الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- الطبري، أبو جعفر
- الكتاب
- تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
- المؤلف
- محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
- الناشر
- دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
- الطبعة
- الأولى، 1422 هـ - 2001 م
- عدد الأجزاء
- 26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، عَنْ عَبَّادٍ، عَنِ الْحَسَنِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ [آل عمران: 37] «وَتَقَارَعَهَا الْقَوْمُ، فَقَرَعَ زَكَرِيَّا، فَكَفَلَهَا زَكَرِيَّا» وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ كَانَ زَكَرِيَّا بَعْدَ وِلَادَةِ حَنَّةَ ابْنَتَهَا مَرْيَمَ كَفَلَهَا بِغَيْرِ اقْتِرَاعٍ وَلَا اسْتِهَامٍ عَلَيْهَا وَلَا مُنَازَعَةِ أَحَدٍ إِيَّاهُ فِيهَا، وَإِنَّمَا كَفَلَهَا لِأَنَّ أُمَّهَا مَاتَتْ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهَا وَهِيَ طِفْلَةٌ، وَعِنْدَ زَكَرِيَّا خَالَتُهَا إِيشَاعُ ابْنَةُ فَاقُوذَ؛ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ اسْمَ أُمِّ يَحْيَى خَالَةِ عِيسَى: أشيعُ
حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي وَهْبُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ شُعَيْبٍ الْجَبَئِيِّ، " أَنَّ اسْمَ أُمِّ يَحْيَى: أشيعُ " فَضَمَّهَا إِلَى خَالَتِهَا أُمِّ يَحْيَى، فَكَانَتْ إِلَيْهِمْ وَمَعَهُمْ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ أَدْخَلُوهَا الْكَنِيسَةَ لِنَذْرِ أُمِّهَا الَّتِي نَذَرَتْ فِيهَا، قَالُوا: وَالِاقِتَراعُ فِيهَا بِالْأَقْلَامِ، إِنَّمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ لِشِدَّةٍ أَصَابَتْهُمْ ضَعُفَ زَكَرِيَّا عَنْ حَمْلِ مُؤْنَتِهَا، فَتَدَافَعُوا حَمْلَ مُؤْنَتِهَا، لَا رَغْبَةً مِنْهُمْ، وَلَا تَنَافُسًا عَلَيْهَا وَعَلَى احْتِمَالِ مُؤْنَتِهَا، وَسَنَذْكُرُ قِصَّتَهَا عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ إِذَا بَلَغْنَا إِلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
حَدَّثَنَا بِذَلِكَ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، فَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ " تَصِحُّ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ: (وَكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءُ) بِتَخْفِيفِ الْفَاءِ لَوْ صَحَّ التَّأْوِيلُ، غَيْرَ أَنَّ الْقَوْلَ مُتَظَاهِرٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ اسْتِهَامَ الْقَوْمِ فِيهَا كَانَ قَبْلَ كَفَالَةِ زَكَرِيَّا إِيَّاهَا، وَأَنَّ زَكَرِيَّا إِنَّمَا كَفَلَهَا بِإِخْرَاجِ سَهْمِهِ مِنْهَا فَالِجًا عَلَى سِهَامِ خُصُومِهِ فِيهَا، فَلِذَلِكَ كَانَتْ قِرَاءَتُهُ بِالتَّشْدِيدِ عِنْدَنَا أَوْلَى مِنْ قِرَاءَتِهِ بِالتَّخْفِيفِ "
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابِ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: 37] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ أَنَّ زَكَرِيَّا كَانَ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا الْمِحْرَابَ بَعْدَ إِدْخَالِهِ إِيَّاهَا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا مِنَ اللَّهِ لِغِذَائِهَا، فَقِيلَ: إِنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ الَّذِي كَانَ يَجِدُهُ زَكَرِيَّا عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ،
وَفَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا الْحَسَنُ بْنُ عَطِيَّةَ، عَنْ شَرِيكٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: 37] قَالَ: «وَجَدَ عِنْدَهَا عِنَبًا فِي مِكْتَلٍ فِي غَيْرِ حِينِهِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا حَكَّامٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ سَعِيدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: 37] قَالَ: «الْعِنَبُ فِي غَيْرِ حِينِهِ»
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: 37] قَالَ: «فَاكِهَةً فِي غَيْرِ حِينِهَا»
حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْكُوفِيُّ، عَنِ الضَّحَّاكِ، «أَنَّهُ كَانَ يَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ وَفَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ» ، يَعْنِي فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: 37] حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، مِثْلَهُ.
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ بَعْضِ أَشْيَاخِهِ، عَنِ الضَّحَّاكِ، مِثْلَهُ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْبِرٌ، عَنِ الضَّحَّاكِ، مِثْلَهُ
حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَنْ، سَمِعَ الْحَكَمَ بْنَ عُتَيْبَةَ، يُحَدِّثُ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: «كَانَ يَجِدُ عِنْدَهَا الْعِنَبَ فِي غَيْرِ حِينِهِ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: 37] قَالَ: «عِنَبًا وَجَدَهُ زَكَرِيَّا عِنْدَ مَرْيَمَ فِي غَيْرِ زَمَانِهِ» حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا أَبُو حُذَيْفَةَ، قَالَ: ثنا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، نَحْوَهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبِي، قَالَ: ثنا النَّضْرُ بْنُ عَرَبِيٍّ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: 37] قَالَ: «فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، وَفَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ»
حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: 37] قَالَ: «كُنَّا نُحَدِّثُ أَنَّهَا كَانَتْ تُؤْتَى بِفَاكِهَةِ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، وَفَاكِهَةِ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ»
حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: 37] قَالَ: «وَجَدَ عِنْدَهَا ثَمَرَةً فِي غَيْرِ زَمَانِهَا»
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: «جَعَلَ زَكَرِيَّا دُونَهَا عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَبْوَابٍ، فَكَانَ يَدْخُلُهَا عَلَيْهَا، فَيَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، وَفَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ»
حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: «جَعَلَهَا زَكَرِيَّا مَعَهُ فِي بَيْتٍ وَهُوَ الْمِحْرَابُ، فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا فِي الشِّتَاءِ، فَيَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الصَّيْفِ، وَيَدْخُلُ فِي الصَّيْفِ فَيَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ»
حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: 37] قَالَ: «كَانَ يَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران: 37] قَالَ: «وَجَدَ عِنْدَهَا ثِمَارَ الْجَنَّةَ، فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ وَفَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ»
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثني بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ «أَنَّ زَكَرِيَّا كَانَ يَجِدُ عِنْدَهَا ثَمَرَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، وَثَمَرَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ»
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، قَالَ: ثنا أَبُو بَكْرٍ الْحَنَفِيُّ، عَنْ عَبَّادٍ، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: " كَانَ زَكَرِيَّا إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا - يَعْنِي عَلَى مَرْيَمَ - الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا مِنَ السَّمَاءِ مِنَ اللَّهِ، لَيْسَ مِنْ عِنْدِ النَّاسِ وَقَالُوا: لَوْ أَنَّ زَكَرِيَّا كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ الرِّزْقَ مِنْ عِنْدِهِ لَمْ يَسْأَلْهَا عَنْهُ " وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ زَكَرِيَّا كَانَ إِذَا دَخَلَ إِلَيْهَا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا مِنَ الرِّزْقِ فَضْلًا عَمَّا كَانَ يَأْتِيهَا بِهِ الَّذِي كَانَ يُمَوِّنُهَا فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: " كَفَلَهَا بَعْدَ هَلَاكِ أُمِّهَا، فَضَمَّهَا إِلَى خَالَتِهَا أُمِّ يَحْيَى، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ أَدْخَلُوهَا الْكَنِيسَةَ لِنَذْرِ أُمِّهَا الَّذِي نَذَرَتْ فِيهَا، فَجَعَلَتْ تَنْبُتُ وَتَزِيدُ، قَالَ ثُمَّ أَصَابَتْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَزْمَةٌ وَهِيَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ حَالِهَا حَتَّى ضَعُفَ زَكَرِيَّا عَنْ حَمْلِهَا، فَخَرَجَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَقَالَ: يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ أَتَعْلَمُونَ وَاللَّهِ لَقَدْ ضَعُفْتُ عَنْ حَمْلِ ابْنَةِ عِمْرَانَ فَقَالُوا: وَنَحْنُ لَقَدْ جَهِدْنَا وَأَصَابَنَا مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ مَا أَصَابَكُمْ.
فَتَدَافَعُوهَا بَيْنَهُمْ، وَهُمْ لَا يَرَوْنَ لَهُمْ مِنْ حَمْلِهَا بُدًّا.
حَتَّى تَقَارَعُوا بِالْأَقْلَامُ فَخَرَجَ السَّهْمُ
بِحَمْلِهَا عَلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ نَجَّارٍ يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ، قَالَ: فَعَرَفَتْ مَرْيَمُ فِي وَجْهِهِ شِدَّةَ مُؤْنَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَكَانَتْ تَقُولُ لَهُ: يَا جُرَيْجُ، أَحْسِنْ بِاللَّهِ الظَّنَّ، فَإِنَّ اللَّهَ سَيَرْزُقُنَا فَجَعَلَ جُرَيْجٌ يُرْزَقُ بِمَكَانِهَا، فَيَأْتِيهَا كُلَّ يَوْمٍ مِنْ كَسْبِهِ بِمَا يُصْلِحُهَا، فَإِذَا أَدْخَلَهُ عَلَيْهَا وَهِيَ فِي الْكَنِيسَةِ أَنْمَاهُ اللَّهُ وَكَثَّرَهُ، فَيَدْخُلُ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا فَيَرَى عِنْدَهَا فَضْلًا مِنَ الرِّزْقِ وَلَيْسَ بِقَدْرِ مَا يَأْتِيهَا بِهِ جُرَيْجٌ، فَيَقُولُ: يَا مَرْيَمُ، أَنَّى لَكِ هَذَا؟ فَتَقُولُ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ " وَأَمَّا الْمِحْرَابُ فَهُوَ مُقَدَّمُ كُلِّ مَجْلِسٍ وَمُصَلًّى، وَهُوَ سَيِّدُ الْمَجَالِسِ وَأَشْرَفُهَا وَأَكْرَمُهَا، وَكَذَلِكَ هُوَ مِنَ الْمَسَاجِدِ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: [البحر الخفيف] كَدُمْى الْعَاجِ فِي الْمَحَارِيبِ أَوْ كَالْ ... بَيْضِ فِي الرَّوْضِ زْهَرُهُ مُسْتِنَيرُ وَالْمَحَارِيبُ جَمْعُ مِحْرَابٍ، وَقَدْ يُجْمَعُ عَلَى مَحَارِبَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 37] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: قَالَ زَكَرِيَّا يَا مَرْيَمُ: أَنَّى لَكِ هَذَا؟ مِنْ
أَيْ وَجْهٍ لَكُ هَذَا الَّذِي أَرَى عِنْدَكَ مِنَ الرِّزْقِ، قَالَتْ مَرْيَمَ مُجِيبَةً لَهُ: هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، تَعْنِي أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي رَزَقَهَا ذَلِكَ فَسَاقَهُ إِلَيْهَا وَأَعْطَاهَا، وَإِنَّمَا كَانَ زَكَرِيَّا يَقُولُ ذَلِكَ لَهَا
" لِأَنَّهُ كَانَ فِيمَا ذُكِرَ لَنَا يُغْلِقُ عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَبْوَابٍ، وَيَخْرُجُ ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهَا، فَيَجِدُ عِنْدَهَا فَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، وَفَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، فَكَانَ يَعْجَبُ مِمَّا يَرَى مِنْ ذَلِكَ، وَيَقُولُ لَهَا تَعَجُّبًا مِمَّا يَرَى: أَنَّى لَكِ هَذَا؟ فَتَقُولُ: مِنْ عِنْدِ اللَّهِ " حَدَّثَنِي بِذَلِكَ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثني بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 37] قَالَ: " فَإِنَّهُ وَجَدَ عِنْدَهَا الْفَاكِهَةَ الْغَضَّةَ حِينَ لَا تُوجَدُ الْفَاكِهَةُ عِنْدَ أَحَدٍ، فَكَانَ زَكَرِيَّا يَقُولُ: يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا "؟ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 37] فَخَبَرٌ مِنَ اللَّهِ أَنَّهُ يَسُوقُ إِلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ رِزْقَهُ بِغَيْرِ إِحْصَاءٍ وَلَا عَدَدٍ يُحَاسِبُ عَلَيْهِ عَبْدَهُ؛ لِأَنَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ لَا يَنْقُصُ سَوْقُهُ ذَلِكَ إِلَيْهِ كَذَلِكَ خَزَائِنَهُ، وَلَا يَزِيدُ إِعْطَاؤُهُ إِيَّاهُ، وَمُحَاسَبَتُهُ
عَلَيْهِ فِي مُلْكِهِ، وَفِيمَا لَدَيْهِ شَيْئًا، وَلَا يَعْزُبُ عَنْهُ عِلْمُ مَا يَرْزُقُهُ، وَإِنَّمَا يُحَاسِبُ مَنْ يُعْطِي مَا يُعْطِيهِ مَنْ يَخْشَى النُّقْصَانَ مِنْ مُلْكِهِ، بِخُرُوجِ مَا خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ بِغَيْرِ حِسَابٍ مَعْرُوفٍ وَمَنْ كَانَ جَاهِلًا بِمَا يُعْطِي عَلَى غَيْرِ حِسَابٍ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذَرِيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: 38] أَمَّا قَوْلُهُ: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: 38] فَمَعْنَاهُ: عِنْدَ ذَلِكَ، أَيْ عِنْدَ رُؤْيَةِ زَكَرِيَّا مَا رَأَى عِنْدَ مَرْيَمَ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ الَّذِي رَزَقَهَا، وَفَضْلِهِ الَّذِي آتَاهَا مِنْ غَيْرِ تَسَبُّبِ أَحَدٍ مِنَ الْآدَمَيِّينَ فِي
ذَلِكَ لَهَا، وَمُعَايَنَتِهِ عِنْدَهَا الثَّمَرَةَ الرَّطْبَةَ الَّتِي لَا تَكُونُ فِي حِينِ رُؤْيَتِهِ إِيَّاهَا عِنْدَهَا فِي الْأَرْضِ، طَمِعَ فِي الْوَلَدِ مَعَ كِبَرِ سِنِّهِ مِنَ الْمَرْأَةِ الْعَاقِرِ، فَرَجَا أَنْ يَرْزَقْهُ اللَّهُ مِنْهَا الْوَلَدَ مَعَ الْحَالِ الَّتِي هُمَا بِهَا، كَمَا رَزَقَ مَرْيَمَ عَلَى تَخَلِّيهَا مِنَ النَّاسِ مَا رَزَقَهَا مِنْ ثَمَرَةِ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، وَثَمَرَةِ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ مِمَّا جَرَتْ بِوُجُودِهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْحِينِ الْعَادَاتُ فِي الْأَرْضِ، بَلِ الْمَعْرُوفُ فِي النَّاسِ غَيْرُ ذَلِكَ، كَمَا أَنَّ وِلَادَةَ الْعَاقِرِ غَيْرُ الْأَمْرِ الْجَارِيَةِ بِهِ الْعَادَاتِ فِي النَّاسِ، فَرَغِبَ إِلَى اللَّهِ جَلَّ ثناؤُهُ فِي الْوَلَدِ، وَسَأَلَهُ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً، وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ بَيْتِ زَكَرِيَّا فِيمَا ذُكِرَ لَنَا، كَانُوا قَدِ انْقَرَضُوا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ
كَمَا: حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " فَلَمَّا رَأَى زَكَرِيَّا مِنْ حَالِهَا ذَلِكَ يَعْنِي فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، وَفَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ، قَالَ: إِنَّ رَبًّا أَعْطَاهَا هَذَا فِي غَيْرِ حِينِهِ، لَقَادِرٌ عَلَى أَنْ يَرْزُقَنِي ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً،
وَرَغِبَ فِي الْوَلَدِ، فَقَامَ فَصَلَّى، ثُمَّ دَعَا رَبَّهُ سِرًّا، فَقَالَ: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثني وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: 5] ، وَقَوْلُهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: 38] وَقَالَ: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْنِي﴾ [الأنبياء: 89] فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ "
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: " فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ زَكَرِيَّا - يَعْنِي فَاكِهَةَ الصَّيْفِ فِي الشِّتَاءِ، وَفَاكِهَةَ الشِّتَاءِ فِي الصَّيْفِ عِنْدَ مَرْيَمَ - قَالَ: إِنَّ الَّذِي يَأْتِي بِهَذَا مَرْيَمَ فِي غَيْرِ زَمَانِهِ، قَادِرٌ أَنْ يَرْزُقَنِي وَلَدًا، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: 38] قَالَ: «فَذَلِكَ حِينَ دَعَا»
حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: " فَدَخَلَ الْمِحْرَابَ، وَغَلَّقَ الْأَبْوَابَ، وَنَاجَى رَبَّهُ، فَقَالَ: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شِيبًا﴾ [مريم: 4] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: 6] ﴿" فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 39] " الْآيَةَ
حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثني بَعْضُ أَهْلِ
الْعِلْمِ، قَالَ: " فَدَعَا زَكَرِيَّا عِنْدَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا أَسَنَّ، وَلَا وَلَدَ لَهُ، وَقَدِ انْقَرَضَ أَهْلُ بَيْتِهِ، فَقَالَ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: 38] ثُمَّ شَكَا إِلَى رَبِّهِ، فَقَالَ: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شِيبًا﴾ [مريم: 4] ، إِلَى: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: 6] ، ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: 39] الْآيَةَ " وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: 38] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالذُّرِّيَّةِ النَّسْلَ، وَبِالطَّيِّبَةِ الْمُبَارَكَةَ
كَمَا: حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: 38] يَقُولُ: «مُبَارَكَةً» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ [آل عمران: 8] فَإِنَّهُ يَعْنِي مِنْ عِنْدِكَ.
وَأَمَّا الذُّرِّيَّةُ: فَإِنَّهَا جَمْعٌ، وَقَدْ تَكُونِ فِي مَعْنَى الْوَاحِدِ، وَهِيَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِلْوَاحِدِ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مُخْبِرًا عَنْ دُعَاءِ زَكَرِيَّا: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: 5] وَلَمْ يَقُلْ «أَوْلِيَاءَ» ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ سَأَلَ وَاحِدًا، وَإِنَّمَا أَنَّثَ طَيِّبَةً لِتَأْنِيثِ الذُّرِّيَّةِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
أَبُوكَ خَلِيفَةٌ وَلَدَتْهُ أُخْرَى ... وَأَنْتَ خَلِيفَةٌ ذَاكَ الْكَمَالِ
فَقَالَ: وَلَدَتْهُ أُخْرَى، فَأَنَّثَ، وَهُوَ ذَكَرٌ لِتَأْنِيثِ لَفْظِ الْخَلِيفَةِ، كَمَا قَالَ الْآخَرُ:
[البحر الطويل]
كَمَا يَزْدَرِي مِنْ حَيَّةٍ جَبَلِيَّةٍ ... سَكَابٍ إِذَا مَا عَضَّ لَيْسَ بِأَدْرَدَا
فَأَنَّثَ الْجَبَلِيَّةَ لِتَأْنِيثِ لَفْظِ الْحَيَّةِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَعْنَى فَقَالَ: إِذَا مَا عَضَّ لِأَنَّهُ كَانَ أَرَادَ حَيَّةً ذَكَرًا، وَإِنَّمَا يَجُوزُ هَذَا فِيمَا لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ فُلَانٌ مِنَ الْأَسْمَاءِ كَالدَّابَّةِ وَالذُّرِّيَّةِ وَالْخَلِيفَةِ، فَأَمَّا إِذَا سُمِّيَ رَجُلٌ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَكَانَ فِي مَعْنَى فُلَانٍ لَمْ يَجُزْ تَأْنِيثُ فِعْلِهِ وَلَا نَعْتِهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران: 38] فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ سَامِعَ الدُّعَاءِ غَيْرَ أَنَّ سَمِيعًا أَمْدَحُ، وَهُوَ بِمَعْنَى ذُو سَمْعٍ لَهُ، وَقَدْ زَعَمَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّكَ تَسْمَعُ مَا تُدْعَى بِهِ، فَتَأْوِيلُ الْآيَةِ: فَعِنْدَ ذَلِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ فَقَالَ: رَبِّ هَبْ لِي مِنْ عِنْدِكَ وَلَدًا مُبَارَكًا، إِنَّكَ ذُو سَمْعٍ دُعَاءَ مَنْ دَعَاكَ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 39] اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبَعْضُ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران: 39] عَلَى التَّأْنِيثِ
بِالتَّاءِ، يُرَادُ بِهَا جَمْعَ الْمَلَائِكَةِ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ فِي جَمَاعَةِ الذُّكُورِ إِذَا تَقَدَّمَتْ أَفْعَالُهَا أَنَّثَتْ أَفْعَالَهَا وَلَا سِيَّمَا الْأَسْمَاءُ الَّتِي فِي أَلْفَاظِهَا التَّأْنِيثُ كَقَوْلِهِمْ: جَاءَتِ الطَّلَحَاتُ،
وَقَدْ قَرَأَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ بِالْيَاءِ، بِمَعْنَى: «فَنَادَاهُ جِبْرِيلُ» فَذَكَرُوهُ لِلتَأْوِيلِ، كَمَا قَدْ ذَكَرْنَا آنِفًا أَنَّهُمْ يُؤَنِّثُونَ فِعْلَ الذَّكَرِ لِلَفْظٍ، فَكَذَلِكَ يُذَكِّرُونَ فَعْلَ الْمُؤَنَّثِ أَيْضًا لِلَفْظٍ.
وَاعْتَبَرُوا ذَلِكَ فِيمَا أَرَى بِقِرَاءَةٍ يُذْكَرُ أَنَّهَا قِرَاءَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ
وَهُوَ مَا: حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا إِسْحَاقُ بْنُ الْحَجَّاجِ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَمَّادٍ أَنَّ قِرَاءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ: «فَنَادَاهُ جِبْرِيلُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ» وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران: 39] جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي مُوسَى، قَالَ: ثنا عَمْرٌو، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران: 39] وَهُوَ جِبْرِيلُ أَوْ: قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ، وَهُوَ جِبْرِيلُ ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران: 39] " فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: وَكَيْفَ جَازَ أَنْ يُقَالَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران: 39] وَالْمَلَائِكَةُ جَمْعٌ لَا وَاحِدٌ؟ قِيلَ: ذَلِكَ جَائِزٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ بِأَنْ تُخْبِرَ عَنِ الْوَاحِدِ بِمَذْهَبِ الْجَمْعِ، كَمَا يُقَالُ فِي الْكَلَامِ: خَرَجَ فُلَانٌ عَلَى بِغَالِ الْبَرْدِ، وَإِنَّمَا رَكِبَ بَغْلًا وَاحِدًا، وَرَكِبَ
السُّفُنَ، وَإِنَّمَا رَكِبَ سَفِينَةً وَاحِدَةً، وَكَمَا يُقَالُ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا الْخَبَرَ؟ فَيُقَالُ: مِنَ النَّاسِ، وَإِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ؛ وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مِنْهُ قَوْلَهُ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: 173] وَالْقَائِلُ كَانَ فِيمَا ذُكِرَ وَاحِدًا، وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ﴾ [الروم: 33] وَالنَّاسُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَهُمْ فِيمَا لَمْ يُقْصَدْ فِيهِ قَصْدٌ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا الصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ عِنْدِي فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ مَعْرُوفَتَانِ، أَعِنِّي التَّاءَ وَالْيَاءَ، فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئُ فَمُصِيبٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْقَرَائِنِ، وَهُمَا جَمِيعًا فَصِيحَتَانِ عِنْدَ الْعَرَبِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ إِنْ كَانَ مُرَادًا بِهَا جِبْرِيلُ كَمَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ فَإِنَّ التَّأْنِيثَ فِي فِعْلِهَا فَصِيحٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لِلَفْظِهَا إِنْ تَقَدَّمَهَا الْفِعْلُ، وَجَائِزٌ فِيهِ التَّذْكِيرُ لِمَعْنَاهَا، وَإِنْ كَانَ مُرَادًا بِهَا جَمْعُ الْمَلَائِكَةِ فَجَائِزٌ فِي فِعْلِهَا التَّأْنِيثُ، وَهُوَ مِنْ قِبَلِهَا لِلَفْظِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ إِذَا قَدَّمَتْ عَلَى الْكَثِيرِ مِنَ الْجَمَاعَةِ فِعْلَهَا أَنَّثَتْهُ، فَقَالَتْ: قَالَتِ النِّسَاءُ، وَجَائِزٌ التَّذْكِيرُ فِي فِعْلِهَا بِنَاءً عَلَى الْوَاحِدِ إِذَا تَقَدَّمَ فِعْلُهُ، فَيُقَالُ: قَالَ الرِّجَالُ.
وَأَمَّا الصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِهِ، فَأَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُهُ أَخْبَرَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ نَادَتْهُ، وَالظَّاهِرُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ دُونَ الْوَاحِدِ وَجِبْرِيلُ وَاحِدٌ فَلَنْ يَجُوزَ أَنْ يُحْمَلَ تَأْوِيلُ الْقُرْآنِ إِلَّا عَلَى الْأَظْهَرِ الْأَكْثَرِ مِنَ الْكَلَامِ الْمُسْتَعْمَلِ فِي أَلْسُنِ الْعَرَبِ، دُونَ الْأَقَلِّ مَا وُجِدَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ، وَلَمْ يَضْطَرَّنَا حَاجَةٌ إِلَى صَرْفِ ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ بِمَعْنَى وَاحِدٍ، فَيَحْتَاجُ لَهُ إِلَى طَلَبِ الْمَخْرَجِ بِالْخَفِيِّ مِنَ الْكَلَامِ وَالْمَعَانِي.
وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ قَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ