تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 217-230

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ

صفحات 217-230
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنِ الْحَسَنِ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165] قَالُوا: «فَإِنَّمَا أَصَابَنَا هَذَا، لَأَنَّا قَبِلْنَا الْفِدَاءَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الْأُسَارَى، وَعَصَيْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَمَنْ قُتِلَ مِنَّا كَانَ شَهِيدًا، وَمَنْ بَقِيَ مِنَّا كَانَ مُطَهَّرًا، رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنْ مُبَارَكٍ، عَنِ الْحَسَنِ، وَابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَا: " مَعْصِيَتُهُمْ أَنَّهُ قَالَ لَهُمْ: لَا تَتَّبِعُوهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ فَاتَّبَعُوهُمْ "

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا أُصِيبَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، يَعْنِي بِأُحُدٍ، وَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ إِنْسَانًا ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: 165] «كَانُوا يَوْمَ بَدْرٍ أَسَرُوا سَبْعِينَ رَجُلًا وَقَتَلُوا سَبْعِينَ» ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران: 165] «أَيْ مِنْ أَيْنَ هَذَا؟» ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165] «أَنَّكُمْ عَصَيْتُمْ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: ﴿أَوْ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ يَقُولُ: «إِنَّكُمْ أَصَبْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، مِثْلَيْ مَا أَصَابُوا مِنْكُمْ يَوْمَ أُحُدٍ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصِيبَةَ الَّتِي أَصَابَتْهُمْ، فَقَالَ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165] «أَيْ إِنْ تَكُ قَدْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ فِي إِخْوَانِكُمْ فَبِذُنُوبِكُمْ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قَتْلًا مِنْ عَدُوِّكُمْ فِي الْيَوْمِ الَّذِيِ كَانَ قَبْلَهُ بِبَدْرٍ، قَتْلَى وَأَسْرَى، وَنَسِيتُمْ مَعْصِيَتَكُمْ وَخِلَافَكُمْ مَا أَمَرَكُمْ بِهِ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّكُمْ أَحْلَلْتُمْ ذَلِكَ بِأَنْفُسِكُمْ» ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 165] : «أَيْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ مَا أَرَادَ بِعِبَادِهِ مِنْ نِقْمَةٍ أَوْ عَفْو قَدِيرٌ»

حُدِّثْتُ عَنِ الْحُسَيْنِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا مُعَاذٍ، يَقُولُ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدٌ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ، يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: 165] الْآيَةَ، يَعْنِي بِذَلِكَ: «أَنَّكُمْ أَصَبْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلَيْ مَا أَصَابُوا مِنْكُمْ يَوْمَ أُحُدٍ» وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ تَأْوِيلِ ذَلِكَ: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ بِإِسَارَتِكُمُ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَخْذِكُمْ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ، وَتَرْكِكُمْ قَتْلَهُمْ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ أَشْعَثَ بْنِ سَوَّارٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبِيدَةَ، قَالَ: " أَسَرَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ سَبْعِينَ، وَقَتَلُوا سَبْعِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اخْتَارُوا أَنْ تَأْخُذُوا مِنْهُمُ الْفِدَاءَ فَتَتَقَوَّوْا بِهِ عَلَى عَدُوِّكُمْ، وَإِنْ قَبِلْتُمُوهُ قُتِلَ مِنْكُمْ سَبْعُونَ أَوْ تَقْتُلُوهُمْ» فَقَالُوا: بَلْ نَأْخُذُ الْفِدْيَةَ مِنْهُمْ، وَيُقْتَلُ مِنَّا سَبْعُونَ، قَالَ: فَأَخَذُوا الْفِدْيَةَ مِنْهُمْ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ سَبْعِينَ؛ قَالَ عُبَيْدَةُ: وَطَلَبُوا الْخَيْرَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا "

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: ثنا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عَبِيدَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنْ شِئْتُمْ قَتَلْتُمُوهُمْ، وَإِنْ شِئْتُمْ فَادَيْتُمُوهُمْ وَاسْتُشْهِدَ مِنْكُمْ بِعِدَّتِهِمْ» ، قَالُوا: «بَلْ نَأْخُذُ الْفِدَاءَ فَنَسْتَمْتِعُ بِهِ، وَيُسْتَشْهَدُ مِنَّا بِعِدَّتِهِمْ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني إِسْمَاعِيلُ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، وَحَدَّثَنِي حَجَّاجٌ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ، عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ كَرِهَ مَا صَنَعَ قَوْمُكَ فِي أَخْذِهِمُ الْأُسَارَى، وَقَدْ أَمَرَكَ أَنْ تُخَيِّرَهُمْ بَيْنَ أَمْرَيْنِ، أَنْ يُقَدَّمُوا فَتُضَرَبَ أَعْنَاقُهُمْ، وَبَيْنَ أَنْ يَأْخُذُوا الْفِدَاءَ عَلَى أَنْ يُقْتَلَ مِنْهُمْ عِدَّتُهُمْ،

قَالَ: فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَشَائِرُنَا وَإِخْوَانُنَا، لَا بَلْ نَأْخُذُ فِدَاءَهُمْ فَنَتَقَوَّى بِهِ عَلَى قِتَالِ عَدُوِّنَا وَيُسْتَشَهَدُ مِنَّا عِدَّتُهُمْ، فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا نَكْرَهُ، قَالَ: فَقُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ رَجُلًا عِدَّةَ أُسَارَى أَهْلِ بَدْرٍ "

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلْيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: 167] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَالَّذِي أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ، وَهُوَ يَوْمُ أُحُدٍ حِينَ الْتَقَى جَمْعُ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَيَعْنِي بِالَّذِي أَصَابَهُمْ: مَا نَالَ مِنَ الْقَتْلِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ، وَمِنَ الْجَرَّاحِ مَنْ جُرِحَ مِنْهُمْ ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 166] يَقُولُ: فَهُوَ بِإِذْنِ اللَّهِ كَانَ، يَعْنِي: بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ فِيكُمْ، وَأَجَابَ «مَا» بِالْفَاءِ، لِأَنَّ «مَا» حَرْفُ جَزَاءٍ، وَقَدْ بَيَّنْتُ نَظِيرَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران: 166] بِمَعْنَى: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا، أَصَابَكُمْ مَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ بِأُحُدٍ، لِيَمِيزَ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْكُمْ مِنَ الْمُنَافِقِينَ، فَيَعْرِفُونَهُمْ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ أَمْرُ الْفَرِيقَيْنِ، وَقَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلَ قَوْلِهِ: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 166] فِيمَا مَضَى وَمَا وَجْهُ ذَلِكَ، بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ

فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 166] «أَيْ مَا أَصَابَكُمْ حِينَ الْتَقَيْتُمْ أَنْتُمْ وَعَدُوُّكُمْ فَبِإِذْنِي، كَانَ ذَلِكَ حِينَ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بَعْدَ أَنْ جَاءَكُمْ نَصْرِي وَصَدَّقْتُمْ وَعْدِي، لِيَمِيزَ بَيْنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ» ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران: 167] «مِنْكُمْ، أَيْ لِيُظْهِرُوا مَا فِيهِمْ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: 167] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ الْمُنَافِقَ وَأَصْحَابَهُ

الَّذِينَ رَجَعُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَصْحَابِهِ، حِينَ سَارَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ بِأُحُدٍ لِقِتَالِهِمْ، فَقَالَ لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ: تَعَالَوْا قَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ مَعَنَا، أَوِ ادْفَعُوا بِتَكْثِيرِكُمْ سَوَادَنَا، فَقَالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكُمْ تُقَاتِلُونَ لَسِرْنَا مَعَكُمْ إِلَيْهِمْ، وَلَكِنَّا مَعَكُمْ عَلَيْهِمْ، وَلَكِنْ لَا نَرَى أَنَّهُ يَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْقَوْمِ قِتَالٌ، فَأَبْدَوْا مِنْ نِفَاقِ أَنْفُسِهِمْ مَا كَانُوا يَكْتُمُونَهُ، وَأَبْدَوْا بِأَلْسِنَتِهِمْ بِقَوْلِهِمْ ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: 167] غَيْرَ مَا كَانُوا يَكْتُمُونَهُ وَيُخْفُونَهُ، مِنْ عَدَاوَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلِ الْإِيمَانِ بِهِ

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ثني مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ، وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، وَالْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَغَيْرُهُمْ مِنْ عُلَمَائِنَا كُلُّهُمْ قَدْ حَدَّثَ، قَالَ: " خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي: حِينَ خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ فِي أَلْفِ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِالشَّوْطِ بَيْنَ أُحُدٍ وَالْمَدِينَةِ انْخَزَلَ عَنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ بِثُلُثِ النَّاسِ، فَقَالَ أَطَاعَهُمْ فَخَرَجَ وَعَصَانِي، وَاللَّهِ مَا نَدْرِي عَلَامَ نَقْتُلُ أَنْفُسَنَا هَاهُنَا أَيُّهَا النَّاسُ؟ فَرَجَعَ بِمَنِ اتَّبَعَهُ مِنَ النَّاسِ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ وَأَهْلِ الرِّيَبِ، وَاتَّبَعَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ أَخُو بَنِي سَلَمَةَ، يَقُولُ: يَا قَوْمُ أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ أَنْ تَخْذُلُوا نَبِيَّكُمْ وَقَوْمَكُمْ عِنْدَمَا حَضَرَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَقَالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكُمْ تُقَاتِلُونَ مَا أَسْلَمْنَاكُمْ، وَلَكِنَّا لَا نَرَى أَنْ يَكُونَ قِتَالٌ، فَلَمَّا اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ، وَأَبَوْا إِلَّا الِانْصِرَافَ عَنْهُمْ، قَالَ أَبْعَدَكُمُ اللَّهُ أَعْدَاءَ اللَّهِ، فَسَيُغْنِي اللَّهُ عَنْكُمْ، وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران: 167] يَعْنِي: «عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ وَأَصْحَابَهُ، الَّذِينَ رَجَعُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حِينَ سَارَ إِلَى عَدُوِّهِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِأُحُدٍ» وَقَوْلُهُ ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: 167] يَقُولُ: «لَوْ نَعْلَمُ أَنَّكُمْ تُقَاتِلُونَ لَسِرْنَا مَعَكُمْ، وَلَدَفَعْنَا عَنْكُمْ، وَلَكِنْ لَا نَظُنُّ أَنْ يَكُونَ قِتَالٌ، فَظَهَرَ مِنْهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ» يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: 167] وَلَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: 167] «أَيْ يُخْفُونَ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: " خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْنِي: يَوْمَ أُحُدٍ فِي أَلْفِ رَجُلٍ، وَقَدْ وَعَدَهُمُ الْفَتْحَ إِنْ صَبَرُوا؛ فَلَمَّا خَرَجُوا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ، فَتَبِعَهُمْ أَبُو جَابِرٍ السَّلِمِيُّ يَدْعُوهُمْ، فَلَمَّا غَلَبُوهُ وَقَالُوا لَهُ: مَا نَعْلَمُ قِتَالًا، وَلَئِنْ أَطَعْتَنَا لَتَرْجِعَنَّ مَعَنَا قَالَ: فَذَكَرَ اللَّهُ أَصْحَابَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ، وَقَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَابِرِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ حِينَ دَعَاهُمْ، فَقَالُوا: مَا نَعْلَمُ قِتَالًا، وَلَئِنْ أَطَعْتُمُونَا لَتَرْجِعُنَّ مَعَنَا " فَقَالَ: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ قَالَ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ عِكْرِمَةُ: ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ [آل عمران: 167] قَالَ: «نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ»

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَأَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا﴾ [آل عمران: 167] قَالَ: «لَوْ نَعْلَمُ أَنَّا وَاجِدُونَ مَعَكُمْ قِتَالًا، لَوْ نَعْلَمُ مَكَانَ قِتَالٍ لَاتَّبَعْنَاكُمْ» وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران: 167] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: أَوْ

كَثِّرُوا، فَإِنَّكُمْ إِذَا كَثَّرْتُمْ دَفَعْتُمُ الْقَوْمَ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران: 167] يَقُولُ: «أَوْ كَثِّرُوا»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران: 167] قَالَ: «بِكَثْرَتِكُمُ الْعَدُوَّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قِتَالٌ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَوْ رَابِطُوا إِنْ لَمْ تُقَاتِلُوا

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ حَفْصٍ الْآمُلِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ سَهْلٍ الرَّمْلِيُّ، قَالَا: ثنا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، قَالَ: ثنا عُتْبَةُ بْنُ ضَمْرَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَوْنٍ الْأَنْصَارِيَّ، فِي قَوْلِهِ: ﴿قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ [آل عمران: 167] قَالَ: «رَابِطُوا» وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ [آل عمران: 167] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: وَاللَّهُ أَعْلَمُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَقُولُونَ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالشَّنَآنِ، وَأَنَّهُمْ لَوْ عَلِمُوا قِتَالًا مَا تَبِعُوهُمْ، وَلَا دَافَعُوا عَنْهُمْ، وَهُوَ تَعَالَى ذِكْرُهُ مُحِيطٌ بِمَا

يُخْفُونَهُ مِنْ ذَلِكَ، مُطَّلِعٌ عَلَيْهِ، وَمُحْصِيهِ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُهَتِّكَ أَسْتَارَهُمْ فِي عَاجِلِ الدُّنْيَا، فَيَفْضَحَهُمْ بِهِ، وَيُصْلِيَهُمْ بِهِ الدَّرْكَ الْأَسْفَلَ مِنَ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ نَافَقُوا، الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا، فَمَوْضِعُ «الَّذِينَ» نَصْبٌ عَلَى الْإِبْدَالِ مِنْ «الَّذِينَ نَافَقُوا» ،

وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَفْعٌا عَلَى التَّرْجَمَةِ عَمَّا فِي قَوْلِهِ: ﴿يَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: 159] مِنْ ذِكْرِ «الَّذِينَ نَافَقُوا» فَمَعْنَى الْآيَةِ: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ أُصِيبُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي حَرْبِهِمُ الْمُشْرِكِينَ بِأُحُدٍ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقُتِلُوا هُنَالِكَ مِنْ عَشَائِرِهِمْ وَقَوْمِهِمْ، ﴿وَقَعَدُوا﴾ [آل عمران: 168] يَعْنِي: وَقَعَدَ هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ الْقَائِلُونَ مَا قَالُوا مِمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُمْ مِنْ قِيلِهِمْ عَنِ الْجِهَادِ مَعَ إِخْوَانِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾ [آل عمران: 168] يَعْنِي: لَوْ أَطَاعَنَا مَنْ قُتِلَ بِأُحُدٍ مِنْ إِخْوَانِنَا وَعَشَائِرِنَا ﴿مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: 168] يَعْنِي: مَا قُتِلُوا هُنَالِكَ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِهَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ: فَادْرَءُوا، يَعْنِي: فَادْفَعُوا مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: دَرَأْتُ عَنْ فُلَانٍ الْقَتْلَ، بِمَعْنَى: دَفَعْتُ عَنْهُ، أَدْرَؤُهُ دَرْءًا، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ: [البحر الوافر] تَقُولُ وَقَدْ دَرَأْتُ لَهَا وَضِينِي ... أَهَذَا دِينُهُ أَبَدًا وَدِينِي ؟ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قُلْ لَهُمْ: فَادْفَعُوا إِنْ كُنْتُمْ أَيُّهَا الْمُنَافِقُونَ صَادِقِينَ فِي

قِيلِكُمْ: لَوْ أَطَاعَنَا إِخْوَانُنَا فِي تَرْكِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَعَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِتَالِهِمْ أَبَا سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ قُرَيْشٍ، مَا قُتِلُوا هُنَالِكَ بِالسَّيْفِ، وَلَكَانُوا أَحْيَاءً بِقُعُودِهِمْ مَعَكُمْ وَتَخَلُّفِهِمْ عَنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشُهُودِ جِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ مَعَهُ؛ الْمَوْتَ فَإِنَّكُمْ قَدْ قَعَدْتُمْ عَنْ حَرْبِهِمْ، وَقَدْ تَخَلَّفْتُمْ عَنْ جِهَادِهِمْ، وَأَنْتُمْ لَا مَحَالَةَ مَيِّتُونَ

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ [آل عمران: 168] «الَّذِينَ أُصِيبُوا مَعَكُمْ مِنْ عَشَائِرِهِمْ وَقَوْمِهِمْ» : ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: 168] الْآيَةَ: «أَيْ أَنَّهُ لَابُدَّ مِنَ الْمَوْتِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَدْفَعُوهُ عَنْ أَنْفُسِكُمْ فَافْعَلُوا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ إِنَّمَا نَافَقُوا وَتَرَكُوا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، حِرْصًا عَلَى الْبَقَاءِ فِي الدُّنْيَا وَفِرَارًا مِنَ الْمَوْتِ»

ذِكْرُ مَنْ قَالَ: الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ هَذَا الْقَوْلَ هُمُ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران: 167] حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: 168] الْآيَةَ، «ذُكِرَ لَنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ، قَالَ: «هُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وَأَصْحَابُهُ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: «هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ الَّذِي قَعَدَ وَقَالَ لِإِخْوَانِهِ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ» : ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: 168] الْآيَةَ "

قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: «هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ»

حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا﴾ [آل عمران: 168] الْآيَةَ، قَالَ: «نَزَلَتْ فِي عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [آل عمران: 170] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ [آل عمران: 169] وَلَا تَظُنَّنَّ

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ [آل عمران: 169] «وَلَا تَظُنَّنَّ» وَقَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 169] يَعْنِي: الَّذِينَ قُتِلُوا بِأُحُدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: 28] يَقُولُ: وَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ يَا مُحَمَّدُ أَمْوَاتًا، لَا يَحُسُّونَ شَيْئًا، وَلَا يَلْتَذُّونَ، وَلَا يَتَنَعَّمُونَ، فَإِنَّهُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدِي، مُتَنَعِّمُونَ فِي رِزْقِي،

فَرِحُونَ مَسْرُورُونَ بِمَا آتَيْتُهُمْ مِنْ كَرَامَتِي وَفَضْلِي، وَحَبَوْتُهُمْ بِهِ مِنْ جَزِيلِ ثَوَابِي وَعَطَائِي

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَحَدَّثني يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: ثنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانَكُمْ بِأُحُدٍ، جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ، وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ؛ فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَشْرَبِهِمْ وَمَأْكَلِهِمْ وَحُسْنَ مَقِيلِهِمْ، قَالُوا: يَا لَيْتَ إِخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ مَا صَنَعَ اللَّهُ بِنَا، لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ وَلَا يَنْكِلُوا عَنِ الْحَرْبِ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ «فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ»

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَحَدَّثنا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، قَالَا جَمِيعًا: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ، قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذِهِ الْآيَاتِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 169] الْآيَةَ، قَالَ: أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْهَا، فَقِيلَ لَنَا: " إِنَّهُ لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُهُمْ

بِأُحُدٍ، جَعَلَ اللَّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، فَيَطَّلِعُ اللَّهُ إِلَيْهِمُ اطِّلَاعَةً، فَيَقُولُ: يَا عِبَادِي مَا تَشْتَهُونَ فَأَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا لَا فَوْقَ مَا أَعْطَيْتَنَا الْجَنَّةَ، نَأْكُلُ مِنْهَا حَيْثُ شِئْنَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يَطَّلِعُ فَيَقُولُ: يَا عِبَادِي مَا تَشْتَهُونَ فَأَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا لَا فَوْقَ مَا أَعْطَيْتَنَا الْجَنَّةَ، نَأْكُلُ مِنْهَا حَيْثُ شِئْنَا، إِلَّا أَنَّا نَخْتَارُ أَنْ تُرَدَّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا، ثُمَّ تَرُدَّنَا إِلَى الدُّنْيَا، فَنُقَاتِلَ فِيكَ حَتَّى نُقْتَلَ فِيكَ مَرَّةً أُخْرَى " حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى الْعَبْدِيُّ، قَالَ: ثنا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: ثنا شُعْبَةُ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ، وَزَادَ فِيهِ: «إِنِّي قَدْ قَضَيْتُ أَنْ لَا تَرْجِعُوا»

حَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَنَّى، قَالَ: ثنا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: سَأَلْنَا عَبْدَ اللَّهِ عَنْ أَرْوَاحِ الشُّهَدَاءِ وَلَوْلَا عَبْدُ اللَّهِ مَا أَخْبَرَنَا بِهِ أَحَدٌ قَالَ: " أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، فِي قَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ، تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَرْجِعُ إِلَى قَنَادِيلِهَا، فَيَطَّلِعُ إِلَيْهَا رَبُّهَا، فَيَقُولُ: مَاذَا تُرِيدُونَ؟ فَيَقُولُونَ: نُرِيدُ أَنْ نَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَنُقْتَلَ مَرَّةً

جارٍ التحميل