تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 398-410

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ

صفحات 398-410
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: 43] قَالَ: " أَطِيلِي الرُّكُودَ، يَعْنِي: الْقُنُوتَ " حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: 43] قَالَ: قَالَ مُجَاهِدٌ: " أَطِيلِي الرُّكُودَ فِي الصَّلَاةِ، يَعْنِي: الْقُنُوتَ "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " لَمَّا قِيلَ لَهَا: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: 43] «قَامَتْ حَتَّى وَرِمَ كَعْبَاهَا»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ.
ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " لَمَّا قِيلَ لَهَا ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: 43] قَامَتْ حَتَّى وَرِمَتْ قَدَمَاهَا "

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: 43] قَالَ: «أَطِيلِي الرُّكُودَ»

حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: 43] قَالَ: " الْقُنُوتُ: الرُّكُودُ، يَقُولُ: قَوْمِي لِرَبِّكِ فِي الصَّلَاةِ، يَقُولُ: ارْكُدِي لِرَبِّكِ، أَيِ انْتَصِبِي لَهُ فِي الصَّلَاةِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ "

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ لَيْثٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: 43] قَالَ: «كَانَتْ تُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ قَدَمَاهَا»

حَدَّثَنِي ابْنُ الْبَرْقِيِّ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا الْأَوْزَاعِيُّ: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: 43] قَالَ: «كَانَتْ تَقُومُ حَتَّى يَسِيلَ الْقَيْحُ مِنْ قَدَمَيْهَا» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: أَخْلِصِي لِرَبِّكِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا الْحِمَّانِيُّ، قَالَ: ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ سَعِيدٍ: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: 43] قَالَ: «أَخْلِصِي لِرَبِّكِ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَاهُ: أَطِيعِي رَبَّكِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ

قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: 43] قَالَ: «أَطِيعِي رَبَّكِ»

حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: 43] «أَطِيعِي رَبَّكِ»

حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ لَهِيعَةَ، عَنْ دَرَّاجٍ، عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «كُلُّ حَرْفٍ يُذْكَرُ فِيهِ الْقُنُوتُ مِنَ الْقُرْآنِ، فَهُوَ طَاعَةٌ لِلَّهِ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ [آل عمران: 43] قَالَ: يَقُولُ: «أعَبْدي رَبَّكِ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَقَدْ بَيَّنَّا أَيْضًا مَعْنَى الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ بِالْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى صِحَّتِهِ، وَأَنَّهُمَا بِمَعْنَى الْخُشُوعِ لِلَّهِ وَالْخُضُوعِ لَهُ بِالطَّاعَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ.
فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ إِذًا: يَا مَرْيَمُ أَخْلِصِي عُبَادَةَ رَبِّكِ لِوَجْهِهِ خَالِصًا، وَاخْشَعِي لِطَاعَتِهِ وَعِبَادَتِهِ، مَعَ مَنْ خَشَعَ لَهُ مِنْ خَلْقِهِ، شُكْرًا لَهُ عَلَى مَا أَكْرَمَكِ بِهِ مِنَ الِاصْطِفَاءِ وَالتَّطْهِيرِ مِنَ الْأَدْنَاسِ وَالتَّفْضِيلِ عَلَى نِسَاءِ عَالَمِ دَهْرِكِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: 44] يَعْنِي جَلَّ ثناؤُهُ بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ﴾ [البقرة: 2] الْأَخْبَارَ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا عِبَادَهُ عَنِ امْرَأَةِ عِمْرَانَ وَابْنَتِهَا مَرْيَمَ وَزَكَرِيَّا، وَابْنِهِ يَحْيَى، وَسَائِرَ مَا قَصَّ فِي الْآيَاتِ

مِنْ قَوْلِهِ

: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [آل عمران: 33] ثُمَّ جَمَعَ جَمِيعَ ذَلِكَ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِقَوْلِهِ ﴿ذَلِكَ﴾ [البقرة: 2] ، فَقَالَ: هَذِهِ الْأَنْبَاءُ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ: أَيْ مِنْ أَخْبَارِ الْغَيْبِ، وَيَعْنِي بِالْغَيْبِ، أَنَّهَا مِنْ خَفِيِّ أَخْبَارِ الْقَوْمِ الَّتِي لَمْ تَطَّلِعْ أَنْتَ يَا مُحَمَّدُ عَلَيْهَا وَلَا قَوْمُكَ، وَلَمْ يَعْلَمْهَا إِلَّا قَلِيلٌ مِنْ أَحْبَارِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَرُهْبَانِهِمْ ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْرُهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَوْحَى ذَلِكَ إِلَيْهِ حُجَّةً عَلَى نُبُوَّتِهِ، وَتَحْقِيقًا لِصِدْقِهِ، وَقَطْعًا مِنْهُ بِهِ عُذْرَ مُنْكِرِي رِسَالَتِهِ مِنْ كُفَّارِ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ أَنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَصِلْ إِلَى عِلْمِ هَذِهِ الْأَنْبَاءِ مَعَ خَفَائِهَا وَلَمْ يُدْرِكْ مَعْرِفَتَهَا مَعَ خُمُولِهَا عِنْدَ أَهْلِهَا إِلَّا بِإِعْلَامِ اللَّهِ ذَلِكَ إِيَّاهُ، إِذْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِّيٌّ لَا يَكْتُبُ فَيَقْرَأُ الْكُتُبَ فَيَصِلُ إِلَى عِلْمِ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْكُتُبِ، وَلَا صَاحَبَ أَهْلَ الْكِتَابِ فَيَأْخُذُ عِلْمَهُ مِنْ قِبَلِهِمْ.
وَأَمَّا الْغَيْبُ: فَمَصْدَرٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: غَابَ فُلَانٌ عَنْ كَذَا، فَهُوَ يَغِيبُ عَنْهُ غَيْبًا وَغَيْبَةً.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: 44] فَإِنَّ تَأْوِيلَهُ: نُنْزِلُهُ إِلَيْكَ.
وَأَصْلُ الْإِيحَاءِ: إِلْقَاءُ الْمُوحِي إِلَى الْمُوحَى إِلَيْهِ، وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ بِكِتَابٍ وَإِشَارَةٍ وَإِيمَاءٍ وَبِإِلْهَامٍ وَبِرِسَالَةٍ كَمَا قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: 68] بِمَعْنَى: أَلْقَى ذَلِكَ إِلَيْهَا فَأَلْهَمَهَا، وَكَمَا قَالَ: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾ [المائدة: 111] بِمَعْنَى: أَلْقَيْتُ إِلَيْهِمْ عِلْمَ ذَلِكَ إِلْهَامًا، وَكَمَا قَالَ الرَّاجِزُ: [البحر الرجز]

أَوْحَى لَهَا الْقَرَارَ فَاسْتَقَرَّتِ بِمَعْنَى: أَلْقَى إِلَيْهَا ذَلِكَ أَمْرًا، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: 11] بِمَعْنَى: فَأَلْقَى ذَلِكَ إِلَيْهِمْ أَيْضًا، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا وَصَفْتُ مِنْ إِلْقَاءِ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ يَكُونُ إِلْقَاؤُهُ ذَلِكَ إِلَيْهِمْ إِيمَاءً، وَيَكُونُ بِكِتَابٍ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: 121] يُلْقُونَ إِلَيْهِمْ ذَلِكَ وَسْوَسَةً، وَقَوْلُهُ: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: 19] أُلْقِيَ إِلَيَّ بِمَجِيءِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِهِ إِلَيَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَمَّا الْوَحْيُ: فَهُوَ الْوَاقِعُ مِنَ الْمُوحِي إِلَى الْمُوحَى إِلَيْهِ، وَلِذَلِكَ سَمَّتِ الْعَرَبُ الْخَطَّ وَالْكِتَابَ وَحْيًا، لِأَنَّهُ وَاقِعٌ فِيمَا كُتِبَ ثَابِتٌ فِيهِ، كَمَا قَالَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ: [البحر الطويل] أَتَى الْعُجْمَ وَالْآفَاقَ مِنْهُ قَصَائِدٌ بَقَيْنَ بَقَاءَ الْوَحْي فِي الْحَجَرِ الْأَصَمّ يَعْنِي بِهِ الْكِتَابَ الثَّابِتَ فِي الْحَجَرِ، وَقَدْ يُقَالُ فِي الْكِتَابِ خَاصَّةً إِذَا كَتَبَهُ الْكَاتِبُ وَحَى، بِغَيْرِ أَلْفٍ، وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ: [البحر الرجز] كَأَنَّهُ بَعْدَ رِيَاحٍ تَدْهَمُهْ ... وَمُرْثَعِنَّاتِ الدُّجُونِ تَثِمُهْ

إِنْجِيلُ أَحْبَارٍ وَحَى مُنَمْنِمُهْ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 44] يَعْنِي جَلَّ ثناؤُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ [آل عمران: 44] وَمَا كُنْتَ يَا مُحَمَّدُ عِنْدَهُمْ، فَتَعْلَمَ مَا نُعْلِمَكَهُ مِنْ أَخْبَارِهِمْ الَّتِي لَمْ تَشْهَدْهَا، وَلَكِنَّكَ إِنَّمَا تَعْلَمُ ذَلِكَ فَتُدْرِكُ مَعْرِفَتَهُ بِتَعْرِيفِنَاكَهُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﴿لَدَيْهِمْ﴾ [آل عمران: 44] عِنْدَهُمْ، وَمَعْنَى

قَوْلِهِ ﴿إِذْ يُلْقُونَ﴾ [آل عمران: 44] حِينَ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ، وَأَمَّا أَقْلَامَهُمْ فَسِهَامُهُمُ الَّتِي اسْتَهَمَ بِهَا الْمُتْسَهِمُونَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى كَفَالَةِ مَرْيَمَ، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا قَبْلُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: 37] وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ﴾ [آل عمران: 44] «يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، قَالَ: ثنا عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ [آل عمران: 44] «زَكَرِيَّا وَأَصْحَابُهُ اسْتَهَمُوا بِأَقْلَامِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ حِينَ دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، مِثْلَهُ

حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: 44] «كَانَتْ مَرْيَمُ ابْنَةَ إِمَامِهِمْ وَسَيِّدِهِمْ، فَتَشَاحَّ عَلَيْهَا بَنُو إِسْرَائِيلَ، فَاقْتَرَعُوا فِيهَا بِسِهَامِهِمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا، فَقَرَعَهُمْ زَكَرِيَّا، وَكَانَ زَوْجَ أُخْتِهَا، فَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا» يَقُولُ: «ضَمَّهَا إِلَيْهِ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ [آل عمران: 44] قَالَ: «تَسَاهَمُوا عَلَى مَرْيَمَ أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا، فَقَرَعَهُمْ زَكَرِيَّا»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 44] «وَإِنَّ مَرْيَمَ لَمَّا وُضِعَتْ فِي الْمَسْجِدِ، اقَتَرَعَ عَلَيْهَا أَهْلُ الْمُصَلَّى، وَهُمْ يَكْتُبُونَ الْوَحْيَ، فَاقْتَرَعُوا بِأَقْلَامِهِمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُهَا، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ» : ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: 44]

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 44] «اقْتَرَعُوا بِأَقْلَامِهِمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ، فَقَرَعَهُمْ زَكَرِيَّا»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، عَنْ عَبَّادٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ [آل عمران: 44] قَالَ: «حَيْثُ اقْتَرَعُوا عَلَى مَرْيَمَ، وَكَانَ غَيْبًا عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَخْبَرَهُ اللَّهُ» وَإِنَّمَا قِيلَ: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 44] لِأَنَّ إِلْقَاءَ الْمُسْتَهِمِينَ أَقْلَامَهُمْ عَلَى مَرْيَمَ إِنَّمَا كَانَ لِيَنْظُرُوا أَيُّهُمْ أَوْلَى بِكَفَالَتِهَا وَأَحَقُّ، فَفِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ [آل عمران: 44] دَلَالَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ مِنَ الْكَلَامِ، وَهُوَ: «لِيَنْظُرُوا أَيُّهُمْ يَكْفُلُ وَلِيَتَبَيَّنُوا ذَلِكَ وَيَعْلَمُوهُ» . فَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْوَاجِبَ فِي «أَيُّهُمْ» النَّصْبُ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ، فَقَدْ ظَنَّ خَطَأً؛ وَذَلِكَ أَنَّ النَّظَرَ وَالتَّبَيُّنَ وَالْعِلْمَ مَعَ «أَيِّ» يَقْتَضِي اسْتِفْهَامًا وَاسْتِخْبَارًا، وَحَظُّ «أَيِّ» فِي الِاسْتِخْبَارِ الِابْتِدَاءُ، وَبِطُولِ عَمَلِ الْمَسْأَلَةِ وَالِاسْتِخْبَارِ عَنْهُ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْقَائِلِ: لَأَنْظُرَنَّ أَيُّهُمْ قَامَ، لَأَسْتَخْبِرَنَّ النَّاسَ أَيُّهُمْ قَامَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لَأَعْلَمَنَّ، وَقَدْ دَلَّلْنَا فِيمَا مَضَى قَبْلُ أَنَّ مَعْنَى يَكْفُلُ يَضُمُّ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: 44]

يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَمَا كُنْتَ يَا مُحَمَّدُ عِنْدَ قَوْمِ مَرْيَمَ، إِذْ يَخْتَصِمُونَ فِيهَا أَيُّهُمْ أَحَقُّ بِهَا وَأَوْلَى، وَذَلِكَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَتَوْبِيخٌ مِنْهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْمُكَذِّبِينَ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ، يَقُولُ: كَيْفَ يَشُكُّ أَهْلُ الْكُفْرِ بِكَ مِنْهُمْ، وَأَنْتَ تُنْبِئُهُمْ هَذِهِ الْأَنْبَاءَ وَلَمْ تَشْهَدْهَا وَلَمْ تَكُنْ مَعَهُمْ يَوْمَ فَعَلُوا هَذِهِ الْأُمُورَ، وَلَسْتَ مِمَّنْ قَرَأَ الْكُتُبَ فَعَلِمَ نَبَأَهُمُ، وَلَا جَالِسَ أَهْلَهَا فَسَمِعَ خَبَرَهُمْ

كَمَا حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران: 44] «أَيْ مَا كُنْتَ مَعَهُمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ فِيهَا يُخْبِرُهُ بِخَفِيِّ مَا كَتَمُوا مِنْهُ مِنَ الْعِلْمِ عِنْدَهُمْ، لِتَحْقِيقِ نُبُوَّتِهِ وَالْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، لِمَا يَأْتِيهِمْ بِهِ مِمَّا أَخْفَوْا مِنْهُ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: 45] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران: 45] وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ، وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ أَيْضًا ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ﴾ [آل عمران: 45] ، وَالتَّبْشِيرُ إِخْبَارُ الْمَرْءِ بِمَا يَسُرُّهُ مِنْ خَبَرٍ، وَقَوْلُهُ: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 45] يَعْنِي: بِرِسَالَةٍ مِنَ اللَّهِ، وَخَبَرٍ مِنْ عِنْدِهِ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ أَلْقَى فُلَانٌ إِلَيَّ كَلِمَةً سَرَّنِي بِهَا، بِمَعْنَى: أَخْبَرَنِي خَبَرًا فَرِحْتُ بِهِ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: 171] يَعْنِي بُشْرَى اللَّهِ مَرْيَمَ بِعِيسَى أَلْقَاهَا إِلَيْهَا.

فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: وَمَا كُنْتَ يَا مُحَمَّدُ عِنْدَ الْقَوْمِ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لِمَرْيَمَ: يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِبُشْرَى مِنْ عِنْدِهِ هِيَ وَلَدٌ لَكِ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ.
وَقَدْ قَالَ قَوْمٌ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ: إِنَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ، هُوَ قَوْلُهُ: «كُنْ»

حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 45] قَالَ: قَوْلُهُ «كُنْ» فَسَمَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَلِمَتَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَنْ كَلِمَتِهِ، كَمَا يُقَالُ لِمَا قَدَّرَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ: هَذَا قَدَرُ اللَّهِ وَقَضَاؤُهُ، يَعْنِي بِهِ: هَذَا عَنْ قَدَرِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ حَدَثَ، وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: 47] يَعْنِي بِهِ: مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ، وَهُوَ الْمَأْمُورُ الَّذِي كَانَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ هِيَ اسْمٌ لِعِيسَى سَمَّاهُ اللَّهُ بِهَا كَمَا سَمَّى سَائِرَ خَلْقِهِ بِمَا شَاءَ مِنَ الْأَسْمَاءِ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهِ قَالَ: الْكَلِمَةِ: هِيَ عِيسَى

حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ سِمَاكٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 45] قَالَ: «عِيسَى هُوَ الْكَلِمَةُ مِنَ اللَّهِ» وَأَقْرَبُ الْوُجُوهِ إِلَى الصَّوَابِ عِنْدِي الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَشَّرَتْ مَرْيَمَ بِعِيسَى عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِرِسَالَتِهِ وَكَلِمَتِهِ الَّتِي أَمَرَهَا أَنْ تُلْقِيَهَا إِلَيْهَا أَنَّ

اللَّهَ خَالِقٌ مِنْهَا وَلَدًا مِنْ غَيْرِ بَعْلٍ وَلَا فَحْلٍ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ [آل عمران: 45] فَذَكَرَ، وَلَمْ يَقُلِ: اسْمُهَا، فَيُؤَنَّثُ وَالْكَلِمَةُ مُؤَنَّثَةٌ؛ لِأَنَّ الْكَلِمَةَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِهَا قَصْدُ الِاسْمِ الَّذِي هُوَ بِمَعْنَى فُلَانٍ، وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى الْبِشَارَةِ، فَذُكِرَتْ كِنَايَتُهَا كَمَا تُذْكَرُ كِنَايَةُ الذُّرِّيَّةِ وَالدَّابَّةِ وَالْأَلْقَابِ، عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّاهُ قَبْلُ فِيمَا مَضَى.
فَتَأْوِيلُ ذَلِكَ كَمَا قُلْنَا آنِفًا، مِنْ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِبُشْرَى، ثُمَّ بَيَّنَ عَنِ الْبُشْرَى، أَنَّهَا وَلَدٌ اسْمُهُ الْمَسِيحُ.
وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ أَنَّهُ إِنَّمَا ذَكَرَ فَقَالَ: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ [آل عمران: 45] وَقَدْ قَالَ: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 45] وَالْكَلِمَةُ عِنْدَهُ: هِيَ عِيسَى؛ لِأَنَّهُ فِي الْمَعْنَى كَذَلِكَ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا﴾ ثُمَّ قَالَ: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ [الزمر: 59] وَكَمَا يُقَالُ: ذُو الثُّدَيَّةِ؛ لِأَنَّ يَدَهُ كَانَتْ قَصِيرَةً قُرَيْبَةً مِنْ ثَدْيَيْهِ فَجَعَلَهَا كَأَنَّ اسْمَهَا ثَدْيَةٌ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ تَدْخُلِ الْهَاءُ فِي التَّصْغِيرِ.
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ نَحْوَ قَوْلِ مَنْ ذَكَرْنَا مِنْ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ، فِي أَنَّ الْهَاءَ مِنْ ذِكْرِ الْكَلِمَةِ، وَخَالَفَهُ فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ ذَكَرَ قَوْلَهُ ﴿اسْمُهُ﴾ [آل عمران: 45] وَالْكَلِمَةُ مُتَقَدِّمَةٌ قَبْلَهُ، فَزَعَمَ أَنَّهُ إِنَّمَا قِيلَ اسْمُهُ، وَقَدْ قُدِّمَتِ الْكَلِمَةُ، وَلَمْ يَقُلْ اسْمَهَا؛ لِأَنَّ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ فِيمَا كَانَ مِنَ النُّعُوتِ وَالْأَلْقَابِ وَالْأَسْمَاءِ الَّتِي لَمْ تُوضَعْ لِتَعْرِيفِ الْمُسَمَّى بِهِ كِفْلَانٍ وَفُلَانٍ، وَذَلِكَ مِثْلُ الذُّرِّيَّةِ وَالْخَلِيفَةِ وَالدَّابَّةِ، وَلِذَلِكَ جَازَ عِنْدَهُ أَنْ يُقَالَ: ذُرِّيَّةً طَيَّبَةً، وَذُرِّيَّةً طَيِّبًا؛ وَلَمْ

يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: طَلْحَةُ أَقْبَلَتْ، وَمُغِيرَةُ قَامَتْ، وَأَنْكَرَ بَعْضُهُمُ اعْتِلَالَ مَنِ اعْتَلَّ فِي ذَلِكَ بِذِي الثُّدَيَّةِ، وَقَالُوا: إِنَّمَا أُدْخِلَتِ الْهَاءُ فِي ذِي الثُّدَيَّةِ؛ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِذَلِكَ الْقِطْعَةُ مِنَ الثَّدْيِ، كَمَا قِيلَ: كُنَّا فِي لَحْمَةٍ وَنَبِيذَةٍ، يُرَادُ بِهِ الْقِطْعَةُ مِنْهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ نَحْوَ قَوْلِنَا الَّذِي قُلْنَاهُ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: 45] فَإِنَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ أَنْبَأَ عِبَادَهُ عَنْ نِسْبَةِ عِيسَى، وَأَنَّهُ ابْنُ أُمِّهِ مَرْيَمَ، وَنَفَى بِذَلِكَ عَنْهُ مَا أَضَافَ إِلَيْهِ الْمُلْحِدُونَ فِي اللَّهِ جَلَّ ثناؤُهُ مِنَ النَّصَارَى، مِنْ إِضَافَتِهِمْ بُنَوَّتَهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَا قُذِفَتْ أُمُّهُ بِهِ الْمُفْتَرِيَةُ عَلَيْهَا مِنَ الْيَهُودِ

كَمَا: حَدَّثَنِي بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ [آل عمران: 45] «أَيْ هَكَذَا كَانَ أَمْرُهُ، لَا مَا يَقُولُونَ فِيهِ» وَأَمَّا الْمَسِيحُ، فَإِنَّهُ فَعِيلٌ، صُرِفَ مِنْ مَفْعُولٍ إِلَى فَعِيلٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مَمْسُوحٌ، يَعْنِي: مَسَحَهُ اللَّهُ فَطَهَّرَهُ مِنَ الذُّنُوبِ، وَلِذَلِكَ قَالَ إِبْرَاهِيمُ: الْمَسِيحُ الصِّدِّيقُ حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، مِثْلَهُ.

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ الْمُبَارَكِ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، مِثْلَهُ وَقَالَ آخَرُونَ: مُسِحَ بِالْبَرَكَةِ

حَدَّثَنَا ابْنُ الْبَرْقِيِّ، قَالَ: ثنا عَمْرُو بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، قَالَ: قَالَ سَعِيدٌ: «إِنَّمَا سُمِّيَ الْمَسِيحَ، لِأَنَّهُ مُسِحَ بِالْبَرَكَةِ»

جارٍ التحميل