رَغِيفًا؟ قَالَ: فَحَلَفَ بِهَذَا كُلِّهِ مَا كَانَ مَعَهُ
إِلَّا رَغِيفٌ وَاحِدٌ، قَالَ: لَا بَأْسَ، فَانْطَلَقَا حَتَّى مَرَّا عَلَى كَنْزٍ قَدْ حُفَرَتْهُ السِّبَاعُ وَالدَّوَابُّ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: يَا عِيسَى، لِمَنْ هَذَا الْمَالُ، قَالَ عِيسَى: دَعْهُ، فَإِنَّ لَهُ أَهْلًا يَهْلِكُونَ عَلَيْهِ، فَجَعَلَتْ نَفْسُ الْيَهُودِيِّ تَطَّلِعُ إِلَى الْمَالِ، وَيَكْرَهُ أَنْ يَعْصِيَ عِيسَى، فَانْطَلَقَ مَعَ عِيسَى وَمَرَّ بِالْمَالِ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ؛ فَلَمَّا رَأَوْهُ، اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ اثْنَانِ لِصَاحِبَيْهِمَا: انْطَلِقَا فَابْتَاعَا لَنَا طَعَامًا وَشَرَابًا وَدَوَابَّ نَحْمِلُ عَلَيْهَا هَذَا الْمَالَ، فَانْطَلَقَ الرَّجُلَانِ فَابْتَاعَا دَوَابَّ وَطَعَامًا وَشَرَابًا، وَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: هَلْ لَكَ أَنْ نَجْعَلَ لِصَاحِبَيْنَا فِي طَعَامِهِمَا سُمًّا، فَإِذَا أَكَلَا مَاتَا فَكَانَ الْمَالُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ؟، فَقَالَ الْآخَرُ نَعَمْ، فَفَعَلَا، وَقَالَ الْآخَرَانِ: إِذَا مَا أَتْيَانَا بِالطَّعَامِ، فَلْيَقُمْ كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى صَاحِبِهِ فَيَقْتُلْهُ، فَيَكُونُ الطَّعَامُ وَالدَّوَابُّ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَلَمَّا جَاءَا بِطَعَامِهِمَا قَامَا فَقَتَلَاهُمَا، ثُمَّ قَعَدَا عَلَى الطَّعَامِ، فَأَكَلَا مِنْهُ فَمَاتَا، وَأُعْلِمَ ذَلِكَ عِيسَى، فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ: أَخْرِجْهُ حَتَّى نَقْتَسِمَهُ، فَأَخْرَجَهُ فَقَسَمَهُ عِيسَى بَيْنَ ثَلَاثَةٍ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: يَا عِيسَى اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تَظْلِمْنِي، فَإِنَّمَا هُوَ أَنَا وَأَنْتَ، مَا هَذِهِ الثَّلَاثَةُ؟ قَالَ لَهُ عِيسَى هَذَا لِي، وَهَذَا لَكَ، وَهَذَا الثُّلُثُ لِصَاحِبِ الرَّغِيفِ، قَالَ الْيَهُودِيُّ: فَإِنْ أَخْبَرْتُكَ بِصَاحِبِ الرَّغِيفِ تُعْطِنِي هَذَا الْمَالَ؟ فَقَالَ عِيسَى: نَعَمْ، قَالَ أَنَا هُوَ، قَالَ: عِيسَى: خُذْ حَظِّي وَحَظَّكَ وَحَظِّ صَاحِبِ الرَّغِيفِ فَهُوَ حَظُّكَ مِنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ؛ فَلَمَّا حَمَلَهُ مَشَى بِهِ شَيْئًا، فَخُسِفَ بِهِ، وَانْطَلَقَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، فَمَرَّ بِالْحَوَارِيِّينَ وَهُمْ يَصْطَادُونَ السَّمَكَ، فَقَالَ: مَا تَصْنَعُونَ؟ فَقَالُوا: نَصْطَادُ السَّمَكَ، فَقَالَ: أَفَلَا تَمْشُونَ حَتَّى نَصْطَادَ النَّاسَ؟ قَالُوا: وَمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنَا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ، فَآمَنُوا بِهِ، وَانْطَلَقُوا مَعَهُ " فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 52]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: 52] الْآيَةَ، قَالَ: «اسْتَنْصَرَ فَنَصَرَهُ الْحَوَارِيُّونَ وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ» وَقَالَ آخَرُونَ: كَانَ سَبَبُ اسْتِنْصَارِ عِيسَى مَنِ اسْتَنْصَرَ؛ لِأَنَّ مَنِ اسْتَنْصَرَ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ عَلَيْهِ كَانُوا أَرَادُوا قَتْلَهُ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ [آل عمران: 52] قَالَ: «كَفَرُوا وَأَرَادُوا قَتْلَهُ، فَذَلِكَ حِينَ اسْتَنْصَرَ قَوْمَهُ» قَالَ: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 52] وَالْأَنْصَارُ: جَمْعُ نُصَيْرٍ، كَمَا الْأَشْرَافُ جَمْعُ شَرِيفٍ، وَالْأَشْهَادُ جَمْعُ شَهِيدٍ وَأَمَّا الْحَوَارِيُّونِ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ سُمُّوا حَوَارِيِّينَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: سَمُّوا بِذَلِكَ لِبَيَاضِ ثِيَابِهِمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ الْمُحَارِبِيُّ، قَالَ: مِمَّا رَوَى أَبِي، قَالَ: ثنا قَيْسُ بْنُ الرَّبِيعِ، عَنْ مَيْسَرَةَ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: «إِنَّمَا سَمُّوا الْحَوَارِيِّينَ بِبَيَاضِ ثِيَابِهِمْ»
وَقَالَ آخَرُونَ: سُمُّوا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا قَصَّارِينَ يُبَيِّضُونَ الثِّيَابَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ أَبِي أَرْطَأَةَ، قَالَ: " الْحَوَارِيُّونَ: الْغَسَّالُونَ، الَّذِينَ يُحَوِّرُونَ الثِّيَابَ يَغْسِلُونَهَا " وَقَالَ آخَرُونَ: هُمْ خَاصَّةُ الْأَنْبِيَاءِ وَصَفْوَتُهُمْ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ، أَنَّ قَتَادَةَ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «كَانَ مِنَ الْحَوَارِيِّينَ» ، فَقِيلَ لَهُ: مَنِ الْحَوَارِيُّونَ؟ قَالَ: «الَّذِينَ تَصْلُحُ لَهُمُ الْخِلَافَةُ»
حُدِّثْتُ عَنِ الْمِنْجَابِ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا بِشْرٌ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي رَوْقٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ [المائدة: 112] قَالَ: «أَصْفِيَاءُ الْأَنْبِيَاءِ» وَأَشْبَهُ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرْنَا فِي مَعْنَى الْحَوَارِيِّينَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: سُمُّوا بِذَلِكَ لِبَيَاضِ ثِيَابِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ كَانُوا غَسَّالِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْحَوَرَ عِنْدَ الْعَرَبِ: شِدَّةُ الْبَيَاضِ، وَلِذَلِكَ سُمَيَّ الْحَوَارِيُّ مِنَ
الطَّعَامِ حَوَارِيًّا لِشِدَّةِ بَيَاضِهِ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلرَّجُلِ الشَّدِيدِ الْبَيَاضِ مُقْلَةِ الْعَيْنَيْنِ أَحْوَرُ، وَلِلْمَرْأَةِ حَوْرَاءُ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَوَارِيُّو عِيسَى كَانُوا سُمُّوا بِالَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ تَبْيِيضِهِمُ الثِّيَابَ وَأَنَّهُمْ كَانُوا قَصَّارِينَ، فَعُرِفُوا بِصُحْبَةِ عِيسَى وَاخْتِيَارِهِ إِيَّاهُمْ لِنَفْسِهِ أَصْحَابًا وَأَنْصَارًا، فَجَرَى ذَلِكَ الِاسْمُ لَهُمْ وَاسْتُعْمِلَ، حَتَّى صَارَ كُلُّ خَاصَّةٍ لِلرَّجُلِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَأَنْصَارِهِ حَوَارِيَّهُ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِكُلِّ نَبِيٍّ حَوَارِيُّ، وَحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ» يَعْنِي خَاصَّتَهُ وَقَدْ تُسَمِّي الْعَرَبُ النِّسَاءَ اللَّوَاتِي مَسَاكِنُهُنَّ الْقُرَى وَالْأَمْصَارُ حَوَارِيَّاتٌ، وَإِنَّمَا سُمِّينَ بِذَلِكَ لِغَلَبَةِ الْبَيَاضِ عَلَيْهِنَّ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ أَبِي جَلْدَةَ الْيَشْكُرِيِّ:
[البحر الطويل]
فَقُلْ لِلْحَوَارِيَّاتِ يَبْكِينَ غَيْرَنَا ... وَلَا تَبْكِنَا إِلَّا الْكِلَابُ النَّوَابِحُ
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ [آل عمران: 52] قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ صِفَتُهُمْ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَبْيِيضِهِمُ الثِّيَابَ: آمَنَّا بِاللَّهِ، صَدَّقْنَا بِاللَّهِ، وَاشْهَدْ أَنْتَ يَا عِيسَى بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ.
وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ الْإِسْلَامَ دِينُهُ الَّذِي ابْتَعَثَ بِهِ عِيسَى وَالْأَنْبِيَاءَ قَبْلَهُ، لَا النَّصْرَانِيَّةَ وَلَا الْيَهُودِيَّةَ، وُتُبْرِئَةٌ مِنَ اللَّهِ لِعِيسَى مِمَّنِ انْتَحَلَ النَّصْرَانِيَّةَ وَدَانَ بِهَا، كَمَا بَرَأَ إِبْرَاهِيمُ مِنْ سَائِرِ الْأَدْيَانِ غَيْرِ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ احْتِجَاجٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى وَفْدِ نَجْرَانَ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ [آل عمران: 52] وَالْعُدْوَانَ، ﴿قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 52] «وَهَذَا قَوْلُهُمُ الَّذِي أَصَابُوا بِهِ الْفَضْلَ مِنْ رَبِّهِمْ، وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، لَا كَمَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُحَاجُّونَكَ فِيهِ، يَعْنِي وَفْدَ نَصَارَى نَجْرَانَ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 53] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنِ الْحَوَارِيِّينَ أَنَّهُمْ قَالُوا: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا﴾ [آل عمران: 53] أَيْ صَدَّقْنَا ﴿بِمَا أَنْزَلْتَ﴾ [البقرة: 41] يَعْنِي: بِمَا أَنْزَلْتَ عَلَى نَبِيِّكَ عِيسَى مِنْ كِتَابِكَ ﴿وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ﴾ [آل عمران: 53] يَعْنِي بِذَلِكَ: صِرْنَا أَتْبَاعَ عِيسَى عَلَى دِينِكَ
الَّذِي ابْتَعَثْتَهُ بِهِ وَأَعْوَانَهُ عَلَى الْحَقِّ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ بِهِ إِلَى عِبَادِكَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 53] يَقُولُ: فَأَثْبِتْ أَسْمَاءَنَا مَعَ أَسْمَاءِ الَّذِينَ شَهِدُوا بِالْحَقِّ، وَأَقَرُّوا لَكَ بِالتَّوْحِيدِ، وَصَدَّقُوا رُسُلَكَ، وَاتَّبَعُوا أَمْرَكَ وَنَهْيَكَ، فَاجْعَلْنَا فِي عِدَادِهِمْ وَمَعَهُمْ فِيمَا تُكْرِمُهُمْ بِهِ مِنْ كَرَامَتِكَ، وَأَحِلَّنَا مَحَلَّهُمْ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِمَّنْ كَفَرَ بِكَ، وَصَدَّ عَنْ سَبِيلِكَ، وَخَالَفَ أَمْرَكَ وَنَهْيَكَ، يُعَرِّفُ خَلْقَهُ جَلَّ ثناؤُهُ بِذَلِكَ سَبِيلَ الَّذِينَ رَضِيَ أَقْوَالَهُمْ وَأَفْعَالَهُمْ، لِيَحْتَذُوا طَرِيقَهُمْ، وَيَتَّبِعُوا مِنْهَاجَهُمْ، فَيَصِلُوا إِلَى مِثْلِ الَّذِي وَصَلُوا إِلَيْهِ مِنْ دَرَجَاتِ كَرَامَتِهِ، وَيُكَذِّبُ بِذَلِكَ الَّذِينَ انْتَحَلُوا مِنَ الْمِلَلِ غَيْرَ الْحَنِيفِيَّةِ الْمُسْلِمَةِ فِي دَعْوَاهُمْ عَلَى أَنْبِيَاءِ اللَّهِ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى غَيْرِهَا، وَيَحْتَجُّ بِهِ عَلَى الْوَفْدِ الَّذِينَ حَاجُّوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ
أَهْلِ نَجْرَانَ بِأَنَّهُ قِيلَ مَنْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ أَتْبَاعِ عِيسَى كَانَ خِلَافَ قِيلِهِمْ، وَمِنْهَاجُهُمْ غَيْرُ مِنْهَاجِهِمْ
كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 53] «أَيْ هَكَذَا كَانَ قَوْلُهُمْ وَإِيمَانُهُمْ»
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 54] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَمَكَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّ عِيسَى أَحَسَّ مِنْهُمُ الْكُفْرَ، وَكَانَ مَكْرُهُمُ الَّذِي وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهِ مُوَاطَأَةَ بَعْضِهِمْ بَعْضًا عَلَى الْفَتْكِ بِعِيسَى وَقَتْلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ عِيسَى صَلَوَاتُ
اللَّهِ عَلَيْهِ بَعْدَ إِخْرَاجِ قَوْمِهِ إِيَّاهُ وَأُمَّهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ عَادَ إِلَيْهِمْ
فِيمَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ثُمَّ إِنَّ عِيسَى سَارَ بِهِمْ: يَعْنِي بِالْحَوَارِيِّينَ الَّذِينَ كَانُوا يَصْطَادُونَ السَّمَكَ، فَآمَنُوا بِهِ وَاتَّبَعُوهُ إِذْ دَعَاهُمْ حَتَّى أَتَى بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْلًا فَصَاحَ فِيهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ ": ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ [الصف: 14] الْآيَةَ وَأَمَّا مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ فَإِنَّهُ فِيمَا ذَكَرَ السُّدِّيُّ: إِلْقَاؤُهُ شَبَهَ عِيسَى عَلَى بَعْضِ أَتْبَاعِهِ، حَتَّى قَتَلَهُ الْمَاكِرُونَ بِعِيسَى، وَهُمْ يَحْسَبُونَهُ عِيسَى، وَقَدْ رَفَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِيسَى قَبْلَ ذَلِكَ
كَمَا: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ثُمَّ إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ حَصَرُوا عِيسَى وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْحَوَارِيِّينَ فِي بَيْتٍ، فَقَالَ عِيسَى لِأَصْحَابِهِ: مَنْ يَأْخُذَ صُورَتِي فَيُقْتَلُ وَلَهُ الْجَنَّةُ، فَأَخَذَهَا رَجُلٌ مِنْهُمْ، وَصُعِدَ بِعِيسَى إِلَى السَّمَاءِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: 54] فَلَمَّا خَرَجَ الْحَوَارِيُّونَ أَبْصَرُوهُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ، فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّ عِيسَى قَدْ صُعِدَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ، فَجَعَلُوا يَعُدُّونَ الْقَوْمَ فَيَجِدُونَهُمْ يَنْقُصُونَ رَجُلًا مِنَ الْعِدَّةِ، وَيَرَوْنَ صُورَةَ عِيسَى فِيهِمْ فَشَكُّوا فِيهِ، وَعَلَى ذَلِكَ قَتَلُوا الرَّجُلَ وَهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهُ عِيسَى، وَصَلَبُوهُ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ [النساء: 157] " وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى مَكْرِ اللَّهِ بِهِمُ اسْتِدْرَاجُهُ إِيَّاهُمْ لِيَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: 15]
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: 55] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَمَكَرَ اللَّهُ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ حَاوَلُوا قَتْلَ عِيسَى مَعَ
كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ، وَتَكْذِيبِهِمْ عِيسَى فِيمَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِمْ، إِذْ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: 55] فَ «إِذْ» صِلَةٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَمَكَرَ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 54] يَعْنِي: وَمَكَرَ اللَّهُ بِهِمْ حِينَ قَالَ اللَّهُ لِعِيسَى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: 55] فَتَوَفَّاهُ وَرَفَعَهُ إِلَيْهِ.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْوَفَاةِ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ وَفَاةُ نَوْمٍ، وَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ: إِنِّي مُنِيمُكَ،
وَرَافِعُكَ فِي نَوْمِكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: 55] قَالَ: " يَعْنِي وَفَاةَ الْمَنَامِ: رَفَعَهُ اللَّهُ فِي مَنَامِهِ "
قَالَ الْحَسَنُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِلْيَهُودِ: «إِنَّ عِيسَى لَمْ يَمُتْ، وَإِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَيْكُمْ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: إِنِّي قَابِضُكَ مِنَ الْأَرْضِ، فَرَافِعُكَ إِلَيَّ، قَالُوا: وَمَعْنَى الْوَفَاةِ: الْقَبْضُ، لِمَا يُقَالُ: تَوَفَّيْتُ مِنْ فُلَانٍ مَا لِي عَلَيْهِ، بِمَعْنَى: قَبَضْتُهُ وَاسْتَوْفَيْتُهُ، قَالُوا: فَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ﴾ [آل عمران: 55] أَيْ قَابِضُكَ مِنَ الْأَرْضِ حَيًّا إِلَى جَوَارِي، وَآخِذُكَ إِلَى مَا عِنْدِي بِغَيْرِ مَوْتٍ، وَرَافِعُكَ مِنْ بَيْنِ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الْكُفْرِ بِكَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ، قَالَ: ثنا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ، عَنْ مَطَرٍ الْوَرَّاقِ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: 55] قَالَ: «مُتَوَفِّيكَ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَيْسَ بِوَفَاةِ مَوْتٍ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ
الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: 55] قَالَ: «مُتَوَفِّيكَ مِنَ الْأَرْضِ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَوْلُهُ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: 55] قَالَ: «فَرَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، تَوَفِّيهِ إِيَّاهُ، وَتَطْهِيرُهُ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ، قَالَ: ثني مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ أَنَّ كَعْبَ الْأَحْبَارِ قَالَ: «مَا كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِيُمِيتَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، إِنَّمَا بَعَثَهُ اللَّهُ دَاعِيًا وَمُبَشِّرًا يَدْعُو إِلَيْهِ وَحْدَهُ، فَلَمَّا رَأَى عِيسَى قِلَّةَ مَنِ اتَّبَعَهُ وَكَثْرَةَ مَنْ كَذَّبَهُ، شَكَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَأَوْحَى اللَّهِ إِلَيْهِ» : ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: 55] «وَلَيْسَ مَنْ رَفَعْتُهُ عِنْدِي مَيِّتًا، وَإِنِّي سَأَبْعَثُكَ عَلَى الْأَعْوَرِ الدَّجَّالِ، فَتَقْتُلُهُ، ثُمَّ تَعِيشُ بَعْدَ ذَلِكَ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةَ، ثُمَّ أُمِيتُكَ مِيتَةَ الْحَيِّ» قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ: وَذَلِكَ يُصَدِّقُ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ: «كَيْفَ تَهْلِكُ أُمَّةٌ أَنَا فِي أَوَّلِهَا، وَعِيسَى فِي آخِرِهَا؟»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: 55] : «أَيْ قَابِضُكَ»
حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: 55] قَالَ: " مُتَوَفِّيكَ: قَابِضُكَ، قَالَ: وَمُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ وَاحِدٌ، قَالَ: وَلَمْ يَمُتْ بَعْدُ حَتَّى يَقْتُلَ الدَّجَّالَ، وَسَيَمُوتُ "، وَقَرَأَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران: 46] قَالَ: " رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ كَهْلًا، قَالَ: وَيَنْزِلُ كَهْلًا "