تفسير الطبري = جامع البيانصفحات 201-216

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ [آل عمران: 14] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ الرَّاعِيَةُ

صفحات 201-216
عن هذه الطبعة
عَلَم
الطبري، أبو جعفر
الكتاب
تفسير الطبري = جامع البيان عن تأويل آي القرآن
المؤلف
محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)تحقيق: الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات الإسلامية بدار هجر الدكتور عبد السند حسن يمامة
الناشر
دار هجر للطباعة والنشر والتوزيع والإعلان
الطبعة
الأولى، 1422 هـ - 2001 م
عدد الأجزاء
26 مجلد 24 مجلد ومجلدان فهارس [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]

حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ، قَالَ: ثنا ابْنُ عُلَيَّةَ، قَالَ: ثنا أَبُو حَيَّانَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِينَا يَوْمًا، فَذَكَرَ الْغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ، فَقَالَ: " لَا أُلْفَيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثني " ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي كُرَيْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا حَفْصُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ يَعْقُوبَ الْقُمِّيِّ، قَالَ: ثنا حَفْصُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَا أَعْرِفَنَّ أَحَدَكُمْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ شَاةً لَهَا ثُغَاءٌ، يُنَادِي: يَا مُحَمَّدُ، يَا مُحَمَّدُ فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُكَ وَلَا أَعْرِفَنَّ أَحَدَكُمْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلَ جَمَلًا لَا رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُكَ وَلَا أَعْرِفَنَّ أَحَدَكُمْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ فَرَسًا لَهُ حَمْحَمَةٌ، يُنَادِي: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُكَ وَلَا أَعْرِفَنَّ أَحَدَكُمْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُ قِشْعًا مِنْ

أَدَمٍ يُنَادِي: يَا مُحَمَّدُ يَا مُحَمَّدُ، فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ بَلَّغْتُكَ "

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: ثنا أَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُصَدِّقًا فَجَاءَ بِسَوَادٍ كَثِيرٍ، قَالَ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ يَقْبَضُهُ مِنْهُ؛ فَلَمَّا أَتَوْهُ، جَعَلَ يَقُولُ: هَذَا لِي، وَهَذَا لَكُمْ؛ قَالَ: فَقَالُوا: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟ قَالَ: أُهْدِيَ إِلَيَّ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرُوهُ بِذَلِكَ، فَخَرَجَ فَخَطَبَ، فَقَالَ: " أَيُّهَا النَّاسُ، مَا بَالِي أَبْعَثُ قَوْمًا إِلَى الصَّدَقَةِ، فَيَجِيءُ أَحَدُهُمْ بِالسَّوَادِ الْكَثِيرِ، فَإِذَا بَعَثْتُ مَنْ يَقْبَضُهُ قَالَ: هَذَا لِي، وَهَذَا لَكُمْ فَإِنْ كَانَ صَادِقًا أَفَلَا أُهْدِيَ لَهُ وَهُوَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ، أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ؟ " ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ بَعَثناهُ عَلَى عَمَلٍ فَغَلَّ شَيْئًا، جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى عُنُقِهِ يَحْمِلُهُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى عُنُقِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ تَخُورُ، أَوْ شَاةٌ تَثْغُو»

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، وَابْنُ نُمَيْرٍ، وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا

مِنَ الْأَزْدِ، يُقَالُ لَهُ ابْنُ الْأَتَبِيَّةِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ؛ فَلَمَّا جَاءَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفَلَا يَجْلِسُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ فَتَأْتِيهِ هَدِيَّتُهُ؟» ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وَأُنْثَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: " أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَسْتَعْمِلُ رِجَالًا مِنْكُمْ عَلَى أُمُورٍ مِمَّا وَلَّانِيَ اللَّهُ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ: هَذَا الَّذِي لَكُمْ، وَهَذَا هَدِيَّةٌ أُهْدِيَتْ إِلَيَّ أَفَلَا يَجْلِسُ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ فَتَأْتِيهِ هَدِيَّتُهُ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى عُنُقِهِ، فَلَا أَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ رَجُلٌ يَحْمِلُ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَثْغُو " ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ فَقَالَ: «أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ» حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحِيمِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ، حَدَّثَهُ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيثِ، قَالَ: «أَفَلَا جَلَسْتَ فِي بَيْتِ أَبِيكَ وَأُمِّكَ حَتَّى تَأْتِيَكَ هَدِيَّتُكَ؟» ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ حَتَّى إِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ «اللَّهُمَّ بَلَّغْتُ» قَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: بَصُرَ عَيْنِي، وَسَمِعَ أُذُنِيَ

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: ثني عَمِّي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ، أَنَّ مُوسَى بْنَ جُبَيْرٍ، حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحُبَابِ الْأَنْصَارِيَّ، حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ، تَذَاكَرَ هُوَ

وَعُمَرُ يَوْمًا الصَّدَقَةَ، فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ ذَكَرَ غُلُولَ الصَّدَقَةِ: «مَنْ غَلَّ مِنْهَا بَعِيرًا أَوْ شَاةً فَإِنَّهُ يَحْمِلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ: بَلَى

حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى الْأُمَوِيُّ، قَالَ: ثنا أَبِي، قَالَ: ثنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ مُصَدِّقًا، فَقَالَ: «إِيَّاكَ يَا سَعْدُ أَنْ تَجِيءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَعِيرٍ تَحْمِلُهُ لَهُ رُغَاءٌ» قَالَ: لَا آخُذُهُ وَلَا أَجِيءُ بِهِ فَأَعْفَاهُ

حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْحِمْصِيُّ أَبُو حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا الرَّبِيعُ بْنُ رَوْحٍ، قَالَ: ثنا ابْنُ عَيَّاشٍ، قَالَ: ثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ، عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ اسْتَعْمَلَ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِيَّاكَ يَا سَعْدُ أَنْ تَجِيءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْمِلُ عَلَى عُنُقِكَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ» فَقَالَ سَعْدٌ: فَإِنْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ذَلِكَ لَكَائِنٌ؟ قَالَ: «نَعَمْ» ، قَالَ سَعْدٌ: قَدْ عَلِمْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أُسْأَلُ فَأُعْطِي، فَأَعْفِنِي، فَأَعْفَاهُ "

حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا زَيْدُ بْنُ حِبَّانَ، قَالَ: ثنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ، قَالَ: ثني جَدِّي عُبَيْدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، وَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ بِالْمَدِينَةِ، قَالَ: اسْتُعْمِلْتُ عَلَى صَدَقَةِ دَوْسٍ، فَجَاءَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي خَرَجْتُ فِيهِ، فَسَلَّمَ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: كَيْفَ أَنْتَ وَالْبَعِيرُ؟ كَيْفَ أَنْتَ وَالْبَقَرُ؟ كَيْفَ أَنْتَ وَالْغَنَمُ؟ ثُمَّ

قَالَ: سَمِعْتُ حِبِّي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَخَذَ بَعِيرًا بِغَيْرِ حَقَّهِ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ رُغَاءٌ، وَمَنْ أَخَذَ بَقَرَةً بِغَيْرِ حَقِّهَا جَاءَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهَا خُوَارٌ، وَمَنْ أَخَذَ شَاةً بِغَيْرِ حَقِّهَا جَاءَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى عُنُقِهِ لَهَا ثُغَاءٌ فَإِيَّاكَ وَالْبَقَرَ فَإِنَّهَا أَحَدِ قُرُونًا وَأَشَدُّ أَظْلَافًا» حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، قَالَ: ثنا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، قَالَ: ثني مُحَمَّدٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، عَنْ جَدِّهِ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، قَالَ: اسْتُعْمِلْتُ عَلَى صَدَقَةِ دَوْسٍ؛ فَلَمَّا قَضَيْتُ الْعَمَلَ قَدِمْتُ، فَجَاءَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، فَقَالَ: أَخْبِرْنِي كَيْفَ أَنْتَ وَالْإِبِلُ؟ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِ عَنْ زَيْدٍ، إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: «جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى عُنُقِهِ لَهُ رُغَاءٌ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: 161] قَالَ قَتَادَةُ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذَا غَنِمَ مَغْنَمًا، بَعَثَ مُنَادِيًا: «أَلَا لَا يَغُلَّنَّ رَجُلٌ مِخْيَطًا فَمَا دُونَهُ، أَلَا لَا يَغُلَّنَّ رَجُلٌ بَعِيرًا فَيَأْتِي بِهِ عَلَى ظَهْرِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ رُغَاءٌ، أَلَا لَا يَغُلَّنَّ رَجُلٌ فَرَسًا، فَيَأْتِي بِهِ عَلَى ظَهْرِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ حَمْحَمَةٌ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ تَوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ [البقرة: 281] ثُمَّ تُعْطَى كُلُّ نَفْسٍ جَزَاءَ مَا كَسَبَتْ بِكَسْبِهَا وَافِيًا غَيْرَ مَنْقُوصٍ مَا اسْتَحَقَّهُ وَاسْتَوْجَبَهُ مِنْ ذَلِكَ: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281] يَقُولُ: لَا يُفْعَلُ بِهِمْ إِلَّا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُفْعَلَ بِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَدِيَ عَلَيْهِمْ، فَيُنْقَصُوا عَمَّا اسْتَحَقُّوهُ

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281] «ثُمَّ يُجْزَى بِكَسْبِهِ غَيْرَ مَظْلُومٍ وَلَا مُعْتَدًى عَلَيْهِ»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 162] اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى ذَلِكَ: أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ فِي تَرْكِ الْغُلُولِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ بِغُلُولِهِ مَا غَلَّ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ طَرِيفٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 162] قَالَ: «مَنْ لَمْ يَغُلَّ» ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 162] «كَمَنْ غَلَّ»

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ مُطَرِّفٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، قَوْلُهُ: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 162] قَالَ: «مَنْ أَدَّى الْخُمُسَ» ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 162] «فَاسْتَوْجَبَ سَخَطًا مِنَ اللَّهِ»

وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا: حَدَّثَنِي بِهِ ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 162] عَلَى مَا أَحَبَّ النَّاسُ وَسَخِطُوا ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 162] " لِرِضَا النَّاسِ وَسَخَطِهِمْ؟ يَقُولُ: أَفَمَنْ كَانَ عَلَى طَاعَتِي، فَثَوَابُهُ الْجَنَّةُ وَرِضْوَانٌ مِنْ رَبِّهِ، كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ، فَاسْتَوْجَبَ غَضَبَهُ، وَكَانَ مَأْوَاهُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ؟ أَسَوَاءٌ الْمَثَلَانِ؟ أَيْ فَاعْرِفُوا " وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ عِنْدِي قَوْلُ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عُقَيْبَ وَعِيدِ اللَّهِ عَلَى الْغُلُولِ وَنَهْيِهِ عِبَادَهُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْ ذَلِكَ وَوَعِيدِهِ، أَسَوَاءٌ الْمُطِيعُ لِلَّهِ فِيمَا أَمَرَهُ وَنَهَاهُ، وَالْعَاصِي لَهُ فِي ذَلِكَ؟ أَيْ أَنَّهُمَا لَا يَسْتَوِيَانِ وَلَا تَسْتَوِي حَالَتَاهُمَا عِنْدَهُ، لِأَنَّ لِمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَهُ وَنَهَاهُ الْجَنَّةَ، وَلِمَنْ عَصَاهُ فِيمَا أَمَرَهُ وَنَهَاهُ النَّارَ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 162] إِذًا: أَفَمَنْ تَرَكَ الْغُلُولَ وَمَا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ مَعَاصِيهِ وَعَمِلَ بِطَاعَةِ اللَّهِ فِي تَرْكِهِ ذَلِكَ وَفِي غَيْرِهِ مِمَّا أَمَرَهُ بِهِ وَنَهَاهُ مِنْ فَرَائِضِهِ، مُتَّبَعًا فِي كُلِّ ذَلِكَ رِضَا اللَّهِ، وَمُجْتَنِبًا سَخَطَهُ ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 162] يَعْنِي: كَمَنِ انْصَرَفَ مُتَحَمِّلًا سَخَطَ اللَّهِ

وَغَضَبَهُ، فَاسْتَحَقَّ بِذَلِكَ سُكْنَى جَهَنَّمَ، يَقُولُ: لَيْسَا سَوَاءً.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [آل عمران: 162] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَبِئْسَ الْمَصِيرُ الَّذِي يَصِيرُ إِلَيْهِ وَيَئُوبُ إِلَيْهِ مَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ جَهَنَّمُ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: 163] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ أَنَّ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ، وَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ مِخْتَلِفُو الْمَنَازِلِ عِنْدَ اللَّهِ، فَلِمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ الْكَرَامَةُ وَالثَّوَابُ الْجَزِيلُ، وَلِمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ الْمَهَانَةُ وَالْعِقَابُ الْأَلِيمُ

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: 163] «أَيْ لِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَهْلُ طَاعَتِهِ مِنْ أَهْلِ مَعْصِيَتِهِ»

حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ، قَالَ: ثني أَبِي، قَالَ: ثني عَمِّي، قَالَ: ثني أَبِي، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 163] يَقُولُ: «بِأَعْمَالِهِمْ» وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ، يَعْنِي: لِمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ مَنَازِلُ عِنْدَ اللَّهِ كَرِيمَةٌ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، قَالَ: ثنا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عِيسَى، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: ﴿هُمْ دَرَجَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 163] قَالَ: «هِيَ كَقَوْلِهِ لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ»

حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، قَالَ: ثنا أَحْمَدُ، قَالَ: ثنا أَسْبَاطٌ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 163] يَقُولُ: «لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ» وَقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ [آل عمران: 163] كَقَوْلِ الْقَائِلِ: هُمْ طَبَقَاتٌ، كَمَا قَالَ ابْنُ هَرِمَةَ: [البحر الوافر] إِنْ حُمَّ الْمَنُونُ يَكُونُ قَوْمٌ ... لِرَيْبِ الدَّهْرِ أَمْ دَرَجَ السُّيُولِ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 96] فَإِنَّهُ يَعْنِي: وَاللَّهُ ذُو عِلْمٍ بِمَا يَعْمَلُ أَهْلُ طَاعَتِهِ وَمَعْصِيَتِهِ، لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ شَيْءٌ، يُحْصِي عَلَى الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا أَعْمَالَهُمْ، حَتَّى تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مِنْهُمْ جَزَاءَ مَا كَسَبَتْ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ

كَمَا: حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 96] يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَهْلُ طَاعَتِهِ مِنْ أَهْلِ مَعْصِيَتِهِ»

﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: 164]

يَعْنِي بِذَلِكَ: لَقَدْ تَطَوَّلَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا، حِينَ أَرْسَلَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ، نَبِيًّا مِنْ أَهْلِ لِسَانِهِمْ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ لِسَانِهِمْ فَلَا يَفْقَهُوا عَنْهُ مَا يَقُولُ ﴿يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [آل عمران: 164] يَقُولُ: يَقْرَأُ عَلَيْهِمْ آيَ كِتَابِهِ وَتَنْزِيلَهُ ﴿وَيُزَكِّيهِمْ﴾ [البقرة: 129] يَعْنِي: يُطَهِّرُهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ بِاتِّبَاعِهِمْ إِيَّاهُ، وَطَاعَتِهِمْ لَهُ فِيمَا أَمَرَهُمْ وَنَهَاهُمْ ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: 129] يَعْنِي: وَيُعَلِّمُهُمْ كِتَابَ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ تَأْوِيلَهُ وَمَعَانِيَهُ، وَالْحِكْمَةَ وَيَعْنِي بِالْحِكْمَةِ السُّنَّةَ الَّتِي سَنَّهَا اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيَانَهُ لَهُمْ ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: 164] يَعْنِي: إِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يَمُنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِإِرْسَالِهِ رَسُولَهُ الَّذِي هَذِهِ صِفَتُهُ، لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، يَقُولُ: فِي جَهَالَةٍ جَهْلَاءَ، وَفِي حَيْرَةٍ عَنِ الْهُدَى عَمْيَاءَ، لَا يَعْرِفُونَ حَقًّا، وَلَا يُبْطِلُونَ بَاطِلًا.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَصْلَ الضَّلَالَةِ فِيمَا مَضَى، وَأَنَّهُ الْأَخْذُ عَلَى غَيْرِ هُدًى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَالْمُبِينُ: الَّذِي يُبَيِّنُ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ بِعَقْلِهِ وَتَدَبَّرَهُ بِفَهْمِهِ أَنَّهُ عَلَى غَيْرِ اسْتِقَامَةٍ وَلَا هُدًى.
وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: 164] «مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ دَعْوَةٍ وَلَا رَغْبَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ، جَعَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لَهُمْ، لِيُخْرِجَهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَيَهْدِيَهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» قَوْلُهُ: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [آل عمران: 164] " الْحِكْمَةُ: السُّنَّةُ " ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: 164] " لَيْسَ وَاللَّهِ كَمَا تَقُولُ أَهْلُ حَرُورَاءَ: مِحْنَةٌ غَالِبَةٌ مَنْ أَخَطَأَهَا أُهَرِيقَ دَمُهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْمٍ لَا يَعْلَمُونَ فَعَلَّمَهُمْ، وَإِلَى قَوْمٍ لَا أَدَبَ لَهُمْ فَأَدَّبَهُمْ "

حَدَّثَنَا ابْنُ حُمَيْدٍ، قَالَ: ثنا سَلَمَةُ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: ﴿لَقَدْ مَنَّ﴾ [آل عمران: 164] اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: 164] «أَيْ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْإِيمَانِ إِذْ بَعَثَ فِيكُمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ، يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِهِ، وَيُزِكِّيكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ، وَفِيمَا عَلِمْتُمْ، وَيُعَلِّمُكُمُ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ، لِتَعْرِفُوا الْخَيْرَ فَتَعْمَلُوا بِهِ، وَالشَّرَّ فَتَتَّقُوهُ، وَيُخْبِرُكُمْ بِرِضَاهُ عَنْكُمْ إِذْ أَطَعْتُمُوهُ، لِتَسْتَكْثِرُوا مِنْ طَاعَتِهِ، وَتَجْتَنِبُوا مَا سَخَطَ مِنْكُمْ مِنْ مَعْصِيَتِهِ، فَتَتَخَلَّصُوا بِذَلِكَ مِنْ نِقْمَتِهِ، وَتُدْرِكُوا بِذَلِكَ ثَوَابَهُ مِنْ جَنَّتِهِ» ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: 164] «أَيْ فِي عَمْيَاءَ مِنَ الْجَاهِلِيَّةِ لَا تَعْرِفُونَ حَسَنَةً، وَلَا تَسْتَغِيثُونَ مِنْ سَيِّئَةٍ، صُمٌّ عَنِ الْحَقِّ، عَمِّي عَنِ الْهُدَى»

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 165] يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ بِذَلِكَ: أَوَ حِينَ أَصَابَتْكُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مُصِيبَةٌ، وَهِيَ الْقَتْلَى الَّذِينَ قُتِلُوا مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ، وَالْجَرْحَى الَّذِينَ جُرِحُوا مِنْهُمْ بِأُحُدٍ،

وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ قَتَلُوا مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ نَفَرًا ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: 165] يَقُولُ: قَدْ أَصَبْتُمْ أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِثْلَيْ هَذِهِ الْمُصِيبَةِ الَّتِي أَصَابُوا هُمْ مِنْكُمْ، وَهِيَ الْمُصِيبَةُ الَّتِي أَصَابَهَا الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَتَلُوا مِنْهُمْ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ.
﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران: 165] يَعْنِي: قُلْتُمْ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَتُكُمْ بِأُحُدٍ: ﴿أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران: 165] مِنْ أَيِّ وَجْهٍ هَذَا؟ وَمِنْ أَيْنَ أَصَابَنَا هَذَا الَّذِي أَصَابَنَا، وَنَحْنُ مُسْلِمُونَ، وَهُمْ مُشْرِكُونَ، وَفِينَا نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَأْتِيهِ الْوَحْي مِنَ السَّمَاءِ، وَعَدُوُّنَا أَهْلُ كُفْرٍ بِاللَّهِ وَشِرْكٍ؟ قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِكَ مِنْ أَصْحَابِكَ: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165] يَقُولُ: قُلْ لَهُمْ: أَصَابَكُمْ هَذَا الَّذِي أَصَابَكُمْ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، بِخِلَافِكُمْ أَمْرِي، وَتَرْكِكُمْ طَاعَتِي، لَا مِنْ عِنْدِ غَيْرِكُمْ، وَلَا مِنْ قِبَلِ أَحَدٍ سِوَاكُمْ ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 20] يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ عَلَى جَمِيعِ مَا أَرَادَ بِخَلْقِهِ مِنْ عَفْو وَعُقُوبَةٍ وَتَفَضُّلٍ وَانْتِقَامٍ قَدِيرٌ، يَعْنِي: ذُو قُدْرَةٍ.

ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165] بَعْدَ إِجْمَاعِ جَمِيعِهِمْ عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَ سَائِرِ الْآيَةِ عَلَى مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُ ذَلِكَ: قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ، بِخِلَافِكُمْ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِذْ أَشَارَ عَلَيْكُمْ بِتَرْكِ الْخُرُوجِ إِلَى عَدُوِّكُمْ وَالْإِصْحَارِ لَهُمْ، حَتَّى يَدْخُلُوا عَلَيْكُمْ مَدِينَتَكُمْ، وَيَصِيرُوا بَيْنَ آطَامِكُمْ، فَأَبَيْتُمْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَقُلْتُمُ: اخْرُجْ بِنَا إِلَيْهِمْ حَتَّى نُصْحِرَ لَهُمْ فَنُقَاتِلَهُمْ خَارِجَ الْمَدِينَةِ

ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنَا بِشْرٌ، قَالَ: ثنا يَزِيدُ، قَالَ: ثنا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَوْلُهُ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران: 165] أُصِيبُوا يَوْمَ أُحُدٍ، قُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ يَوْمَئِذٍ، وَأَصَابُوا مِثْلَيْهَا يَوْمَ بَدْرٍ، قَتَلُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ.
﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165] ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ قَدِمَ أَبُو سُفْيَانَ وَالْمُشْرِكُونَ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: «إِنَّا فِي جُنَّةٍ حَصِينَةٍ» يَعْنِي بِذَلِكَ: الْمَدِينَةَ «فَدَعُوا الْقَوْمَ أَنْ يَدْخُلُوا عَلَيْنَا نُقَاتِلُهُمْ» فَقَالَ نَاسٌ لَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ: إِنَّا نَكْرَهُ أَنْ نَقْتُلَ فِي طُرُقِ الْمَدِينَةِ، وَقَدْ كُنَّا نَمْتَنِعُ فِي الْغَزْوِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَبِالْإِسْلَامِ أَحَقُّ أَنْ نَمْتَنِعَ فِيهِ، فَابْرُزْ بِنَا إِلَى الْقَوْمِ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ، فَتَلَاوَمَ الْقَوْمُ، فَقَالُوا

عَرَّضَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرٍ، وَعَرَّضْتُمْ بِغَيْرِهِ، اذْهَبْ يَا حَمْزَةُ فَقُلْ لِنَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمْرُنَا لِأَمْرِكَ تَبَعٌ، فَأَتَى حَمْزَةُ فَقَالَ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ الْقَوْمَ قَدْ تَلَاوَمُوا، وَقَالُوا: أَمْرُنَا لِأَمْرِكَ تَبَعٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يُنَاجِزَ، وَإِنَّهُ سَتَكُونُ فِيكُمْ مُصِيبَةٌ» قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ خَاصَّةً أَوْ عَامَّةً؟ قَالَ: «سَتَرَوْنَهَا» ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ بَقَرًا تُنْحَرُ، فَتَأَوَّلَهَا قَتْلًا فِي أَصْحَابِهِ، وَرَأَى أَنَّ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ انْقَصَمَ، فَكَانَ قَتْلُ عَمِّهِ حَمْزَةَ، قُتِلَ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: أَسَدُ اللَّهِ، وَرَأَى أَنَّ كَبْشًا عُتِرَ، فَتَأَوَّلَهُ كَبْشَ الْكَتِيبَةِ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي طَلْحَةَ أُصِيبَ يَوْمَئِذٍ، وَكَانَ مَعَهُ لِوَاءُ الْمُشْرِكِينَ.
حُدِّثْتُ عَنْ عَمَّارٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الرَّبِيعِ، بِنَحْوِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: 165] يَقُولُ: «مِثْلَيْ مَا أُصِيبَ مِنْكُمْ» ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165] يَقُولُ: «بِمَا عَصَيْتُمْ»

حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «أُصِيبَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ أُحُدٍ مُصِيبَةً، وَكَانُوا قَدْ أَصَابُوا مِثْلَيْهَا يَوْمَ بَدْرٍ مِمَّنْ قَتَلُوا وَأَسَرُوا» فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ [آل عمران: 165]

حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ، قَالَ: ثنا الْحُسَيْنُ، قَالَ: ثني حَجَّاجٌ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عُمَرَ

بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: «قَتَلَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ؛ وَقَتْلَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبْعِينَ» فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾ [آل عمران: 165] «إِذْ نَحْنُ مُسْلِمُونَ نُقَاتِلُ غَضَبًا لِلَّهِ، وَهَؤُلَاءِ مُشْرِكُونَ» ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165] «عُقُوبَةً لَكُمْ بِمَعْصِيَتِكُمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ مَا قَالَ»

جارٍ التحميل